مسألة:
قال الشافعي ﵀: " ويجزئ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ مُدٌّ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حِنْطَةٍ وَإِنْ كَانَ أَهْلُ بَلَدٍ يَقْتَاتُونَ الذُّرَةَ أَوِ الْأُرْزَ أَوِ التَّمْرَ أَوِ الزَّبِيبَ أَجْزَأَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ذَا مُدٌّ، وَإِنَّمَا قُلْنَا يَجْزِي لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى بِعِرْقِ تَمْرٍ فَدَفَعَهُ آلي رَجُلٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يُطْعِمَهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَالْعرقُ فِيمَا يُقَدَّرُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا وَذَلِكَ سِتُّونَ مُدَّا لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ في كل بلادٍ سواءٌ"
قال في الحاوي: اعلم آن الكفارةَ تنقسم ثلاثةَ أقسام:
قسم وجب على الترتيب في جميعه.
وقسم وجب على التخيير في بعضه والترتيب في بعضه، فأما ما كان بوجوبه على الترتيب في جميعه فكفارة الظهار والقتل والوطء في شهر رمضان، يبدأ بالعتق فإن لم يجده فالصيام، فإن عجز عنه فالإطعام، وأما ما كان وجوبه على التخير فكفارةُ الأذى، وهو مخير بين دم شاةً أو إطعام ستةَ مساكين أو صيام ثلاثةُ أيام، وجزاء الصيد هو مخير بين مثله من النعم أو قيمةَ المثل طعامًا أو عدل ذلك صيامًا، وأما ما كان وجوبه على
[ ١٠ / ٤٠٠ ]
التخيير في بعضه، والترتيب في بعضه فكفارةُ اليمين، قال الله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: (٨٩)] الآية، فجعله مخيرًا بين هذه الثلاثة، ثم قال: فمن لم يجد فصيام ثلاثةَ أيام، فجعل الصيام مرتبًا على العجز بعد المال، فبدأ الشافعي بالإطعام، لأن الله تعالى بدأ به لقوله: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: (٨٩)] فنص على عدد المساكين أنهم عشرةً فلا يجوز الاقتصار على أقل منهم لمخالفةَ النص وقال في طعام كل مسكين احتمالًا يقدره بحد فقال: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: (٨٩)] فاختلف العلماء في قدر ما يطعم كل مسكين منهم على مذاهب شتى:
أحدها: ما حكاه الحارث عن علي بن أبي طالب وقاله محمد بن كعب القرظي، والحسن البصري: إنه غداء وعشاء لكل مسكين.
والثاني: ما قاله ابن عباس وسعيد بن جبير أن يعتبر المكفر في عياله فإن كان يشبعهم أشبع المساكين، وإن كان لا يشبعهم فيقدر ذلك في طعام المساكين.
والثالث: ما قاله بعض فقهاء البصرةَ أنه أحد الأمرين من غداء وعشاء.
والرابع: ما قاله أبو حنيفةَ: أنه إن كفر بالحنطةً أعطى كل مسكين نصف صاع، وإن كفر بالتمر أو الشعير أعطى كل مسكين صاعًا، وعنه في الزبيب روايتان:
أحداهما: صاع كالتمر.
والثانيةُ: نصف صاع كالبر.
والخامس: ما قاله الشافعي أنه يعطي كل مسلم مدًا واحدًا من أي صنف أخرج من الحبوب وبه قال من الصحابة عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وأبو هريرةً ﵃ ومن التابعين عطاء وقتادةَ، وهكذا كل كفارةً أمسك عن تقدير الإطعام فيها مثل كفارةَ الظهار والقتل إذا قيل: إن في كفارة القتل إطعامًا على أحد القولين يقدر إطعام كل مسكين بمد واحد في أي يد كفر، ومن أي جنس أخرج، وقد تقدم الكلام فيه مع أبي حنيفةً في كتاب الطهارةَ، ومن الدليل عليه الكتاب والسنةَ والدليل.
فأما الكتاب، فقوله تعالى: "مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ " [المائدة: (٨٩)] فكان الأوسط محمولًا على الجنس والقدر، فأوسط القدر فيما يأكله كل إنسان رطلان من خبز، والمد رطل وثلث من حب إذا أخبز كان رطلين من خبز هو أوسط الكفارةً.
وأما السنة فما أمر به النبي - ﷺ - للأعرابي الواطئ في شهر رمضان أن يطعم ستين مسكينًا فقال: لا أجد، فأتي بفرق من تمر فقال: أطعمه ستين مسكينًا، والفرق: خمسةَ عشر صاعًا يكون ستين مدًا، فجعل لكل مسكين مدًا، وآما الاستدلال فهو أن إطلاق الإطعام لو لم يقدر بالنص لكان معتبرًا بالعرق، وعرف من اعتدل أكله من الناس ولم يكن من المسرقين ولا من المقترين أن يكتفي بالمد في أكله، وليس ينتهي إلى صاع، هو عند
[ ١٠ / ٤٠١ ]
أبي حنيفة ثمانيةَ أرطال، وما خرج عن الفرق لم يعمر إلا بنص.
فإن قيل: فقد قدر النبي - ﷺ - الإطعام في فديةَ الأذى بمدين لكل مكين فلما لا جعلتموه أملًا في كفارةً اليمين وقدرتموه بمدين لكل مسكين قيل: لأمرين:
أحدهما: أنه لما قدر في كفارة الواطئ بمد وفي كفارةَ الأذى بمدين، وترددت كفارةُ اليمين بين أصلتن وجب أن يعبر الأقل لأنه تعين.
والثاني: أنه لما خففت فديةَ الأذى بالتخيير بين الصيام والإطعام تغلظت بمقدار الطعام، ولما غلظت كفارةَ الأيمان بترتيب الإطعام، على الصيام تخففت بمقدار الإطعام تعديلا بينهما في أن تتغلظ كل واحدةً من وجه وتتخفف من وجه.
مسألة:
قال الشافعي: "ولا أرى أن يجزئ دراهم وان كانت أكثر من قيمة الإمداد".
قال في الحاوي: لا يجوز أن يخرج في الكفارةَ قيمةُ الطعام، كما لا يحق أن يخرج في الزكاةَ قيمتها، وجوز أبو حنيفةَ إخراج القيمةَ في الزكاةً والكفارةَ وقد مضى الكلام معه.
فأما ما نقله المزني ها هنا: " ولا يجزئ طعام" فلم يرد به طعام البر في إطعام المساكين، لأنه هو الأصل الأغلب فيما يستحق، وله أحد تأويلين، إما أن يكون محمولًا على أن لا يخرج الطعام في قيمةَ الكسوةً، كما لا يخرج الكسوةً في قيمةَ الطعام، وإما أن يكون محمولًا على الطعام المطبوخ من الخبز لآن المستحق عند الشافعي إخراج الحب من البر جميع الحبوب دون الخبز وإن كنت أفتي بإخراج الخبز في الكفارة اعتبارًا بالأرفق الأنفع في الغالب، وأن يعطى كل مسكين رطلين من الخبز، وحكي ابن أبي هريرةَ عن أبي القاسم احسبه أراد الأنماطي، أنه جوز إخراج الدقيق في الكفارةَ وزكاةَ الفطر اعتبارًا بالأرفق.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وما اقتات أهل البلدان من شيء أجزأهم من مد".
قال في الحاوي: وهذا صحيح وهو مقصور على الحبوب المقتاةَ، فكما جاز إخراجه في زكاةَ الفطر جاز إخراجه في الكفارات، ثم فيه قولان:
أحدهما: أنه مخير بين جميع الأقوات، فمن أيهما شاء أطعم.
