مسألة:
قال: «وشهادة النساء جائزة فيما لا يحل للرجال غير ذوي المحارم أن يتعمدوا النظر إليه لغير الشهادة».
الفصل:
[ق ١٧١ ب] عندنا تقبل شهادة النساء على الانفراد في ثلاثة أشياء الرضاع، والولادة، وعيوب النساء تحت النساء فيقبل شهادة أربع نسوة منفردات ويقبل فيها أيضًا شهادة رجلين، أو شهادة رجل وامرأتين، وبه قال عمر، وابن عباس، ومالك، والزهري، والأوزاعي، وعطاء﵃.
وقال أبو حنيفة: لا تقبل شهادتهن على الانفراد إلا في الولادة، وبه قال ابن عمر، وابن أبي ليلى، وهذا غلط لما أشار الشافعي، وهو أن الرضاع والعيوب تحت ثيابهن مما لا يحل لغير ذي محرم، أو زوج أن يتعمد النظر إليها في ذلك حتى يتحمل الشهادة ولا يمكنه أن يشهد على رضاعها بغير رؤية ثديها.
واعلم أن لفظ الشافعي ههنا يدل على أنه يجوز المحرم النظر إلى ثدي المرأة التي تكون من محارمه لأنه قال: وشهادة النساء جائزة فيما لا يحل للرجال غير ذي المحارم أن يتعمدوا النظر إليه بغير شهادة، وهذا هو المذهب.
[ ١١ / ٤٣١ ]
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز للمحرم أن ينظر من المحرمة إلا إلى ما يظهر منها غالبًا عند الفصلة والمهنة، فمن قال بهذا اعتذر عن هذا النص بأن قال: ثدي المرضعة في أيام الرضاع لضرورة الرضاع يلتحق بأطرافها التي تطهر منها عند الفصلة والمهنة فكذلك جوز للمحرم أن ينظر إليه، فإذا انقضت أيام الرضاع انقضت الضرورة فلا يجوز له النظر إليها حينئذ، وقال الزهري، والأوزاعي: تقبل في غير هذه الأشياء شهادة امرأة واحدة، وقال مالك، والثوري: يقبل قول امرأتين، وقال الحسن، وعثمان البتي في الرضاع تقبل شهادة ثلاث نسوة.
وقال أبو حنيفة: تقبل في الولادة خاصة شهادة القابلة وحدها إذا كان هناك نكاح قائم [ق ١٧٢ أ] أو حمل ظاهر، وهذا كله غلط لأن الله تعالى لما أجاز شهادة النساء في الدين جعل امرأتين يقومان مقام رجل واحد ولا بها من الأربع: أو تقول ما قبل فيه شهادة النساء لم تقتصر به على امرأتين كالمال أو كل موضع لا يقبل فيه شهادة رجل واحد يقبل فيه شهادة امرأتين كالمال.
مسألة:
قال: «وإن كانت المرأة تنكر الرضاع وكانت فيهن أمها أو بنتها جزن عليها».
إذا ادعى الزوج أن بينهما رضاء وأنكرت المرأة فقد اعترف الزوج بأنه لا نكاح بينهما فيقبل إقراره في فسخ النكاح؛ لأن حقه وقول الإنسان مفبول في إزالة حق نفسه. فإذا تقرر هذا نظر فيه، فإن لم يكن له بينة على الرضاع قبل إقراره في حق نفسه وهو فسخ النكاح دون حقها وهو المهر، فإن كان قبل الدخول فلها نصف المسمى، وإن كان بعد الدخول فلها كل المسمى، وإن كانت له بينة، فإن كان قبل الدخول فلا شيء لها؛ لأنه لم يكن بينهما زوجته، وإن كان بعد الدخول فلها مهر مثلها، فإذا ثبت هذا، فإن الحاكم يقبل فيه شهادة أربع نسوة، وإن كان فيهن أم المرأة أو ابنتها.
قال الشافعي: قبلت شهادتهما عليها؛ لأن شهادة الأم والبنت تقبل عليها، وإنما لا تقبل لها، فإن قيل: كيف تتصور شهادة البنت على أمها من الرضاع؟ قلنا: لا يتصور أن تشهد بأنها أرضعت زوجها في صغرة فلما كبر تزوج بها وتجوز أن تشاهد بنتها ذلك ويجوز أن تكون قد أرضعته أم الزوجة فيكون هو أخاها فتشهد بنتها بذلك.
