مسألة:
قال الشافعي ﵀: "أخبرنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئبٍ، عن سعيد بن أبي سعيدٍ المقبري، عن أبي شريح الكعبي، ﵁، أن النبي ﷺ قال: "ثم أنتم يا بني خزاعةً قد قتلتم هذا القتيل من هذيلٍ، وأنا والله عاقله، فمن قتل قتيلًا بعده فأهله بين خيرتين، إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل".
قال في الحاوي: قتل العمد موجب للقود ولولي المقتول أن يعفو عنه إلى الدية، ولا يفتقر إلى مراضاة القاتل.
وقال أبو حنيفة ومالك: قتل العمد موجب للقود وحده ولا تجب له الدية إلا بمراضاة القاتل استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥] وهذا نص في أن لا يجب في النفس غير النفس.
وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة:١٧٨] وفي الزيادة على القصاص إيجاب ما لم يجز العدول إلى غيره من الأبدال إلا عن مراضاة.
ولأن القتل موجب للقود في عمده والدية في خطئه، فلما لم يجز العدول عن الدية في الخطأ إلى غيرها إلا عن مراضاة لم يجب أن يعدل عن القود إلى غيره إلا عن مراضاة.
ولأن القتل يستحق بالقود تارة، وبالدفع عن النفس أخرى، فلما لم يملك بدل قتله
[ ١٢ / ٨٧ ]
دفعًا لم يملك بدل قتله قودًا.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالْحُرِّ والْعَبْدُ بِالْعَبْدِ والأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وأَدَاءٌ إلَيْهِ بِإحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨] معناه فمن عفا له عن القصاص فليتبع الولي الدية بمعروف، ويؤديها القاتل بإحسان فجعل للولي الإتباع، وعلى القاتل الأداء فلما تفرد القاتل بالأداء وجب أن ينفرد الولي بالإتباع ولا يقف على المراضاة.
وحديث أبي شريح الكعبي أن رسول الله ﷺ قال: "ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل وأنا والله عاقله، فمن قتل قتيلًا بعده فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل". فجعل الولي مخيرًا بين القود والدية وهذا نص.
فإن قيل: فقد روي: "إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا فادوا" والمفاداة لا تكون إلا عن مراضاة.
قيل: هذه رواية شاذة، وتحمل المفاداة فيها على بذلك الدية التي لا تستحق إلا عن مراضاة، ويحمل خبرنا في خيار الولي على أصل الدية التي لا تفتقر إلى مراضاة ليستعمل الخبرين، ولا يسقط أحدهما بالآخر، ولأن القود قد يسقط بعفو الولي إذا كان واحدًا، ويعفو أحدهم إذا كانوا جماعة، ثم ثبت أن سقوطه بعفو أحدهم موجب للدية بغير مراضاة فكذلك يكون وجوبها بعفو جميعهم.
وتحريره قياسًا: أنه قود سقط بالعفو عنه فلم تقف الدية فيه على مراضاة كما لو عفا عنه أحدهم.
ولأن استحقاق القود لا يمنع من اختيار الدية كما لو قطع كفًا كاملة الأصابع، وفي كفه أربعة أصابع كان المجني عليه عندنا وعندهم بالخيار بين القصاص والدية.
فإن أحب الدية أخذ دية كاملة، وإن أحب القصاص اقتص عندهم بالكف الناقصة، ولا شيء له غيرها، وعندنا يقتص منها، ويؤخذ دية الأصبع الناقصة من كف الجاني، ولأن للقتل بدلين، أغلظهما القود وأخفهما الدية فلما ملك القود الأغلط بغير مراضاة كان بأن يملك الدية الأخف بغير مراضاة أولى، ولأن قتل العمد أغلظ وقتل الخطأ أخف، فلما ملك الدية في أخفهما فأولى أن يملكها في أغلظهما. فأما الجواب عن الآيتين: فهو أن وجوب القصاص فيهما لا يمنع من العفو عنه إلى غريه كالمراضاة.
وأما قياسهم على إتلاف المال فالمعنى فيه: أنه ليس له العمد والخطأ إلا بدل واحد، وللقتل بدلان فافترقا.
