مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: "وَمَنْ حَلَفَ بِأَيِّ يَمِينٍ كَانَتْ ثُمَّ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَوْصُولًا بكَلاَمه فَقَد اسْتَثْنَى".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، الاستث ٣ ناء بمشيئة الله في الأيمان والنذور يمنع من انعقادها وتسقط حكمها في الإثبات والنفي، سواء كانت اليمين بالله تعالى أو بالطلاق والعتق.
وقال مالك: يصح الاستثناء في اليمين بالله، ولا يصح في الطلاق والعتق والنذور، وقد مضى الكلام معه في كتاب الطلاق، ومن الدليل عليه رواية أيوب، عن نافع، عن
[ ١٠ / ٣٨٥ ]
ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "من حلف على يمين فقال: إن شاء الله فقد استثنى" وروى طاوس عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " من حلف على يمين فقال: إن شاء الله لم يحنث" فكان على عمومه في كل يمين، ولأنه لما جاز تعليق جميع الأيمان من عتق، وطلاق، وغيره بالشروط والصفات، كان تعليقها بمشيئة الله تعالى أولى، ومشيئة الله غير معلومة فيها، فلم تنعقد، كما لو قال: والله لا دخلت الدار إن شاء زيد، أو قال لزوجته أنت طالق إن شاء عمرو، أو قال لعبده: أنت حر إن شاء بكر، ولم تعلم مشيئتهم حتى ماتوا سقطت أحكام هذه كلها لعدم العلم بها.
فإن قيل: فإن الله تعالى يشاء العتق؟
قيل: قد يجوز إن يشاءه في الحال، ويجوز أن لا يشاءه وقد يجوز أن يشاء الطلاق؟ لأنه قد أباحه، والمباح داخل في مشيئته.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَالوَصْلُ أَنْ يَكْونَ الكَلًامُ نَسَقًا وَإِنْ كَانَتْ بَيْنَةُ سَكْتَةٌ كَسَكْتَةِ الرَّجُلِ لِلَّذَكُّرِ أَوْ العِيَّ أَوْ التَّنَفُّسِ أَوِ انْقِطَاعِ الصَّوْتِ فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ وَالقَطْعُ أَنْ يَاخُذَ فِي كَلَامٍ لَيْسَ مِنَ اليَمِينِ مِنْ أَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ يَسْكُتَ السُّكُوتَ الَّذِي يُبَيَّنُ أَنَّهُ قَطَعَ".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن الاستثناء في الأيمان كلها مانع من انعقادها، وهو جائز وليس بواجب، وذهب بعض أهل الظاهر على وجوب الاستثناء بمشيئة الله تعالى، احتجاجًا بقول الله تعالى ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤].
والدليل على أنه مخير في الاستثناء أن رسول الله ﷺ استثنى في يمينه تارة، ولم يستثن فيها أخرى، فقال: "والله لأغزون قريشًا إن شاء الله"، وإلى من نسائه شهرًا، ولم يستثن.
وروى عن ابن عمر أن النبي ﷺ: "كان يحلف بهذه اليمين لا ومقلب القلوب". روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ كان إذا اجتهد في اليمين قال: "والذي نفس أبي القاسم بيده".
ولأن الاستثناء سبب يتوصل به إلى حل اليمين فلم يجب كالحنث.
فأما الآية فواردة على طريق الإرشاد والتأديب، أن لا يعزم على أمر إلا أن يقرنه
[ ١٠ / ٣٨٦ ]
بمشيئة الله تعالى في الأيمان، وغيرها ليكون بالله مستعينًا وإليه مفوضًا.
فصل:
فإذا ثبت جواز الاستثناء دون وجوبه، فلا تأثير لاستثنائه إلا أن يقوله موصولًا بكلامه، فإن انقطع عنه لم يكن لحكم، وحكي عن الحسن البصري، وعطاء أنه إن استثنى في مجلس يمينه صح، وإن استثنى بعد فراغه لم يصح. وعن ابن عباس روايتان:
إحداهما: أن الاستثناء يصح أبدًا في طويل الزمان وقصيره.
والثانية: أن يصح إلى حين، والحين عنده سنة ولا يصح بعدها احتجاجًا بقول الله ﷿: ﴿واذْكُر رَّبَّكَ إذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف:٢٤]. أي اذكر الاستثناء إذا نسيته فعم الأمر من غير تحديد.
وروى عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: " والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا، وسكت ثم قال: إن شاء الله" فدل على جواز الاستثناء متصلًا أو منفصلًا.
والدليل على بطلان الاستثناء بعد انقطاعه قول الله تعالى" ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]. فجعل الاستثناء على الفور دون التراخي، وقال رسول الله ﷺ: "من حلف فقال: إن شاء الله فقد استثنى"، فذكر الاستثناء بحرف الفاء الموجبة للتعقيب والفور.