قال: وإن كانت تدعي الرضاع لم يجزيه أمها ولا أمهاتها ولا نبتها ولا بناتها [ق ١٧٢ ب] كان ذلك شهادة لها ولا يقبل شهادة الإنسان لأمه وبنته، وإن كان فيهن أم الزوج أو بنته، قبلت شهادتهما، لأنها شهادة على الزوج، وأما الإقرار بالرضاع لا يثبت
[ ١١ / ٤٣٢ ]
إلا بشهادة رجلين؛ لأن الإقرار غير نفس الرضاع.
مسألة:
قال: «ويجوز في ذلك شهادة التي أرضعت».
الفصل:
إذا شهدت المرضعة لا يخلو من أحد أمرين، إما أن تدعي أجرة الرضاع أو لا تدعيها، فإن أجرة الرضاع لم يقبل شهادتها لأنها متهمة في شهادتها، وإن لم تدع أجرة الرضاع قبلت شهادتها؛ لأنها لا تجلب بها منفعة ولا تدفع مضرة فقبلت شهادتها.
وقال في «الحاوي»: إذا دعت الأجرة ولم تقبل شهادتها في الأجرة هل تقبل في ثبوت التحريم؟ وجهان:
أحدهما: لا تقبل، وهو اختيار ابن أبي هريرة.
والثاني: يقبل، وهو اختيار أبي إسحاق، وهذا يخرج من تبعيض الشهادة وفيه قولان: فإن قيل: أليس تصير محرمًا له ويستبيح الخلوة بها والمسافرة منفعته قيل: هذا ليس من الأمور المقصودة التي ترد بها الشهادة الأ ترى أن رجلين لو شهدا أن فلانًا أعتق أمته قبلت، وإن كان يحل لخ نكاحها بالحرية وكذلك إذا شهدا بالطلاق يقبل، وإن كان يحل له المطلقة بالنكاح، فإن قيل: أليس لو شهدت امرأة بأن هذا المولود ولده وأنها ولدته لم تقبل شهادتها، فلذلك إذا شهدت بأن هذا المولود ولده أرضعته بلبنها وجب أن لا تقبل شهادتها. قلنا الوالدة متهمة فإنها يثبت بشهادتها حق الميراث والنفقات، وإسقاط القود وما أشبهه، فإن ذلك [ق ١٧٣ أ] كان معلق بنسب وليس كذلك بالرضاع فإنه لا يتعلق به من قبل الأحكام شيء فلم تكن متهمة في شهادتها فقبلناها، فإن قيل هذه تشهد أن نفس نسبها فوجب أن ترد شهادتها كالحاكم إذا شهد بما حكم لفلان على فلان بكذا أو كذا، وكالقاسم إذا شهد أنه قسم بين فلان وفلان كذا وكذا لا تقبل، قلنا: الفرق من وجهين:
أحدهما: أن المرضعة لا تشهد على مجرد فعلها وإنما تشهد على إرضاع الصبي سواء وجد من جهتها صنع أو لا ألا ترى أنها لو كانت نائمة فارتضع الصبي منها أو مجنونة فارتضع منها تحرم عليها، وصار ابنًا لها وليس كذلك الحاكم والقاسم فإنهما يشهدان على مجرد فعلها فلم تقبل شهادتهما.
والثاني: أن شهادة الحم، والقاسم تضمن تزكيتهما وتعديلهما فإن الحكم والقسمة لا يصحان إلا من عدل أمين فلم تقبل شهادتهما به وليس كذلك شهادة المرضعة فإنها لا تتضمن تعديلها وتزكيتها؛ لأن الرضاع يصح من الفاسقة وغيرها فافترقا. ثم قال المزني: كيف تجوز شهادتها على فعلها ولا يجوز شهادة أمها، وأراد به أنه إذا جازت شهادة
[ ١١ / ٤٣٣ ]
المرضعة على فعلها فشهادة ابنها وأمها أجوز في القياس.
قال أصحابنا: قدر المزني أن الشافعي أبطل شهادة أم المرضعة وأجاز شهادتها على فعل نفسها، فقال هذا، وهذا وهم من المزني، وإنما أراد الشافعي أن المرأة إذا ادعت على زوجها أن بينهما رضاعة فإنه لا يقبل قولها عليه ولا تقبل شهادة أمها وبنتها من النسب.