والثاني: أته يخرج من الغالب من الأقوات وفي اعتبار الغالب وجهان:
أحدهما: من غالب قوت بلده.
[ ١٠ / ٤٠٢ ]
والثاني: من غالب قوته في نفسه، لقول الله تعالى: "مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ " [المائدة: (٨٩)] وإن عدل عن غالب القوت إلى غيره لم يخل ما عدل إليه عن الأغلب من أن يكون أدون منه أو أعلى، فإن كان دون منه لم نجزه، وإن كان أرفع منه كإخراج البر إذا كان أغلب قوته شعيرًا ففي جوازه وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروري يجوز لفضله.
والثاني: لا يجوز لأنه يصير بالعدول إليه كالقيمة.
مسألة:
قال الشافعي: "ويجزئ أهل البادية مد أقط قال المزني ﵀ أجاز الأقط هَهُنا ولم يجزه في الفطرة".
قال في الحاوي: أما إذا اقتات أهل البادية غير الأقط لم يكن لهم إخراج الأقط في الكفارةً ولا في زكاةَ الفطر، وإن لم يكن لهم قوت غير الأقط فقد روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: كنا نخرج إذ فينا رسول الله - ﷺ - صاعًا من أقط، فإن صح هذا أنه كان بأمر رسول الله - ﷺ - أو بعلمه وإقراره عليه جاز إخراج الأقط في زكاةً الفطر والكفارات، وإن لم يمح أنه كان بأمره أو بعلمه، ففي جواز إخراجه في زكاةَ الفطرةً والكفارات قولان:
أحدهما: يجوز على ما نص عليه ها هنا في الكفارةً لأنه قوت مدخر تحت الزكاةً في أصله.
والثاني: لا يجوز على ما نص عليه في زكاةَ الفطر، لأنه مما لا تجب فيه الزكاةً فلم يجز إخراجه قي الكفارةً الزكاةً، وقد جعل أبو علي بن أبي هريرةً هذين القولين بناء على اختلاف قول الشافعي في قول الصحابي إذا لم يعضده قياس، هل يؤخذ بقول الصحابي أو يعدل إلى القياس، فعلى قوله في القديم يؤخذ بقول الصحابي فعلى هذا يجوز إخراج الأقط في الكفارةً، وزكاة الفطر، أخذًا بقول أبي سعيد الخدري، وعلى قوله في الجديد يعدل عنه إلى القياس فعلى هذا لا يجوز إخراج الأقط.
مسألة:
قال الشافعي: "وَإذًا لَمْ يَكِنْ لِأَهِلُ بِلادَ قُوتِ مِنْ طعامِ سِوَى اللُّحَمِ أَدَّوْا مَدَّا مِمَّا يَقْتَاتُ أَقُرْبَ الْبُلْدانِ إِلَيهُمْ ".
قال في الحاوي: إذا اقتات قوم ما لا يزكى من الأقوات، مثل أن يقتاتوا اللحم كالترك، أو اللبن كالأعراب، أو المسك كسكان البحار، فإن قيل: إن إخراج الأقط لا
[ ١٠ / ٤٠٣ ]
يجزئ لم يجز إخراج غيره من اللحم أو اللبن أو المسك، وإن قيل: إنه يجزئ ففيهما وجهان:
أحدهما: يجزئ، لأنها أقوات كالأقط.
والثاني: أنها لا تجزئ، بخلاف الأقط، للفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: وجود الأثر في الأقط، وعدمه في سواه.
والثاني: أن الأقط يبقى ويدخر، وليس يبقى ما سواه ويدخر ولا يكال، وهذا قول أبي علي بن أبي هريرةً، وإذا لم يجزهم إخراج ذلك عدلوا في كفارتهم، وزكاةً فطرهم إلى أقوات غيرهم من أهل البلاد، وفيها قولان:
أحدهما: يكونون مخيرين بين جميعها.
والثاني: يعدلون إلى الأغلب من قوت أقرب البلاد بهم فيخرجونه، فإن عدلوا عنه إلى ما عنه أدنى لم يجزهم وإن عدلوا عنه إلى ما هو أعلى كان على ما ذكرنا من الوجهين والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي:" وَيُعْطِي الرَّجُلُ الْكَفَّارَةُ وَالزَّكاَةُ مِنْ لَا تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ عَلَيه مِنْ قَرَابَتِهُ، وَهُمْ مِنْ عَدَا الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ وَالزَّوْجَةِ إذًا كَانُوا أَقَلُّ حاجَةَ، فَهُمْ أَحَقَّ بِهَا مِنْ غَيْرَهُمْ، وَإِنَّ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيهُمْ تَطَوَّعًا "
قال في الحاوي: وهو كما قال: كل من يلزمه الإنفاق عليه بنسب كالوالدين والمولودين، أو بسبب كالزوجات لا يجوز أن يدفع إليهم من كفارته ولا من زكاةً ماله ومن لا يلزمه الإنفاق عليهم جاز أن يعطيهم من كفارته وزكاته إذا كانوا فقراء فهذا أصل معتبر، هما لم يجز أن يدفعها إلى من تلزمه نفقته لأمرين:
أحدهما: أنهم قد صاروا كالأغنياء.
والثاني: أنها تصير كالعائدةً إليه لما سقط من نفقتهم عنه، وإذا كان كذلك فمتى كان الولد صغيرًا فقيرًا لم يجز دفع كفارته إليه لوجوب نفقته عليه، وإن كان كبيرًا ناقصًا بزمانه أو جنون لم يجز دفعها إليه، لوجوب نفقته عليه كالصغير، وإن كان كامل الصحةً والعقل لم تجب نفقته عليه فجاز دفع كفارته إليه، وفيه من الخلاف ما نذكره وكذلك أولاد أولادهم وإن سفلوا، وأما الوالد فإن تعطل عن الاكتساب بزمانه أو جنون وجبت نفقته عليه، فلم يجز دف كفارته إليه وإن كان من أهل الاكتساب بالصحةً والعقل لكنه فقير ففي وجوب نفقته عليه قولان:
[ ١٠ / ٤٠٤ ]
أحدهما: وهو القديم يجب اعتبارًا بوجود الفقر، فعلى هذا لا يجوز دع كفارته إليه.
والثاني: وهو الجديد لا تجب اعتبارًا بالقدرةً على الكسب، فعلى هذا يجوز دفع كفارته إليه.
فإن قيل: بأن الوالد لا تجب نفقته إلا بالفقر والزمانةً على قوله في الجديد فالولد أولى، وإن قيل: إنها تجب بالفقر وحد، على قوله في القديم ففي الولد وجهان:
أحدهما: أنه كالوالد تجب نفقته بالفقر وحده.
والثاني: أنها تجب بالفقر وعدم الاكتساب، بخلاف الوالد، لتأكيد نفقة الوالد كما تتأكد بوجوب إعقاب الولد دون الولد، وهكذا الأم كالأب والأجداد كالأب، والجدات كالأم، وأما من عداهم من المناسبين كالإخوةَ والأخوات والأعمام والعمات، فلا تجب نفقاتهم بحال، ويجوز دفع كفارته وزكاته إليهم، وهم أحق بها من غيرهم لما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "خير الصدفةَ على ذي رحم محتاج" وروي عنه - ﷺ - أنه قال: "لا يقبل الله صدقة امرئ" وذو رحم محتاج"، وسواء كأن يتطوع بالإنفاق عليهم أم لا.
