مسألة:
قال: "وَإِذَا كَانَتْ المَرأةُ يجُامَعُ مثْلهَا فَخَلَّتْ أَوْ جَلاَ أَهْلُهَا بَيَنهُ وَبَيْنَ الدُّخُولُ بِهَا وَجَبَتَ عَلَيْه نَفَقَتُها".
الكلام الآن في بيان الحالة التي تجب فيها النفقة ولا يخلو حال الزوجين من أربع أحوال. إما أن يكونا كبيرين أو يكون الزوج كبيرًا والزوجة صغيرة أو الزوجة كبيرة والزوج صغيرًا أو يكونا صغيرين، فإن كان كبيرين فالنفقة في مقابلة التمكين، وإن عدم التمكين فلا نفقة وينبغي أن يكون التمكين مستندًا إلي عقد صحيح، فإن وجد التمكين من
[ ١١ / ٤٦٠ ]
غير عقد أو وجد في عقد فاسد فلا نفقة، وتنبغي أن يكون التمكين كاملًا وهو أن تمكنه نفسها علي الإطلاق ولا يعترض في مكان مقامها وسكناها، فإن اعترضت فقالت: أنا أجلس في بيتي أو بيت أبي أو أنتقل معك إلي محلة طيبة [ق ١٩٢ أ] أو لا أسافر معك فلا نفقة، ولو عقد عليها عقد النكاح، ولم يظهر منها تسليم بالقول والامتناع ولا من الزوج مطالبة به فلا نفقة لها لأن الأصل أن لا نفقة لها حتى يحصل التسليم ولا يحصل ذلك إلا أن تقول: سلمت نفسي إليك فاحملني حيث شئت، وإذا أوجبت النفقة يلزمها إعطاءها، فإن أعطاها وإلا ثبتت في ذمة، وإذا مكنته نفسها هكذا، فإن كان حاضرًا وجبت النفقة من حيث ما ذكرت، وإن كان غائبًا فجاءت المرأة إلي الحاكم، وأظهرت تسليم نفسها، فإن الحاكم يكتب إلي الزوج بأنها قد سلمت نفسها إليك، فإن أخذ في المسير في الحال، وقدم عليها وتسلمها اتفق عليها من حين القدوم، وإن ترك المسير مع الإمكان فالنفقة يجب في ذمته من وقت انقضاء المدة التي يمكن فيها المسافة لأن الامتناع من جهته، وإن كان الزوج كبيرًا، وهي لم تبلغ إلا أنها مراهقة يمكن الاستمتاع بها فإن حكمها حكم الكبيرة، فإن سلمت نفسها استحقت النفقة لأن التسليم المستحق قد حصل، وإن سلمها أهلها صح أيضًا واستحقت النفقة لأن التسليم مستحق علي أهلها فأنها ليست بمخاطبة ويخالف الكبيرة في ذلك، فإن الكبيرة لا يصح تسليم أهلها لها وإنما الاعتبار تسليمها نفسها.
وقال بعض أصحابنا: يحتمل أن يقال إنها سلمت نفسها لا تجب النفقة إلا بعد أن تسلم ولا تجب ببذلها أنه لا حكم ليبذلها، وإن كانت صغيرة لا يمكن الاستمتاع بها وهو كبير.
قال في "الأم" وفي كتاب عشرة النساء: لا نفقة لها، وقال في موضوع آخر ولو قال قائل لها النفقة [ق ١٩٢ ب] كان مذهبًا فالمسألة علي قولين:
أحدهما: لا نفقة لها، وهو الصحيح واختاره المزني لأنه لا يصح تسليمها منه، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: وهذا إذا لم يكن فيها استمتاع لا يحصل التمكين ويفارق المريضة، لأن الاستمتاع يمكن فيها يمكن ولكنه نقص بالمرض.
والثاني: لها النفقة لا محبوسة عليه من غير تفريط في تسليم نفسها إليه فوجبت النفقة لها كالمريضة التي لا يمكن الاستمتاع بها، وإن كان الزوج صغيرًا والمرأة كبيرة فسلمت نفسها.
قال في "الأم" وفي كتاب عشرة النساء: لها النفقة وهو الصحيح، واختيار المزني، وقال في موضوع آخر: ولو قال قائل لا نفقة لها كان مذهبًا ففيها قولان:
أحدهما: لا نفقة لها، وبه قال أحمد في رواية لأنه لا يمكن الاستمتاع بها كما لو غابت ولا، التسليم إذا تعذر لا فرق بين أن يكون لمعني في المستحق عليه أن يسقط ما يقابله كتسليم المبيع.