فأما الأجنبية إذا شهدت لها على فعل نفسها قبلت [ق ١٧٣ ب] شهادتها لأنها غير متهمة فيه، وكذلك يقبل شهادة أمها وبنتها فبطل ما قدره المزني، فإن قيل: لعل المزني أراد بذلك شهادة المرضعة التي باشرت الإرضاع لا شهادة أم المرضعة التي أرضعت الأفواه، قال: وكيف يجوز شهادتها على فعلها ولا يجوز شهادة أمها فرد الكنايتين إليها، قلنا: وهل يجهل أحد من نفسه أن شهادة التي باشرت الإرضاع وشهادة أمها سواء في القبول، والشافعي إنما أجاز شهادة أم المرضعة إذا شهدت عليها ولم يتكلم في شهادة أم المرضعة فكيف اعترض المزني على ما لم يتكلم فيه الشافعي فعرفت أن هذا الاعتذار عن المزني اعتذار غير صحيح.
مسألة:
قال: «ويوقفن حتى يشهدن أن قد رضع المولود».
الفصل:
أراد به كيفية الشهادة على الرضاع، وجملته أن الشهادة على الرضاع لا تقبل مطلقة وهو أن تقول إنها أخته من الرضاع أو أمه ولابد من أن تكون مبنية وهو أن يقول: أشهد أن هذا المولود ارتضع منه خمس رضعات متفرقات في الحولين، ووصل كل رضعة إلى جوفة، وهذا لأن للناس خلافًا في وقت الرضاع وعدده ولابد من البيان.
فإن قيل: هو لم يشاهد وصول اللبن إلى جوفه فكيف يجوز أن يشهد به؟ قيل: إذا علم الشاهد أن في الضرع لبنًا والتقمه الصبي وحرك شفتيه مصًا، فإن نزول اللبن إلى جوفه إن لم يحصل له أتعلم به قطعًا فقد حصل بطاهر قوي وما تعذر الوقوف عليه بالمشاهدة أو السماع اكتفي فيه بالظاهر كما لو شهد الشاهد بالملك والنسب بالاستفاضة [ق ١٧٤ أ].
قال الشافعي: فإن أخذت المرأة رأس الصبي تحت ثيابها فالتقم من ثديها فرأى ذلك فشهد بالرضاع لم يحكم به ولم تكن شهادة لأنه بعد أن يأخذ تحت ثيابها شيئًا فيه لبن فيمتص منه المولود ولا يكون جملة ولا يكون ذلك من لبنها، فإذا كان كذلك فلابد من مشاهدة الثدي وامتصاص الصبي منه على ما بيناه.
[ ١١ / ٤٣٤ ]
ثم اعلم أن الرضاع إن كان لا يثبت إلا بأربع نسوة، فإذا شهدت امرأة أو أخبرت بالرضاع فالاحتياط أن لا ينكحها، وإن كانت تحته فالاحتياط أن يطلقها والدليل عليه ما ذكر الشافعي من خبر السوداء وتمامه ما روي أن عقبة بن الحارث تزوج بأم يحيى بنت أبي أهاب بن عمر فجرت بينها وبين امرأة سوداء في جوارها خصومة، فأشاعات السوداء الخبر في الجيران أني أرضعتها وزوجها، فسمعه عقبة بن الحارث فساءه ذلك فسأل أهله وأهلها؛ فقالوا: لا نعلم أنها أرضعتك وذلك بمكة فركب إلى المدينة، وقال: يا رسول الله إني تزوجت بابنة أبي أهاب فزعمت امرأة سوداء أنها أرضعتني وإياها، فوالله ما أرضعتني ولا أخبرتني قبل ذلك فأعرض عنه رسول الله ﷺ فأعادها فقال له في الثالثة أو الرابعة «كيف وقد زعمت السوداء أنها أرضعتكما».
وروي أنه قال: «كيف وقد قيل» فطلقها بين يدي رسول الله ﷺ قال الشافعي: إعراض رسول الله ﷺ يشبه أن يكون كره له أن يقيم معها، وقد قيل إنها أخته من الرضاعة وهو في معنى ما قلنا يتركها ورعًا لا حكمًا.
مسألة:
قال: «ولو قال رجل هذه أختي من الرضاعة أو قالت هذا أخي من الرضاعة».