وقال بعض الفقهاء: إن تطوع بالإنفاق عليهم لم يجزه، وإن لم يتطوع أجزأه وهذا خطأ، لأن للمتطوع أن يمتنع، وفي دفع ذلك إليهم امتناع بها من الإنفاق عليهم وأما الزوجات فلا يجوز للزوج أن يدفع كفارته إلى زوجته لوجوب نفقتها عليه؟ فصارت غنيةً به، وأما الزوجة فيجوز أن تدفع كفارتها إلى زوجها وكذلك زكاتها ومنع أبو حنيفةً من دفعها إليه، لأن نفقته عليها فصار عائدًا إليها، وهذا غير صحيح؛ لأنه لا تجب عليها نفقته فصار باقيًا على فقره فجرى على حكم الإيجاب، وإنفاقه عليها لا يمنع من دفعها إليه كما لو دفعها آلي أجنبي وأطعمه إياها أو وهبها له وقد مضت هذه المسألة مستوفاةً من قبل.
مسألة:
قال الشافعي: "ولا يجزئه إلا أن يعطي حرا مسلمًا محتاجًا"
قال في الحاوي: اعلم أن مصرف الكفارةً فيمن يجوز أن يصرف إليه سهم الفقراء والمساكين من الزكاةً، وهو من جميع من الفقر والمسكنةً ثلاثة أوصاف: الحرية، والإسلام، وأن لا يكون من ذوي القربى، فأما العبد فلا يجوز دفعها إليه، لأنه لا يملكها ولأنه غني بسيده، وكذلك المدبر وأم الولد، والمعتق بعضه؛ لأن سيد رقه يأخذ منها قدر حقه وهو غنى، وكذلك المكاتب ولا يجوز صرف الكفارةَ إليه، وجوز أبو حنيفة ﵁ صرفها إليه كالزكاةَ، وهذا فاسد، لأن حكم الزكاةً أوسع لما يجوز من صرفها إلى
[ ١٠ / ٤٠٥ ]
الأغنياء من المجاهدين، وأحد صنفي الغارمين والكفارةً أضيق، لأنه لا يجوز صرفها إلى غني بحال؛ ولأن المكاتب تجري عليه أحكام الرق.
وأما الكافر فلا يجوز دفع الكفارة إليه، وكذلك الزكاة سواء كان ذميًا أو حربيًا.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز آن تصرف إليه زكاةَ المال ويجوز أن تصرف إليه الكفارةَ وزكاةَ الفطر، إن كان ذميًا أو معاهدًا؛ لأنه يجوز دفعها إليه إن كان حربيًا.
ودليلنا هو أنه لا يجوز دفع زكاة المال إليه لم يجز آن يدفع إليه الكفارة، وزكاة الفطر كالحربي ولأنه حق يخرج للطهرةً فلم يجز صرفه لأهل الذمةَ كزكاةُ المال وأما ذوو قربى رسول الله - ﷺ - فلا يجوز آن تصرف إليهم الزكوات ولا الكفارات، وإن جوزه أبو حنيفة فيما قدمناه، واستوفيناه والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: " ولو علم انه أعطى غيرهم فعليه عندي أن يعيد".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا أخطأ في دفع الزكاةً والكفارةً اعتبر حال المدفوع إليه، فإن كان عبدًا ظنه حرًا أو كافرًا ظنه مسلمًا آو من ذوي القربى ظنه من غير ذوي القربى لم يجزه ما دفع، وعليه الإعادةً لأمرين:
أحدهما: أن حقوق الأموال إذا لم تقع موقع الإجراء مع العهد لم تقع موقع الأجزاء الخطأ، كرد الودائع إلى غير أهلها.
والثاني: آن لأسباب المنع من الرق والكفر والنسب علامات يستدل بها وأمارات لا تخفي معها، فكان الخطأ من تقصير في الاجتهاد، وإن بان أنه دفعها إلى غني يظنه فقيرًا ففي وجوب الإعادةَ قولان:
أحدهما: يعيد ولا يجزئه للتعليل الأول بأن الخطأ في حقوق الأموال كالعهد والقود.
والثاني: يجزئه ولا يعيد لعدم التعليل الثاني في فقد الأمارةً الدالةً على غناه، لأن المال يمكن إخفاؤه والرق والكفر لا يمكن إخفاؤهما، فكان بخطئه في الغنى معذورًا وفي العبد والكافر مقصرًا.
وإن دفع كفارته وزكاته إلى السلطان وأخطأ السلطان في دفعها إلى غير مستحقها نظر، فان بان أنه دفعها إلى غني أجزأ لخفاء حاله عليه، وإن بان أنه دفعها إلى عبد أو كافر أو ذوي قربى ففي وجوب ضمانها عليه قولان:
أحدهما: يضمنها ويمدها، كما يلزم رب المال أن يعيدها.
والثاني: لا يضمنها وتقع موقع الإجزاء بخلاف رب المال لوقوع الفرق بينهما بأن
[ ١٠ / ٤٠٦ ]
مباشرة السلطان لعموم الأمور يقطع عن التفرد بالاجتهاد فيها، ولا يقطع رب المال عن التوفر في الاجتهاد.
مسألة:
قال الشافعي: "وَلَا يُطْعِمُ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ وَاحْتَجَّ عَلَى مَنْ قَالَ إِنْ أَطْعَمَ مِسْكِينًا وَاحِدًا مِائَةً وَعِشْرِينَ مُدًّا فِي سِتِّينَ يَوْمًا أَجْزَأَهُ وَإِنْ كَانَ فِي أَقَلَّ مِنْ سِتِّينَ لَمْ يُجْزِهِ فَقَالَ أَرَاكَ جَعَلْتَ وَاحِدًا سِتِّينَ مِسْكِينًا فَقَدْ قَالَ اللَّهُ ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فَإِنْ شَهِدَ الْيَوْمَ شاهدٌ بحقٍّ ثُمَّ عَادَ مِنَ الْغَدِ فَشَهِدَ بِهِ فَقَدْ شَهِدَ بِهَا مَرَّتَيْنِ فَهُوَ كَشَاهِدَيْنِ فَإِنْ قَالَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ اللَّهَ ﷿ ذَكَرَ الْعَدَدَ قِيلَ وَكَذَلِكَ ذَكَرَ اللَّهُ لِلْمَسَاكِينِ الْعَدَد"
قال في الحاوي: وهو كما قال: لأن الله تعالى قد نص على عددهم في الكفارةً فوجب آن يستحقها عشرة مساكين، وإن دفع إلى مسكين واحد مدين أجزأه أحدهما، ولم يجزم الآخر سواء دفعه إليه في يوم واحد أو في يومين.
وقال أبو حنيفة ﵁ "إذا دفع له حق مسكين في يوم واحد لم يجز، وإن دفع إليه في يومين أجزأه حتى قال لو دفع إلى مسكين حق عشرةَ مساكين في عشرةَ أيام أجزأه وقام مقام عشرةَ مساكين فاعتبر عدد الإطعام ولم يعتبر عدد المساكين، والشافعي يعتبرهما معًا، ويمنع أن يأخذ مسكين واحد من كفارةً واحد مرتين ليستوفي العدد الذي أمره الله تعالى به كما يستوفيه في الوصايا لو أوصى بإطعام عشرة مساكين؟ فكان في حقوق الله تعالى من الكفارات أولى، وقد مضت هذه المسألة مع أبي حنيفة في كتاب الظهار.
