مسألة:
قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَامَ سَبْيِ أَوْطَاسٍ أَنْ تُوطَأ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ وَلَا يَشُكُّ أَنَّ فِيهِنَّ أَبْكَارًا أَوْ حَرَائِرَ كُنَّ قَبْلَ أَنْ يُسْتَأمَيْنَ وَإِمَّا
[ ١١ / ٣٨٤ ]
وَضِيعَاتٍ وَشَرِيفَاتٍ فَكَانَ الأَمْرُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ فِيهِنَّ وَاحِدًا" [ق ١٣٩ أ].
إذا ملك الرجل جارية بشراء أو هبة أو ميراث أو غنيمة أو وصية لا يجوز له أن يطأها حتى يستبريها سواء كانت الجارية بكرًا أو ثيبًا صغيرة لا يمكن وطئها أو كبيرة يمكن وطئها وسواء كانت ممن تحبل، أولا تحبل شريفةٍ كانت أو دينة للعلة التي ذكرها الشافعي ههنا وهي حدوث الملك على جارية محرمة عليه.
واعتبر الشافعي حدوث الملك وكون الفرج محرمًا عليه قبل الملك؛ لأن الرجل إذا تزوج ثم استبرأها لا تجب عليه أن يستبرئها، لأن الفرج كان مباحًا له قبل الملك.
وبه قال عمر، وعثمان، وعبد الله بن مسعود، وابن عمر، والحسن، وعطاء، وابن سيرين، وعكرمة، وجماعة الفقهاء ﵃، وقال داود: إن كانت بكرًا فلا استبراء عليه، وإن كانت ثيبًا يلزمه الاستبراء.
وروي هذا عن ابن عمر ﵁، وقال مالك: إن كانت عمن لا تجامع مثلًا فلا استبراء، وإن كانت ممن تجامع مثلًا يلزمه الاستبراء.
وحكي صاحب المفتاح عنه أنه قال: تستبرأ الشريفة ولا تستبرأ الدنية، وقال الليث بن سعد: إن كانت ممن يحبل مثلها فعليها الاستبراء، وإن كانت ممن لا تحبل مثلها فلا استبراء عليها، وقال المزني من مختصر: المختصر عندي أنه لا يلزم الاستبراء بحالٍ إلا أن تكون موطأة أو كانت حائلًا وأنا أميل إلى هذا.
واحتجوا بأن الغرض بالاستبراء معرفة براءة الرحم، فإذا كانت بكرًا أو لا تحبل لا حاجة إليه، وهذا غلط لما ذكر الشافعي من الدليل وأشار على لفظ الخبر ولولا ذلك لكان الأول أن يقول نهى عام سبي أوطاس أن توطأ حامل حتى تضع أو حائل حتى تحيض وكان الأولى بعدما قصد إلى اللفظ أن يقول: قال رسول الله ﷺ [ق ١٣٩ ب] ويذكر الخبر، وقوله قبل أن يستأمنن أي قبل أن يصون بالاسترقاق إماءً.
وروى أبو الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ كان في غزوة رأى امرأة محجمًا.
فقال: لعل صاحبها ألم بها قالوا: نعم، فقالت: لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه في قبره كيف يورثه وهو لا يحل له وكيف يستخدمه وهو لا يحل له" والحج الحامل المقرب وفيه بيان أن الواطئ الحامل من السبايا لا يحل حتى تضع الحمل وقوله كيف يورثه وهو لا يحل له يريد به أن ذلك الحمل قد يكون من زوجها المشترك فلا يحل له استلحاقه وبورثته، وقد يكون منه إذا وطئها بأن ينعس ما كان في الظاهر حملًا وتعلق من وطئه فلا يجوز له نفيه واستخدامه، وفي هذا دليل على أن الأمة تصير فراشًا بالوطء.
وروى أنس ﵁ أن النبي ﷺ استبرأ صفية بحيضة، وروى رويفع بن ثابت الأنصاري أن النبي ﷺ قال يوم حنين: "لا يحل لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر سقي مائه زرع غيره" يعني إتيان الحبالى.