[ ١١ / ٤٦١ ]
والثاني: لها النفقة، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد في الروية الأخرى وهذا لأنه يمكن الاستمتاع بها، وإنما تعذر بسبب من جهته فلم يسقط نفقتها كما لو غاب عن زوجته ويفارق إذا غاب لأنه التعذر هناك بسبب من جهتها. ومن أصحابنا من قال: هذا إذا كانت عالمة عند العقد أنه صغى، فإن لم تكن عالمة فعليه النفقة قولًا واحدًا، وإن كانا صغيرين نص في "الأم" علي قولين والنص الصحيح الظاهر أنه لا نفقة لها لأن التعذر بسبب من جهتها. وقال القفال في سقوط النفقة بالصغر ثلاثة أقوال:
أحدهما: تسقط بصغر أيهما كان.
والثاني: لا تسقط بصغر واحد منهما.
والثالث: تسقط بصغرها دون صغره، وهذا حسن ومرجعه إلي ما فصلناه.
مسألة:
قال: "وَلَوْ كَانَتْ مَرِيضةً لَزِمَتْهُ نَفَقُتهَا".
الفصل:
إذا تزوجت المرأة فمرضت عنده أو كانت مريضة [ق ١٩٣ أ] فسلمت نفسها علي حالتها وأنها تستحق النفقة لأنها تحت يده، وفي قبضته والاستمتاع بغير الوطء حاصل من جهتها، وتعذر الوطء لا يوجب سقوط النفقة كما لو كانت رتقاء أو نقول: المرض عارض ينقص الاستمتاع فأشبه الحيض، فإن قيل: أليس الصحيحة إذا بذلت الاستمتاع فيما دون الفرع لا تجب لها النفقة فينبغي أن تسقط النفقة بالمرض إذا تعذر به الوطء في الفرج. قلنا: المرض عارض يتكرر ويرجي زواله فلا يمكن إسقاط النفقة بخلاف صغرها.
مسألة:
قال: "وَلَوْ كَانَ فِي جمِاعِهَا شدَّةُ ضَرَرٍ مُنِعَ مِنْهاَ".
الفصل:
إذا كان الرجل عظيم الخلقة كبير البدن غليظ الذكر وهي نضو الخلق ضعيفة الجسم وعليها مشقة غير محتملة لجماعه ومتى جامعها لم تأمن من أن يجئ عليها بإفضاء أو غيره منع من جماعها كما لو كانت صغيرة وليس له الخيار في فسخ النكاح، بل يقال له أنت بالخيار بين أ، تمسك فعليك النفقة أو تطلق ولها نصف المهر، ثم لا يخلو إما أن يصدقها أو يكذبها، فإن صدقها يلزمه أن ينفق عليها وإن كذبها المهر، ثم لا يخلو إما أن يصدقها أو يكذبها، فإن صدقها يلزمه أن ينفق عليها وإن كذبها يري أربع نسوة فينظر إلي فرج زوجها عند الجماع ويجوز ذلك لأنه موضع ضرورة.
[ ١١ / ٤٦٢ ]
قال أبو إسحاق: يقبل ذلك من امرأة واحدة، لأن طريقة طريق الخبر دون الشهادة وهذا لا يصح لأن فيه إسقاط حق الزوج فافتقر إلي العدل كسائر الشهادات وهكذا إذا ادعت بفرجها قرحًا يضرّ بها وطئه.
مسألة:
قال: " وَلَوْ ارْتقَتْ فَلَم ْيَقْدرْ عَلَي جَمَاعِهَا فَهَذَا عَارِضٌ لاَ مَنْع يه ِمِنْهَا وَقَدْ جوُمِعَتْ فَتَستْحِق نَفَقَتهُا".
إذا كان الرتق قبل النكاح له الخيار قولًا واحدًا، وإن حدث بعد النكاح فيه قولان وقد مضي هذا في كتاب النكاح، فإن اختار فسخ النكاح سقطت النفقة، وإن لم يفسخ النكاح فعليه أن ينفق عليها لأنه المختار للمقام عليها، وقول الشافعي، وقد جومعت [ق ١٩٣ أ] ليس بشرط ولعله قال هذا ليعلم أن الرتق قد يحصل بعدما جومعت واعلم أن ظاهر الكلام يقتضي أ، ها لو كانت في الأصل رتقاء لا تستحق النفقة والمذهب أنها تستحق كما يستحق القسم لأنها أتت بأقصى ما في وسعها من التمكين ولعل الشافعي أن ينص من المسألة علي أظهر الحالين.
مسألة:
قال: "وَلَوْ أذِنَ لهَا فَأَحْرمَتْ أَو اعْتَكفَتْ أَوْ لَزمهَا نَذْرُ كَفَّارةٍ".
الفصل:
إذا دخلت المرأة في العبادة لا يخلو إما أن تكون العبادة حجًا أو عمرة أو اعتكافًا أو صوم رمضان، فإن كان حجًا لا يخلو من ثلاثة أحوال:
إحداها: أن تكون أحرمت بغير إذنه فلا نفقة لها قولًا واحدًا لأنها ناشزة.
والثانية: أن تكون أحرمت بإذنه وهو معها فلها النفقة قولًا واحدًا لأنها ليست بخارجة من قبضته وتحريم الاستمتاع علي الزوج بالشرع وسبب التحريم هو الإحرام وقد حصل بإذنه.