مسألة:
قال الشافعي ﵀: " ولو أطعم تسعة وكسا واحدا لم يجزه حتى يطعم عشرة كما قال الله ﷿ ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]
قال في الحاوي: قد جعل الله تعالى للمكفر عن يمينه الخيار في التكفير بأحد ثلاثة أشياء: الطعام أو الكوة أو العتق، فبأيها كفر أجزأه، إذا استوفاه ولم يفرق، فإن أطعم خمسةً وكسا خمسةً لم يجزه، وكان مخيرًا إن شاء تمم إطعام عشرةَ مساكين وكان متطوعا بالكسوةً، وإن شاء تتم كسوة عشرةَ مساكين، وكان متطوعًا بالإطعام، وقال مالك: يجزئه أن يطعم خمسةَ ويكو خمسةً، لأنه لما أجزأه إطعامهم أجزأته كسوتهم أجزأه أن يجمع بين إطعامهم وكسوتهم.
وقال أبو حنيفة: إن أطعم خمسةً وكسا خمسةً، وجعل كسوةَ الخمسةً بقيمةَ إطعام
[ ١٠ / ٤٠٧ ]
الخمسةً لم يجز، وإن جعل إطعام الخمسةً بقيمةُ كوة الخمسةً أجزأه فأجاز إخراج قيمةَ الكسوةً طعامًا ولم يجز إخراج قيمةَ الطعام كسوةُ فلم يستمر في جواز القيمةً على أصله، ولا في المنع منها على أصلنا، والدليل على أن الله تعالى خير المكفر بين ثلاثةً، من طعام أو كسوةً أو عتق، فلم يجز أن يجعل له خيارًا رابعًا في التبعيض، ولأنه لما امتنع في الكفارةً تبعيض العتق والصيام امتنع فيها تبعيض الكسوةً والإطعام.
مسألة:
قال الشافعي:" وَلَوْ كَانَتْ عَلَيه كَفَّارَةً ثَلاثَةً أَيمانَ مُخْتَلِفَةٍ فَأَعْتَقَ وَأَطْعَمَ وَكُسًا يَنْوِي الْكَفَّارَةُ، وَلَا يَنْوِي عَنْ أَيُّهَا الْعتقَ وَلَا الإطعام وَلَا الْكُسْوَةَ أَجْزَأُهُ، وَأَيُّهَا شَاءَ أَنْ يُكَوِّنَ عَتَّقًَا أَوْ طعامًَا أَوْ كُسْوَةَ كَانَ، وَإِنَّ لَمْ يُشَا، فَالنِّيَّةَ الأولى تُجَزِّئُهُ. "
قال في الحاوي: وهو كما قال إذا كانت عليه ثلاث كفارات عن ثلاث أيمان مختلفةً كنا في التكفير عنها بالخيار بين أن يكفر عنها من جنس واحد فيطعم عن جميعها ويكسو عن جميعها، أو يعتق عن جميعها، وبين أن يكفر عنها من أجناس مختلفةً فيطعم عن أحدها، ويكسو عن أحدها ويعتق عن أحدها، لأن لكل كفارةً حكم نفسها، وسواء عينها أو أطلقها؛ لأن عليه النيةَ في الكفارةً وليس عليه أن يعين عن أي كفارةً كالوضوء يلزمه أن ينوي أنه عن الحدث، ولا يلزمه عن أي حدث.
وقال أبو حنيفة: يلزمه تعيين النيةَ عن أي كفارةً كما يلزمه تعيين النيةَ للصلاةً من ظهر أو عصر، فيقال له: لما لم يلزمه في قضاء الصلوات، الفوائت أن يعين عن أي يوم لم يلزمه في الكفارات أن يعين عن أي حنث، فلا يكون في إثباته التعيين في الأداء بأولى من نفيه للتعيين في القضاء، فاستويا ثم ترجح ما ذكرنا باتفاقنا على أنه لو نسي صلاةً لم يعرفها بعينها لم يجزه في قضائها أن ينوي قضاء ما وجب عليه، لعدم التعيين، ولو كانت عليه كفارةً لا يعرف موجبها أجزأه أن ينوي بالتكفير ما وجب عليه فعلم أن تعين النيةً في الصلاةً واجب، وتعيينها في الكفارةً غير واجب فأما الفرق بين الطهارةً والصلاةَ في تعيين النيةً في الصلاةَ دون الطهارةً مع اشتراكهما في وجوب النيةَ فمن وجهين:
أحدهما: ما حكاه أبو القاصم الأنماطي عن المزني قال: قلت للمزني: لم افتقرت الصلاة إلى تعين النيةَ ولم تفتقر الطهارةً إلى تعيين النية؟ فقال: لأن الصلاةً تراد لغيرها، والطاهرةً تراد لغيرها وهذا صحيح؛ وهكذا الكفارةً تراد لغيرها، وهو تكفير الحنث، فلذلك لم يلزم فيها تعين النيةَ.
والثاني: قاله أبو علي بن أبي هريرةً أن الطهارةَ بسبب متقدم، وهو ما سبق من الحدث فلم يلزم تعيين النيةً له، والصلاةً لأمر مستقبل فجاز آن يلزم تعيين النية فيها،
[ ١٠ / ٤٠٨ ]
وهذا صحيح وهكذا الكفارةً بسبب متقدم، وهو ما سبق من اليمين؟ فلم يعتبر تعيين النيةَ فيها.
فإن قيل: النيةَ في الكفارةً أغلظ منها في الطهارةً لأنه لو نوى بطهارته أنها عن نوم فكانت عن بول أجزأه، ولو نوى بعتقه في الكفارةَ أنه عن ظهار فكان عن قتل لم يجزه فجاز أن تتغلظ الكفارة بتعين النيةَ، وإن لم تغلظ بها الطهارة.
قيل: إنما أجزأته الطهارةً ولم تجزه الكفارةَ بمعنى آخر، وهو أن الطهارةَ ترفع جميع الأحداث لأنها تتداخل؛ فكذلك أجزأت في مخالفةَ التعيين، والعتق لا يسقط جميع الكفارات، لأنها لا تتداخل، فلذلك لم تجز في مخالفةَ التعيين.
مسألة:
قال الشافعي: "ولا يجزئ كفارةً حتى يقدم النيةً قبلها أو معها".
قال في الحاوي: أما النية في دفع الزكاةَ والكفارةَ فواجبةً على ما قدمناه في الزكاةً؛ لأن دفع المال يتنوع فرضًا وتطوعًا، فافتقر الفرض إلى تمييزه بالنيةً، وله في النيةَ ثلاثةَ أحوال، تجزئةُ في إحداها ولا تجزئه في الآخر، ومختلف في إجزائه في الثالث، فأما ما تجزئه فهو أن ينوي عند دفعها فيجزئ؛ لأن أغلظ أحوال النيةً أن يكون مع الفعل، وأما ما لا يجزئ فهو أن ينوي قبل عزلها من ماله، لأنها تجردت عن الفعل، فكانت قصدًا ولم تكن نيةً، وأما المختلف فيه فهو أن ينوي عند عزلها من ماله وقبل دفعها ففي إجرائها وجهان:
أحدهما: تجزئ وإن لم تجزئ مثله في الصلاةً، وهو الظاهر من كلام الشافعي حتى يقدم النيةَ قبلها، لأن الاستنابة في دفعها يصح، ولا يمكن المستنيب أن ينوي مع الدفع، فأجزأته النيةَ مع العزل، وخالفت الصلاةَ التي لا يجوز الاستنابة فيها، فلزم أن تكون النيةً مقارنةً لأولها وجرت الضرورة مجرى الصيام الذي تجزئ النيةً فيه قبل دخوله للضرورةً عند تعذرها مع دخوله.
والثاني: لا يجزئه لبقائها مع القود على ملكه فأشبه النية قبل عزله، وتأول من قال بهذا الوجه قول الشافعي حتى يقدم النيةَ قبلها، أو معها بتأويلين:
أحدهما: أن ينوي قبلها إذا استصحب النيةَ إلى دفعها.
والثاني: قبلها في الصيام ومعها في الكسوةَ.
