مسألة:
قَالَ: "وَلَما دَلَّ الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى أَنَّ حَقَّ المَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ [ق ٢٠٠ أ] أَنْ يَعُولَهَا احْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعُ بِهَا وَيَمْنَعَ حَقَّهَا".
الفصل:
قد ذكرنا أن نفقة الزوجة واجبة على الزوج فإذا أعسر بنفقتها لا يخلو إما أن يعسر بجميع نفقتها أو يعسر بما زاد على المد الواحد، فإن أعسر بجمع نفقتها كان لها الخيار بين أن ترضي بالمقام معه ونفقتها تصير دينًا في ذمته وتكتسب لنفسها ما يكفيها وبين أن تفسخ النكاح، فإن اختارت الفسخ رفعت أمرها إلى الحاكم حتى يفسخ الحاكم نكاحها ولا يجوز لها أن تفسخ بنفسها.
وبه قال عمر وعلي وأبو هريرة وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعطاء بن أبي رباح، والحسن وحماد وربيعة ومالك، وأحمد، وإسحاق.
وقال القفال: فيه وجهان:
أحدهما: أنها تفسخ بنفسها بعدما ثبتت العجز عند القاضي.
والثاني: يؤمر الزوج أن يطلقها، فإن امتنع طلق عليه السلطان كما نقول في المولى قال الإمام أبو يعقوب الأبيوردي وعلى هذا يدل حديث عمر أنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم يأمرهم أن يأخذوهم إما أن ينفقوا أو يطلقوا فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما حبسوا، وهذا غريب بعيد لم يذكره أهل العراق.
وقال أبو حنيفة: لا خيار لها بحال ولكن يلزمه رفع يده عنها لتكسب، وبه قال الزهري، وابن أبي ليلى، وعطاء بن يسار، وابن شبرمة، وقال القفال: هو قول آخر للشافعي، ذكره في كتاب تحريم الجمع، وهذا أيضًا غريب، وقال جدي الإمام، وبهذا أفتى ﵀ واحتجوا بأنها نفقة واجبة فلا تستحق فسخ العقد بها كالنفقة للأيام الماضية ونفقة الخادم، وهذا غلط لما روى أبو صالح عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته يفرق بينهما [ق ٢٠٠ ب].
وروي: من أعسر بنفقة امرأته فرق بينهما، وروى زيد بن أسلم عن أبي صالح، عن
[ ١١ / ٤٧٣ ]
أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول" قال: ومن أعول يا رسول الله قال: "امرأتك تقول أطعمني وإلا فارقني، خادمك يقول: أطعمني واستعملني، ولدك يقول: إلى متى يتركني" أورده الإمام أحمد والبيهقي.
واحتج الشافعي بما روى أبو الزياد قال: سألت سعيد بن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته قال: يفرق بينهما قلت: سنة يقال: سنة.
قال الشافعي: والذي يشبه قول سعيد سنة أن يكون سنة رسول الله ﷺ. وقال سفيان لوكيع: ما معنى قوله ﷺ الحسب المال والكرم التقوى فقال: أراد أن الرجل إذا كان له مال عظمة الناس فقال سفيان: ليس كذلك إنما هو قول أهل المدينة إذا لم يجد نفقة زوجته فرق بينهما.
واحتج أيضًا بما ذكره في آخر هذا الباب، وهو أن يثبت لها حق الفراق عند العجز عن النفقة والضرر أكثر، وفي فقدها فقد الحياة أولى. وأما النفقة الماضية فقد صارت دينًا في ذمته ونفقة الخادم لا تقصد بكل نكاح بخلاف هذا.
فرع:
إذا أعسر بما زاد على المد لا خيار لها ولا نصير دينًا في ذمة الزوج وكان الموكل الواجب لها.
فرع آخر:
لو أعسر بكسوتها لها الخيار لأن الكسوة كالقوت ويحتاج إليها لنفي الحر والبرد وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا خيار لها لا بنية الخلقة لا تقتضي الكسوة والبدن يقوم بدونها وهذا ليس بشيء.