والثالثة: أن تكون أجرمت بإذنه وخرجت بإذنه وليس هو معها، وظاهر ما قاله الشافعي ههنا أن لها النفقة، وقال في كتاب النكاح، لا نفقة لها، فاختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال فيه قولان.
أحدهما: لا نفقة لها، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد لأنها غي ممكن من نفسها.
والثاني: لها النفقة لأنها سافرت بإذنه فأشيه إذا كانت في حاجته وقال أبو إسحاق: الموضع الذي قال لا نفقة لها إذا لم يكن الزوج معها والذي قال لها النفقة إذا
[ ١١ / ٤٦٣ ]
كان معها ولا فرق في هذا بين أن يكون الحج فرضًا أو تطوعًا لأنه وإن كان فرضًا فليس عل الفور وإنما هو علي التراخي، وإن أحرمت بإذنه فما لم تخرج من بيته لا شك أنه يلزمه نفقتها، وإن أحرمت بغير إذنه فهل له أن يحللها قولان، فإذا قلنا: له أن يحللها فلم تفعل فيه وجهان بناء علي ما لو سافرت في حاجتها بإذنه هل تستحق النفقة قولان، والأقيس أنها تستحق لأنه متي شاء حللها ويتوصل إلي حقه منها [ق ١٩٤ أ] فإذا لم يفعل فالتقصي منه.
وإن قلنا: لا يحللها قال القفال: فيه وجهان:
أحدهما: لا نفقة لها لأنها ناشزة.
والثاني: لها النفقة لأنه لا سبيل لها إلي ترك الإحرام ولها سبيل إلي ترك النشوز فالإحرام كالمرض والعذر السماوي والأول أظهر عندي.
وأما العمرة فحكمها حكم الحج وكذلك الاعتكاف لأنه لا يصح إلا في المسجد، فإذا خرجت من المسجد كانت كما لو خرجت للحج، فإن كان زوجها معها في المسجد لها النفقة وإن لم يكن معها، فإن كان بغير إذنه فهي ناشزة فلا نفقة، وإن كان بإذنه ففيه طريقان.
وأما صوم التطوع فلزوجها منعها منه، فإن صامت فإن أمرها بالإفطار فأفطرت لها النفقة، وإن لم تفطر، فقال ابن أبي هريرة: لا نفقة لها لأنها منعت منه نفسها بالصوم. وقال أبو إسحاق: لها النفقة لأن صوم التطوع لا يلزم بالدخول وله أن يطأها أي وقت شاء، فعلي هذا إن منعته الوطء سقطت نفقتها، وقيل عن الشافعي إنه قال في علته: مدة الصوم قصيرة ولا ضرر عليه في ترك الاستمتاع فيها وهذا غير صحيح عندي. وقيل: لو لم يفطرها ولم يأمرها بالإفطار بل تركها هل تستحق الفقه وجهان. ذكره القفال وهذا أيضًا ضعيف، وقال صاحب الحاوي [١]: إن لم يدعها إلي الخروج منه فهي علي النفقة، وإن دعاها إليه فامتنعت صارت ناشزة ولكنه إن كان في صدر إليها وسقطت نفقتها، وإن كان في آخره لا تسقط لقربه من زمان التمكين فصار ملحقًا بوقت الأكل ولطهارة، وهذا حسن.
فرع:
لو دخلت في صوم قضاء رمضان قبل شعبان فهل يجوز له إجبارها علي الفطر؟
قولان مخرجان من القولين في تحليلها من الحج إذا شرعت، فإذا قلنا: لا يجبرها علي الفطر ففي سقوط نفقتها [ق ١٩٤ ب] وجهان:
أحدهما: يسقط كما في الحج.
[ ١١ / ٤٦٤ ]
والثاني: لا يسقط لقرب زمانه وقدرته علي الاستمتاع بها في ليلة ولمقامها في منزله بخلاف الحج. هكذا ذكره في الحاوي والمشهور عند أصحابنا بخراسان أنه يمنعها قبل شعبان ولا يمنعها في شعبان لأنه يتضيق في هذا الوقت دون ما قبله.
فرع آخر:
إذا كان صوم الكفارة فهو في الذمة علي التراخي فيكون له منعها منه وحق الزوج علي الفور.
وقال في "الحاوي" [١]:إذا لم يمنعها حتى شرعت هل يجبر علي الخروج؟ وجهان:
فإن قلنا: لا يجبرها، فإن كان التتابع فيه مستحبًا بطلت به نفقتها، وإن لم يكن هل تسقط نفقتها وجهان مخرجان من نفقة الأمة إذا مكنها سيدها ليلًا ومنعها نهارًا وأما أداء رمضان فلا يمنعها منه بلا إشكال لأنه مستحق شرعًا علي الفور.