[ ١١ / ٣٨٥ ]
فرع:
قال القفال: قال في الأم ورواية الربيع إذا اشترى أمة معتدة من زوج فانقضت عدتها لا يلزم الاستبراء، ولو زوج أمته فأصابها الزوج، ثم طلقها فاعتدت يلزم الاستبراء. وقال في الإملاء في المسألة الأولى: يلزم الاستبراء وفي المسألة الثانية لا يلزم الاستبراء فاختلف جوابه هكذا في الكتابين على التضاد، وقد سألت كثيرًا من أصحابنا فلم يزد أحد منهم على أن قال للشافعي في المسألتين قولان:
أحدهما: يدخل الاستبراء في العدة.
والثاني: لا يدخل وهذا وإن كان كذلك [ق ١٤٠ أ] فلابد من أن يكون لفصل الشافعي بينهما واختلاف جوابه معنى فالمعنى الذي اعتبره الشافعي في الأم أن الاستبراء تجب عند حدوث الملك الذي اعتبره الشافعي في الأم أن الاستبراء تجب عند حدوث الملك على الفرج فمتى كان الفرج مشغولًا بحث الغير لم يجب فعلى هذا في المسألة الأولى لا تجب وفي الثاني: يجب لأن ملكه على الفرج إنما حدث عند فراغها من العدة، وإذ ذاك لم يكن للغير حق فوجب الاستبراء كما لو كانت أمة فعجزت أو زوج أمته فطلقها زوجها قبل الدخول، واعتد في الإملاء على معنى آخر وهو أن العدة إذا حصل كلها في ملكه حصل الاستبراء له، وإذا حصل بعضه في غير ملكه لم يعتد به، وهذا حسن لم يقله غيره.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ بَاعَ جَارِيَةً مِنْ امْرَأَةٍ ثِقَةٍ وَقَبَضَتْهَا وَتَفَرَّقَا بَعْدَ البَيْعِ، ثُمَّ اسْتَقَالَهَا فَأَقَالَتْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئُهَا".
الفصل:
قصد الشافعي بهذا التصوير التنبيه على أن الاستبراء حيث يجب إنما يجب بسبب حدوث الملك سواء كان الوطء من البائع موهومًا أو غير موهوم، فلو كنا نأمر بالاستبراء لتوهم الوطء لما أوجبناه في هذه المسألة لأنا تيقنا أنها بين البيع والإقامة كانت مصونة عن الوطء وجملته أنه إذا باع أمته من امرأة أو خصي أو رجل عدل، ثم استقال في الحال فأقاله انتقل الملك إليه قبل أن يطأها المشتري ولا يحل له وطئها حتى يستبرئها سواء كان بعد قبض المشتري أو قبل قبضه.
وقال أبو يوسف: إن كانت الإقالة بعد القبض يلزم الاستبراء، وإن كانت قبل القبض فالقياس أن يستبرئها ولكنه لا يجب استحبابًا.
وروي هذا عن أبي حنيفة، وهذا لأن قبل القبض باقية على حكم ملكه، وهذا غلط، لأنها حرمت عليه بعقد معاوضة وحلت له بفسخه فيجب الاستبراء كما لو كان بعد
[ ١١ / ٣٨٦ ]
القبض. وأما ما ذكره لا يصح لأنها [ق ١٤٠ ب] ملك المشتري يلزمه نفقتها، وعلى ما ذكرنا قال القاضي الطبري: لو فسخ البائع البيع في المجلس قبل التفريق، وقلنا: الملك للمشتري لا يجب الاستبراء عليه لأنه استحدث عليها ملكًا بعد التحريم.
فإن قيل: أليس يجوز للبائع وطئها في مدة الخيار فيل نعم ويكون وطئه فسخًا، فأما الوطء مع انتقال الملك فمحرم.
مسألة:
قَالَ: "والاسْتِبْرَاءُ أَنْ تَمْكُثَ عِنْدَ المُشْتَرِي طَاهِرًا بَعْدَمَا مَلِكَهَا".
الفصل:
أراد به أن الاستبراء واجب على المشتري دون البائع، فإن استبريء البائع وباعها لم يسقط عن المشتري والمستحب أن يستبرئها البائع أيضًا إن كان قد وطئها، وإن لم يكن وطئها فلا مانع له، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وقد ذكرنا في كتاب البيع عن النخعي وجماعة أنه يجب على البائع والمشتري معًا؛ لأن البائع يلزمه حفظ مائه وكذلك المشتري يستبرئها لحفظ مائه، وهذا غلط؛ لأن الاستبراء في حق الحرة آكد لأنه ثلاثة أقراء، ثم لا يجب قبل النكاح وبعده فههنا أولى وما ذكره يبطل بالحرة.