مسألة:
قال الشافعي: "وَلَوْ كفرَ عَنْه رَجِلَ بأمره أَجْزَأُهُ وَهَذِهِ كَهِبَّتِهُ إِيَّاهَا مِنْ مَالِهُ وَدفعَهُ
[ ١٠ / ٤٠٩ ]
إِيَّاهَا كَقَبْضِ وَكِيلِهُ لَهَبَتَهُ لَو وَهَبَّهَا لَهُ وَكَذَلِكَ إِنَّ قَالَ أَعتقَ عَنْي فولاؤه لِلْمُعْتَقِ عَنْه لِأَنَّه قَدْ مَلَّكَهُ قَبْلَ الْعُتَّقُ وَكَانَ عتقَهُ مِثْلُ الْقَبْضَ كَمَا لَو اشتراه فَلَمْ يُقَبِّضُهُ حَتَّى أَعْتُقَهُ كَانَ الْعُتَّقُ كَالْقَبْضِ".
قال في الحاوي: وهو كما قال: إذا وجب عليه الكفارةَ فكفر عنه رجل بأمره فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون مال التكفير للآمر، فيكون المأمور هاهنا وكيلًا للآمر في إخراج الكفارةً، وهذا متفق على جوازه لجواز النيابةً في التكفير، لأن مقصودها المال والعمل تبع، فأجريت مجرى حقوق الأموال، وتكون النيةً في إخراجها مستحقةً، لما تضمنها من العبادةً، وللآمر والمأمور فيها أربعة أحوال:
أحدها: أن ينوي الآمر عند أمره وينوي المأمور عند دفعه، فهذا أكمل أموال الجواز.
والثاني: أن لا ينوي واحد منها فلا يجزئ المخرج عتقًا كان أو إطعامًا لعدم الشرط المستحق في الإجراء ولا يضمنه المأمور، ويكون متطوعًا في الأمر.
والثالث: أن ينوي المأمور عند دفعه، ولا ينوي الآمر عند أمره، فهنا أجزيء لأن اقتران النية بالدفع أصح.
والرابع: آن ينوي الآمر عند آمره، ولا ينوي المأمور عند دفعه، ففي إجرائه وجهان على ما مضى من وجوب اعتباره النيةَ عند العزل والدفع، فإن آمره أن يكفر عنه بنوع فعدل إلى غيره كان المأمور ضامنًا لما كفر به سواء عدل عن الأدنى إلى الأعلى كعدوله عن الإطعام إلى العتق، أو عدل عن الأعلى إلى الأدنى، كعدوله عن العتق إلى الإطعام، لأن المأمور مقصور التصرف على ما تضمنه الأمر، وإن أطلق الآمر الإذن للمأمور في التكفير ولم يعين له على جنس ما يكفر به لم تخل الكفارةً من أن تكون كفارةً تربب كالقتل والظهار، فإطلاق إذن الآمر يوجب حمله على اعتبار حاله، فإن كان من أهل العتق أوجب إطلاق إذنه أن يعتق عنه، وإن أطعم ضمن ولم يجزه، وإن كان من أهل الإطعام أوجب إطلاق إذنه آن يطعم، عنه، وإن أعتق لم ينفذ عتقه، ولم يضمن بخلاف المال الذي قد ملكه المعطى، فضمنه المعطى وإن كانت كفارةً لحنث مثل كفارةَ الأيمان، فإن كفر المأمور بأقل الأجناس ثمنًا، فكفر بالإطعام دون العتق أجزأه سواء كان موجودًا في ماله أو غير موجود، وإن كفر بأكثر الأجناس ثمنًا فكفر بالعتق دون الإطعام، فلا يخلو مال الآمر من أربعة أحوال:
أحدها: أن يوجد في ملكه للأدنى من الإطعام، ولا يوجد فيه الأعلى من العتق فيصير المأمور بعد عدوله إلى العتق من غير ملكه خارجًا من حكم الأذى، فلا يجزئ العتق، ويكون عن المأمور دون الآمر، والكفارةَ باقيةً في ذمةُ الآمر.
والثانية: أن يوجد في ملكهِ الأعلى على العتق، ولا يوجد في الأدنى من الطعام
[ ١٠ / ٤١٠ ]
فهذا العتق يجزئ عن الآمر، وله ولاؤه؛ لأن إطلاق إذنه متوجه إلى ملكه.
والثالثة: أن لا يوجد في ملكه الأدنى من الإطعام، ولا الأعلى من العتق، فليس له التكفير عنه بالأعلى من العتق، لأمرين:
أحدهما: أن فضل القيمة غبر مستحق.
والثاني: أنه يدخل ولاء المعتق في ملك الآمر بغير إذن.
والرابعة: أن يوجد في ملكه الأدنى من الطعام والأعلى من العتق، فهل يكون إطلاق الإذن يوجب تخيير المأمور، كما كان موجبًا لخيار الأمر على وجهين:
أحدهما: أنه موجب لخياره لأنه قد أقامه بالإذن فيه مقام نفسه، فعلى هذا لا يبطل العتق ويجزئ عن المكفر.
والثاني: أن التخيير يسقط في حق المأمور، وإن كان ثابتًا في حق الآمر، لأنه مخير في ملكه دون المأمور، فعلى هذا يكون عتقه باطلًا؟ والعبد على رقه والكفارة باقية في ذمة الآمر.
فصل:
والثاني: أن يكون مال التكفير ملكًا للمأمور، فقد اختلف الفقهاء في إجزائه على ثلاثة مذاهب:
أحدها: وهو مذهب الشافعي، أنه يجزئ سواء كان بجعل أو بغير جعل.
والثاني: وهو مذهب مالك، لا يجزئ سواء كان بجعل أو بغير جعل.
والثالث: وهو مذهب أبي حنيفة أنه يجزئ إن كان بجعل، ولا يجزئ إن كان بغير جعل.
ودليلنا وإن كان قد مضى في كتاب الظهار مستوفي أنه إن كان بجعل جرى مجرى البياعات، وإن كان بغير جعل جرى مجرى الهبات، والإخراج فيها قبض يلزم به الهبة، ويستقر به البيع، فإن قيل: فكيف يصح ملك الآمر له، ححتي يجزئه في كفارته، قيل: قد حكي فيه أبو علي بن أبي هريرة وجهين خرجهما من اختلاف قولي الشافعي في دية النفس، هل يملكها المقتول في آخر أجزاء حياته، أو يملكها الورثة في أول أجزاء موته، ويجري عليها في قضاء ديونه، وإنفاذ وصاياه، حكم ملكه على قولين كذلك ها هنا على وجهين:
أحدهما: أنه يصير بإحراجها مالكًا لها قبل إخراجها، فإن كان عتقًا بأن بالعتق أنه كان ملكًا له قبل العتق، وهو الظاهر من مذهب الشافعي فيما نص عليه في هذا الموضع قال الشافعي لأنه ملكه قبل العتق.
والثاني: أنه ليس بملك، وإنما يجري عليه حكم الملك، لأنه قبل العتق لا يملك، وبعد العتق لا يصح أن يملك، فصار حكم الملك جاريًا عليه، وإن لم يملك كما نقول
[ ١٠ / ٤١١ ]
في حافر البئر إذا تلف فيها حيوان بعد موته كان في حكم الجاني عليه، وإن لم يكن جانيًا، لأنه قبل موته لم يجن، وبعد موته لا يصح منه الفعل، فجرى عليه حكمه وإن لم يفعل، ويكون ولاء المعتق للآمر على الوجهين معًا، ومثل هذين الوجهين في التكفير إذا قال: ألق متاعك في البحر وعلي قيمته، هل يصير مالكًا له قبل إلقائه أم لا على هذين الوجهين:
أحدهما: أننا نعلم قبل إلقائه أنه قد كان مالكًا له قبل إلقائه.