الفصل:
إذا اعترف الرجل أن هذه ذات محرم لي من رضاع بنتي أو أختي أو اعترفت لا يخلو إما أن يكون قبل النكاح [ق ١٧٤ ب] أو بعده، فإن كان قبل النكاح فإن كان هو الذي أقر بذلك لم يحل له نكاحها لأنه حق عليه وإن كانت هي أقرب بذلك لم يحل لها أن تتزوج به لأنه إقرار فيما هو عليها وقبل ذلك على نفسها ولا يتعلق به ضرر على غيرها هذا إذا كان في وقت يمكن ذلك فإن كان على وجه لا يمكن ذلك مثل أن يقول لمن هو أكبر سنًا منه هذه بنتي أو تقول الزوجة: هذا ابني وهو أكبر سنًا منها سقط قولهما ولا اعتبار به خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: يحرم بذلك كما قال إذا قال لعبده وهو أكبر سنًا منه هذا ابني يعتق فإذا ثبت هذا فكل موضع صح الاعتراف نظر فإن أقاما عليه فالحكم على ما مضى، وإن رجعا عنه وقالا: كذبنا وليس بيننا حرمة الرضاع، فإن كان الإقرار صحيحًا حرمت عليه في الظاهر والباطن وإن كان الإقرار كذبًا حرمت في الظاهر دون الباطن.
وعند أبي حنيفة: الإصرار على هذا الإقرار شرط، فإذا رجعا جاز النكاح، وهذا غلط لأن الإقرار إذا كان محرمه من حرمات الله تعالى على التأييد كان الرجوع عنه محالًا كما لو أقر بنسب أو أقرب به، ثم رجع لا يقبل رجوعه والرضاع يجري مجرى النسب
[ ١١ / ٤٣٥ ]
وإن كان هذا النكاح نظر، فإن كان الزوج هو الذي قال هذا فرق بينهما فإن كذبته أخذت نصف المسمى إن كان قبل الدخول أو كل المسمى إن كان بهد الدخول، وإن كانت هي المدعية أفتيته بأن يتقي الله ويدع نكاحها بتطليقة فتحل بها لغيره، وإن كانت كاذبة وأحلفته لها، فإن نكل حلفت وفرق بينهما، وإذا حلف الزوج يحلف على العلم وتحلف المرأة على البنت أنها أختها.
قال القفال: ولو قيل إنها تحلف على المعلم إثباتًا فيقول: والله لا أعلم أنه أخي من الرضاع ليكون يمين الرد موافقًا ليمين الابتداء كان أولى ثم لا مهر لها قبل الدخول [ق ١٧٥ أ] سواء حلف أو نكل لأنها لا تدعيه.
وقال في الحاوي في صف يمينه وجهان:
أحدهما: على العلم ليمين الزوجة إذا أنكرت الرضاع.
والثاني: البت والقطع، والفرق وإن كانتا على نفي فعل الغير أن في يمين الزوج مع تصحيح العقد فيما مضى إثبات استباحة في المستقبل فكانت على البت تغليظًا ويمين الزوجة لبقاء حق وجب بالعقد فكانت على العلم تحقيقًا.
فرع:
لو شك الزوج فلا يقع في نفسه صدقها ولا كذبها هل يجوز إحلافه وجهان بناء على الوجهين في صفة يمينه.
أحدهما: يجوز أن يحلف إذا قلنا يمينه على نفي العلم وله أن يستمتع بها حكمًا وصار أن يفارقها فدعا.
والثاني: ليس له أن يحلف إذا قلنا يمينه على البنت وهو بالخيار بين أمرين: إما أن يرد عليها اليمين فإذا حلفت فسخ النكاح بيمنها.
وإما أن يطلقها واحدة لتحل لغيره من الأزواج وهذا أولى الأمرين.
فرع آخر:
لو قال بيني رضاع افتقر التحريم إلى ذلك العدد، ولو قال: هي أختي من الرضاع، فإن كان من أهل الاجتهاد لم يفتقر إلى ذكر العدد، لأن في اعترافه بأخوتها التزامًا لحكم التحريم بالعدد المحرم، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد ويحتمل وجهين:
أحدهما: يلزم ذكر العدد ويرجع فيه إليه بعد إقراره لحهله بالتحريم.