فرع آخر:
إذا كان صوم النذر، فإن كانت نذرت قبل النكاح، فإن كان في ذمة له منعها منه، وإن كان متعلقًا بزمان بعينه لم يكن له منعها لأن حق الزوج والصوم قد استويا في التضييق للنذر حق السبق فكأن أولي، وإن نذرت بعد عقد النكاح، فإن كان بإذنه مطر فإن نظر كان في الذمة فله منعها منه، وإن كان متعلقًا بزمان بعينه لم يكن له منعها منه، وإن نذرت بغر إذنه كان له منعها منه سواء كان في الذمة أو متعلقًا بزمان بعينه، لأن الزمان له بعد عقد النكاح، فإذا شغلت بعضه بالنذر بعينه فقد منعته حقًا وجب له فكان له منعها وكل له موضوع قلنا له: منعها فشرعت فيه، ولم يفطر فالحكم علي ما ذكرنا في صوم التطوع.
فرع آخر:
إذا أرادت أن تصلي صلاة الفريضة في أول وقتها، قال الشافعي: ليس لتمنعها منه لأن لها أن تؤدي هنا الفرض في وقت يجوز الفضيلة [ق ١٩٥ أ] قال الشافعي: ولأن زمان الصلاة قصير ولا يطول فلا يؤدي إلي الضرر به ولأن الزوج أيضًا مندوب إلي تقديمها في ذلك الوقت فيلزمه إمهالها لذلك أيضًا، فإن قيل: أليس له أن يمنعها من الحج في أول وقت وجوبه، وإن كانت تجوز الفضيلة، قلنا: لا فضيلة الحج متعلقة بالوقت حني إذا أخّره فإنه بفواته فالحج كالصلاة في الذمة وله منعها منها بخلاف الصلاة من (أول) الوقت.
فرع آخر:
لو أرادت الإحرام بقضاء الصلاة وأراد الزوج الاستمتاع بها فيه وجهان:
[ ١١ / ٤٦٥ ]
قال أبو حامد: يقدم حقه لثبوته في الذمة، وقال صحاب الحاوي: الأصح عندي تقد حق القضاء، لأن فرض القضاء مستحق في أول زمان المكنة فصار كالوقت شرعًا، وقيل: هما مبنيان علي الوجهين في قضاء الصلاة أنه علي الفور أو علي التراخي.
فرع آخر:
لو كانت الصلاة مما سّنها بالشرع من توابع الفروض المؤقتة، يلزمه تمكينها منه علي العادة المعروفة من غير تقصير ولا إطالة، وإن كانت من السنن المشرعة في الجماعة كالعيدين والمخسوفين له منعها من الخروج وليس له منعها من فعلها في منزلها لمساواتها في الأمر بها والندب إليها، وإنها مختصة بوقت يفوت بالتأخير فأشبهت الفروض، وإن كانت صلاة ندب فهي كالصوم المندوب وإن كانت تطوعًا مبتدأ فله منعها منه.
مسألة:
قال: " وَلَوْ هَرَبَتْ أَو امْتنَعتْ أَوْ كَانَتْ أمَةً فَمَنعَهَا سَيَّدُهَا فَلا َنَفَقَةً لهَا".
إحداهما: إذا هربت إلي موضع يعرفه أو لا يعرفه أو امتنعت من تمكينه في بيته أو خرجت إلي بيت أمها وقالت: لا اجتمع معك أو قالت: لأسلم نفسي إليك إلا هنا فلا نفقة لها، وهذا قول كافة العلماء إلا الحكم بن عيينة فإنه قال: [ق ١٩٥ ب] لا تسقط نفقتها بالنشوز كالمهر لأنه يجب بملك الاستمتاع، وهذا غلط لأنها كالأجرة لا تجب إلا بالتمكين، ولهذا لو لم ينفق عليها سقط عنها التمكين ويخالف المهر لأنه يجب بالعقد لمقابلة الملك.
والثانية: إذا زوج أمته لا تجب عليه أن يسلمها إلي الزوج في النهار ويلزمه أن يسلمها بالليل، وقد ذكرنا في كتاب النكاح أنه إن سلمها في الليل والنهار استحقت النفقة ولا فرق بين الحرة والأمة في قدر النفقة ويعتبر بحاله لا بحالها، وإن سلمها في الليل دون النهار، فقد ذكرنا وجهين ولا خيار للزوج في فسخ نكاحها لأنه علم برقها والأظهر أن عليه نفقتها بقسط زمان الاستمتاع وهو أن يكون علي الزوج عشاءها وعلي السيد ما تلبيه نهارًا كالحرة إذا أمكنت يومًا ونشرت يومًا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يلزمه كالنفقة.
والثاني: لا تلزم.
والثالث: يوزع.
[ ١١ / ٤٦٦ ]
فرع آخر:
لو قال لها: آذن لك أن تدخل داري وتستمتع بها ولكن لا آذن لها حتى تخرج إلي دارك هل يستحق النفقة وجهان، ذكره القفال، ولفظ الشافعي بعد هذا يدل علي أنها تجب لأنه قال: وعلي العبد نفقة امرأته الحرة والكتابية والأمة إذا نويت معه بيتًا.