والثاني: أنه لايصير مالكًا له، وإنما يجري عليه حكم الملك، لأنه قبل الإلقاء لم يملك، وبعد الإلقاء لا يصح أن يملك.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا كَفَّرَ عَنْ رَجُلٍ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَأَطْعَمَ أَوْ أَعْتَقَ لَمْ يُجْزِهِ وَكَانَ هُوَ المُعْتِقَ لِعَبْدِهِ فَوَلاَؤُهُ لَهُ ".
قال في الحاوي: أعلم أنه لا يخلو حال من كفر عن غيره بغير إذنه من أن يكون مكفرًا عن حي أو ميت، فإن كفر عن حي لم يجز الكفارة عن الحي، لأن النية فيها مستحقة، وعدم الإذن مانع من صحة النية، فكان ما أخرجه النائب واقعًا عن نفسه، فإن كان إطعامًا كان صدقة، وإن كان عتقًا كان تطوعًا منه وله ولاؤه، وإن نواه عن غيره كمن حج عن حي بغر أمره، كان الحج واقعًا عن الحاج دون المحجوج عنه.
وقد اختلف الفقهاء في ولاء من أعتق عبده عن غيره، فجعله أبو حنيفة للمعتق بكل حال، وجعل مالك للمعتق عنه بكل حال، وجعل الشافعي للمعتق إن عتق بغير أمره، وللمعتق عنه إن أعتق بأمره، وإن كفر عن ميت فلا يخلو أن يكون بوصية أو بغير وصية، فإن كان بوصية كانت الوصية أمرًا، فيصير كالمكفر بأمر، فيكون على ما مضى، وإن كفر عنه بغير وصية منه، فلا يخلو المكفر عنه من أن يموت موسرًا أو معسرًا، فإن مات موسرًا فوجوب الكفارة باق في تركته، فإن كفر عنه منها غير وارث ولا ذي ولاية كان ضامنًا متعديًا، ولم يسقط به الكفارة، وإن كفر عنه منها وارث، فإن كان التكفير طعامًا أجزأ، وصار كقضاء الديون الواجبة عنه، وإن كان التكفير عتقًا فضربان:
أحدهما: عتق لا تخيير فيه كعتق كفارة الظهار والقتل، فيجزئ، وإن كان بغير أمر ولا وصية؛ لأنه عتق مستحق، فإذا فات من ضمنه بالموت وجب على من قام مقامه في ماله كالحج لا يجوز أن يحج عنه في حياته إلا بإذنه، ويجب على وراثه الحج عنه فيما وجب بعد موته.
والثاني: أن يكون عتقًا فيه تخيير، كالعتق في كفارة اليمين، ففيه وجهان:
[ ١٠ / ٤١٢ ]
أحدهما: لا يصح، لأن التخيير فيه يمنع من تعيين وجوبه.
والثاني: يصح، لأنه إذا ناب عن واجب صار واجبًا وهذان الوجهان بناء على اختلاف أصحابنا في ما وجب في كفارة اليمين وسائر كفارات التخيير هل وجب بالنص أحدها، أو وجب به جميعها، وله إسقاط الوجوب بأحدهما، فأحد وجهي أصحابنا أن الواجب بالنص أحدها على وجه التخيير، فعلى هذا لا يصح العتق.
والثاني: أن جميعها واجب بالنص، وله إسقاط جميعها بفعل أحدها، فعلى هذا يصح العتق.
وإن مات المكفر عنه معسرًا فقد اختلف أصحابنا هل يكون التكفير بعد موته معتبرًا بالواجب أو بالتطوع على وجهين:
أحدهما: يكون معتبرًا بالواجب فيكون على ما مضى.
والثاني: يكون معتبرًا بالتطوع، فيكون على ما يأتي.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَكَذَبِكَ لَوْ أَعْتَقَ عَنْ أَبَوَيْهِ بَعْدَ المَوْت إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِوَصِيَّةٍ مِنْهُمَا ".
قال في الحاوي: أما التطوع بذلك عن وصية الميت فجائز، سواء كان عتقًا أو صدقة ويكون الولاء للميت؟ ينتقل عنه إلى الذكور من عصبته، وأما التطوع به عن الميت من غير وصية، فإن كان صدقة جاز من وارث وغير وارث؟ لما روي عن النبي ﷺ أنه أمر سعد بن أبي وقاص "أن يتصدق عن أمه بعد موتها ".
وروي أن رجلًا قال: يا رسول الله إن أمي اقتلتت، وأظن لو تكلمت لتصدقت، فهل لها من أجر إن تصدقت عنها، قال: نعم ".
وأما العتق فإن تطوع به غير وارث لم يجز، والفرق بين الصدقة والعتق أن الصدقة بر محض لا يتعدى إلى غير الثواب، والعتق تكسب ولاء يجري مجرى النسب، لقول النبي ﷺ: "الولاء لحمة كلحمة النسب "وليس لأحد إلحاق نفسه بغيره، كذلك الولاء وإن كان المعتق وارثًا، فإن تطوع به بعض الورثة، لم يجز كالأجنبي، لأن بعض الورثة لا يجوز أن يلحق بالميت نسبًا، وإن تطوع جميع الورثة ففي جوازه وجهان:
أحدهما: لا يجوز كما لو تطوع به بعضهم.
والثاني: يجوز كما يصح لحوق النسب بالميت إذا أقر به جميع الورثة ولا يصح إذا أقر به بعضهم.
[ ١٠ / ٤١٣ ]
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ صَامَ رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ بِأَمْرِهِ لَمْ يُجْزِهِ لأَنَّ الأَبْدَانَ تُعُبّدَتْ بِعَمَل فَلاَ يُجْزئُ أَنْ يَعْمَلَهُ غَيْرُهَا إِلاَّ الحَجِ وَالعُمْرّة للِخَبَرِ الَّذِي جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبِأَنَّ فِيهِمَا نَفَقَةٌ وَلأَنَّ اللهَ ﵎ إِنَّمَا فَرَضَهُمَا عَلَى مَنْ وَجَدَ السَّبِيلَ إِلَيْهِمَا وَالسَّبِيلُ بِالمَالِ ".
قال في الحاوي: أما الصيام عن الحي فلا يجوز إجماعًا بأمر أو غير أمر، عن قادر أو عاجز، للظاهر من قول الله تعالى: ﴿وأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩] ولأن ما تمحض من عبادات الأبدان لا تصح فيها النيابة، كالصلاة، وخالف الحج، لأنه لما تعلق وجوبه بالمال لم يتمحض على الأبدان، فصحت فيه النيابة كالزكاة.
فأما الصيام عن الميت، فقد وقفه الشافعي في القديم على صحة الخبر المروي فيه أن امرأة سألت رسول الله ﷺ عن صوم نذر كان على أمها؟ فماتت قبل صيامه، فأجاز لها أن تصوم عنها.
وقد حكي أبو علي بن أبي هريرة عن أبي بكر النيسابوري أن الخبر قد صح فصار مذهبه في القديم جواز الصيام عن الميت وهو المذهب مالك وأحمد، وقد روى عروة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه "؛ ولأنها عيادة يدخل في جبرانها المال فصحت فيها النيابة كالحج طردًا والصلاة عكسًا ودخول المال في جبرانها من وجهين:
أحدهما: جبران الصيام في الوطء بالكفارة.
