مسألة:
قال: «ولما قال رسول الله - ﷺ -: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا» وكانت هي المطلقة التي لا يملك زوجها رجعتها معا في عدة وكانتا غير ذواتي زوجين أشبه أن يكون على
[ ١١ / ٣٣٥ ]
المطلقة إحداد كهو على المتوفى عنها والله أعلم فأحب ذلك لها ولا يتبين أن أوجبه لأنهما قد يختلفان في حال وإنما اجتمعا في غيره».
الإحداد: زيادة صفةً في الاعتداد وهو أن تجتنب في عدتها عما يدعو إلى الجماع عن المزينةً والثياب المزينةً والطيب، وقال في «الأم»: هو أن تجتنب في عدتها عما يدعو إلي شهرتها مما ذكرنا - يقال: أحدت تحد حدادًا وسمي به لما فيه من الامتناع، وسمي الحديد حديدًا لأنه يمنع به، وجملته أن المعتدات على ثلاثةً أضرب: معتدةً من وفاة، ومعتدةً رجعيةً، ومعتدةً بائن.
فأما المعتدةً عن الوفاة يلزمها الإحداد، وبه قال كافةُ العلماء، وروي عن الحسن والشعبي أنهما قالا: لا إحداد عليها واجبًا، وروي عنهما أنهما قالا: لا يلزمها الإحداد في طول عدتها وإنما يلزمها في بعضها، واحتجوا بما روي أن النبي - ﷺ - قال لأسماء بنت عميس لما أتاها نعي زوجها جعفر بن أبي طالب ﵁ «وتسلبي ثلاثًا» وهذا غلط (ق ١٠٤ ب) لما رواء الشافعي وظاهره أن الإحداد جائز لا واجب؛ لأنه قال: «لا تحد إلا على زوجها» ولكن أجمعوا أن المراد به الوجوب وأنه استثناء الواجب من الحرام ولم يعتبر الأكثر.
وروى أبو داود بإسناد عن أم عطية أن النبي - ﷺ - قال: «لا تحد المرأة فوق ثلاث إلا على زوج فإنها تحد أربعةً أشهر وعشرًا، ولا تلبى ثوبا مصبوغًا إلا ثوب عصب. وروي: «إلا مغسولًا ولا تكتحل ولا تمس طيبًا إلا أدنى طهرتها إذا طهرت من حيضها بنبذة من قط أو أظفار)، وروي: «ولا ثوب عصب» وهو وهم لا يصح.
وروت أم سلمه أن النبي - ﷺ - قال: «للمتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقةً ولا الحلي ولا تختضب ولا تكتحل» والعصب من الثياب ما عصب غزله فصبغ قبل أن ينسج وذلك كالبرد والحبر ونحوهما. والممشق ما صبغ بالمشق وهو شبه المغرة، وقوله: ينبذه من قسط يريد بها اليسر والنبذ: القليل من الشيء، والنبذةً تصغيره وطهرت الهاء فيه لأنه نوى به القطعة منه.
وروت بنت حكيم بن أسد عن أمها أن زوجها توفي وكانت تشتكي عينها فتكتحل بكحل الجلا فأرسلت مولى لها إلى أم سلمه ﵂، فسألها عن كحل الجلا فقالت: لا تكتحل به إلا من أمر لا بد منه تشتد عليك فتكتحلين بالليل وتمسحينه بالنهار،
[ ١١ / ٣٣٦ ]
ثم قالت عند ذلك أم سلمه دخلت على رسول الله - ﷺ - حين توفي أبو سلمه وقد جعلت علتي صبرًا فقال: «ما هذا يا أم سلمه»؟ فقلت: إنما هو صبر يا رسول الله ليس فيه طيب، قال: «إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار، (ق ١١٠ أ) ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب» قلت: بأي شيء أمتشط يا رسول الله؟ قال: «بالسدر تغلفين به رأسك» وكحل الجلا هو الإثمد، وسمي جلاء لأنه يجلو البصر.
وقوله: يشب الوجه أي يوقد اللون، وأصله عن فعلك شببت النار إذا أوقدتها.