وقال عثمان البني: يجب الاستبراء قبله كالنكاح، وهذا غلط لأنه ملك استمتاع جارية بملك اليمين بعد تحريمها عليه فكان عليه الاستبراء كالمسبية.
وأما ما ذكره لا يصح في المحرمة بخلاف النكاح، والاستبراء يكون في يد المشتري، وإن كانت جميلة ففي يدي عدل، وقد ذكرنا ذلك في كتاب البيع وهذا غلط لأنه استبراء لاستحداث ملك فأشبه إذا كانت قبيحة.
واعلم أن أبا حامد قال: لو استبرأها قبل القبض بعد لزوم البيع لم يعتد به ويلزمها استبراء آخر بعد القبض؛ لأن الشافعي قال: "والاستبراء أن تمكث عند المشتري طاهرًا" ولأن الملك لم يستقر بعد فأشبه إذا كان قبل التفرق، قال: وهكذا إذا أوصى له بجارية ومات [ق ١٤١ أ] فقبل الوصية ملكها، وإن لم تقبض ولا تعتد بالاستبراء قال: ولو ورث جارية فاستبرأها قبل القبض وقع الاستبراء موقعه والفرق أن بالميراث تصير كالمقبوضة بدليل أنه يجوز له بيعها في الحال، فلها يعتد بالاستبراء هناك بخلاف مسألتنا والمسألة خلاف هذا على ما ذكرنا في كتاب البيع؛ لأن الشافعي قال: بعد هذا ولو لم يتفرقا حتى وضعت حملًا لم تحل له حتى تطهر من نفاسها ويحيض حيضة ولم يشترط القبض، لأن الملك قد تمّ ولزم فأشبه إذا كان بعد القبض.
وأما قول الشافعي: "الاسْتِبْرَاء أَنْ تَمْكُثَ عِنْدَ المُشْتَرِي" قصد به الرد على مالك
[ ١١ / ٣٨٧ ]
حيث قال: إذا كانت حسنة تكون في يد عدل على ما ذكرنا، وأما قوله: تمكث طاهرًا بعدما ملكها ثم تحيض حيضة معروفة، فإذا طهرت منها فهو الاستبراء يريد به أن الاستبراء بالحيض ولكن يكون حيضة معروفة أي صحيحة، وهو أن يكون أقله يوم وليلة وأكثره خمسة عشر ولا بد من أن تمكث طاهرًا، ثم تحيض حيضة لأنها كانت حين ملكها طاهرًا فلا بد من أن تحيض حيضة، فإذا طهرت حلت، وإن كانت حائضًا فلا تحتسب بنفسها، فإذا طهرت، ثم حاضت حيضة كاملة، ثم طهرت ثانيًا حلت، وقد ذكرنا ما قيل فيه، وإن كانت لا تحيض فاستبرؤها بشهر.
وقال عمر بن عبد العزيز، ومجاهد، وطاوس، وعطاء، وابن سيرين: ثلاثة أشهر وهو قول آخر لنا، وهو الصحيح عند كثير من أصحابنا، ثم قال: فإن استبرأت أمسك حتى يعلم أن تلك الريبة لم تكن حملًا وأراد إذا استبرأت نفسها بحيضة ثم استبرأت فعلى السيد أن يمسك عنها، ولفظ الشافعي يدل على هذا أنه قال: ولا أعلم مخالفًا في المطلقة لو حاضت ثلاث حيض وهي ترى [ق ١٤١ ب] أنها حامل لم تحل للأزواج إلا بوضع الحمل والبراءة من أن يكون حملًا.
مسألة:
قَالَ: "وَلَا تَحِلُّ لَهُ قَبْلَ الاسْتِبْرَاءِ التَّلَذُّذُ بِمُبَاشَرَتِهَا".