والثاني: لا يلزم ذكر العدد ولا يرجع إليه بعد إطلاق الإقرار، كما لا يرجع إليه في صفة الطلاق بعد إقراره بالطلاق ويفارق الشهادة تفتقر فيها إلى صفة الرضاع وذكر العدد لأنها لا تصح إلا عن مشاهدة فاستوى فيها شروط المشاهدة وفي الإقرار لا يحتاج إلى
[ ١١ / ٤٣٦ ]
المشاهدة لأنه لا يشاهد رضاع نفسه من لبن أمه وإنما يعمل فيه على الخبر الذي وثق بصدقه، ولأن من الشهادة إلزام حق على غير الشاهد فبني على [ق ١٧٥ ب] الاحتياط في نفي الاحتمال والإقرار إلزام حق على المقر فكان في ترك الاحتياط تقصير من المقر فألزم حكم إقراره.
فرع آخر:
لو شهد اثنان بالرضاع وقالا: تعمدنا بالنظر إلى الثدي لا لإقامة الشهادة لم يقبل لأنهما أخبرا عن فسق.
فرع آخر:
لو قالت: أرضعت البارحة طفلًا خمسًا لا أدري هو ذا أم ذا حرما عليه ولو قالت: لا أدري ابني هذا أو ذا الطفل الأجنبي فالورع أن لا يتزوج بالطفل وجاز في الحكم.
فرع آخر:
قال القفال عن الشافعي: لو زوجت البكر بغير إذنها فادعت رضاعًا بينها وبين زوجها فالقول قولها مع يمينها ولو استؤذنت أو كانت ثيبًا فأذنت ثم ادعت هذا لا يقبل لأنها معذورة إذا لم تستأذن وغير معذورة إذا اسنؤذنت.
قال الإمام الجويني من المنهاج: ظاهر كلام الشافعي ههنا أنه لا يقبل دعواها ولا فرق بين أن تكون بكرًا وبين أن تكون ثيبًا فيحتمل أن يكون الشافعي قصد بالتصوير في الثيب دون البكر ويحنمل أن تكون الثيب والبكر سواء، لأن الأب قام مقامها في حق العقد فهي كالمستأذنة، وإن كانت غير مستأذنة والعادة أن الأب يستقضي ويستبرئ ويحتاط ثم يعقد عليها العقد.
فرع آخر:
لو شهد شاهدان بالطلاق ففرق الحاكم بينهما، ثم رجعا عن الشهادة يعرفان فلو شهد شاهدان بأنها أخت الزوج من الرضاع سقط الغرم عن شاهدي الطلاق لأنا علمنا أنهما لم يتلفا عليه ملكًا ولا حالًا بينه وبين ملكه.
فرع آخر:
لو تزوج رجل ثلاث نسوة كبيرتين وصغيرة فأرضعت كل واحدة منهما هذه الصغيرة أربع رضعات، ثم حلبت كل واحدة منهما حلبة، ثم مزجا في إناء واحد ثم أوجز ماءها معًا هذا اللبن انفسخ نكاح الثلاث [ق ١٧٦ أ] لأنه جمع بين امرأة وأمها وحرمت الكبيرتان على التأييد، وأما الصغيرة في التفضيل إن كان دخل بالكبيرتين أو بإحداهما حرمت على التأييد لم يكن دخل بواحدة منهما حلت له. وأما المهر فللصغيرة نصف المسمى ويرجع
[ ١١ / ٤٣٧ ]
على الكبيرتين بنصف مهر مثل الصغيرة على كل واحد منهما رجعيًا.
وأما الكبيرتان فإن كان دخل بها ثبت لكل واحدة جميع مهرها على كل واحدة منهما بنصف مهر مثل صاحبتها لأنهما كانتا السبب في فسخ النكاح معًا فسقط ما قابل فعلها ووجب نصف المهر لأجل فعلها، وإن لم تكن دخل بهما ثبت لكل واحدة منهما ربع مهرها؛ لأن الفسخ جاء من قبلها وقبل غيرها، فثبت نصف النصف وهو الربع وترجع على صاحبتها بربع مهر مثلها لأنها أتلفت عليه نصف البضع، والبضع ههنا مضمون بنصف المهر.
قال أبو حامد: ويحتمل أن يقال يرجع عليه بنصف المهر والأول أصح هذا إذا أوجرناها اللبن معًا، فإن أوجرها اللبن إحداهما انفسخ نكاح الكل، وكان للصغيرة نصف المسمى وترجع هي على التي أوجرتها بمهر مثل الكبيرة الأخرى ولا ترجع في حق نفسها بشيء لأن الفسخ جاء من قبلها بعد الدخول، وإن لم يكن دخل بها سقط مهر السابقة ولغير السابقة المسمى وترجع بما غرم على ما فصلناه.