وقولهم: لما لم يملك العدول عن دية الخطأ إلا بالمراضاة كذلك القود العمد.
فالجواب عنه أن القود أغلظ والدية أخف فملك إسقاط الأغلظ بالأخف، ولم
[ ١٢ / ٨٨ ]
يملك إسقاط الأخف بالأغلظ، وما اعتبروه من قتل الدفع الذي لا يملك فيه الدية فلا يشبه قتل القود؛ لأنه يملك بقتل الدفع إحياء نفسه فلم يجز أن يبدلها بالدية مراضاة ولا اختيارًا، وليس كذلك قتل القود، لأنه ملك به استيفاء حق يجوز أن يعدل عنه بالمراضاة، فجاز أن يعدل عنه بغير مراضاة.
فصل:
فإذا ثبت أن استحقاق الدية في قتل العمد لا يقف على مراضاة القاتل، فقد اختلف قول الشافعي فيما يوجبه قتل العمد على قولين:
أحدهما: أنه موجب لأحد أمرين من القود، أو الدية، وكلاهما بدل من النفس، وليست الدية بدلًا من القود، والولي فيهما بالخيار، كالحالف مخير في الكفارة بين الإطعام والكسوة والعتق.
ووجه ذلك شيئان:
أحدهما: قول النبي ﷺ "فمن قتل بعده قتيلًا فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل" وتخيرهم بين القود والدية يقتضي أن يكون كل واحد منهما بدلًا من القتل كالكفارة.
والثاني: أن الدية بدل من نفس المقتول دون القاتل، بدليل أن المرأة لو قتلت رجلًا وجب عليها دية الرجل، فلو جعلت الدية بدلًا من القود صارت بدلًا من نفس القاتل دون المقتول، ولو وجب على المرأة إذا قتلت رجلًا أن يؤخذ منها دية امرأة، إذا ثبت أن الدية بدلًا من نفس المقتول جرت مجرى القد فصارا واجبين بالقتل.
والقول الثاني: أن قتل العمد موجب للقود وحده، وهو بدل النفس، فإن عدل عنه إلى الدية كانت بدلًا من القود فيصير بدلًا عن النفس ووجهه شيئان:
أحدهما: قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى﴾ [البقرة:١٨٧] فدل على أن الذي يجب له القصاص وحده.
والثاني: أن قتل الخطأ لما أوجب بدلًا واحدًا، وهو الدية اعتبارًا بالمتلفات التي ليس لها مثل، اقتضى أن يكون قتل العمد موجبًا لبدل واحد، وهو القود اعتبارًا بالمتلفات التي لها مثل.
فصل:
فإذا تقرر توجيه القولين كان القود مستحقًا على كلا القولين وترتب استحقاق الدية على اختلاف القولين.
فإن قلنا القول الأول إن قتل العمد موجب لأحد شيئين إما القود أو الدية فلولي المقتول في الاختيار والعفو سبعة أحوال:
أحدها: أن يختار القود، فلا يسقط حقه من الدية إلا أن يقتص، فإن عدل القود
[ ١٢ / ٨٩ ]
إلى الدية استحقها؛ لأنه عدل بها عن الأغلظ إلى الأخف.
والثانية: أن يختار الدية فيعطاها، ويسقط حقه من القود لما في العدول إليه من الانتقال عن الأخف إلى الأغلظ.
والثالثة: أن يختار القود والدية فلا يكون لاختياره تأثير، لأنه لا يستحق الجمع بينهما ولم يعين بالاختيار أحدهما.
والرابعة: أن يعفو عن القود فيتعين حقه في الدية، ولا يجوز أن ينتقل عنها إلى القود إلا بعد سقوطه بالعفو، ولأنه انتقال عن الأخف إلى الأغلظ.
والخامسة: أن يعفو عن الدية فله القود، ولا يكون لعفوه عن الدية تأثير، وله أن ينتقل من القود إلى الدية، لأنه انتقال من الأغلظ إلى الأخف.
والسادسة: أن يعفو عن القود والدية فيصح عفوه عنهما ولا يستحق بعد العفو واحدًا منهما من قود ولا دية.
والسابعة: أن يقول قد عفوت عن حقي فيكون عفوًا عن القود والدية معًا لأن يستحقهما.