فرع آخر:
لو أعسر بسكناها لها الخيار لأنه يحتاج إليها ليكفها من الحر والبرد. قال أبو حامد، وجماعة لا نص فيه [ق ٢٠١ أ] والقياس أنه لا خيار لها لأنه تابع ولا يعدم موضعًا يسكن فيه وتكن أجرته في ذمته يتبع به إذا وجد ويحتمل أن يثبت الخيار لها، والأصح عندي ثبوت الخيار لها.
فرع آخر:
لو أعسر بأدمها، قال الداركي: لها الخيار عندي لأن الإدم بمنزلة النفقة ووجوب أحدهما لمن له وجوب الآخر.
وقال أبو حامد: لا نص فيه والذي يجيء على المذهب أنه كالقوت والذي اختاره أنه لا خيار لها لأنه تبع وتقوم النفس بدونه ويكون عوضه في ذمته لأنه لا يسقط بالإعسار
[ ١١ / ٤٧٤ ]
وهو اختيار القفال: وعندي الأول أصح لأنها تستصغر بعدمه ضررًا بينًا. وقال في "الحاوي": إن كان قوتًا ينساغ للفقراء كله على الدوام بغير أدم لم تفسخ وإلا فسخت، وهذا حسن.
فرع آخر:
لو أعسر بنصف مد وقدر على نصف مد كل يوم أو قدر على مد يومًا وأعسر يومًا فيها الخيار.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجه آخر لا خيار لها لأن البدن يقوم بما وجد وإن لخفتها مشقة، وهذا ليس بشيء.
فرع آخر:
لو أعسر بنفقة يوم فلم تفسخ ثم وجد نفقتها في اليوم الثاني لا خيار لها لإعساره بنفقة الأمس لأنها تثبت في ذمته دينًا.
فرع آخر:
لو كان لا يجد في أول اليوم إلا نفقة الغداء وفي آخره إلا نفقة العشاء ففي خيارها وجهان:
أحدهما: لا خيار لها لأنها تصل إلى الكفاية في وقتها.
والثاني: لها الخيار لا نفقة اليوم لا تبعيض ولو تبعضت لجاز أن يعطيها لقمة لقمة.
فرع آخر:
إذا كان الرجل موسرًا فامتنع من الإنفاق عليها أجبره السلطان عليه فإن امتنع ولا يعرف له مال ظاهر حبسه أبدًا حتى ينفق، وإن كان له مال ظاهرًا أنفق عليها منه، وإن غاب غيبة معروفة أو غيبة منقطعة فلا خيار لها وإن تعذر استيفاء [ق ٢٠١ ب] النفقة من ماله لأنه لا عيب بذمته، وهذا الخيار إنما يثبت الغيب بذمته، وهو معدوم عند الانتفاع، فإن طالت غيبته وخفي خبره صارت امرأة المفقود، وقد مضى حكمه.
قال أبو حامد: وهذا مما يغلط فيه الفقهاء يقولون لها الخيار إذا تعذر استيفاء النفقة بهربه أو غيبته.
وقال في "الحاوي": فيه وجهان وقول الأكثرين أنها لا تفسخ، وقال القفال: مرة فيه قولان:
أحدهما: لا خيار كما لو امتنع من وطئها مع القدرة.
[ ١١ / ٤٧٥ ]
والثاني: لها الخيار؛ لأن المنع كالعجز كما لو منع المشتري الثمن فالبائع أحق بماله وقال مرة أخرى، إن قلنا في العاجز: لا خيار فههنا الأولى، وإن قلنا لها الخيار هناك فههنا وجهان والمشهور من المذهب ما ذكره أبو حامد والمصلحة في الفتوى على الوجه الآخر لأن عليها في الصبر ضررًا، وهو اختيار القاضي الطبري ذكره في الشامل وقبل كلام الشافعي يدل على هذا لأنه قال: احتمل أن لا يكون له أن يستمتع منها ويمنع حقها، وهذا لا يصح لأنه ذكر بعد هذا ما يدل على أن المراد به المنع بالاعتبار دون الظلم.