فرع آخر:
لو آجرت المرأة نفسها ولم يعلم الزوج حتى تزوجها فله الخيار بين مقامه علي وبين فسخه لأنه تفويت الاستمتاع في النهار عيب فاستحق به الفسخ، ولو مكنه المستأجر من الاستمتاع بها في النهار لم يسقط حقه من الخيار لأن المستأجر متطوع بالتمكين فلا يسقط خيارًا مستحقًا ذكره في الحاوي.
مسألة:
قال: " وَلاَ يُبَرئُهُ ممَّا وَجَبَ لهَا مِنْ النَّفَقَةِ، وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا مَعَهاَ إلا إِقْرَارَهَا".
الفصل:
نفقة الزوجة تثبت في الذمة مستقرًا سواء كان [ق ١٩٦ أ] حاضرًا أو غائبًا فرض القاضي أو لم يفرضه خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: لا تستقر إلا بالفرض وتسقط بمرور الزمان.
فإذا تقرر هذا فلو فقال الزوج: أنفقت عليك فيما مضي ما وجب لك عليّ وأنكرت فالقول قولها، لأن الأصل أنها لم تقبض ذلك، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وقال مالك: إن كان الزوج غائبًا فالقول لأن المرأة عاجزة بالغيبة عن طلب النفقة، وإن كان حاضرًا وهي تعاشره فالظاهر أنها تقبض النفقة منه فالقول قوله. وهذا غلط لأن الأصل بقاءها فصار كالبائع إذا ادعي تسليم المبيع لا يكون القول قوله، لأن الحاضرة قد تتقاعد عن الطلب أو يمنعها منه مانع فلا يصح ما ذكره ولأنه لو كان عليه دين فمضي سنين وهو يصادفه، ثم ادعي القضاء، وأنكر صاحب الدين القبض فالقول قوله، وإن كان الظاهر قبضه.
فرع:
لو كانت أمة فاختلفت مع زوجها في الإنفاق، قال أصحابنا: القول قولها لأن النفقة حق لها يتعلق بالنكاح فكان المرجع فيها إليها فيها كالمطالبة بحق الإيلاء والعنة، ولو اختلفا في النفقة الماضية، وادعي الزوج أنه يعلمها وأنكرت وصدقه السيد، قال أصحابنا: لا تثبت دعواه بتصديق المولي ولكنه يكون شاهدًا له بذلك فيشهد له ويحلف
[ ١١ / ٤٦٧ ]
الزوج معه وتسقط نفقتها.
ومن أصحابنا من قال: ينبغي أن ينفذ إقراره في النفقة الماضية لأنها حق المولي وإنما حقها في النفقة في المستقبل وإذا ثبتت فللسيد قبضها والتصرف فيها كيف شاء، وهذا أصح عندي ولو كلن الاختلاف في قبض صداقتها فالخصومة بين زوجها وسيدها لأن المهر خالص حقه، وقد ذكرنا فيما تقدم.
فرع آخر:
لو اختلفنا في قدر النفقة فقال الزوج: كنت فيما مضي معسرًا فتستحق نفقة [ق ١٩٦ ب] المعسرين، وقالت المرأة: كان موسرًا فإنها تستحق عليه نفقة الموسرين نظر، فإن عرف له يسار، ثم ادعي الإعسار فالقول قولها وعليه البينة علي الإعسار، وإن لم يعرف له يسار فالقول قولها وعليها البينة، لأن الأصل عدمه.
فرع آخر:
لو اختلفنا في التمكين فقالت: مكنت نفسي وانكسر فالقول قوله لأن الأصل عدمه وعليها البينة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان:
فإن قلنا: تحب النفقة بالعقد فالقول قولها، لأن الأصل بقاءها وهذا ليس بشيء ونص الشافعي في أول هذا الباب فقال: لو ادعت المرأة التخيلية فيه غير مخيلة حني يعلم ذلك منها.
مسألة:
قال: " وَلَوْ أَسْلَمَتْ وَثَنيةٌ فَأَسْلَمَ زَوْجُهَا فِي العِدَّة أَوْ بَعْدَهَا فَلَهَا النَّفَقَةُ".
الفصل:
إذا تزوج وثني بوثنية، ثم أسلمت لا يخل إما أن تكون غير مدخول بها أو يكون مدخولًا بها، فإن كانت غير مدخول بها فلا مهر ولا عدة عليها ولا نفقة لها، وإن كانت مدخولًا بها فلها المهر المسمي وعليها العدة ولها النفقة لأن الزوج يقرر علي رفع هذه العدة، وإصلاح النكاح بالإسلام، وإن أسلم الزوج وتخلفت المرأة في الشرك، فإذا كان قبل الدخول فلها نصف المهر لأن الفسخ جاء من جهته قبل الدخول. فإن قيل: أليس لو وجد بامرأته عيبًا قبل الدخول ففسخ النكاح لا مهر لها، وهذا الفسخ من جهته قيل: هذا بمعني من جهتها فجعل بمنزلة الفسخ من جهتها بخلاف مسألتنا.