والثاني: فجز الشيخ الهرم عن الصيام وانتقاله إلى إخراج مد عن كل يوم، وقال في الجديد: إن النيابة في الصيام لا تجوز بحال عن حي ولا ميت، وهو مذهب أبي حنيفة وأكثر الفقاء؛ لرواية عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: "من مات وعليه صيام أطعم عنه وليه "ولأنها عبادة على البدن لا يتعلق وجوبها بالمال، فلا تصح فيها النيابة كالصلاة طردًا، والحج عكسًا، فأما الخبر فمعلول وإن صح كان محتملًا أن يريد بالصيام عن الميت الصدقة عن كل يوم بمد.
فصل:
فأما الصلاة عن الميت فقد حكي عن عطاء بن أبي رباح وإسحاق بن راهويه في جوازه، وهو قول شاذ تفردا به عن الجماعة استدلالًا بأمرين:
أحدهما: أنه لما جازت النيابة في ركعتي الطواف إجماعًا جازت في غيرها من الصلوات قياسًا
[ ١٠ / ٤١٤ ]
والثاني: أنه لما صحت النيابة في الحج والعمرة مع العجز دون القدرة، وصحت في الزكاة مع العجز والقدرة لم تخرج النيابة في الصلاة عن أحدهما، وذهب جمهور الفقهاء وسائر العلماء إلى أن النيابة في الصلاة لا تصح بحال مع قدرة ولا عجز لقول العلماء إلى أن النيابة في الصلاة لا تصح بحال مع قدرة ولا عجز، لقول النبي ﷺ: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: حج بقضاء، أو دين يؤدى، أو صدقة جارية ".
ولأن الصلاة كالإيمان لأنها قول وعمل ونية، ثم لم تجز النيابة في الإيمان إجماعًا فلم تجز في الصلاة حجاجًا، فأما ركعتا الطواف؛ فلأنها تبع لما تصح فيه النيابة فخضت بالجواز، لاختصاصها بالمعنى، وما ذكروه من الحج فقد تقدم اختصاصه بالنيابة لاختصاص وجوبه بالمال.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَمَنْ اشْتَرَى مِمَّا أَطْعَمَ أَوْ كَسَا أَجْزَتُهُ وَلَوْ تَنَزَّهَ عَنْ ذَلكَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، يكره إن تصدق بصدقة عن واجب أو تطوع أن يشتريها من المعطى، لأن عمر بن الخطاب ﵁ أراد أن يشتري فرسًا تصدق به في سبيل الله يقال له: الورد، فقال له النبي ﷺ: "لا تعد في صدقتك ولو أعطيتها بفقير، ودعها حتى تكون هي ونتاجها لك يوم القيامة "، ولأن من عرف المعطى أن يسمح في بيعها على المعطى، فصار بالابتياع كالراجع في بعض عطيته، فإن ابتاعها صح الإبتياع على مذهب الشافعي وأكثر الفقهاء وقال مالك: لا يص الابتياع وتعاد إلى البائع احتجاجًا بما مضى، ودليلنا ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة "ذكر منها رجلًا رآها تباع فاشتراها فكان على عمومه ولأنه لما جاز أن يملكها ميراثًا جاز أن يملكها ابتياعًا كغيره من الرجال ولأنه لما جاز أن يملكها ميراثًا جاز أن يملكها ابتياعًا كغيره من الرجال ولأنه لما جاز أن يبتاعها غيره من الرجال جاز أن يكون هو المبتاع كغيرها من الأموال، وما قدمناه من الاستدلال محمول على التنزيه دون التحريم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَمَنْ كَانَ لَهُ مَسْكَنٌ لاَ يَسْتَغْنِىِ عَنْهُ هُوَ وَأَهْلُهُ وَخَادِمٌ أُعْطِيَ مِنَ الكَفَّارَةِ وَالزَّكَاةِ وَإنْ كَانَ فِي مَسْكَنِهِ فَضْلٌ عَنْ خَادِمِه وَأَهْلِهِ الفَضْلُ الَّذِي يَكُونُ بِهِ غَنِيًا لَمْ يُعْطَ ".
[ ١٠ / ٤١٥ ]
قال في الحاوي: إذا كان له مسكن لا يستغني عنه، وخادم لا يجد بداَ منه جاز له أن يأخذ من الزكاة والكفارة، وجاز أن يكفر بالصيام دون المال، ولو كان مفلسًا بيع ذلك في دينه، وإن لم يبع في كفارته، لأن في حقوق الآدميين مشاحة، وفي حقوق الله تعالى مسامحة، فإن كان في ثمن مسكنه أو في ثمن خادمه فضل يكون به غنيًا حرمت عليه الزكاة والكفارة وإن كان فيهما فضل للتفكير بالمال لم يجزه التكفير بالصيام.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإذَا حَنَثَ مُوسِرًا ثُمَّ أَعْسَرَ لَمْ أَرَ الصَّوْمَ يُجْزئ عَنْهُ وآمُرُهُ احْتِيَاطًا أَنْ يَصُومَ فَإِذَا أَعْسَرَ كَفَّرَ، وَإِنَّمَا أَنْظُرُ فِي هَذَا إلى الوَقْتِ الَّذَي يَحْنَثُ فِيهِ، وَلَوْ حَنَثَ مُعْسرًا فَأيْسَرَ أَحْبَبْتُ لَهُ أَنْ يُكْفرَ وَلاَ يَصُومَ وَإِنْ صَامَ أَجْزَأَ عَنْهُ لأَنَّ حُكْمَهُ حِينَ حَنَثَ حُكْمُ الصَّيَام. قَالَ المِزَنِيُّ: وَقَدْ قَالَ فِي الظَّهَارِ إِنَّ حُكْمَهُ حِينَ يُكْفرَ وَقَدْ قَالَ فِي جَمَاعَةِ العُلمَاءِ إِنْ تَظَاهَرَ فَلَمْ يَجدْ رَقَبَةَ أَوْ أَحْدَثَ فَلَمْ يَجِد مَاءً فَلَمْ يَصُمْ وَلَمْ يَدْخُلْ فِي الصَّلاة بالتَّيمُّم حَتَّى وَجَدَ الرَّقَبَةَ وَالمَاءَ إِنَّ فَرْضَهُ العِتْقُ وَالوُضٌوءُ وَقَوْلُهُ في جَمَاعَةِ العُلَمَاءِ أَوْلَى بِه مِنْ انْفِرَادِهِ عَنْهَا ".
قال في الحاوي: أعلم أن الكفارة تختلف باليسار والإعسار ففرض الموسر أن يكفر بالمال وفرض المعسر أن يكفر بالصيام، وقد يختلف اليسار والإعسار، فيكون عند الوجوب موسرًا، وعند التكفير معسرًا، وقد يكون عند الوجوب معسرًا، وعند التكفير موسرًا، فاختلف الشافعي هل يعتبر بالكفارة حال الوجوب أو يعتبر بها حال الأداء على قولين منصوصين، وثالث مخرج.
أحدها: أن المعتبر بها حال الوجوب وهو المنصوص عليه في هذا الموضوع من كتاب الأيمان، فإذا حنث وهو موسر فلم يكفر بالمال حتى أعسر ففرضه التكفير بالمال دون الصيام وتكون الكفارة باقية في ذمته حتى يوسر فيكفر، ويستحب له أن يعجل بالتكفير بالصيام استظهارًا حذرًا من فوات التكفير بالموات لاستدامة الإعسار ولم يسقط عنه فرض التكفير بالصيام، ولو كان معسرًا عند الحنث ففرضه التكفير بالصيام، فإن عدل عنه إلى التكفير بالمال أجزأ عدل عن الأخف إلى الأغلظ، ووجه هذا القول في اعتبار الكفارة بحال الوجوب شيئان:
أحدهما: إلحاقها بالحدود، لقول النبي ﷺ: "وما يدريك لعل الحدود كفارات "والحدود معتبرة بحال الوجوب دون الفعل، لأن العبد إذا زنا فلم يحد حتى أعتق حُدَّ حدجّ العبيد، والبكر إذا زنا فلم يحد حتى أحصن حد حد الأبكار، وكذلك الكفارات.