وإن قلنا بالقول الثاني إن قتل العمد موجب للقود وحده ولا تجب الدية إلا باختيار بدلًا من القود فللولي في اختياره وعفوه سبعة أحوال:
أحدها: أن يختار القود فلا يسقط بهذا الاختيار حقه من اختيار الدية وقت استحقاقها لأنه يستحق اختيارها بعد سقوط حقه من القود، فصار كالإبراء من الحق قبل وجوبه، لا يبرئه من ذلك الحق بعد وجوبه، ولا يتحتم عليه القود بهذا الاختيار، لأنه حق له وليس بحق عليه فصار هذا الاختيار لا تأثير له.
والثانية: أن يختار الدية فيكون في اختارها إسقاط لحقه من القود فيحكم له بالدية ويسقط القود.
والثالثة: أن يختار القود والدية فلا يكون لهذا الاختيار تأثير في القود ولا في الدية، لأنه لا يستحق الجمع بينهما ولم يعين بالاختيار أحدهما فيستوي حكم الاختيار، وهذه الأحوال الثلاث على القولين معًا، وإنما يفترقان في الأحوال الأربع في العفو.
والرابعة: أن يعفو عن القود فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يختار الدية مع عفوه عن القود، فيسقط حقه من القود بالعفو وتجب له الدية بالاختيار.
والثاني: أن يقتصر على العفو، عن القود ولا يعله باختيار الدية فيسقط القود بالعفو عنه وفي الدية قولان:
أحدهما: نص عليه في جراح العمد - أنه له أن يختار الدية من بعد.
والثاني: ذكره في كتاب "اليمين مع الشاهد" أنه قد سقط حقه من الدية فليس له أن يختارها من بعد.
[ ١٢ / ٩٠ ]
وأصل هذين القولين في المدعي إذا قام شاهدًا وامتنع أن يحلف مع شاهده، وعرضت اليمين على المنكر فنكل عنها، فهل ترد على المدعي أم لا؟ على قولين:
والخامسة: أن يعفو عن الدية فلا يكون لعفوه تأثير القود ولا في الدية، لأن القود لم يعف عنه، والدية لم يستحقها مع بقاء القود، فلم يصح عفوه عنها.
والسادسة: أن يعفو عن القود فيسقط القود بعفوه عنه، وفي سقوط الدية بعفوه عنهما قولان حكاهما أبو حامد المروزي في "جامعه".
أحدهما: يصح عفوه عنها لاقترانه بالعفو عن القود.
والثاني: لا يصح العفو عنها، لأنه لم يقع في وقت الاختيار بعد القود. فعلى هذا إن اختار الدية في الحال وجبت له، فإن اختارها بعد ذلك فعلى ما مضى من القولين:
والسابعة: أن يعفو عن حقه فيسقط القود، لأنه يستحقه، ولا يسقط الدية، لأنه لم يستحقها، فإن عجل اختيارها وجبت له وإن لم يعجله فعلى القولين:
أحدهما: تجب له الدية إن اختارها.
والثاني: لا تجب له وقد سقط حقه منها بتأخير الاختيار والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي ﵀: "ولم يختلفوا في أن العقل يورث كالمال، وإذا كان هكذا فكل وارثٍ ولي زوجةً أو ابنةً لا يًخرج أحدٌ منهم من ولاية الدم".
قال في الحاوي: أما الدية فموروثة ميراث الأموال بين جميع الورثة من الرجال والنساء من ذوي الأنساب والأسباب وهو متفق عليه.
وهو معنى قول الشافعي: "لم يختلفوا في أن العقل موروثٌ" إلا حكاية شاذة عن الحسن البصري أنه لم يورث الزوج والزوجة والإخوة من الأم شيئًا من الدية وهو محجوج بالنص والإجماع.
روي سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن رجلًا قتل خطأ فقضى عمر رضي الله تعالى عنه بديته على عاقلته فجاءت امرأته تطلب ميراثها من عقل زوجها فقال عمر: لا أعلم لك شيئًا، إنما الدية للعصبة الذين يعقلون عنه، فقام الضحاك بن سفيان الكلابي فقال: كتب إلى رسول الله ﷺ يأمرني أن أورث امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها أشيم فورثها عمر. وروي عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "المرأة ترث من مال زوجها وعقله ويرث هو من مالها وعقلها".
