مسألة:
قال: " إِذَا جَاءَ الزَّوْجُ وَثَلَاثَةٌ يَشْهَدُونَ عَلَي امْرَأَتِهِ مَعًا بالزاني لَاعَنَ الزَّوْجِ".
الفصل:
إذا شهد الزوج علي زوجته بالزاني مع ثلاثة نفر لا تقبل شهادته؛ لأنه يتصور فيه صورة المدعيين، ويه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: تقبل شهادته، وهذا غلط لما ذكره الشافعي أن شهادته تضمنت أنها أفسدت فراشه وألحقت به نسبًا ليس منه ووترته من نفسه بأعظم من أن يأخذ الزاني له، ويشتم عرضه أو ماله تشديد من الضرب، فلهذا لا تقبل شهادته، ومعني وترته: أي نفضته في نفسه بما التزامه من العار.
وجملة مقصودة أنه صار عدوًا له وخصمًا ومن المحال قبول شهادة العدو علي العدو والخصم علي الخصم.
فإذا تقرر هذا نقول: الخلاف إذا لم يتقدم القذف منه، فإن تقدم منه قذفها ثم جاء مع ثلاثة فشهدوا عليها بالزاني لا تقبل شهادته بالإجماع؛ لأنه صار خصمًا بالقذف، ويلزم الحد إلا أن يلاعن أو يقيم البينة، وهل يحد الشهود الثلاث؟ قولان: لأنهم نقصوا عن أربعة، وعند أبي حنيفة: يحدون ولو لم يتقدم قذفه وجاء يشهد مع الثلاثة، وقد بيَّنا أنه لا يقبل ويكون قاذفًا يلاعن أو يحد وهو ظاهر المذهب، واختيار أبي إسحاق، ويفارق الشهود الثلاثة لا يحدون في أحد القولين؛ لأن الزوج جاء [ق ٢٨ ب] مجيء الخصوم
[ ١١ / ٢٣٢ ]
وهؤلاء الثلاثة جاؤوا مجيء الشهود. وعلي هذا قال بعض مشايخنا: لو أن جماعة من الفسق الذين يلعنون بفسقهم ولا يسترون به جاؤوا وشهدوا علي زني رجل، مع علمهم بأن شهادة مثلهم مزودة. جعلناهم قذفه قولًا واحدًا، ولا ندخلهم في مسألة القولين، وإن قيدوا ألفاظهم بالشهادة. وبه قال ابن أبي هريرة، وهل يجري الزوج مجري الشهود في سقوط الحد عنه؟ وجهان:
أحدهما: لا حد عليه وهو الاختيار؛ لأنه جاء بلفظ الشهادة، فعلي هذا لو أراد اللعان لم يكن له إلا باستئناف قذف.
والثاني: قاله أبو إسحاق يُحد قولًا واحدًا؛ لأنه لما امتنع أن يكون شاهدًا امتنع أن يكون لفظه شهادة، وصار قذف محصنة فيلا عن بما تقدم.
فرع:
إذا قلنا: يحد الشهود فعلي الزوج الحد أيضًا، ولكن للزوج أن يلاعن علي ما ذكرنا، وهل يجوز أن يحد الشهود قبل لعان الزوج؟ وجهان مبنيان علي أن الزوج إذا لاعن وامتنعت من اللعان فحدت هل تسقط حصانتها مع الأجانب؟ فيه وجهان:
فإن قلنا: لا تسقط يجوز أن يجوز أن يُحد الشهود قبل لعانها.
وإن قلنا: تسقط لا يُحد الشهود إلا بعد اللعان؛ لجواز أن تمتنع فتحد فتسقط حصانتها معهم.
فرع آخر:
لو شهد أربعة بالزاني وفيهم من رُدت شهادته لرق أو فسق.
قال أبو إسحاق في حدّ الباقين قولان، وقال الاصطخري: إذا كمل عددهم ونقصت صفتهم لم يحدوا قولًا واحدًا [ق ٢٩ أ] لأن نقصان الصفة راجع إلي الحاكم ونقصان العدد راجع إلي الشهود، وهذا فرق ضعيف.