ولأن عرف الناس في الكلام المنفصل أن يكون مخالفًا للكلام المتصل؟ ألا تراه لو قال لعبده: أنت حر وسكت، ثم قال بعد زمان: إن دخلت الدار، عتق بالكلام الأول، ولم يكن ما ذكره من دخول الدار شرطًا، ولو قال على عشرة دراهم وسكت ثم قال بعد وقت: إلا خمسة لم يكن ذلك استثناء ولزمته العشرة، لاستقرار حكم الكلام بالسكوت عليه، كذلك الاستثناء بمشيئة الله تعالى.
وأما قوله تعالى: ﴿واذْكُر رَّبَّكَ إذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف:٢٤] فقد قال عكرمة معناه: واذكر ربك إذا غضبت ليزول عنك الغضب عند ذكره وأما الخبر فقد ذكر الساجي أنه مرسل ورواه عكرمة عن رسول الله ﷺ ولو صح جاز أن يكون محمولًا على سكوته لانقطاع النفس، أو قاله بعد تطاول الزمان استعانة بمشيئة الله على مقاصده وإن لم يجعله استثناء في يمينه؟ لأنه قد وفي بها في غزو قريش.
[ ١٠ / ٣٨٧ ]
فصل:
فإذا ثبت اعتبار الاستثناء بالاتصال دون الانفصال، فالمتصل ما وصفه الشافعي أن يصله بيمينه على نسق، فإن سكت لنحنحة وانقطاع نفس أو عجز أو تذكر كلام لم يكن قطعًا، وكان كالمتصل لأن الكلام لا يمتد، ولابد أن يتخلله سكتات الاستراحة، فأما إن سكت بغير هذا، أو تكلم بين اليمين والاستثناء بما خرج عنه من أمر ونهي وكلام لا تعلق له باليمين والاستثناء بطل حكم الاستثناء، لأن استقرار اليمين بالخروج عنها إلى غيرها.
فصل:
ثم لا يصح الاستثناء فيها مع الاتصال إلا بالكلام، فإن نواه بقلبه ولم يتكلم به لم يصح، لأن اليمين لما ينعقد بالنية لم يصح الاستثناء فيها بالنية، ولزم أن يكون الاستثناء نطقًا كما لزم أن يكون اليمين نطقًا.
فإن قيل: أفليس لو قال لعبده: أنت حر ونوى بقلبه إن دخل الدار كان شرطًا في عتقه فيما بينه وبين الله تعالى، وكلا يعتق عليه إلا بدخول الدار، وإن لم يذكره نطقًا فهذا كان الاستثناء هكذا.
قيل: الفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: لأن الاستثناء رافع كالنسخ، ولا يكون النسخ إلا بالكلام كذلك الاستثناء، والشرط تخصيص بعضه وتخصيص العموم يجوز بالقياس من غير كلام.
والثاني: أنه مبطل لظاهر الكلام، فلم يبطل إلا بمثله من كلام ظاهر، والشرط مثبت فحمل الكلام المحتمل على مقتضى الشرط، فلم يفتقر إلى الكلام فافترقا، ثم لا حكم لتلفظه في الاستثناء بمشيئة الله تعالى حين يقوله ناويًا به الاستثناء فلم لم ينوه وسيق في لسانه من غير قصد أو جرى به عادته أن يذكر مشيئة الله تعالى في سائر أحواله لم يكن استثناء.
ألا ترى أن عقد اليمين لا يصح إلا بالنية والقصد، ويكون اللغو فيها عفوا، كذلك استثناؤها، وإذا ثبت اعتبار النية في الاستثناء نظر، فغن قصد الاستثناء عند التلفظ بيمينه صح إذا تكلم به بعد يمينه، وإن لم يقصد مع ابتداء اليمين وقصده مع التلفظ بالاستثناء ففي صحته وجهان:
أحدهما: يصح لوجود القصد فيه عند ذكره.
والثاني: لا يصح لإطلاق اليمين عند ذكرها، ويجوز أن يتقدم الاستثناء على اليمين فيقول: إن شاء الله والله لا كلمت زيدًا، ويجوز أن يكون الاستثناء وسطًا، فيقول: والله إن شاء الله، لأنه يكون في الأحوال كلها متصلًا بكلامه الذي يعتبر حكم أوله بآخره، وحكم آخره بأوله، وسواء قال في استثنائه: إن شاء الله، أو أراد الله، أو إن أحب الله، وإن اختار الله، كل ذلك استثناء.