الفصل:
إذا ثبت أن الاستبراء على المشتري فلا يحل له وطئها حتى يستبرئها، وأما دواعي الجماع من القبلة واللمس والنظر بشهوة فلا يحل له أيضًا في زمان الاستبراء المعنيين بأحدهما أنه استبراء لصيانة الماء فأشبه المعتدة من زود. والثاني: وهو الأظهر أنها قد يكون من سيدها أو وطء شبهة فتكون أم ولد غيره فيؤدي إلى مباشرة أم ولد غيره ولا يجوز ذلك هذا إذا ملكها بغير السبي، فإن ملكها بالسبي والاغتنام فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز شيء من هذا قياسًا على المملوكة بغير السبي.
والثاني: يجوز ذلك، وهو ظاهر المذهب لأن هذا لا تخلو إما أن تكون حائلًا أو حاملًا فإن كانت حائلًا فهي مملوكة له، وإن كانت حاملًا لا تكون أم ولد للمشترك وتكون هي وولدها مملوكين له، فإن قيل فقولوا: يجوز وطئها أيضًا لهذا المعنى قلنا: إنما حرمنا وطئها لئلا يختلط ماءه بماء المشترك، وكان الاستبراء واجبًا لحرمة ماء المسلم دون المشرك، ولأنه روي عن عبد الله بن عمر ﵁، أنه قال: وقع في سهمي جارية من سبي حلولًا فنظرت إيها، فإذا عتقها مثل الإبريق فلم أتمالك أن وثبت عليها فقبلتها والناس ينظرون ولم ينكر عليه أحد.
[ ١١ / ٣٨٨ ]
فرع:
لو وجبت العدة على زوجة الغير بوطء شبهة لا يحل للزوج وطئها ما دامت في عدتها وهل تحل التلذذ بما دون الوطء وجهان لأن المقصود نفي اختلاط البائن وهي بعد العدة حلال للزوج كالمسبية، وهكذا لو زوج أمته، ثم طلقها بعد الدخول وانقضت عدتها، ثم عادت إلى السيد يلزمها [ق ١٤٢ أ] الاستبراء بعد العدة تعتد في أحد الوجهين وهل يحرم في هذا التلذذ وجهان:
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ لَمْ يَفْتَرِقَا حَتَّى وَضَعَتْ حَمْلًا لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ نِفَاسِهَا، ثُمَّ تَحِيضَ حَيْضَةً مُسْتَقْبِلَةً".
الفصل:
إذا اشترى جارية حائلًا فاستبرأها يكون بوضع الحمل، وإنما يصح ذلك إذا كان حملها مملوكًا، فإذا وضعت نظر، فإن وضعت بعد لزوم البيع وانبرامه وهو بعد التفرق وقع الاستبراء موقعه، وإن وضعت قبل لزوم البيع مثل أن وضعت في مدة خيار المجلس له وخيار الشرط.
فإن قلنا: الملك في زمان الخيار للبائع لم يعتد به عن الاستبراء، فإذا تفرقا وطهرت من النفاس، ثم حاضت حيضة حصل الاستبراء ولا يحتسب بالنفاس من الاستبراء لأنه تابع للولادة التي قبله.
وإن قلنا: ينتقل الملك بنفس العقد إلى المشتري أو قلنا إنه مراعى فهل يعتد بهذا الوضع عن الاستبراء وجهان ذكرهما أبو إسحاق:
أحدهما: يعتد به لأنه استبراء بعد حدوث الملك.
والثاني: لا يعتد به لا الملك لم يستقر بدليل أن للبائع انتزاعها من ملكه.
وقال صاحب الحاوي: إن كان وضع الحمل حصل الاستبراء وجهًا واحدًا على هذا القول ولو كان بدل الحمل قرء فيه وجهان خرجهما أبو إسحاق لأن الاستبراء بالحمل أقوى من الاستبراء بالقرء، وهذا لا يصح لأنه يحصل الاستبراء بهما كما أعرف فرقًا بين الحمل والوضع.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَانَتْ أَمَةً مُكَاتِبَةً فَعَجَزَتْ لَمْ يَطَأَهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئْهَا".
[ ١١ / ٣٨٩ ]
إذا كانت السيد أمته فعجزت عن الأداء ورقت أو زوجها فطلقها زوجها قبل الدخول [ق ١٤٢ ب] فارتد أحدهما أي الجارية أو سيدها ثم عاد إلى الإسلام لم يكن له وطئها حتى يستبرئها.