مسألة:
قال: "وَلَوْ قَذَفَهَا وَانْتَفَي مِنْ حَمْلِهَا وَجَاءَ بِأَرْبَعَةٍ فَشَهِدُوا أَنَّهَا زَنَتْ لَمْ يُلَاعِنْ حَتَّى تَلِدَ".
إذا شهدوا عليها الزاني، فقد ذكرنا أنه سقط عنه حدّ القذف ووجب عليها حدّ الزاني، ويقاوم عليها إلا تكون حاملًا فتؤخر حتى تضع، وقد قال ههنا: " ولَمْ تُحَدَّ حَتَّى تَضَعَ ثُمَّ تحُد" وفيه إشكال لأنه لا يجوز أن يبادر إلي حدها عقب الوضع، ومعناه تحد إذا احتملت الحد، ثم كلمة تحتمل التراخي والولي أن لا تُراحم المرأة حتى تحصن
[ ١١ / ٢٣٣ ]
الولد، وإن وجد من يكفله ولا يعمل الشهود في نفي الولد بحالٍ، وينظر في الزوج، فإن لم يكن لها حمل ولا ولد لا يلاعن لقطع الفراش علي ظاهر مذهب الشافعي.
وقال أبو الطيب ابن سلمه: يلاعن له ليستفيد بحرمتها علي التأبيد فيحسم الطمع في مراجعتها، ويكون أبلغ من دخول المعني عليها، وإن كان هناك حمل فلا لعان ههنا لأجل الحمل دون غيره، ومتى كان اللعان لأجل الحمل دون غيره، ومتى كان اللعان لأحل الحم وكان مقصودًا به، هل يجوز أم لا؟ علي قول أبي إسحاق لا يجوز قولًا واحدًا، وعلي قول غيره قولان، وقوله ههنا: " لم يلاعن حتى تلد" يدل علي ما قال أبو إسحاق، وهذا لأن القذف صار كالمعدوم بإقامة أربعة من الشهود علي زنيها، ويفارق هذا إذا قذفها والنكاح قائم، ولم يقم البينة علي زنيها وهي حامل له أن يلاعنها قولًا واحدًا؛ لأن القذف باقٍ وللزوج فواحدة عن نفسه بلعانة مع عدم الحمل [ق ٢٩ ب] فكان له ذلك عند وجود الحمل.
ومن أصحابنا من قال: هل يلاعن عن الحمل في جميع المواضع؟ قولان لأنه نص ههنا علي أن لا يلاعن حتى تلد، وهذا ضعيف أنكره جمهور أصحابنا.
فرع:
إذا أراد أن يلاعن لنفي ولدها ولم يكن قذفها ولم يكنن قذفها قبل الشهادة فهل يستعن بالشهادة عن التلفظ بقذفها؟ وجهان محتملان:
أحدهما: يستغني به، فعلي هذا يقول في لعانة: أشهد أني لمن الصادقين في زنيها، ولا يقول فيما رميتها به لأنه لم يرمها.
والثاني: لا بد من القذف لقوله تعالي: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النُّور:١٦] فجعل رميه شرطًا في اللعان، فعلي هذا يستأنف القذف ثم يلاعن.
مسألة:
قال: "وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَي إقْرارهَا باِلزَّنَي لمَ يُلاَعنْ ولَم يُحَد َّوَلاَ حَدَّ عَلَيْهَا".