مسألة:
قَالَ: "إِذَا وَجَدَ نَفَقَتَهَا يَوْمًا بِيَوْمٍ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا".
إذا كان الرجل يكتسب في كل يوم قدر ما ينفقه على زوجته في ذلك اليوم لا يثبت لها حق الفسخ لأنهما إنما استحق نفقتها يومًا فيومًا وهو قادر عليها ولا تجب نفقتها للزمان القابل، وقال في "الحاوي": حال من أحوز به النفقة على ثمانية أقسام:
أحدها: أن يكون لشروعه في عمل لم يستكمله بعد ويقدر بعد استكماله على النفقة كالنساج الذي ينسج في كل أسبوع ثوبًا، فإذا نسجه كانت أجرته نفقة أسبوعه فلا خيار لزوجته، لأنه في حكم الواحد، وإن تأخرت وينفق من الاستدانة [ق ٢٠٢ أ] لإمكان القضاء، ويحكى هذا عن أبي إسحاق.
والثاني: أن يكون لتعذر الحمل كالبناء والنجار فلم يستعمله أحد، فإن كان تعذره نادرًا لا خيار، وإن كان غالبًا فلها الخيار.
والثالث: أن يكون لعجز عن التصرف كالصانع إذا مرض، فإن كان مرجو الزوال بعد يوم أو يومين لا خيار، وإن كان بعيد الزوال لها الخيار.
والرابع: أن يكون لدين له غريم لا يملك سواه ومطلة، فإن كان معسرًا فالدين عليه بأنه فلها الخيار، وإن كان على موسر حاضر فمالك الدين موسر به فلا خيار ويحبس الغريم حتى يؤدى والزوجة في حكم من زوجها موسر، وقد منعها النفقة يحبس على نفقتها، وإن كان الدين على موسر غائب ففي خيارها وجهان كالوجهين في زوجة الموسر الغائب.
والخامس: أن يكون المال غائبًا عنه ينتظر قدومه لينفق منه، فإن كان على مسافة قريبة لا تقصر في مثله الصلاة لا خيار لها لأن ماله في حكم الحاضر ويؤخذ بتعجيل نقله، وإن كان بعيدًا فهو في حكم النيابة ومالكه كالمعدوم فلها الخيار.
والسادس: أن يكون مالكًا لمال حاضرًا استحق عليه في ديونه لا خيار لها قبل
[ ١١ / ٤٧٦ ]
قضاء الدين لأن له أن ينفق منها قبل القضاء والمستحق في قضائه ما فضل عن قرب يومه وليلته، فإذا قضى دينه صار بعد يومه معسرًا فلها الخيار.
والسابع: أن يعجز عن حلال الكسب ويقدر على محظوره فهو على ضربين، فإن كانت أعيانًا محرمة كالسرقة وأثمان الخمور فالواحد لها كالعادم، والثاني: أن يكون الفعل الموصل إليه محظورًا كصناع الملاهي المحظورة لأنه مستعمل في محظور لا يستحق به ما سمي له من الأجرة ولا بد أن يستحق لتفويت عمله أجرًا فيصير به موسرًا [ق ٢٠٢ ب] ولا يكون لزوجته خيار وكذلك كسب النجم والكاهن يوصل إليه بسبب محظور لكنه قد أعطى عنه عن طيب نفس المعطى فأجرى مجرى الهبة، وإن كان محظور السبب فساغ له إنفاقه وخرج به من حكم المعسرين وسقط به خيارها.
والثامن: أن يكون عجزه لعدم الملك والكسب فهو المقتر على الإطلاق فلها الخيار وهذا كله حسن صحيح.
مسألة:
قَالَ: "وَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَمْ يُؤَجَّلْ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ".