[ ١٠ / ٣٨٨ ]
وكذلك لو قال: بمشيئة الله أو بإرادة الله أو باختيار الله، فكلمه استثناء والله أعلم بالصواب.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ قَالَ في يَمِينِهِ لأَفْعَلَنَّ كَذَا لِوقْتٍ إِلَّا أّنْ يَشَاءَ فُلَانٌ فَإِنْ شَاءَ فُلانٌ لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ مَاتَ أَوْ غَبِي عَنَّا حَتَّى مَضَى الوَقْتُ حَنَثَ قَالَ المُزَنِيُّ قَالَ بِخِلَافِهِ فِي بَابِ جَامِعِ الأَيْمَانِ".
قال في الحاوي: قال المزني: وصورة هذه المسألة أن يقول الحالف: والله لأدخلن هذه الدار اليوم إلا أن يشاء زيد فعين وقت دخوله في يومه فلا يبر بالدخول في غيره، وجعل مشيئة زيد استثناء فتعلق بمشيئة زيد أمران:
أحدهما: صفة مشيئته المشروطة.
والثاني: حكمها في الشرط، فأما صفة مشيئته فهو أن يشاء أن لا يدخل الحالف الدار، لأن الاستثناء ضد المستثني منه؛ لأن من حكم الاستثناء إذا عاد إلى إثبات أن يكون نفيًا، وإذا عاد إلى نفي أن يكون إثباتًا، فإن قال الحالف: أردت ألا أن يشاء زيد دخولي، فلا التزام الدخول حملت المشيئة على إرادته، لاحتمالها، وإن خالفت حكم الاستثناء، وأما حكم مشيئة زيد فهو مع اليمين بعد انعقادها، فتكون مشيئة زيد رافعة لعقد يمين الحالف؛ لأنه جعلها استثناء، ولم يجعلها شرطًا، والاستثناء ينفي الإثبات ويثبت النفي، واليمين ثابتة، فكان استثنائها نفيًا، فلو قال: أردت أن تكون مشيئة زيد شرطًا في إثبات اليمين لم يعمل على إرادته، لأنها تحيل حقيقة لفظه بما لا يحتمله؛ لأن قوله: إلا أن يشاء زيد ضد قوله: إن شاء زيد، فلا يجوز أن يعلق على اللفظ حكم هذه، وخالف صفة المشيئة إذا أراد خلاف إطلاقها لاحتماله، فإذا تقررت صورة المسألة، وحكم الاستثناء فيها بمشيئة زيد الرافع لعقد اليمين فلا يخلو حال الحالف من أن يوجد فيه البر أو لا يوجد، فإن كان البر منه موجودًا بدخول الدار في يومه فلا حنث عليه سواء وجدت مشيئة زيد أو لم توجد، لكن يكون دخوله بعد مشيئة زيد دخولًا بعد ارتفاع اليمين، فلا يتعلق به بر ولا حنث، ودخوله مع عدم المشيئة دخولًا يوجب البر في يمينه وإن لم يدخل الحالف الدار في يومه فقد عدم الفعل الذي يتعلق به البر، فتراعى حينئذ مشيئة زيد، هل ارتفعت اليمين بمشيئة، أو كانت على انعقادها لعدم مشيئته، ولا يخلو حال زيد فيها من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يعلم أنه قد شاء، فاليمين، قد ارتفعت بمشيئته، فلم يحنث الحالف بترك الدخول، لارتفاع اليمين.
[ ١٠ / ٣٨٩ ]
والثاني: أن يعلم أن زيدًا لم يشأ فاليمين منعقدة لعدم الشرط في رفعها، والدخول شرط في البر فيكون الحالف حانثًا، بترك الدخول لإخلاله بشرط البر.
والثالث: أن تخفي مشيئة زيد، فلم يعلم هل شاء أو لم يشأ، فقد نص الشافعي في هذه المسألة على أن الحالف يحنث بشرط الدخول، فجعل الشك في المشيئة موجبًا لسقوطها، وجعل اليمين على انعقادها فأوقع الحنث فيها، ونقل الربيع في كتاب الأم عن الشافعي في مسألة أخرى ضد هذا الجواب مع وجوب اشتراكهما فيه، وهو إذا قال الحالف: والله لا دخلت هذه الدار في يومي هذا إلا أن يشاء زيد فدخلها في يومه، ولم يعلم مشيئة زيد لم يحنث وهمًا في حكم المشيئة سواء، وإن اختلفا في الصورة، لأن اليمين في المسألة الأولى معقودة على دخول الدار، وفي المسألة الثانية معقودة على ترك دخولها، ومشيئة زيد في المسألتين جميعًا رافعة لعقد اليمين، وقد جعل الشك في مشيئة زيد رافعًا لليمين في المسألة الثانية، ولم يجعل الشك فيها رافعًا لليمين في المسألة الأولى، ولولا أن الربيع علل جواب المسألة الثانية أنه لا يحنث لجواز أن يكون زيد قد شاء فلا يحنث بالشك، فجاز أن ينسب الربيع إلى الوهم، أو ينسب الكاتب إلى الغلط، فاختلف أصحابنا في اختلاف هذين الجوابين مع اتفاقهم على استواء البر والحنث في المسألتين على وجهين:
أحدهما: أن خرجوا جواب كل واحدة من المسألتين إلى الأخرى وحملوهما على قولين:
أحدهما: يحنث بالشك في مشيئة زيد إثباتًا لعقد اليمين في المسألتين لأن الشك في صحة الاستثناء يوجب سقوط حكمه.