وروي عن زينب بنت أبي سلمه أنها قالت: دخلت على أم حبيبة حين توفي أبوها أبو سفيان، فدعت بطيب فيه صفرةً خلوقٍ أو غيره ومست بعارضيها، ثم قالت; والله مالي إلى الطيب من حاجةً غير أنى سمعت رسول الله - ﷺيقول: «لا تحل لامرأةً تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعةً أشهر وعشرًا، قالت زينب: ودخلت على زينب بنت جحش حين توفى أخوها فدعت بطيب فمست منه، ثم قالت؛ والله مالي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول وهو على المنبر: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر» الخبر.
وأما قوله: «تسلبي ثلاثًا» قيل: أراد به لبس الود وهي تسمى السلاب ومنه قول الشاعر:
يخمشن حر أوجه صحاح في السلب السود وفي الأمساح
والأمساح: جمع مسح. وأما المعتدةً المطلقةً عن طلاق رجعى فلا يلزمها الإحداد قولًا واحدًا، وروى أبو ثور عن الشافعي أنه قال: «أستحب لها الإحداد وهذا النظير أسفها عليه فيرغب في مراجعتها. وقيل: فيه وجهان:
أحدهما: هذا.
والثاني: لا يستحب ذلك بل يندب إلى التصنع له بالزينةً ليميل إليها فيرغب في مراجعتها.
وأما المطلقة البائن هل يلزمها الإحداد؟ فيه قولان:
أحدهما: قاله في القديم يلزمها، وبه قال أبو حنيفةً، وأحمد (ق ١٠٥ ب) في روايةً
[ ١١ / ٣٣٧ ]
وروي ذلك عن سعيد بن المسيب؛ لأن هذه بائن معتدةً عن نكاح فيلزمها الإحداد كالمتوفى عنها.
والثاني: قاله في الجديد: لا يلزمها الإحداد، وبه قال ربيعةً، ومالك، وعطاء.
وهو الرواية الثانيةً عن أحمد ويستحب لها؛ لأن الشافعي قال: "أسحب لها ذلك ولا يتبين أن أوجبه عليها ٠ وهذا لأنها معتدةً عن طلاق فأشبهت الرجعيةً، وتفارق المتوفى عنها؛ لأن عدتها. عدة الحرمة والتفجيع، وعدةً الطلاق عدةً الغبط وقلما تكون إلا ذات حقد عليه فافترقا.
ثم إن المزني اختار إلحاق البائنةً بالمتوفى عنها، واعترض على كلام الشافعي لأنهما قد يختلفان في حال، وإن اجتمعا في حال ووجه اختلافهما ما ذكرنا فقال: كل بائن على أصل فهو يشبه له من وجه وإن خالف غيره، ولو لم يلزم القياس إلا باجتماع الوجوه بطل القياس.
والجواب أن الفرع والأصل كما قلت يجتمعان من وجه ويفترقان من وجه، ولكن إذا كان افتراقهما راجعًا إلى معنى مختص وجب الفرق بينهما في الحكم والمعنى المختص في إحداد عدةً الوفاةً ما ذكرنا من إظهار المفجع على الزوج الميت، وهذا المعنى مفقود في عدة الطلاق، أو يقول: هذا الذي ذكره ينقلب عليه وذلك أنه لو كان يكفي في القياس شبه ما بطل القياس قط. آو نقول: هذا قياس شبه وليس بقياس عليه، وقياس الشبه إذا كان مترددًا بين أصلين يشبه كل واحد منهما لم يقس على أحدهما إلا أن يغلب شبهة به، وهذه المطلقةً بالرجعيةً أشبه.
مسألة:
قال: "ولا تجتنب المعتدةً في النكاح الفاسد [وأم الولد] ما تجتنب المعتدةً ويسكن حيث شئن"
لا يجب الإحداد على المحتدةً من نكاح فاسد؛ لأن الإحداد إظهار الحزن على الزوج وعلى ما فاتها من عصمة (ق ١٠٦ أ) النكاح، وهذه يس لها زوج ولا عصمة نكاح، فكذلك لا يلزم أم الولد؛ لأنه لا يجب عليها عدةً الوفاةً، وإنما يجب عليها الاستبراء والإحداد من حقوق النكاح فلا يجب في الاستبراء.