الإعسار على ضربين: إعسار تأخير، وإعسار عجز، فأما إعسار التأخير فما ذكرنا في النساج والصانع فلا يثبت الخيار لأنه تأخير لا يستضر به كبير ضرر، وأما إعسار العجز والعدم فيثبت الخيار على ما ذكرنا ولكن هل يؤجل ثلاثًا.
قال في القديم: خيارها على الفور ولا يؤجل، وقال: ههنا يؤجل ثلاثًا ولا يؤجل أكثر، وقال في الإملاء: يؤجل يومًا وليس هذا قولًا آخر وأراد إذا أجل يومًا جاز ولم يرد أنه لا يؤجل أكثر من ذلك.
واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: فيه قولان كما قلنا في الثاني بالمرتد والمولى إذا قال: أجلوني للجماع هل يؤجل ثلاثًا؟ قولان:
أحدهما: لا يؤجل لأن سبب الفسخ الإعسار، وقد وجد.
والثاني: يؤجل ليتيقن الإعسار، لأن الكسب ربما يقف، ثم يظهر. ومن أصحابنا من قال: يؤجل ثلاثًا قولًا واحدًا، وهذا اختيار القفال.
فرع:
إذا أمهلناه ثلاثة أيام فمضى يومان، ثم وجد نفقة اليوم الثالث ثم أعسر لا يستأنف له مدة الثلاث بل اليوم الرابع يتمم ثلاثة أيام فيخير لأنا لو قلنا: لا يثبت الخيار إلا بثلاثة أيام متوالية أدى إلى الإضرار بها وعلى هذا إذا لم ينفق عليها يومًا وأنفق يومًا، ثم لم ينفق يومًا كذلك [ق ٢٠٣ أ] حتى كملت بالتلفيق ثلاثة أيام فلها أن تفسخ النكاح وكذلك لو
[ ١١ / ٤٧٧ ]
لم ينفق ثلاثة أيام، ثم أنفق في اليوم الرابع، ثم أعسر خير في الحال لأن التأجيل قد حصل، ذكره القفال وجماعة، ومن أصحابنا من قال: إنه يؤجل دفعة أخرى، فإن تكرر وصارت عادة تخير، وهذا حسن والصحيح ما سبق.
فرع آخر:
قال الشافعي: ولا تمنع المرأة في الثلاث أن تخرج فتعمل، وأراد به أنه إذا أمهل الزوج ثلاثة أيام ليس له أن يحجر عليها في طلب ما يقوتها ويسد رمقها من اكتساب ومسألة فإن وجد النفقة بعد الثلاث أنفق عليها وإلا كان لها الخيار.
فرع آخر:
لو كان لها مال ليس له منعها من الخروج من الدار أيضًا للكسب ولو قدرت على الاكتساب في منزلها بغزل أو خياطة وأرادت الخروج للكسب يعمل في غير منزلها كان لها ولا يستحق الحجر عليها في أنواع الكسب ويلزمها أن ترجع بالليل إلى منزل الزوج لأنه زمان الإيواء لا العمل.
فرع آخر:
إذا رجعت بالليل فأراد الاستمتاع بها لا يمنع لأن الليل زمان الدعة ولا يستحق ذلك في النهار، ولو امتنعت في الليل صارت ناشزة لا نفقة لها وهكذا إذا رضيت بالمقام معه على إعساره مكنها من الاكتساب نهارًا واستمتع بها ليلًا ونفقتها تصير دينًا عليه بالتمام يؤخذ بعد يساره وليس كالأمة تسقط نفقتها إذا بالليل دون النهار لأن منع الأمة من جهتها ومنع المعسر من جهته فلا تسقط به نفقتها، ذكره في "الحاوي".
ثم قال الشافعي: "فَإِنْ لَمْ يَجِدْ خُيِّرَتْ كَمَا وَضَعَتْ فِي هَذَا القَوْلِ" وهذا منه إشارة إلى قول آخر، وقد ذكرنا ما قاله القفال والمشهور المسألة على قول واحد. [ق ٢٠٣ ب].