[ ١٢ / ٩١ ]
(وروى) عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قضى أن العقل ميراث ورثة القتيل على فرائضهم.
وروي الشعبي أن النبي ﷺ ورث امرأة من دية زوجها، وورث زوجًا من دية امرأته.
فصل:
فأما القود فهو عندنا موروث ميراث الأموال بين جميع الورثة من الرجال والنساء على فرائضهم.
وبه قال أبو حنيفة وأكثر الفقهاء.
وقال مالك: يرثه رجال العصبات من ذوي الأنساب ودون الأسباب. وقال ابن أبي ليل: يرثه ذوو الأنساب من الرجال والنساء دون ذوي الأسباب.
واستدل مالك بقول الله تعالى: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء:٣٣] والوالي يتناول الرجال من العصبات فدل على أن لا حق فيه لغيرهم، ولأن القود موضوع لدفع العار فأشبه ولاية النكاح في اختصاصها برجال العصبات، ولأن النساء لو ورثن القود لتحملن العقل كالعصبات، وهن لا يتحملن العقل فوجب أن يسقط ميراثهم من القود كالأجانب.
ودليلنا قول النبي ﷺ: "فمن قتل قتيلًا بعده فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل".
ومن هذا الخبر دليلان:
أحدهما: أن الأهل عبارة عن الرجال والنساء من ذوي الأنساب والأسباب.
والثاني: أنه خيرهم بين الدية والقود، والدية تكون بين جميعهم فكذلك القود.
وروي الأوزعي عن حصين عن ابن سلمة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "ولأهل القتيل أن ينحجزوا الأول فالأول، ولو كانت امرأة" ومعنى قوله: "لينحجزوا" أن يتركوا يعني بتركهم فيما يجب على القاتل من قود ودية، ولأن كل من ورث الدية ورث القود كالعصبة؛ ولأن كل حق ورثه العصبة ورثه غيرهم من الورثة كالدية.
فأما قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء:٣٣] فقد ينطلق اسم على المرأة كما ينطلق على الرجل، لأنها تليه وإن لم تل عليه، ولو تناولت من يلي عليه لخرج منهم الأبناء والإخوة على أن المراد به مباشرة الاستيفاء، وذلك يختص بالرجال دون النساء.
[ ١٢ / ٩٢ ]
وأما استدلالهم بالنكاح في وضعه لنفي العار فليس بصحيح، لأن القود يستحق للتشفي لا لنفي العار على أن ولاية النكاح لا تورث إنما تستفاد بالنسب، والقود موروث فافترقا.
وما ذكره من اختصاص القود، من يتحمل العقل فاسد بالآباء والأبناء والصغار والفقراء كل هؤلاء يرثون القود، ولا يتحملون العقل كذلك النساء.
فصل:
فإذا ثبت أن القود موروث كالمال لم يخل حال القتيل من ثلاثة أحوال:
أن يكون له ورثة يستحقون جميع ماله فلهم الخيار بين ثلاثة أمور:
إما القود، أو الدية أو العفو عنهما.
والثانية: أن لا يكون له وارث بحال فالإمام وليه لأنه موروث لبيت المال، وللإمام الاختيار في اعتبار الأصلح من أمرين: القود، أو الدية، وهل له الخيار في العفو عنه؟ على وجهين:
أحدهما: له الخيار في العفو عنهما كالورثة.
والثاني: لا خيار له في العفو عنهما؛ لأنه نائب فلم يجز أن يسقط الحق بغير بدل.
والثالثة: أن يكون له من الورثة من يستحق بعض تركته كالزوج والزوجة. فليس لهذا الوارث أن ينفرد بالقود، لأنه لا ينفرد بالميراث وشريكه في استيفائه الإمام؛ لأن باقي التركة ميراث لبيت المال.