وأما مفسوخةً النكاح لا إحداد عليها؛ لأن فسخ النكاح رفع العقد من أصله، ألا ترى أن الزوج لو كان وطئها قبل الفسخ لزمه مهر مثلها، ولأنها لو فسخت بمعنى فيه فهي المختارة للفسخ، فلم يشبه الإحداد حالها، وإن كان هو المختار بسبب بها فإن الفسخ مضاف إليها حتى كأنها هي المختارةً للفسخ، وكذلك الموطوءة بالشبهةً لا إحداد عليها
[ ١١ / ٣٣٨ ]
في عدتها [كما] ذكرنا.
وأما قول الشافعي: " ويكن حيث شئن"، أراد به أن المعتدةً من نكاح فاسد لا سكنى لها، لأنه لا سكنى في حال العقد قبل أن يفرق بينهما، فلان لا سكنى لها في حال العدة أولى فتسكن حيث شاءت.
قال أصحابنا: وإن تبرع الواطئ وأمكنها موضعًا لزمها أن تسكنه، وكذلك ورثه اليد إذا أسكنوا أم الولد لزمها ذلك كما قال الشافعي في ورثة المتوفى عنها.
مسألة:
قال: «وإنما الإحداد في البدن وتترك زينة البدن».
قصد بهذا الكلام أنها لا تؤمر بالإحداد في بيتها بأن لا تسكنه، ولا في أمر فرشها بأن لا تفرش ثيابًا حسنه، كما كان أهل الجاهليةً يفعلون، تقعد إحداهن في شر أحلامها في شر بيتها، وإنما ذلك في البدن والثوب، وهو أن لا تدخل زينة ولا طيبًا من ألوان الصبغ المزينةً ولا تلبى ثياب الحرير وكل ما تشتهيه الأنفس من هذا الجنس، وقد ذكر الشافعي تفصيله. فقال: «ولا تدهن رأسها بدهن طيب (ق ١٠٦ ب) ولا غير طيب.
قال في «الأم»: بزيت ولا شيرق ولا غيرهما؛ لأن الأدهان كلها تقوم مقام واحد في ترجيل الشعر وإذهاب الشعر وذلك هو الزينة إلا أن يكون صلعًا فيكون لها أن تدس رأسها بدهن غير مطيب. وهكذا المحرم يفتدي بأن يدهن رأسه ولحيته بزيت لما وصفت.
وأما بدنها فلا بأس بدهنها إلا الطيب كما لا بأس به للمحرم، وقال أبو حنيفة: لا تدهن بدنها كما لا تدهن رأسها وهذا غلط لما ذكرنا.
وأما قول الشافعي: «فإن خالفت المحرم من بعض أمرها ٠ أراد به أن المحرم ممنوع عن لبس الثياب المخيطةً وهذه غير ممنوعةً، والمحرم غير ممنوع من لبس الثوب المعصفر وهذه ممنوعةً.
قال أصحابنا: وجملته أن المحرمة والمعتدةً يشتركان في بعض المحرمات ويختلفان في البعض، فيحرم على المعتدةً ويحل للمحرمةً ويحرم على المحرمة ليحل للمعتدةً.
فأما ما يشتركان في تحريمه عليهما فهو الوطء، والاستمتاع، وعقد النكاح، واستعمال الطيب والدهن في موضع الترجيل، وأما ما يحرم على المحرمة ويحل للمعتدةً، فما ذكرنا وتقليم الأظفار، وحلق الشعر، وقتل الصيد وأكله.
وأما ما يحرم على المعتدةً ويحل للمحرمة فما ذكرنا والخضاب، ولبس الحلي، والكحل الأسود.
[ ١١ / ٣٣٩ ]
فرع:
قال أصحابنا: لو كان للمرأةً لحيةً لا يجوز لها أن تدهنها لأنه ترجلها فتكون زينةً، واللحيةً، وإن كانت قبيحةً للنساء فهي مع ترك الدهن أقبح.
مسألة:
قال: «وكل كحل كان زينة فلا خير فيه».
الفصل:
أراد به الكحل الأسود الذي يقال له الأسود وهو الأصفهاني، لا يحل لها ذلك لأنه يسود الحدقة والأجفان ولا فرق بين آن تكون المرأةً بيضاء أو سوداء؛ لأنه زينةً وملاحةً لهما فإنه يسود حدقةً السوداء ويفتحها، والدليل عليه خبر أم سلمه الذي ذكرنا (ق ١٠٧ أ).