وقال أبو حنيفة: له وطئها من غير استبراء في هذه المواضع؛ لأن ملكه لم يزل عنها، وإنما حرمت بعارضٍ كما لو رهنها، ثم فكها من الرهن، وهذا غلط لما ذكره الشافعي أنها ممنوعة منه، ثم أبيح بالعجز ولا يشبه صومها الواجب عليها وحيضها، ثم يخرج من ذلك؛ لأنه يحل له في ذلك أن يلمسها ويقبلها ويحرم ذلك في الكتابة كما يحرم إذا تزوجها، وتحرير هذا أن كل من ملك الاستمتاع بجارية بعد تحريمها عليه لم يحل له وطئها قبل الاستبراء، ولا يدخل على هذا الصائمة إذا خرجت من صومها، والحائض إذا طهرت من الحيض لأنهما لم يكونا محرمتي الاستمتاع، وكذلك الأمة إذا رهنها، ثم فكها من الرهن لا يلزمه أن يستبرئها؛ لأن الرهن لا يحرم الاستمتاع بها، فإن له أن يقبلها وله أن يطأها إن كانت صغير لا تحبل مثلها، ولا يدخل على هذه الأمة إذا أحرمت بحج أو عمرة، ثم حلت؛ لأن مولاها لم يزل ملكه من الاستمتاع بها فلا يقال إنها لما حلت من الإحرام ملك الاستمتاع بها، وإذا عجزت ملك المولى ذلك فدل على الفرق بينهما.
قال الفقال: وعلى هذا الخلاف إذا وطء إحدى الأختين، ثم كاتبها حلت له الأخرى في الحال عندنا، وقال أبو حنيفة: لا تحل، ثم قال الشافعي: وإنما قلت طهر، ثم حيضة حتى تغتسل منها؛ لأن النبي ﷺ دل على أن الأقراء الأطهار بقوله ﷺ لابن عمر ﵁ يطلقها طاهرًا من غير جماع فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء، وأمر ﷺ من الإماء أن يستبرئن بحيضة فكانت الحيضة الأولى أيامها طهرًا كما كان الطهر. أما من الحيض فكان قصد النبي ﷺ [ق ١٤٣ أ] في الاستبراء إلى الحيض، وفي العدة إلى الأطهار كان قائلًا قال له: لم يفرق بين عدة الطلاق بالنكاح تكون بالطهر وبين الاستبراء بالحيض؟ فقال: لأن الشرع فرق بينهما كما ذكر.
واعلم أن اللفظ إشكالًا وذلك أنه قال: وإنما قلت طهر، ثم حيضة فأوهم بظاهره أن الاستبراء يقع بالطهر، فذهب بعض أصحابنا إلى هذا الظاهر فقال: إذا استبرأها طاهرًا فحاضت حلت من الاستبراء وجاز في حيضها ما يجوز من الاستمتاع بالحائض ولكن آخر كلام الشافعي في هذا الفصل يمنع صحة هذا القول؛ لأنه قال: فكان قصد النبي ﷺ في الاستبراء إلى الحيض؛ وفي العدة إلى الأطهار وإزالة الإشكال عن أول هذا الفصل بأن يقال: معنى قوله: وإنما قلت: طهر ثم حيضة أنه لو استبرأها حائضًا لا تحتسب بقية الحيضة والاستبراء لا يقع إلا بحيضة أولها وآخرها في ملك المشتري، ولم يرد أن الاستبراء بالأطهار وكيف يريد ذلك.
وقد روى حديث ابن عمر، وحديث أوطاس وفرق بينهما بهذا، وأما قول الشافعي
[ ١١ / ٣٩٠ ]
وكانت الحيضة الأولى أمامها طهرًا كما كان الطهر أمامه الحيض لفظ مشكل فظاهره أن الطهر في العدة أمامه حيض كما أن الحيض المحسوب في الاستبراء حيض أمامه طهرًا وإزالة الإشكال أن يقال يحتمل أن يكون الشافعي أراد بهذا الطهر الثاني من العدة فإنه يتبع الحيضة، أو أراد الصغيرة التي لم تحض قط فطلقها زوجها فحاضت بعد الطلاق قبل تمام الأشهر الثلاثة، فلا يتصور أن يحتسب لها في العدة قرء حتى تكون أمامه حيض، فأما إذا حملنا لفظه على غير هذين الموضعين فلا يمكن؛ لأن بقية الطهر بعد الطلاق قرء محسوب، وإن لم تكن أمامها حيض بعد طلقها [ق ١٤٣ ب].