فإن اتفق الوارث والإمام على القود وجب، وإن أراده أحدهما دون الآخر سقط، واستحق الدية، وكان الوارث في حقه منهما بالخيار بين الاستيفاء والعفو، وفي خيار الإمام في حق بيت المال فيهما وجهان على ما مضى.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ولا يقتل إلا باجتماعهم، ويحبس القاتل حتى يحضر الغائب، ويبلغ الطفل، وإن كان فيهم معتوهٌ فحتى يُفيق أو يموت فيقوم وارثه مقامه".
قال في الحاوي: أما إذا كان ورثة القتيل أهل رشد لا ولاية على واحد منهم، فليس لبعضهم أن ينفرد بالقود دون شركائه، وعليه أن يستأذن من حضر وينتظر من غاب، وهذا متفق عليه لقول النبي ﷺ: "فأهله من خيرتين إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا العقل" فأما إن كان فيهم مولى عليه لعدم رشده بجنون أو صغر فقد اختلف فيه الفقهاء.
[ ١٢ / ٩٣ ]
فذهب الشافعي إلى أن القود موقوف لا يجوز أن ينفرد به الرشيد حتى يبلغ الصغير ويفيق المجنون، ويجتمعون على استيفائه، ولا يجوز لولي الصغير أن ينوب عنه في الاستيفاء.
وقال أبو حنيفة ومالك: يجوز للرشيد منهم أن ينفرد باستيفاء القود ولا ينتظر بلوغ الصغير وإفاقة المجنون، ولو كان مستحقه صغيرًا أو مجنونًا لوليه أن ينوب عنه في استيفائه استدلالًا بقول الله تعالى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء:٣٣] فذكره بلفظ الواحد فدل على جواز أن يستوفيه الولي الواحد.
ولأن ابن ملجم قتل عليًا رضوان الله عليه فاقتص منه ابنه الحسن، وقد شاركه من أخوته صغار لم يبلغوا، ولم يقف القود على بلوغهم ولم يخالفه أحد من الصحابة ﵃، فصار إجماعًا على جواز تفرده به.
قال: ولأن للقود حق يصح فيه النيابة فجاز إذا لم يتبعض أن ينفرد به بعضهم كولاية النكاح، ولأن القود إذا وجب لجماعة لم يمتنع أن ينفرد باستيفائه واحد، كالقتيل إذا لم يترك وارثًا استحق قوده جماعة المسلمين، وكان للإمام أن ينفرد باستيفائه.
ودليلنا قول النبي ﷺ: "فمن قتل بعده قتيلًا فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل" فجعل ذلك لجماعتهم، فلم يجز أن ينفرد به بعضهم، لما فيه من العدول عن مقتضى الخير.
ولأن القود إذا تعين لجماعة لم يجز أن ينفرد به بعضهم، كما لو كانوا جميعًا أهل رشد.
ولأن القود أحد بدلي النفس فلم يجز أن يستوفيه بعض الورثة كالدية. ولأن كل من لم ينفرد باستيفاء الدية لم يجز أن ينفرد باستيفاء القود كالأجانب.
وأما الآية فمحمولة على الولي إذا كان واحدًا.
وأما تفرد الحسن بقتل ابن ملجم لعنه الله فعنه جوابان:
أحدهما: أنه قد كان في شركائه من البالغين من لم يستأذنه، لأن عليًا خلف حين قتل على ما حكاه بعض أهل النقل ستة عشر ذكرًا وست عشرة أنثى فيكون جوابهم عن ترك استئذانه للأكابر جوابنا في ترك وقوفه على بلوغ الأصاغر.
والثاني: أن ابن ملجم انحتم قتله لسعيه بالفساد، لأن من قتل إمام عدل فقد سعي في الأرض فسادًا فصار محتوم القتل، لا يجوز العفو عنه فلا يلزم استئذان الورثة فيه.
والجواب الثالث: أن ابن ملجم استحل قتل علي ﵇ فصار باستحلاله قتله كافرًا، لأن من استحل قتلٍ إمام عدل كان كافرًا فقته الحسن لكفره ولم يقتله قودًا، وقد روي أن النبي ﷺ أيقظ عليًا من نومه في بعض الأسفار، وقد سيقت الريح عليه التراب، فقال: قم يا أبا تراب، ثم قال: أتعرف أشقى الأولين والآخرين؟ قال: الله ورسوله
[ ١٢ / ٩٤ ]
أعلم، قال: أشقى الأولين عاقر ناقة صالح، وأشقى الآخرين من خصب هذه من هذا، وأشار إلى خضاب لحيته من دم رأسه، فيجوز أن يكون الحسن عرف بهذا الخبر كفر ابن ملجم لعنه الله لاعتقاده استباحة قتل علي فقتله بذلك.