وحكي الماسرجسي عن بعض أصحابنا أنه قال: إن كانت سوداء جاز لها الاكتحال به، وهذا غير صحيح لما ذكرنا. قال: فأما الفارسي وما أشبهه إذا احتاجت إليه فلا بأس به؛ لأنه ليس بزينةً بل يزيد العين مرهًا وقبحًا، وأراد بالفارس التوتيا والبرود الأبيض، فإن ذلك ليس بزينةً بل يزيد العين قبحًا والمرء أن لا تقبل العين الكحل فينتشر حواليها تقبح العين. وقيل: معناه تسترخي العين إذا اكتحلت به.
قال أصحابنا: ويجوز ذلك أيضًا من غير ضرورة حاجته ليلًا ونهارًا، وقال بعض أصحابنا، هو زينة لبعض النساء كنساء مكةً فيمنع منه البيض والسود، وهذا لأن الاعتبار بلونه لا يكون مستعمله.
وقال القفال: الإثمد: زينة لنساء العجم دون العرب؛ لأن أعينهن سود والإثمد: سود، والكحل الأبيض والأصفر زينةً لنساء العرب دون العجم فيفرق بينهن في ذلك. وهذا غير صحيح أيضًا لما ذكرنا، ولو استعملت كحل الزينةً في غير عينها جاز لأنها يزيد تشويها إلا الأصفر منه الذي له لون إذا طلي به الجسد كالصبر فتمنع منه فيما ظهر من الجسد، كالوجه ولا تمنع فيما بطن ذكره في الحاوي.
ثم قال الشافعي: «وما اضطرت إليه مما فيه زينةً من الكحل اكتحلت به ليلًا وتمسحه نهارًا» قال: وكذلك الإمام يعني الصبر، قال الأزهري: يقال المرأةً إذا طلي حول عينيها بصبر أو زعفران قد دمت عينها، وكذلك إذا طلت غير موضح العين، وقيل: كل طلي تحسن به الوجه من اسفيذاج العرائس والكلكون ونحوه فهو الدمام، وقيل: هو ما تحمر به المرأةً وجهها. وقيل: هو ما يلطخ به حول العين مثل الحضض (ق ١٠٧ ب) وغيره مما يبرد ويزيل حكةً العين وحرقتها ونحو ذلك، فكل هذا نيةً تمنع منه.
[ ١١ / ٣٤٠ ]
قال الشافعي: "وَالصَّبْر زِنَيةً يَصْفَرَّ وَلَيْسَ بِطِيبٍ فَأَذِنَ لَهاَ باللَّيْل حَيْثُ لاَ تَرَي وَتمَسحُهُ بالنَّهَار حَيْثُ يُري وكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُ". وقال في "الأم": "وكذلك ما أرادت به الدواء. يريد به أنه إذا كان علي وجهها شيء يحتاج أن يدع عليه الصبر لتداوي به وضعته عليه بالليل وتمسحه بالنهار، وإذا كانت تحت ثيابها قال في "الأم": وضعته عليه بالليل والنهار والأصل فيه خبر أم سلمه في الصبر علي ما ذكرنا.
وأما الطيب فإنه يحرم عليها لأنه يدعو إلي الجماع، وقد ذكرنا فيه الخير.
وقال بعض أصحابنا: إذا قلنا: لا يجب الإحداد علي المبتوت هل يحرم عليها الطيب وجهان:
أحدهما: لا يحرم.
والثاني: يحرم لاختصاصه من بين محظورات الإحداد بتحريك شهوة الرجال وشهوة الرجال لها. وأما الغالية التي لا ريح لها لا يجوز لها استعمالها في وجهها لأنه زينة، ويجوز لها استعمالها تحت ثيابها لأنه ليس بطيب.
وأما الخضاب تمنع منه المعتد للخبر، وقال أصحابنا: وتمنع منه وإن غر السواد لأنهكا معًا زينة وتحسين. قالوا: وإنما يمنع من ذلك فيما يظهر من اليدين والرجلين والوجه، فإن استعملت ذلك في غوامض بدنها حيث لا تري فلا بأس به.
قال أصحابنا: ولا تحت جبينها لأن زينة لوجهها، وأما الاغتسال والتنظيف فلا شك في إباحته.
مسألة:
قال: "وَفي الثَّياب زِينَتَان إحْدَاهُمَا جمَالُ الثَّيابِ عَلَي اللاَّبِسِينَ وتَسُتُر العوْرَةَ".