مسألة:
قَالَ: "فَإِنْ وَجَدَ نَفَقَتَهَا وَلَمْ يَجِدْ نَفَقَةَ جَارِيَتِهَا لَمْ تُخَبَّرْ".
إذا أعسر بنفقة خادمة زوجته لا خيار لها لأنه لا ضرر عليها في نفسها تفقد نفقة خادمتها وهي بتماسك نفقة نفسها، ولأن نفقة خادمتها ليست بعوض من تسليم نفسها بخلاف نفقتها فإنها عوض من تسليم نفسها فافترقا، وقيل له إسقاط نفقة خادمتها بأن يخدمها بنفسه، وما كان له إسقاطها لا يثبت الخيار لها بالعجز عنها، فإذا ثبت هذا، فإن
[ ١١ / ٤٧٨ ]
نفقة خادمتها تكون دينًا في ذمته تطالبه بها إذا أيسر وإنما كان كذلك لأنه اعتبر في وجوبه حالها بخلاف المد الزائد، فإنه لا يثبت في ذمته لأنه اعتبر في وجوبه حاله.
واعلم أن حق المطالبة بنفقة الخادمة للزوجة لا للخادمة لأنها من كمال نفقة الزوجة، وقال بعض أصحابنا بخراسان في نفقة الخادمة وجه آخر لها الخيار بالعجز عنها لأنها مستحقة بالنكاح كنفقة الزوجة، وهذا ليس بشيء.
فرع:
لو خدمها الزوج في مدة إعساره بنفقة خادمها ففي رجوعها عليه بنفقة الخادم وجهان مخرجان من الوجهين هل يجوز للزوج أن يسقط بخدمته لها نفقة خادمها أم لا.
مسألة:
قَالَ: "وَمَنْ قَالَ هَذَا لَزِمَهُ عِنْدِي إِذَا لَمْ يَجِدْ صَدَاقَهَا أَنْ يُخَيِّرَهَا".
الفصل:
إذا أعسر بالصداق اختلف أصحابنا فيه على طرق:
أحدها: إن كان قبل الدخول فيه قولان:
أحدهما: لا خيار لها لأن نفسها تقوم بدون الصداق بخلاف النفقة، وأيضًا النفقة بإزاء الاستمتاع بدليل أنها تسقط بالنشوز، فإذا لم ينفق كان لها أن تمنع الاستمتاع على وجه تنتفع هي به وهو بالفسخ والمهر إنما وجب بالعقد وهي قد صارت حكمًا فلا خيار لها بالعجز عنه، ومن قال هذا [ق ٢٠٤ أ] قال: تأويل كلام الشافعي في الإملاء لها الخيار يعود إلى النفقة لا إلى المهر.
والثاني: لها الخيار لأنه بدل من البضع كثمن المبيع والأجرة، وهذا أقيس، وإن كان بعد الدخول فلا خيار لها قولًا واحدًا لأنه صار دينًا في ذمته ويلف ما في مقابلة فهو بمنزلة النفقة الماضية، وأيضًا فإنها لما سلمت نفسها كان ذلك رضا منها بكونه في ذمته فلم يكن لها الفسخ، وهذه الطريقة ذكرها ابن أبي هريرة واختارها صاحب الإفصاح.
والثانية: لا فرق بين أن يكون قبل الدخول أو بعده فيه قولان لأنها سلمت بعض المعقود عليه والمهر في مقابلة جميع الوطيات الماضية والمستقبلة فلها الفسخ للمستقبل كما لو وجد بعض المبيع في يد المفلس له الخيار.
والثالثة: إن كان قبل الدخول يثبت لها الخيار قولًا واحدًا ويحمل على اختلاف الحالين، وهذا اختيار أبي إسحاق، قال القفال: وعلى هذا إذا حصل الدخول على أي
[ ١١ / ٤٧٩ ]
وجه كان طوعًا أو كرهًا أو غلطًا سقط حق الفسخ لأن تقرير المهر قد حصل فلو فسخت انتفعت هي به دون الزوج وينبغي أن ينتفع هو بالفسخ أيضًا لسقوط الصداق عنه.