فإن قيل: فإذا كان العيب به ففسخت النكاح قبل الدخول أسقطتم المهر ولم تجعلوا
[ ١١ / ٤٦٨ ]
الفسخ من جهة، قيل: يغلّط حبسها في الحالين لأنها هي المستحقة للمهر وليس كذلك إذا أسلم الزوج قبل الدخول لأن هذه الفرقة جاءت من جهته لا صنع له فيها ففرقنا بينهما.
وأما إذا أسلم الزوج بعد الدخول بها فعليه مهرها المسمي ولا نفقة لها لأن الامتناع [ق ١٩٧ أ] من جهتها فكانت بمنزلة الناشزة وأسوأ حالًا لأنها نشزت بالكفر، فإن أسلمت نظر، فإن كان بعد انقضاء عدتها لم يكن لها نفقة، وإن أسلمت قبل انقضاء عدتها كلها علي الزوج واستحقت النفقة من أسلمت قولًا واحدًا وهل لها النفقة لما مضي من زمان العدة قولان ذكرهما في كتاب النكاح.
فرع:
لو كانا مسلمين فارتد أحدهما فالحكم في المهر والنفقة علي ما ذكرنا في الوثنيين إذا أسلم أحدهما، وإن ارتد معًا كان الحكم كما لو ارتدت المرأة واختار القاضي الطبري، وقد ذكرنا في كتاب النكاح فيه وجهًا آخر.
فإن قيل: ينبغي أن توجبوا لها نصف المهر، لأن الفسخ بهما كما لو خالعها قبل الدخول لها نصف المهر، قيل: المغلب في الخلع جنبه الزوج لأنه الموقع للفرقة مأخذه منها، ولأن الزوج يخالع الأجنبية كما يخالعها وهي لا تقدر علي الخلع إلا معه، فكان تصرفه أقوي، وإذا رجعت المرتدة إلي الإسلام هل تلزم النفقة لزمان الردة قيل: فيه قولان، وقيل: قول واحد لا يستحق لأنها ابتدأت الكفر بعد الإسلام فكانت الجناية أغلظ، ولو أسلم الزوج وتخلفت في الشرك فغار الزوج، ثم أسلمت في عدتها كان لها النفقة من حين أسلمت، وإن لم يعلم بخلاف ما لو نشزت وعاب، ثم عادت إلي الطاعة لا نفقة لها ما لم تعلم، وقد ذكرنا الفرق فيما تقدم وهو أن نفقة الوثنية لم تسقط لخروجها عن قبضته بل سقطت بكفرها، فإذا زال الكفر عادت النفقة حاضرًا كان الزوج أو غائبًا وسقطت نفقة الناشزة بخروجها عن قبضته ولا تصير إلي قبضته إلا بعد علمه بالطاعة وهكذا الحكم لو ارتدت وغاب الزوج ثم رجعت إلي الإسلام في العدة عادت نفقتها وإن لم يعلم الزوج.
مسألة:
قال: "فَإِنْ دَفَعَهُ إِلَيْهَا فَلَمْ يُسْلِمْ حَتى انْقَضَتْ عدَّتُهَا فَلَا حَقَّ لَهُ لأَنَّهُ تَطَوَّعَ بِهَا"
صورة المسألة [ق ١٩٧ ب] أن يتزوج وثني بوثنية، ثم دفع إليها نفقة شهر، ثم أسلم وتخلقت هي في الشرك ولم تسلم حتى انقضت عدتها هل له أن يسترد منها تلك النفقة، قال أبو حامد: له أن يسترد سواء أطلق التسليم أو قيده لأنه دفعها بشرط أن يستحق في
[ ١١ / ٤٦٩ ]
وقته، فإذا لم تستحقه استرجع منها ويفارق الزكاة حيث قلنا إذا دفعها قبل الحول، ولم يشترط أنها معجلة، ثم خرج عن زكته من أصل الزكاة، لا يسترجع، لأن الظاهر لا يدل علي أنه يدفعها واجبًا فاحتاج إلي الشرط ليعلم، وفي النفقة الظاهر أنه يعجل ما وجب لها فلا حاجة إلي الشرط.
وقال غيره من أصحابنا: وهو الصحيح أنه إن شرط عليها أنها نفقتها أسلفها إياها رجع بها عليها، وإن لم يشرط فلا يرجع لأنه لا يدري أعطاها للنفقة أو هبة من جهته ولذلك لو أنفق عليها في زمان يخلعها فإن كانت بشرط أن يغطيها للنفقة جاز أن يسلم فلم يسلم له الرجوع وإلا فلا رجوع ولا فرق في الحقيقة بين مسألة الزكاة، وهذه المسألة فيختلف الإطلاق والشرط، وفي دليل علي أن الهبة لا يفتقر فيها إلي لقط الهبة والإيجاب والقبول بخلاف ما قال بعض أصحابنا لأن الشافعي جعله تطوعًا عند الإطلاق، فإن قيل: يحتمل أنه أباحه قلنا: هذا لا يصح، لأنه لو كأم إباحة لشرط أن يكون قد أتلفها حتى يسقط حقه منها.