فرع:
لو اشترى أمة مجوسية فاستبرأها، ثم أسلمت لا يجوز له أن يطأها بعد الإسلام حتى يستبرئها، ولا تعتد بالاستبراء الذي حصل في حال الكفر؛ لأنه لا يفيد الإباحة الاستبراء المعتد به إنما هو إذا تعلقت به الاستباحة وقيل: فيه وجه آخر أنه يعتد بذلك الاستبراء وعلى هذا عن أبي حامد ولا يوجد في تعاليقه ذلك، قال أصحابنا: وهكذا إذا اشترى أمة مجوسية فكاتبها، ثم أسلمت واستبرأها بعد إسلامها ثم عجزت لم تحل لمولاها إلا بأن يستبرئها، وهذه المسألة ليست من جنس ما قبلها لأن ههنا وجب بالعجز استبراء جديد، فإنه استحدث الملك على الاستمتاع.
فرع آخر:
لو كان لرجل عبد مأذون له في التجارة فاشترى العبد أمة واستبرأها بالحيضة، فحجز المولى عليه ومنعه من التصرف ينظر، فإن لم يكن على العبد دين فقد حلت الجارية للمولى بالاستبراء السابق، وإن كان على العبد دين لم يصح الاستبراء؛ لأن الجارية محرمة على المولى لتعلق ديون الغرماء بها، فلا يصح الاستبراء في حال التحريم، وكان عليه أن يستبرئها في حال ينفعه الاستباحة هكذا ذكر جميع أصحابنا.
وقال صاحب الحاوي: عندي أنه لا يلزم الاستبراء وتحل له الاستبراء المتقدم لوجوده بعد استقرار الملك والرهن لا يوجب الاستبراء كذلك ههنا ذكر في الشامل أنه لا يحتسب الاستبراء في حال الرهن وهو غلط ظاهر.
فرع آخر:
لو اشترى أمةً من ذوات الأقراء فتباعد حيضها فهي كالمعتدة إذا تباعد حيضها وفي الجملة كل جنس تعتد به الحرة تعتد به الأمة إلا أنهما يختلفان في مقدارها وفي أنه بالحيض دون الطهر في أصح القولين على ما ذكرنا.
[ ١١ / ٣٩١ ]
فرع آخر:
[ق ١٤٤ أ] قد ذكرنا فيما تقدم أنه إذا اشترى زوجته الأمة لم يجب عليه أن يستبرئها؛ لأنها كانت حلالًا له فانقلبت من الإباحة بالنكاح إلى الإباحة بملك اليمين. قال الشافعي: واستحب له أن يستبرئها؛ لأن الولد من الماء الذي كان في النكاح رقيق ولا تصير به أم ولدٍ له، والولد المخلوق من الماء الذي يحصل في ملكه حر وتصير الجارية أم ولدٍ له فالمستحب أن يستبرئها حتى يتميز أحد الماءين عن الآخر، وقيل فيه وجه آخر إنه يجب الاستبراء، وهذا غلط لا يحكى.
فرع آخر:
لو اشترى لأمة فظهر بها حمل فولدت فقال البائع: هو مني كنت وطئتها قبل البيع، نظر في المشتري، فإن صدقه كانت الجارية للبائع والولد حر والبيع باطل، وعليه أن يرد ثمنها على المشتري، وإن كذبه المشتري نظر، فإن كان البائع لم يقر بالوطء إلا بعد البيع فلا يصرف؛ لأنه متهم في حق المشتري فلا يقبل قوله فيه كما لو باعها، ثم قال: كنت أعتقتها أو غصبتها من فلانٍ فلا يصدق في حق المشتري، فعلى هذا تكون الجارية مملوكة للمشتري والولد مملوك له، وقال أبو حنيفة وحده، إن أتت به لدون ستة أشهر يصدق ويبطل البيع، وهذا غلط لما ذكرنا وهل يثبت نسبه من البائع؟ قولان. قال في "الأم و"الإملاء": يثبت أنه لا يمتنع أن يكون ابنًا للبائع مملوكًا للمشتري والثاني: قاله في "البويطي": لا يثبت لأن إقراره بالوطء تضمن ثلاثة أحكام:
أحدهما: أنها أم ولد.