الفصل:
أرد به أن الثوب زينتان:
أحدهما: (ق ١٠٨ أ) تحصل بنفس الثوب وهي ستر العورة والبدن ويوجد ذلك في كل ثوب، قال تعالي: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١] وأراد به ستر العورة.
والثاني: يحصل بإدخال صبغ عليه وإطلاق الزينة ينصرف إلي هذه الزينة دون غيره، قال الشافعي: ونهي الحاد عن الزينة التي تدخل على الثياب دون الزينة التي تحصل تحت الثياب، فلا بأس أن تلبس الحاد كل ثوب من البياض لأن البياض ليس بمزين وكذلك الصوف والوبر.
[ ١١ / ٣٤١ ]
قال [في] "الأم": والشعر وكل ما نسج علي وجهه لم يدخل عليه صبغ من خز أو غيره، وإنما كام كذلك لأن البياض زينة للأصل في الخلقة، وذلك لا يحرم علي الحاد قياسًا علي زينة خلقها وجمالها، فإنه لا يلزمها تغييرها بما يشوهها ويقبح وجهها وعلي هذا يجوز لها لبسه، وإن كان فاخر كالمروري المرتفع والمروري والنيسابوري والد يبقي والعصب.
وأما الإبر يسم لا نص فيه قال أصحابنا: هو كغيره، إذا نسج علي جهتهِ من غير صنع، وإن كان أعلي ما في الباب من جنسه هكذا ذكره أهل العراق.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لما قال الشافعي "لاَ بَاسَ أَنْ تَلْبَسَ الحَادُّ كُلَّ ثَوبٍ من البَيَاضِ [لأَنَّ البَيَاضَ] لَيْسَ بمُزيَّنٍ".
يدل علي أنها يجوز لها لبس ثوب الإبر يسم إذا كان أبيض اللون.
وقال القفال: لا يجوز لها لبس الإبرسيم بحالٍ. وهذا غلط، لأن جنسه من أصل الخلقة لا زينة أدخلت عليه فلا تمنع منه.
وأما الخز فلها لبسه؛ لأن الصوف فيه يسير الإبريسم وللرجل لبس الخز، وما راد الشافعي بالخز ههنا خز لم يصنع بل تدل علي لونه. وقال القفال: وأما ألعتابي فإنها لا تلبسه لأن الإبر يسم فيه ظاهر (ق ١٠٨ ب) فإن لحمته إبري سم ويغلب ذلك علي سداه والاعتبار بما يظهر.
وقال سائر أصحابنا: هذا إذا دخل فيه الصبغ، فإن لم يصبغ فعلي ما ذكرنا لا يحرم، ثم قال الشافعي: " وَكَذَلكَ كُلُّ صَبْغٍ لمْ تُرَدْ بِهِ تَزيْين الثَّوبِ مثل السَّوَادِ وَمَا صُبغَ ليُقبَّحَ لحُزْنٍ أَوْ لِنَفْي الوَسَخِ".
وهذا الكلام غيره المزني للاختصار فأفسدنه، لأنه يقتضي أن يكون ما صبغ للحزن غير السواد، والصواب ما قال في "الأم" وكذلك كل ما صبغ لم يرد به تزييني الثوب مثل السواد وما أشبه، فإن من صبغة بالسواد إنما صبغة لتقبيحه للحزن أو لنفي الوسخ عنه، وجمله الثوب الذي أدخل عليه الصبغ علي ثلاثة أضرب:
أحدهما: ما قصد به دفع الوسخ أو إظهار الحزن كالكحل يتعاطاه من كثرة وسخة طباعة الإدامة ونحوهم، والسواد كله أعلاه وأدناه من خز أو عيره يلبس في العادة عند الغم والمصائب فلأتمنع منه الحاد.
قال في الحاوي: وهل يجب لبس السواد في الإحداد؟ وجهان:
أحدهما: يجب لاختصاصه بشعار الحزن في المصائب.
[ ١١ / ٣٤٢ ]
والثاني: يستحب ولا يحب لاختصاص الوجوب بما يجتنبه دون ما يستعمله، وهذان الوجهان من اختلاف التأويلين في قوله ﷺ لأسماء بنت عميس: "تصلبي" فأحد التأويلين أنه [أراد به] لبس السواد فيكون واجبًا لأمره وعلي التأويل الآخر لا يجب.