وأما قياسهم على ولاية النكاح فعنه جوابان:
أحدهما: أن ولاية النكاح يستحقها الأكابر دون الأصاغر، فجاز أن ينفرد بها الأكابر والقود يستحقه الأكابر والأصاعر فلم يجز أن ينفرد به الأكابر.
والثاني: أن ولاية النكاح يستحقها كل واحد منهم فجاز أن ينفرد بها أحدهم، والقود يستحقه جميعهم فلم يجز أن ينفرد به بعضهم.
فأما ما ذكره من تفرد الإمام بالقود فيمن ورثه جماعة المسلمين، فالجواب عنه أنه لما لم يتعين مستحقه وكان للكافة، تفرد به من ولي أمورهم، وهذا قد تعين مستحقه فافترقا.
فصل:
فإذا ثبت وقوف القود على بلوغ الصبي وإفاقة المجنون وجب حبس القاتل إلى وقت البلوغ والإفاقة ليحفظ حقهما بحبسه ولا يطلق، وإن أعطى كفيلًا بنفسه؛ لأنه حق لا يملك استيفاؤه إلا منه، والمتولي لحبسه الإمام دون الولي؛ لأن أمر الحاكم أنفذ من أمره، فإن أراد الولي أن يلازمه لم يمنع، ولا يقف حبس الحاكم له على الاستعداء إليه، وينفرد به إذا ثبت عنده القتل لما يجب عليه من حفظ الحقوق على من يولي عليه، ولو كان في الورثة رشيد غائب لم يلزم الحاكم حبس القاتل إلا بعد الاستدعاء إليه، لأن مستحق القود رشيد لا يولي عليه، وهكذا لو غصب دارًا لغائب جاز للحاكم أن ينزعها من الغاصب إن كان مالكها موليًا عليه، ولم يجز أن ينتزعها منه إن كان مالكها رشيدًا، فإن أراد ولي الصغير والمجنون أن يعفو عن القود إلى غير مال لم يجز، وإن أراد العفو عن القود إلى الدية نظر في الصغير والمجنون، فإن كانا موسرين غير محتاجين إلى المال لم يكن للولي العفو عن القود، وإن عفا بطل عفوه، وإن كانا فقيرين فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون لهما من يجب عليه نفقتهما، فلا يجوز لوليه أن يعفو عن القود لاستغنائهما ممن وجب عليه نفقتهما.
والثاني: أن لا يكون لهما من يلتزم نفقتهما وهما من ذوي الفاقة إلى قدر نفقتهما، ففي جواز عفو وليهما عن القود وجهان:
أحدهما: يجوز للضرورة اعتبارًا بمصلحتهما.
والثاني: لا يجوز لما فيه من إسقاط حقهما، ويحتمل وجهًا ثالثًا أن يعتبر حال
[ ١٢ / ٩٥ ]
المولى فإن كان مناسبًا أو وصيًا لم يصح عفوه، وإن كان حاكمًا صح عفوه، لأنه حكم يجوز أن ينفرد باجتهاده والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وأيهم عفا عن القصاص كان على حقه من الدية، وإن عفا على غير مالٍ كان الباقون على حقوقهم من الدية".
قال في الحاوي: وإن عفا على غير مال كان الباقون على حقوقهم من الدية إذا كان أولياء المقتول جماعة، فعفا أحدهم عن القود سقط جميع القود في حقوق جماعتهم، ولم يكن لواحد منهم أن يقتص سواء عفا أقلهم أو أكثرهم.