والرابعة: إن كان قبل الدخول لها الخيار، وإن كان بعد الدخول فقولان والأصح ثبوته، وهذا اختيار أبي حامد، وهذه الطريقة أحسن وأصح عندي.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا مبني على النفقة واختلف أصحابنا في كيفية البناء فمنهم من قال إن قلنا: هناك يثبت الخيار فههنا أولى، وإن قلنا: هناك لا يثبت فههنا قولان، والفرق أن النفقة بإزاء الاستمتاع، فإذا أعسر بها يمنع ما بإزائها وهو أن لا تمكن نفسها والمهر بإزاء طلب البضع، فإذا أعسر به يمنع الملك، ومنهم من قال: إن قلنا هناك لا يثبت الخيار [ق ٢٠٤ ب] فههنا أولى وإن قلنا: هناك يثبت فههنا قولان والفرق ما تقدم فحصل خمسة طرق وهذه الطريقة الأخيرة أضعفها.
فرع:
لو كانت منقوصة فأعسر بصداقها لا خيار لها لأنه لا مهر لها بالعقد على الصحيح من المذهب ولكن لها المطالبة بفرض المهر، فإذا فرض التحق بالمسمى في العقد.
فرع آخر:
لو كانت امرأته أمة فأعسر بصداقها ونفقتها ففي المهر الخيار للسيد دونها لأنه حقه، وفي النفقة الخيار لها على ما ذكرنا من قبل ولو قال السيد لها أن أنفق عليه عن الزوج لا خيار لها، ولو كانت معتوهة لا خيار لها، لأنه لا قول لها ويلزم المولى أن ينفق عليها ولو كانت عاقلة فلم تختر الفسخ فقول السيد إن أردت النفقة فافسخي النكاح وإلا فلا نفقة لك لأنها تقدر على طلب الفسخ.
فرع آخر:
لو كانت الزوجة صغيرة ليس للولي طلب الفسخ بل ينفق من مالها عليها، فإن لم يكن لها مال فنفقتها على قريبها الذي يلزمه لو لم تكن زوجته ثم إذا أيسر الزوج بعده يؤخذ من نفقتها الماضية.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ اخْتَارَتْ المَقَامَ مَعَهُ فَمَتَى شَاءَتْ أجِّل أَيْضًا".
إذا أعسر بنفقة امرأته فخيرناها فاختارت المقام معه، ثم بدا لها، فاختارت الفسخ كان لها الفسخ لأن وجوب النفقة يتجدد كل يوم ولا يصح الرضاء بإعسار ما لم يجب فكان لها المطالبة وكان عفوها عن الماضي لا عن المستقبل ولا فرق في هذا بين أن
[ ١١ / ٤٨٠ ]
يكون علمت عسرته حين عفت وبين أن لا تكون عالمة بعسرته لأنها ربما تعفو عن ماضي حقها رجاء أن يؤسر في المستقبل أو يتطوع عنه إنسان بالعزم وكذلك لو تزوجت به مع علمها بفقرة لها الخيار به.
فرع:
لو علمت بعسرته عند العقد هل لها الخيار لأجل الصداق وجهان:
أحدهما: لا خيار لها؛ لأنها لو رضيت به [ق ٢٠٥ أ] في النكاح لا يبقى لها الخيار فكذلك إذا دخلت في العقد مع الرضاء لا خيار ولأنه تجب بالعقد، وقد رضيت بتأخيره؛ لنه كان معسرًا به والنفقة تجب بعد العقد ويرجى التحصيل بالتكسب والاجتهاد غالبًا بخلاف الصداق.
والثاني: لها الخيار لأنها لا يتحقق دوامه لجواز أن يوسر أو يتطوع به متطوع ولهذا لو باع شيئًا من رجل فعل إفلاسه له فسخ البيع لتعذر استيفاء الثمن وكما نقول في النفقة.