وإن كانت المسألة بحالها لها فأرضعت إحداهما الرضعة الخامسة دون الأخرى انفسخ نكاح التي أرضعت ونكاح الصغيرة معًا دون التي لم ترضع والحكم والرجوع كما لو كان له زوجتان صغيرة وكبيرة فأرضعت الكبيرة الصغيرة، وقد مضى، وهذا فصل متسع التفريغ وفيما ذكرنا كفاية فقص عليه ما يرد عليه إن شاء الله تعالى.
[ق ١٧٦ ب] باب رضاع الخنثى
مسألة:
قال: «وإن كان الأغلب من الخنثى أنه رجل نكح امرأة».
الفصل:
إذا رضع الخنثى بلبنه مولودًا فإن بان أنه رجل لم تثبت الحرمة بلبنه، وإن بان أنه امرأة ثبتت الحرمة بلبنها وكان ولدًا لها، وإن كان مشكلًا وقف الأمر إلى أن يتبين، هكذا قال أبو حامد وجماعة، وقال القاضي الطبري: إذا كان مشكلًا قلنا له: ارجع إلى طبعك، فإن مال طبعك إلى أن يكون رجلًا كنت رجلًا لا تثبت الحرمة بلبنك، وإن مال طبعك إلى أن تكون امرأة كنت امرأة وكان المرضع ولدك، وإن قال: لا يميل إلى طبعي إلى أحدهما وليس لأحدهما على الآخر عندي مزية.
قال أبو إسحاق: يعرض لبنها على القوابل:
فإن قلن: هذا اللبن على غزارته لا يكون إلا لامرأة حكم بأنه وأن لبنه يحرم. وإن قلن يجوز أن يكون مثل هذا اللبن للرجل لم تثبت الحرمة بلبنه ويوقف إلى أن يكشف
[ ١١ / ٤٣٨ ]
الأمر، وقال غيره: لا يكون اللبن دليلًا على الأنوثة بحال لأنه قد يكون للرجال.
وقال ابن أبي هريرة: إذا عدمت الأمارات كلها وعدم شهوتها في الميل يجعل اللبن دليلًا بكل حال، وهذا خلاف ظاهر المذهب، وقد ذكرنا فيما تقدم الأمارات الدالة على الذكورة والأنوثة وقيل المال أعم ملقى العضو فيقدم الاستدلال به، فإن لم يكن تعتبر المنفعة الخاصة وهو المني وذلك عند البلوغ، فإن أمنى من ذكره فهو رجل، وإن أمنى من فرجه فهو امرأة، وإن أمنى منهما فلا بيان فيه، وهل يعتبر الحيض وجهان:
أحدهما: يعتبر فإن حاض فهو أنثى، وإن لم يحض فهو ذكر.
والثاني: الاعتبار بالحيض، وإن اعتبر المني لأنهما يشتركان في المني ويختلفان في مخرجه فجاز أن يكون معتبرًا [ق ١٧٧ أ] كما [يشتركان] في البول ولا يشتركان في الحيض، ويجوز أن لا يكون الدم حيضًا فلم يعتبره. ذكره في «الحاوي» والله أعلم.
وأما قوله ههنا: «وإن كان مشكلًا فله أن ينكح بأيهما شاء» عبارة مشكلة وليس معناها أنه يختار ما شاء ولكن معناها أن الواجب عليه مراجعة نفسه ليتأمل أمارات بلوغ شهواتها ثم يخبر عن نفسه بأنه رجل أو امرأة، فإذا أخبر بواحد منهما لزم ولا يمكن الرجوع بحال.
فرع:
لو ارتضعت الصغيرة من أم زوجها رضعتين والأم نائمة وأرضعتها الأم تمام الخمس والصغيرة نائمة فيه وجهان:
أحدهما: يسقط عن نصف المسمى نصفه وهو الربع.
والثاني: يسقط على عدد الرضعات فيسقط من نصف المسمى خمسان ويجب ثلاثة أخماسه. وقد ذكرنا نظير هذه المسألة فيما قبل والله أعلم.
[ ١١ / ٤٣٩ ]