وقال مالك: يجوز لمن لم يعف أن يقتص ولو كان واحد من جماعة استدلالًا بقول الله تعالى: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ فلو سقط حقه بعفو غيره لكان السلطان عليه ولم يكن له، ولأن القود موضوع لنفي المعرة كحد القذف، ثم ثبت أن حد القذف لا يسقط بعفو بعض الورثة، كذلك القود يجب أن يكون بمثابتهم، ولأنه لما لم يكن عفو بعضهم عن الدية مؤثرًا في حق غيره وجب أن يكون عفوه عن القود غير مؤثر في حق غيره.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وأَدَاءٌ إلَيْهِ بِإحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] وهو محمول عند كثير من المفسرين على عفو بعض الورثة، لأنه جاء بذكر الشيء منكرًا، وجعل عفوه موجبًا لإتباع الدية بمعروف، وأن تؤدى إليه بإحسان ويحمل على عموم العفو من الواحد والجماعة.
وقال النبي ﷺ: "فمن قتل بعده قتيلًا فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل" فجعل الخيار في القود لجميع أهله لا لبعضهم، ولأنه إجماع الصحابة ﵃ روي أن رجلًا قتل رجلًا على عهد عمر ﵁ فطالب أولياؤه بالقود فقالت أخت المقتول وهي زوجة القاتل: عفوت عن حقي من القود فقال عمر: الله أكبر، عتق الرجل يعني من القود ولم يخالفه من الصحابة أحد مع انتشاره فيهم، فثبت أنه إجماع، ولأن القود أحد يدلي النفس فلم يكن لبعض الورثة أن ينفرد باستيفاء جميعه كالدية، ولأن القاتل، قد ملك بالعفو بعض نفسه فاقتضى أن يستوي في الباقي منها كالعتق، ولأنه قد اجتمع في نفس القاتل إيجاب القود وإسقاطه فوجب أن يغلب حكم الإسقاط على الإيجاب لأمرين:
أحدهما: أن القود يسقط بالشبهة، وهذا من أقوى الشبه.
والثاني: أن لسقوط ما وجب منه بدلًا وهو الدية، وليس للإيجاب ما سقط منه بدل.
[ ١٢ / ٩٦ ]
فأما الجواب عن الآية فقد مضى.
وأما الجمع بين القد وحد القذف فغير صحيح، لأنهم في القود مشتركون وفي الحد منفردون، فلم يجز أن ينفرد أحدهم باستيفاء القود وجاز أن ينفرد باستيفاء الحد، وإنما اشتركوا جميعًا في القود وانفرد كل واحد في لحد لأمرين:
أحدهما: أنهم ملكوا القود ميراثًا عن ميتهم لأنه بدل عن نفسه فاشتركوا فيه كالدية وملكوا الحد نيابة عن ميتهم لنفي العار عنه فانفرد كل واحد منهم به.
والثاني: أن القود بدل فلم يسقط بالعفو حق من لم يعف، فلذلك ما اشتركوا وليس للحد بدل فانفرد، ولئلا يسقط بالعفو حق من لم يعف، وأما الدية فإنما لم تسقط بالعفو حق من لم يعف، لأنها تتبعض فصح أن ينفرد كل واحد منهما باستيفائه حقه، لأنه لا يتعدى استيفاؤه إلى حق شريكه والقود لا يتبعض ولا يمكن كل واحد منهم أن ينفرد باستيفاء حقه منه إلا بالتعدي إلى حق شريكه، فسرى العفو عن القود ولم يسر العفو عن الدية.