مسألة:
قال: "وعَلَي العَبْد نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ الحُرَّةِ وَالكِتَابِيَّةِ".
تقدير الكلام الحرة المسلم والكتابية لأن الحرة قد تكون كتابية، وقد تكون مسلمة وحكمها واحد وكان الأولي أن يقول وعلي العبد نفقة لامرأته المسلمة والكتابية ويحتمل أن يقال: أراد بالكتابية المكانية ويجوز أن يسمي المكاتبة كتابية نسبة إلي الكتابة والكتاب، قال الله تعالي: ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور:٣٣] يعني الكتابة، وقد ذكرنا في كتاب النكاح [ق ١٩٨ أ] أنه يلزم علي العبد أن ينفق علي امرأته حرة كانت أو أمة أو مكاتبة أو ذمية أو مسلمة شرط ذلك عليه في عقد النكاح أولا نفقته نفقة المقتر ولأنه لا يملك شيئًا فهو أسوأ حالًا من الحر المعسر لأنه لا يجوز أن يستفيد ملكًا، وهذا لا يملك، وإن ملك وإن قلنا بالقول القديم انه يملك إذا ملك فلا يلزمه إلا نفقة المقتر لأنه لا يكون كامل الملك.
قال: وحكي أصحابنا عن مالك أنه قال: إذا لم يشترط في عقد النكاح نفقة لم يجب لأنه إذا لم يشترط يكون وجوبها علي طريق المواساة ولا يجب علي العبد المواساة بدليل أنه لا يلزمه نفقة أقاربه، وهذا غلط، لأن نفقتها تجب في مقابلة التمكين عوضًا كالمهر.
فإذا تقرر هذا قد ذكرنا فيما تقدم أنه يجب نفقتها في كسبه، فإن لم يكن له كسب، قال في القديم: تجب في رقبته لأن تضمن الإمكان ولا وجه له إلا الرقبة فعلي هذا يباع منه جزء فجزء إلي إن يباع جميعه.
[ ١١ / ٤٧٠ ]
وقال في الجديد: لا يتعلق برقبته بل يكون في ذمته وتخير المرأة كما لو أعسر الحر بنفقتها.
فرع:
لو طلق العبد زوجته، فإن طلقها واحدة رجعية وجبت عليه نفقتها في عدتها، وإن طلقها بائنًا فإن كانت حائلًا فلا نفقة لها، وإن كانت حاملًا. فإن قلنا: النفقة للحامل وجبت النفقة عليه، وإن قلنا: إنها للحمل فيه وجهان:
أحدهما: لا تجب النفقة، لأن نفقة الأقارب لا تجب على العبد.
والثاني: تجب لأنها معلق بحق المعتدة ومصلحتها ذكره القاضي الطبري، ثم قال: وإذا احتاج إلى خدمتها فذلك له ولا نفقة لها وظاهره يوهم أن السيد إذا استخدم الجارية المزوجة لا نفقة لها على زوجها [ق ١٩٨ ب] وليس كذلك ومراد الشافعي ههنا إذا استخدمها على الدوام فلا نفقة، وإن استخدمها أحيانًا وبعث إليه عند فراغها من خدمته، فقد ذكرنا أن لها النفقة لأن هذا يكون تمكين الإماء.
مسألة:
قَالَ: "وَمَنْ لَمْ تَكْمُلْ فِيهِ الحُرِّيَّةُ فَكَالمَمْلُوكِ".
من بصفة حر وبصفة عبد يلزمه نفقة زوجته فيما يخص الرق يكون في كسبه وما يخص الحرية يكون في ذمته ولا شك أنه ينفق بما فيه من الرق نفقة المعسر وهو نصف مد، وأما بما فيه من الحرية نظر، فإن كان معسرًا فعليه نصف مد آخر تمام المد الواحد، وإن كان موسرًا بما فيه من الحرية.
قال الشافعي: نفقته نفقة المعسر أبدًا، وإن كان يملك ألف دينار مثلًا لأنه لما كان حكمه حكم العبد الذي لم يعتق سبًا في النكاح والطلاق والعدة فكذلك في النفقة.
وقال المزني وبعض أصحابنا: عليه نفقة الموسر بما فيه من اليسار فيكون عليه مد ونصف نصف مد بما فيه من الرق ومد بما فيه من الحرية مع اليسار.