والثاني: ما يقصد به الزينة وهو الأحمر والأصفر والخلوتي وأوردي ونحو ذلك فيمنع منه الحاد. وقال في "الأم": "لو كان في الثوب وشئ وتلميع مثل العصب ولحبره فلا تلبسه الحاد غليظًا كان أو رقيقًا، والمذهب أنه لا فصل بين ما صبغ من هذا بعد نسجه وبين ما صبغ غزله ثم نسج، وقال أبو إسحاق: إن كان صبغ بعد نسجه منعت منه (ق ١٠٩ أ) وإن كان صبغ ثم نسج لم تمنع منه؛ لأنه إذا كان غزله مصبوغًا كان بمنزلة الثياب التي ذاتها زينة ونسجت علي وجهها من غير صبغ.
وروي هذا عن عمرو ﵁، وقد روي في خبر أم عطية: " إلا ثوب عصب" وفسرتاه بهذا، قال أبو سليمان الخطابي: وهذا خلاف نص الشافعي ههنا، وفي الأم لأنه قال ههنا، وصباغ الغزل بالخضرة الصافية محرمة والعصب والخبرة يصبغ غزله قبل النسج ونص عليه فيا الأم.
وقد روي في خبر أم سلمه:" لا تلبس المعصفر ولا الممشوق" ولم يفصل بين ما نسج بعد صبغ الغزل وبين ما نسج، ثم صبغ ولأن ما صبغ غزله، ثم نسج يكون أرفع وأحسن مما صبغ الغزل وبين ما نسج، ثم صبغ ولأن ما صبغ غزله، ثم نسج يكون أرفع وأحسن مما صبغ بعد النسج، ويحتمل أن يكون المراد بما قال في خبر أم عطية ما لا زينة فيه كالأسود والكحل.
وقد قال مالك: لا تلبس ثوبًا مصبوغًا بشيء من الصبغ إلا بالسواد، وقال سفيان الثوري: تنفي الزينة والثوب المصبوغ.
والثالث: ما يختلف حكمه باختلاف صبغة بالأخضر والأزرق ينظر فيه، فإن كان مشبع الخضرة كان إلي السواد أقرب، وإن كان صافي الخضرة كان إلي الأحمر أقرب فما كان منه مشبعًا لم تمنع منه كالكحل، وما كان منه صافي اللون منعت لأنه زينة.
قال الشافعي: "وَصِباغُ الغَزلُ بالخُضْرةِ يُقَاربُ السَّوادَ لاَ الخُضْرةَ الصَّافيةَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ".
قال أصحابنا: يريد به أن الأزرق إذا كان مشبعًا فهو بمنزلة السواد، وإن كان صافيًا نقيًا فهو زينة وهو أحسن الألوان فيحرم عليها، وهذا قريب مما تقدم وجمله هذا الفصل أنها مأمورة بهيئة لا تبتدرها الأبصار ولا يستحنها الناظر إظهارا لتفجع (على) فراقه (ق ١٠٩ ب).
[ ١١ / ٣٤٣ ]
فرع:
يمنع من لبس الحلي سواء كان من الذهب أو الفضة، وقال في "البويطي": ولا تلبس شيئًا من الحلي خاتمًا ولا غيره؛ لأن في ذلك زينة، وحكي ابن المنذر، عن عطاء أنه قال: يحرم عليها حلي الذهب دون الفضة، وهذا غلط لخبر أم سلمه" ولا الحلي" ولم يفصل ولأنه يزيد في حسنها، ولهذا الشاعر:
وَمَا الحُليَّ إِلا زِينةٌ لِنَقيصةٌ يُتمْ منْ حُسْن إذَا الحُسْنُ قَصَّرَا
فَأَمَّا إِذَا كاَنَ الجَمَالُ مُوَفَّرًا كَحُسْنِك لَمْ يَحتْجْ إلَي أَنْ يُزوّرَا
فرع آخر:
لو تحلت بالصفر والنحاس والرصاص، فإن كان مموهًا بالذهب أو الفضة أو كان مشابهًا لهما يخفي علي الناظر إلا بعد شدة التأمل تمنع، ونلم يشبه يهما روعي فيه حال المعتد، فإن كانت من قوم جرت عادتهم بالتحلي بها منعت لأنه زينة لهم، وإن كانت من قوم لا يتحلون به وإنما يستعملونه لما يتصورن فيه من الحرز والنفع جاز لها لبسه لأنه ليس بزينة.