والثاني: أن الولد حر.
الثالث: أنه ابنه فإذا لم يثبت إقراره حكمان كذلك الحكم الثالث.
وهذا لأنه لا يستضر به المشتري لو أعتقه ومات فإنه تقدم عليه في الميراث، وإن كان قد أقر به قبل عقد البيع نظر، فإن البائع قد استبرأها، ثم باعها لا يخلو من أحد أمرين:
إما أن تكون ولدت [ق ١٤٤ ب] لأقل من ستة أشهر فقد بينا أن الاستبراء لم يكن صحيحًا وأنها أم ولد له ويكون الحكم فيه على ما بيناه، وإن ولدت لستة أشهر فصاعدًا فلا يقبل إقراره فيه ويكون الولد منفيًا عن البائع وينظر، فإن لم يكن المشتري وطئها كانت الجارية والولد مملوكين، وإن كان وطئها المشتري وأتت به لستة أشهر من وقت وطئه وأقل من أربع سنين من وطء البائع فالولد يحتمل أن يكون من كل واحدٍ منهما فيرى القافة على ما بيناه.
واعلم أن أبا حامد ذكر في تعليقه ولو باع جارية قد أقرّ بوطئها ثم ولدت عند المشتري وأمكن أن يكون من كل واحد منهما، وذكر الحكم ووهم في (تخريجه)؛ لأن
[ ١١ / ٣٩٢ ]
ظاهر مذهب الشافعي أنه منتف عنه بعد ستة أشهر من الاستبراء فهي إن ولدت لأقل من ستة أشهر من استبراء البائع فهو لأقل من ستة أشهر من استبراء البائع فهو لأقل من ستة أشهر من وطء المشتري لأن وطئه بعد وطئ البائع فيكون لاحقًا بالبائع دون المشتري، وإن ولدته لستة أشهر من وطء المشتري فهو لأكثر من ستة أشهر من استبراء البائع؛ لأن استبراءه قبل وطء المشتري فيكون لاحقًا بالمشتري دون البائع، ويصح هذا التخريج على قول ابن سريج لأنه سوى بينها وبين الحرة فيقول ولد الأمة يلحق إلى أربع سنين كالحرة.
فرع آخر:
لو اشترى أمة فظهر بها حمل فقال المشتري للبائع: هذا الحمل كان موجودًا في حال عقد البيع فلي أن أردها بالعيب، وقال البائع: هل حدث عندك بعد البيع؟ نظر فإن كان لأقل من ستة أشهر فهو كان موجودًا في حال البيع أن يردها بالعيب، لأن الحمل عيب في بنات آدم لجواز تلفها، وإن كان لستة أشهر [ق ١٤٥ أ] فصاعدًا فالقول قول البائع مع يمينه؛ لأنهما إذا اختلفا في العيب ومثله يحدث في يد المشتري فالقول قول البائع مع يمينه، إن أنكر البائع الحمل فأن يريها القوابل، فإن قلن إنها حامل حكمنا به لأن للحمل أمارات من انتفاخ الجوف وكبره وحركة الولد، ونزول اللبن وسواد الثديين وهن أعرف بذلك. نرجع إلى قولهن لأنهن لم يخبرن بذلك عن علم بل يخبرن عن غالب ظن بالدليل.
فرع آخر:
أقل الحمل ستة أشهر ومعناه أقل ما تضع المرأة حملًا يعيش ستة أشهر فأما السقط وما تصور وتحلق ولا يعيش يكون بعد ثمانين يومًا وفي مدّة ثلاثة أشهر. وهذا إجماع ودليله قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] فذكر المدتين معًا، وأراد به أكثر مدة الرضاع وأقل مدة الحمل لأنه لا يجوز أن يريد أطول المدتين لأنه يزيد على ثلاثين شهرًا ولا يجوز أن يريد أنقص المدتين لأنه لا يبلغ ثلاثين شهرًا، ولا يجوز أن يريد أكثر مدة الحمل وأٌقل مدة الرضاع لأنه يزيد أيضًا فلم يبق إلا ما قلنا.