والثاني: لا يحنث بالشك في مشيئة زيد إثباتًا لصحة الاستثناء في المسألتين؛ لأن الشك في كفارة الحنث توجب سقوطها استصحابًا بالبراءة الذمة فهذا أحد وجهي أصحابنا.
والثاني: وقد حكاه أبو إسحاق المروزي، وأبو علي بن أبي هريرة ليس اختلاف الجوابين على اختلاف قولين، وإنما هو على اختلاف حالين، فحنثه الشافعي في المسألة الأولى إذا فات أن يستدرك مشيئة زيد بموته ولم يحنث في المسألة الثانية إذا أمكن استدراكها بغيبته حيًا، والتوصل إلى العلم بها، والله أعلم.
فصل:
فأما المزني فإنه لما نقل في مسألة الكتاب أنه يحنث بالشك بالمشيئة قال: قد قال: خلافه في باب جامع الأيمان، والذي أشار إليه المزني في باب جامع الأيمان ليست المسألة التي حكاها الربيع في كتاب الأم، وإنما أراد ما قاله الشافعي إذا حلف ليضرب عبده مائة، فضربه بضغث يجمع شمراخ كما قال الله تعالى لأيوب حين حلف ليضرب
[ ١٠ / ٣٩٠ ]
امرأته مائةً، ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: (٤٤)] فإذا ضرب عبده بمائةَ شمراخ مجموعةً، فإن أحاط علمه بوصول جميعها إلى بدنه بر، وإن أحاط عليه بأنه لم يصل إلى بدنه حنث، وإن شك في وصول جميعها إلى بدنه لم يحنث ولم نجعله بالشك في وصول الضرب حانثا، فبعث إلى المزني الجواب في مسألة الضرب على ما حكيت، وفي مسألة المشيئةَ على ما ذكرنا وقد يقع الفرق بين الشك فيها، فلا يحنث بالشك في وصول الضرب ويحنث بالشك في وجود المشيئةَ، وإن كان الفرق ضعيفًا، هو أن الفعل في وصول الضرب قد وجد فغلب حكم الظاهر في وصوله: وليس لوجود المشيئةَ فعل يعمل على ظاهره، فغلب حكم سقوطها، والله أعلم بالصواب.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ولو قال في يمينه لا افعل كذا إن شاء فلان فعلل ولم يعرف أو لم يشأ لم يحنث".
قال في الحاوي: وصورتها آن يقول الحالف: والله لأدخلن الدار في يومي هذا إن شاء زيد، فمشيئةُ زيد هنا شرط في انعقاد اليمين وليس بشرط في استثنائها ورفعها، فوجب أن تكون المشيئةَ موافقةً لعقد اليمين فيشاء أن لا يدخلها، بخلاف المشيئةُ، وفي الاستثناء الذي يتضمن ضد ما انعقدت عليه اليمين، فإن كان كذلك لم يخل أن يعلم مشيئةَ زيد أو لا يعلم، فإن علمنا حال مشيئةً لم يخل حالها أن تكون موافقةً لعقد اليمين أو مخالفةً، فإن كانت موافقةً لعقد اليمين وهو أن يشاء زيد أن لا يدخل الحالف الدار، واليمين منعقدةً لوجود الشرط في انعقادها فلا يبر في يمينه إلا بترك دخولها في يومه، فإن دخلها فيه حنث، وإن كانت مشيئةُ زيد مخالفةً لعقد اليمين؛ لأن زيدًا قد شاء دخول الحالف إليها، وقد حلف أن لا يدخلها، فاليمين غير منعقدةً؛ لأن شرط انعقادها في المشيئةُ مفقود، فإن قال الحالف: أردت بمشيئةُ زيد أن يشاء دخولي فلا أدخلها بيمين، حمل على إرادته في انعقادها لاحتماله، وإن خالف الظاهر، فأما إذا لم يعلم هل يشاء زيد أو لم يشأ لم تنعقد اليمين ولم يقع فيها حنث، لأن الشك في وجود شرطها يمنع من صحةُ انعقادها والله أعلم.