[ ١٠ / ٤١٦ ]
والثاني: أن التكفير لذنب متقدم، فاعتبر بحال الوجوب لقربه من سببه.
والثاني: أن المعتبر بالكفارة حال الأداء دون الوجوب نص عليه الشافعي في كتاب الظهار فإذا حنث وهو موسر فلم يكفر حتى عسر كان فرض التكفير بالصيام، ولو حنث وهو معسر فلم يكفر حتى أيسر كان فرضه التكفير بالمال، ووجه هذا القول في اعتبار الكفارة بحال الأداء شيئان:
أحدهما: إلحاقها بالطهارة، لأن كل واحدة منها ذات بدل فلما اعتبرت الطهارة بحال الأداء فكذلك الكفارة.
والثاني: أنها مواساة فاعتبرت بأقرب الأحوال من مواساته.
والثالث: وهو مخرج أن المعتبر بالكفارة أغلظ الأمرين من حال الوجوب أو حال الأداء، لأنها تكفير عن ذنب، فكانت بالتغليظ أخص، وقد استوفينا هذه المسألة فيما تقدم بفروعها.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَمَنْ لَهُ أَنْ يَاخُذُ مِنَ الكَفَّارَةِ وَالزَّكَاةِ فَلَهُ أَنْ يَصُومَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ وَلا يُعْتِقَ فِإنْ فَعَلَ أَجْزَأًهُ ".
قال في الحاوي: أعلم أن مصرف الكفارات في الفقراء والمساكين خاصة، ومصرف الزكاة في الفقراء والمساكين، وفي بقية اهل السهمان الثمانية فاشترك الفقراء والمساكين في الكفارات والزكوات، واختصت الزكاة ببقية الأصناف دون الكفارات هذا الكلام في مصرفها.
فأما وجوبها، فكل من وجبت عليه الزكاة وجب عليه التكفير بالمال، وقد يجب التكفير بالمال على من لا تجب عليه الزكاة إذا ملك أقل من نصاب، وقد يجب التكفير بالمال على من يحل له الزكاة والكفارة، وهو من وجدها فاضلة عن قوته وقوت عياله، ولا يصير بفضلها غنيًا، فيجب عليه التكفير بالمال دون الصيام، ولوجودها في ملكه فاضلة عن كفاية وقته، ويحل له أن يأخذ من الزكوات والكفارات لدخوله في حكم الفقر والمسكنة بعدم الكفاية المستديمة، وقد يسقط التكفير بالمال، وبعدل عنه إلى الصيام من يحرم عليه أخذ الزكاة والكفارة، وهو الجلد المكتسب قدر كفايته في كل يوم من غير زيادة يكفر بالصيام دون المال لعدمه في ملكه، وتحرم عليه الكفارة والزكاة، لاستغنائه عنها بمكسبه.
فإن قيل: فإذا كان الأمر على هذا التفصيل فلم قال الشافعي: ومن له أن يأخذ من الكفارة والزكاة فله أن يصوم؟ وقد قلتم فيما فضلتم: إنه قد يجوز أن يأخذ من الزكاة
[ ١٠ / ٤١٧ ]
والكفارة من لا يجوز أن يصوم عنه في الكفارة، فمنه جوابان:
أحدهما: أن الشافعي أشار إلى الأغلب من أحوال الناس، والأغلب ما قاله.
والثاني: أن الشافعي قصد به أبا حنيفة حيث اعتبر الغنى والفقر بوجود النصاب وعدمه، وهو عنده معتبر بوجود الكفاية المستديمة فيكون غنيًا، وإن لم يملك نصابًا إذا كان مكتسبًا بيديه، ويكون فقيرًا وإن ملك نصابًا إذا كان دون كفايته، وقد أوضحنا ذلك في قسمة الصدقات.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإنْ كَانَ غَنِيَّا وَمَالُهُ غَائِبٌ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُكَفَّرَ حَتَّى يَحْضُرَ مَالُ إِلاَّ بِالإِطْعَامِ أَوْ الكُسْوَةِ أَوْ العِتْقِ ".
قال في الحاوي: قال المزني جعل حكمه حكم الموسر إذا كان المكفر ذا مال غائب، إما بأن سافر عن مال خلفه ببلده، وإما بأن سافر بالمال وهو مقيم في بلده فلم يقدر على التكفير بالمال لغيبته عنه، فهو على مذهب الشافعي في حكم الموسر، ولا يجوز له الصيام حتى يقدر على ماله فيكفر بالمال.
وقال أبو حنيفة: هو في حكم المعسرين يجوز له أن يكفر بالصيام، لأنه لما حل له أن يأخذ الزكاة والكفارة لحاجته جرى عليه حكم الفقر من كفارته، وهذا خطأ لأن الحاجة مختصة بمكانه، والكفارة معتبرة بإمكانه.
فإن قيل: أفليس المتمع في الحج إذا كان معسرًا في مكة موسرًا في بلده كفر بالصيام كالمعسر، فهلا كان كذلك في كفارة الأيمان قيل: الفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن مكان الدم في التمتع مستحق بمكة، فاعتبر يساره أو إعساره بها ومكان الإطعام في غيره مطلق فاعتبر يساره وإعساره على الإطلاق.
والثاني: أن الصوم في كفارة التمتع للزمان في صوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع فكان في تأخيره فوات بدله، وليس لصيام اليمين زمان معين يفوت بتأخيره فافترقا.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا لم يخل حاله في كمال فروضه من ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يفوت بتأخيره إلى حال الكمال، وذلك مثل صلاة العريان والمئيم وكفارة المتمتع، ففرضه تعجيل أدائه على غنى.
والثاني: ما لا يفوت بتأخيره ولا يدخل عليه ضرر بالتأخير مثل كفارة اليمين والقتل وزكاة الفطر ففرضه إذا قدر على الكمال أن يؤخره إلى حال الإمكان.
[ ١٠ / ٤١٨ ]
والثالث: ما لا يفوت بتأخيره، لكن يلحقه بالتأخير ضرر مثل كفارة الظهار يلحقه بتأخيرها ضرر في امتناعه من الجماع ففيه وجهان:
أحدهما: يجب تأخيرها باليسار في بلده حتى يعتق لأنه غنى.
والثاني: يجوز أن يجعل التكفير بالصيام؛ لأنه مستنصر، وهكذا حكمه لو كان ضالًا أو مغصوبًا لا يجوز أن يكفر حتى يقدر على ماله فيكفر به، فإن تلف ماله قبل وصوله إليه لم يخل حاله من أحد أمرين:
أحدهما: أن يقدر على التكفير له قبل وصوله إليه بأن يكاتب أو يراسل إلى بلد المال بالتكفير عنه، فلا يفعل حتى يتلف المال فهذا في حكم من كان موسرًا عند الوجوب معسرًا عند الأداء فيكون في تكفيره بالصيام على قولين:
أحدهما: يجوز أن يكفر به إذا اعتبر بها حال الأداء.
والثاني: لا يجوز أن يكفر إلا بالمال إذا اعتبر بها حال الوجوب.
والثانية: أن لا يقدر على التكفير بالمال حتى يتلف فيجزئه التكفير بالصيام قولًا واحدًا لأعساره في حالتي وجوبها وأدائها والله أعلم.