وروى أبو الأسود الديلي أن عمر بن الخطاب ﵁ رفعت إليه امرأة ولدت لستة وأمر برجمها فأتى علي ﵁ في ذلك فقال: لا رجم عليها فبلغ عمر فأرسل إلى علي فسأله عن ذلك فقال: لا رجم عليها لأن الله تعالى يقول: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] ستة أشهر وحولين كاملين تمامه لا رجم عليها فخلى عنها عمر هكذا رواه الإمام أحمد البيهقي [ق ١٤٥ ب].
وروى أصحابنا أن امرأة أتت بولدٍ لستة أشهر فهم عثمان ﵁ برجمها، فقال ابن عباس: إن خاصمتكم بكتاب الله تعالى فقال عثمان: وما ذاك فقال: ما قال علي فرجع إلى قوله. واستحسن الناس استخراجه وصارت المسألة إجماعًا. وذكر العقيبي
[ ١١ / ٣٩٣ ]
أن عبد الملك بن مروان: حملته أمه ستة أشهر، وأما أكثر مدة الحمل فعندنا أربع سنين وهو أصح الروايات عن مالك وأحمد.
وقال الثوري، وأبو حنيفة، والمزني، وعثمان: البتي أكثر سنتان، وروي ذلك عن أحمد وروت جميلة بنت سعد عن عائشة ﵂ أنها قالت: لا يكون الحمل أكثر من سنتين بقدر فلكة مغزل.
وقال الزهري، وربيعة، والليث: أكثره سبع سنين، وهو رواية أخرى عن مالك وروي عن مالك رواية ثالثة خمس سنين.
وقال أبو عبيد: لا حد لأكثره وهذا كله غلط؛ لأن الله تعالى ذكر الحمل مطلقًا ولا حد له في اللغة، ولا في الشرع فرجع فيه إلى العرف والعادة. وقد وجد هذا عادة في نادر من النساء.
قال الشافعي: بقي محمد بن عجلان في بطن أمه أربع سنين، وزاد الزبير بن بكار: حتى خرجت أضراسه. وقال الوليد بن مسلم: قلت لمالك بن أنس: إني حدثت عن عائشة أنها قالت: لا تزيد المرأة في حملها على سنتين قدر ظل المغزل، فقال: سبحان الله من يقول هذا لا هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان امرأة صدق وزوجها رجل صدق حملت ثلاثة أبطن في اثني عشر سنة تحمل كل بطن أربع سنين، وكانت تسمى حاملة الفيل [ق ١٤٦ أ].
وروي عن مالك بن دينار أنه أتى في الدعاء لامرأة حبلى منذ أربع سنين فدعا لها فولدت غلامًا جعدًا ابن أربع سنين قد استوت أسنانه، وروي عن علي بن يزيد القرشي: أن سعيد بن المسيب أراه رجلًا فقال: إن أبا هذا غاب عن أمه أربع سنين، ثم قدم فوضعت هذا وله ثنايا.
وقال القتيبي في المعارف: إن هرم بن حبان حملته أمه أربع سنين، وروي أن منظور بن ريان وضعته أمه لأربع سنين، وكذلك محمد بن عبد الله بن جبير، وكذلك إبراهيم بن نجيح العقيلي، وهذا إذا وجد في الأعيان ففي العامة أكثر فوجب الحكم به.
فإن قيل: روى أبو داود، عن الحسن بن علي الحلواني، عن سليمان بن عباد ابن العوام أنه قال: كان عندنا امرأة بواسط بقي الحمل في بطنها خمس سنين فولدت ولدًا وكان شعره إلى منكبيه فمرّ به طير فقال: بئس، فقالوا: وهذا زايد فكان أولى.
وروي عن الزهري أنه قال: رجل حمل سبع سنين، قلنا: الأخذ بالزائد أولى إذا ثبت وعندنا لم يثبت هذا ولا يتميز إليه، ثم مثل هذا الحكم لا يثبت بوجوده مرة بل يعتبر التكرار في جماعة من النساء، ولم يثبت ذلك، والله أعلم.
[ ١١ / ٣٩٤ ]