فرع آخر:
إذا عادت إلى المطالبة بعد الرضاء بإعساره، قال القفال: يستأنف الإمهال ثلاثة أيام وهو ظاهر ما ذكر ههنا لأنه قال: فمتى شاءت أجل أيضًا بخلاف امرأة المولى إذا رضيت، ثم عادت إلى المطالبة بوقت في الحال لأن تلك مدة مضروبة بنص الكتاب وههنا ضربنا له المدة رفقًا له، فإذا رضيت سقط حكم تلك المدة وعندي يتحمل أن يقال لا تستأنف له المدة، وقول الشافعي أجل لا ينتفي التأجيل ثلاثة أيام.
فرع آخر:
إذا أعسر بالصداق وقلنا: لها الخيار فخيارها على الفور بعد التنازع فيه إلى الحاكم، لأن الفسخ به لا يثبت إلا عند الحاكم، فإذا أمسكت عن محاكمة بعد العلم بإعساره نظر، فإن كان إمساكها قبل المطالبة بالصداق كانت على الخيار عند محاكمته لأنه قد يجوز أن يوسر به عند مطالبته، وإن كان إمساكها بعد المطالبة سقط خيارها وكان الإمساك عن محاكمته رضاء بإعساره ولو حاكمته وعرض عليها الحاكم الفسخ فاختارت المقام سقط خيارها، فإن عادت محاكمة له فطلب الفسخ لا خيار لها إن كانت المحاكمة الأولى بعد الدخول لاستواء إعساره في الحالين، وإن كانت المحاكمة الأولى والرضا [ق ٢٠٥ ب] فيها بالمقام قبل الدخول، والمحاكمة الثانية بعد الدخول ففي استحقاقها للخيار وجهان:
أحدهما: لا خيار كما لو كانت المحاكمتان بعد الدخول ففي استحقاقها وللخيار وجهان:
أحدهما: لا خيار كما لو كانت المحاكمتان بعد الدخول.
[ ١١ / ٤٨١ ]
والثاني: لها الخيار، لأن ملكها قبل الدخول كان مستقرًا على نصفه وبعد الدخول على جميعه فصار إعساره بعد الدخول بحق لم يكن مستقرًا قبل الدخول فجاز أن تستجد به خيارًا لم يكن، ذكره في الحاوي وسائر أصحابنا قطعوا بأنه لا يتحدد لها الخيار به إذا رضيت مرة.
فرع آخر:
لا تسقط النفقة عندها بمضي الزمان سواء فرضها الحاكم أو لم يفرضها، وبه قال مالك، وأحمد في رواية، وقال أبو حنيفة: تسقط إلا أن يفرضها الحاكم فلا تسقط بعد فرضها، وهذا غلط لأنها تجب في حالتي اليسار والإعسار كالمهر والديون.
مسألة:
وَقَالَ: "وَلَهَا أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْهِ إِذَا أَعْسَرَ بِصَدَقِهَا حَتَّى تَقْبِضَهُ".
معناه إذا رضيت بالمقام معه ولم تفسخ النكاح للإعسار بالصداق فلها أن تمتنع من تسليم نفسها حتى تأخذ الصداق، لأن الصداق في مقابلة البضع، فإن أصحابها مرة مطاوعةً قد ذكرنا أنه يسقط حق حبسها، وإن أصابها مكرهة قد ذكرنا فيه وجهين:
أحدهما: لها الحبس كالمشتري إذا قبض المبيع كرهًا قبل دفع الثمن فللبائع الاسترجاع للحبس.
والثاني: ليس لها الحبس لأن المهر قد تقرر عليه، وإذا استرد البائع المبيع يرتفع تقرير الثمن على المشتري وههنا بامتناعها لا يرتفع تقرير المهر عليه فافترقا، وإن كان موسرًا بالصداق فقال: لا أدفع حتى تسلمي نفسك وقالت [ق ٢٠٦ أ] لا أسلم نفسي حتى تدفع الصداق ذكرنا في كتاب النكاح، والله أعلم.