واحتج المزني فقال: إذا كان تسعة أعشاره حرًا، قال الشافعي: يجعل أعشار ما يملك ويرثه مولاه الذي أعتق تسعة أعشاره فكيف لا ينفق على قدر سعته. وقال: قال الشافعي في كتاب الأيمان: إذا كان نصفه حرًا ونصفه عبدًا كفر بالإطعام كالحر تبعض الحرية هناك ولم يجعله ببعض الحرية ههنا كالحر بل جعله كالعبد والقياس على أصله ما قلنا من أن الحر ينفق بقدر سعته والعبد منه بقدره، وكذا قال في كتاب زكاة الفطر على الحر منه بقدره في زكاة الفطر وعلى سيد العبد قدر الرق منه فالقياس ما قلنا ففهموه كذلك نحوه [ق ١٩٩ أ] إن شاء الله تعالى والجواب أن الشخص إذا كان بعضه مملوكًا
[ ١١ / ٤٧١ ]
وبعضه حرًا كان بالمقدار المملوك ملتحقًا بالمماليك، وهذا نقصان ظاهر بمنعه حكم الملك المطلق ولا يكتسب كسبًا قليلًا ولا كثيرًا إلا وفيه لسيده شركة بسبب ما يملك من رقبته ولهذا لا يستغني عن مهايأة أو مقاسمة سوى المهايأة، وما دام في رقته شيء من أدق فهو مرهون بهذا النقص وما دام موصوفًا بهذا النقص فالأولى أن يستدام فيه آثار نقصان الرق إلى أن يستكمل صفة الحرية.
وأما ما ذكر من الميراث فيه قولان:
أحدهما: لا يرثه أحد، وإن سلمنا أنه يورث بقدر ما فيه من الحرية نقول: إذا مات وبعضه حر، وفي يده مال من حصة حريته، فهذا السيد كامل الملك ومن أهل الميراث وقد انقضى اعتبار نقصان الرق في الرقيق بموته فغلبنا جانب سيده الذي أعتقه ألا ترى أنه موروث هذا الشخص الذي بعضه رقيق وبعضه حر لو مات فلا ميراث له لأنه حين يأخذ الميراث بما فيه من نقصان الرق فكذلك لا يجوز أن يلزمه شيء من نفقة الأحرار وهو حين يلتزمها ناقص ينقص الرق.
وقد قال الشافعي في الجديد: لو أذن السيد لعبده فتمتع بالعمرة إلى الحج فلا يجزيه سوى الصوم ولو ملكه سيده شاة ليذبحها لم تجزه لأنه مملوك.
ثم قال: ولو مات العبد فذبح السيد عنه شاة وقعت موقعها ففاصل بين حياته وموته، وأيضًا الميراث مبني على التبعيض والنفقة لا تتبعض ألا ترى أن الحرة إذا سلمت نفسها بالليل دون النهار أو بالنهار دون الليل لم يستحق من النفقة شيئًا.
وأما ما ألزم المزني من الكفارة كيف يستقيم إلزامه وهو لا يجعله في النفقة كالحر المطلق ولكن يجعل حكمه [ق ١٩٩ ب] مبعضًا والشافعي لم يبعض حكمه في الكفارة في إلزامه الإطعام وإنما غلب جانب الحرية في الكفارة؛ لأن الكفارة حيث تجب إنما تجب بعقد اليمين والعبد والحر في عقد اليمين سواء، وهذه النفقة إنما يجب بعقد النكاح، ومن نصفه حرّ ونصفه عبد كالمملوك في عقد النكاح ألا ترى أنه لا يستغني عن الاستئذان فجاز أن يلحقه في مقدار النفقة بالمملوك كما لو ألحقناه في أصل عقد النكاح وعدد المنكوحات، ثم يعارضه بأنه لا يكفر بالعتق فدل أنه بمنزلة العبد، وقيل: إذا قلنا العبد لا يملك بالتمليك ولا يكفر إلا بالصيام، وإنما يكفّر بالإطعام على قوله القديم أنه يملك بالتمليك.
وأما زكاة الفطر فإنها تتبع النفقة وإذا كان بعضه حرًا وبعضه رقيقًا يلزمه من نفقة نفسه مقدار حريته فتتبعها الزكاة بقدرها والتبعيض في زكاة الفطر غير مستنكر فإن العبد قد يكون مشتركًا بين السادات فيلزم كل واحد منهم بمقدار حصته بين نفقته.
فأما التبعيض في النفقات فما وجدنا له أصلًا ولا قائلًا يقول به فأما تغليب الحرية، وأما تغليب الرق ويبعد تغليب الحرية لما ذكرنا من عقد النكاح فوجب تغليب الرق. فإن قيل: النفقة تتبعض فإنها تلزم على المتوسط مد ونصف قيل: هذا ليس بتبعيض بل هو نفقة
[ ١١ / ٤٧٢ ]
كاملة على المتوسط كالمد على الفقير، وعلى ما ذكرنا لا يلزم نفقة أولاده وقراباته لأنه في حكم المعسرين.
وقال المزني في الجامع الكبير: يلزمه نفقة أقاربه تغليبًا للحرية لأنه يمكن تبعيضها، وهذا غلط لما ذكرنا.