إذا قذف زوجته يلزمه الحد في الظاهر، فإن طالبته به فقال: أنت قد اعترفت بالزني فإما أن تقر أو تنكر، فإن أقرت ثبت زنيها وسقطت حصانتها ووجب عليها الحد باعترافها، وسقط الحد عن قاذفها، وإن كذبته لا يخلو إما أن تكون معه بينة أولًا، فإن لم يكن فالقول قولها فإذا حلفت سقطت دعواه وعليه حدّ القذف إلا يسقطه باللعان، وهذه اليمين ليست علي حدّ الزاني؛ لأن اليمين لا تدخل فيه، وإنما هي لإسقاط دعواه ليثبت عليه حدّ القذف لها الذي هو حق الآدمي، وإن كان معه بينة علي إقرارها بالزني فهل يثبت إقرارها به (بشاهدين؟) قولان:
[ ١١ / ٢٣٤ ]
أحدهما: يثبت كسائر الأقاويل وهو الصحيح.
والثاني: ليثبت إلا بأربعة كنفس الزاني لا يثبت إلا بأربعة.
قال القفال: وبه أجابه ههنا: فإذا قلنا بالأول سقط الحد [ق ٣٠ أ] علي قاذفها ولا حد عليها لأنها جاحدة له، وحدّ الزاني يسقط بالرجوع بعد الاعتراف، ولو أقرت بالزني ثم قالت: ما زنيت يُقبل، ولو قالت: ما أقررت بالزني ولم تقل: ما زنيت أقيم عليها الحد؛ لأن الإقرار قد ثبت بشاهدين وهذا تكذيب الشهود لا رجوع عن الإقرار. وإن قلنا بالقول الثاني لا يسقط الحدّ عن قاذفها، وقال القفال: المنصوص ههنا أنه لا يثبت الإقرار بشاهدين ولا يلزم الحدّ علي قاذفها، ويجوز أن تُقبل البينة في إسقاط الحدّ دون إيجابه؛ لأن الحدود تدرأ بالشهيات، ألا تري أنه لو شهد أربعة بالزني وشهد أربع نسوة أنها عذراء أسقطنا حدّ القذف عنه ولا حدّ عليها، وكذلك إذا قام أربعة من الفسق بالزني أسقطنا حدّ القذف ولا نوجب حدّ الزاني، فكذلك الشاهدان علي إقرارها بالزني وفي هذا نظر، وإنما قال ههنا: " وَلاَحَد َّعَلَيهَا" بجحودها لأن البينة علي الإقرار بالزني لم تكمل.
فرع:
لو أقام الشاهدان علي إقرارها بالزني: وقلنا: يسقط عنه الحد، ثم أراد أن يقيم البينة علي زينها هل يجوز؟ وجهان:
أحدهما: يجوز تصديقًا لقذفها وتكذيبًا لإنكارها، وهو اختبار أبي الطيب ابن سلمه.
والثاني: وهو الأصح لا يجوز ويمنع من التعرض لها؛ لأنه لا يستفيد به حقًا لأن حده سقط بإقراره.
فرع آخر:
لو شهد عليها أربع بنين له بالزني، فإن كانوا من هذا الزوج لا تُقبل شهادتهم لأنهم شهدوا لأنفسهم، وإن كانوا م غيره| [ق ٣٠ ب] قُبلت شهادتهم نص عليه في " الأم" لأن شهادة الابن علي الأم مقبولة.
ومن أصحابنا من قال: إذا كانوا من هذا الزوج لا تُقبل في سقوط الحدّ عن أبيهم، وفي وجوب الحدّ علي الأم قولان مبنيان علي تبعيض الشهادة، تجوز أم لا؟ ولو شهد عليه ابناه بقذفها فإن كانا من غيره تُقبل، وإن كان منها لم تُقبل. ولو شهد ابناها (على)
[ ١١ / ٢٣٥ ]
إقرارها (بالزنى)، فإن كان من غيره تُقبل لإسقاط حدّ قذفه وإن كانا منها لا تُقبل.
مسألة:
قال: "وَلَوْ قَذفَهَا وَقاَلَ: كَانَتْ أَمَةً أَو مُشْركَةً فَعَليْهَا البَينَّةُ أَنهَّا يَوْمَ قَذَفَهَا حرَّةٌ مُسْلمَةٌ".