فرع آخر:
قال بعض أصحابنا: لو أرادت تلبس حليًا ليلا وتنزعه نهارًا جاز، لكن إن فعلت ذلك لإحرازه لم يكره، وإن فعلت لغير حاجة كره ولم يحرم.
فرع آخر:
لا يحرم عليها أن تنام علي فراش أو تضع رأسها علي وسادة وإن كانت مستحسنة، ولا تمنع من أكل الحلو أو اللحم. فأما أكل ما فيه طيب من الحلو أو الطبخ يحرم لأنه يحرك شهوتها للرجال، وإن لم تتحرك لها شهوة الرجال. ذكره في الحاوي (١١/ ٢٨٣) وتمنع من لبس الوقايات.
فرع آخر:
لو كان علي بياض الثياب طرز فإن كانت إعلامًا كبارًا لم يجز لأنها زينة ظاهرة علي الثوب، وإن كانت صغارًا خفية فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه زينة كالخاتم (ق ١١٠ أ) فتمنع.
والثاني: أنه عفو لا يمنع كخضابها.
والثالث: إن ركبت بعد النسج كان زينة محضة، وإن نسيجه معها لم يمنع لأنها غير مزيد في الثوب، وتمنع من لبس القرمزي والمقانع بطراز الذهب.
فرع آخر:
قال في "الأم": لو تركت الإحداد في عدتها حتى انقضت وفي بعضها كانت
[ ١١ / ٣٤٤ ]
مسيئة ولم يكن عليها أن تستأنف العدة.
فرع آخر:
قال أيضًا: إن بلغها يقين وفاته أو طلاقه ولم تعرف اليوم الذي طلقها أو مات فيه أعتدت من يوم استيقنت بطلاقه ووفاته حتي تكمل عدتها كأنه شهد عندها قوم أنه مات في رجب وقالوا: لا ندري في أي رجب مات فتعتد من آخر ساعات النهار من رجب واستقبلت بالعدة شعبان.
مسألة:
قال: "وَكَذَلكَ كُل ُّحرة وَأَمَةٍ كَبيرةٍ أِوْ صَغيرةٍ، مُسْلمَةٍ أَوْ ذِمَّيةٍ".
أراد أن الإحداد واجب علي هؤلاء في عدة الوفاة؛ لأن كل من وجبت عليها عدة الوفاة وجب عليها الإحداد. فأما الصغيرة فإن وليها يجنبها جميع ما يجب علي الحاد أن يتجنبه، وهو قول الزهري علي ما حكاه محمد بن إسماعيل البخاري عنه. وأ/االذمية فلا فرق بين أن يكون زوجها مسلمًا أو ذميًا؛ لأن عدة الوفاة واجبة لها فكذلك الإحداد.
وقال أبو حنيفة: لا إحداد علي الصغيرة لأنها غير مكلفة بالعبادات، وهذا غلط لأنَّا ألحقناها في أصل العدة بالمكلفة فكذلك في أصل العدةز
وقال أبو حنيفة أيضًا: لا يلزم الإحداد علي الذمية في عدة المسلم، وإن لزمت العدة. ولا تلزم العدة ولا الإحداد علي الزوج الكافر، واحتج بقوله ﷺ: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد علي ميت" الخبر فقيد بالمؤمنة، وهذا غلط لأنها معتدة فيلزمها الإحداد كالمسلمة.
وأما الخبر (ق ١١٠ ب) فهو احتجاج بدليل الخطاب وهم لا يقولون به، وقد بينَّا أنه يتعلق به حق الزوج الكل سواء.
مسألة:
قال: "وَلَوْ تَزَوَّجَتْ نَصْرانَّيةٌ نَصْرانيَّا فَأَصَابَهَا أَحَلَّها لِزَوْجِهَا المُسْلمِ ويحُصَّنُهَا".
الفصل:
قد ذكرنا هذه المسألة في كتاب النكاح، وقصد بقوله: "يحصنها" الرد علي أبي حنبفة حيث قال: لا رجم علي المشرك أصلًا ولا رجم علي المسلم إذا أصاب النصرانية بالنكاح ثم (زنى).
[ ١١ / ٣٤٥ ]