فصل:
فإذا ثبت أن عفو أحدهم موجب لسقوط القود في حق جميعهم انتقل الكلام إلى الدية، أما من لم يعف فقد ملكوا حقوقهم من الدية بسقوط القود ولا يقف ملك الدية على اختياره لأن القتل قد صار في حقوقهم بسقوط القود من غير اختيارهم جاريًا مجرى قتل عمد الخطأ الذي لا يجب فيه قود، ويملك به الدية بنفس القتل كذلك ها هنا، وأما الدية في حق العافي فمعتبرة بعفوه عن القود، فإن قرنه باختيار الدية وجب له حقه منها، وإن لم يقرنه باختيار الدية على ما مضى من القولين في الذي أوجبه قتل العمد، ثم على ما مضى من التفصيل.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "فإن عفوا جميعًا وعفا المفلس يُجني عليه أو على عبده القصاص، جاز ذلك لهم ولم يكن لأهل الدين والوصايا منهم، لأن المال لا يُملك بالعهد إلا بمشيئة المجني عليه إن كان حيًا، وبمشيئة الورثة إن كان ميتًا. قال المزني ﵀: ليس يُشبه هذا الاعتلال أصله، لأنه احتج في أن العفو يُوجب الدية بأن الله تعالى لما قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وأَدَاءٌ إلَيْهِ بِإحْسَانٍ﴾ لم يجز أن يقال: عفا إن صولح على مالٍ، لأن العفو تركٌ بلا عوضٍ، فلم يجز إذا عفا عن القتل الذي هو أعظم الأمرين إلا أن يكون له مالٌ في مال القاتل أحب أو كره،
[ ١٢ / ٩٧ ]
ولو كان إذا عفا لم يكن له شيءٌ لم يكن للعافي ما يتبعه بمعروفٍ، ولا على القاتل ما يُؤديه بإحسانٍ. قال المزني ﵀: فهذا مالٌ مشيئةٍ، أو لا تراه يقول: إن عفو المحجور جائزٌ، لأنه زيادةٌ في ماله وعفوه المال لا يجوز، لأنه نقصٌ في ماله وهذا مالٌ بغير مشيئةٍ، فأقرب إلى وجه ما قال عندي في العفو الذي ليس لأهل الدين منعه هو أن يبرئه من القصاص ويقول بغير مالٍ فيسقطان وبالله التوفيق".
قال في الحاوي: اعلم أنه لا يخلو حال الوارث لقتل العمد في عفوه من أحد ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يكون جائز الأمر مالك التصرف فيصح عفوه عن القود وعن الدية جميعًا.
والثاني: أن يكون محجورًا عليه لا يجرى عليه قلم كالصغير والمجنون، فلا يصح عفوه عن القود ولا عن الدية جميعًا.
والثالث: أن يتعلق به حجر من وجه وإن جرى عليه القلم، فهذا قد يستحق من أحد أربعة أوجه:
أحدها: أن يتعلق بتركة المقتول ديون ووصايا فتتعلق بدينه كما يتعلق بتركته على ما سنذكره، فيصير الوارث في حكم المحجور عليه فيها حتى تقضى الديون وتنفذ الوصايا.
والثاني: أن يكون الوارث محجورًا عليه بالفلس في حقوق غرمائه حتى يستوعبوا ماله في ديونهم.
والثالث: أن يكون الوارث محجورًا عليه لسفه في حقه نفسه حفظًا لماله.
والرابع: أن يكون الوارث مريضًا يمنع في حق الورثة من العطاء إلا في ثلثه فهؤلاء الأربعة يصح عفوهم عن القود إلى الدية، لأن القود لا يؤثر في حقوقهم والعفو عنه أرفق بهم وفي صحة عفوهم عن الدية قولان:
أحدهما: يصح من جميعهم، وهذا على القول الذي يجعل قتل العمد فيه موجبًا للقود وحده والدية لا تجب إلا باختيار الوارث، فيصح عفوه، لأنه لم يملكها فيعارض فيه ولا يملكها إلا بالاختيار، وهو لا يجبر على الاختيار، لأنه اكتساب عما لا يجبر على قبول الوصايا والهبات.
والثاني: أن عفو الثلاثة باطل لا يصح، وهذا على القول الذي يجعل قتل العمد فهي موجبًا للقود، أو الدية، لأنه عفو عن مال قد تعلق به حق غيره. فأما المريض فعفوه على هذا القول معتبر من ثلثه، فإن احتمل ثلثه جميع الدية صح عفوه عنها، وإن لم يملك غيرها صح عفوه عن ثلثها وبطل عن باقيها فأما المزني فإنه تكلم على فصلين:
أحدهما: الرد على أبي حنيفة في منعه من الدية إلا عن مراضاة.
والثاني: في اختياره لأحد القولين أن قتل العمد موجب لأحد أمرين من القود أو الدية.
[ ١٢ / ٩٨ ]
فأما الفصل الأول فسلم كلامه فيه، وأما الفصل الثاني فالتبس عليه حتى اختلط تعليله، وضعف دليله وفي كشفه إطالة يقتصر فيها على سيره عند تأمله، وبالله التوفيق.