الفصل:
إذا قال القاذف: قذفتك وأنت أمة أو مشركة، وقالت المقذوفة: بل قذفتني وأنا حرة أو مسلمة، فإن عرف أنها كانت مشركة أو أمة، وادَّعت أنه قذفها، وقد أعتقت أو أسلمت فالقول قوله عليها البينة، وإن لم يعرف حالها كيف كانت، قال أبو إسحاق: يحتمل وجهين، وقال صاحب" الإفصاح": فيه قولان:
أحدهما: القول قوله. وهو الذي نقله المزني؛ لأن الدار يجمع المسلمة والمشركة والحرة والأمة، فإذا ادعت أنها كانت مسلمة أو حرة فعليها البينة.
والثاني: نص عليه في كتاب اللقط القول قولها، لأنا إذا رأينا في الحال حرة مسلمة فالظاهر أن ذلك حالها فيما مصلا إلا أن يعلم غيره بالبينة.
وأعلم أن صورة هذه المسألة [ق ٣١ أ] أنه قذفها مطلقها ثم اختلفا بعده، وصورة هذه المسألة مخالفة للمسألة التي مضت قبل هذه، وذلك لأن في هذه المسألة قذفها بالزني، ثم اختلفا بعد القذف كيف حالها وقت القذف، وفي تلك المسألة أضاف الزاني إلي حال الصبي والشرك وحال الرق وكان القذف مفيدًا، وهي في حال القذف حرة مسلمة إلا أن الحكم في المسألتين واحد علي ما بيناه، فإن قيل: إذا قطع يده ثم اختلفا فقال القاطع: قطعت يده وهو عبد، وقال المقطع بل أنا حر وكان مجهول الحال.
قال الشافعي: " يقول قول المقطوع يده وعلي القاطع البينة" قلنا: قال أبو إسحاق: الفرق أنا إذا جعلنا القول قول القاذف لا يؤدي إلي بطلان الحدّ، فإنا نغزره وهو يقوم مقام الحدّ في التكذيب، وإذا جعلنا القول قول الجاني أدي إلي بطلان القصاص، ولا يكون هناك ما يقوم مقام القصاص في الردع فجعلنا القول قول المقطوع حتى لا يؤدي إلي سقوط ما يتعلق به الردع.
ومن أصحابنا من نقل جواب كل واحدة من المسألتين إلي الأخرى وخرجهما علي قولين أو الصحيح ما تقدم، فإن قيل: القاضي في "كتاب اللقطة" في لقيط وجد في دار الإسلام فبلغ، فقذفه رجل عليه الحدّ إلا أن يقيم البينة أنه مملوك. قلنا: من أصحابنا من قال: فيهما قولان علي سبيل النقل والتخريج، ومنهم من فرق بين اللقيط وبين مجهول الحال، بأن ظاهر الدار أوجب للقيط الحرية في الظاهر، وفي مجهول الحال لم نجد
[ ١١ / ٢٣٦ ]
أصلًا نبني عليه، والأصل براءة ذمة القاذف ذكره القفال.
مسألة.
قال: " [ق ٣١ ب] فَلَوْ كَانَتْ حُرَّةٌ [مُسْلِمَةٌ] فَادَّعَي أَنَّها مُرْتَدَّةٌ فَعَليْه البَيَنةُ".
قال أبو إسحاق: عليه البينة لأنه قد اعترف بأنها كانت مسلمة، وادعي تغير حالها فلم يقبل إلا ببينة، كما إذا أقرت بأنها كانت أمة وادعت تغير حالها قبل قذفها، لم يقبل ذلك منها، وإن علم أنها كانا مرتدة واختلفا في وقت قذفها فقال: قذفتك وأنت مرتدة، وقالت: قذفني وقد أسلمت كان القول قوله مع يمينه.
مسألة:
قَالَ: " وَلوْ ادَّعَي أَنَّ لَهُ البَينَّةَ عَلَي إِقْرارِهَا بالزَّني وَسَأَلَ الأَجَلَ لمْ يُؤجَّلُ إِلاَّ يومًا أو يَوْمَيِن".
هكذا ذكره الشافعي، وقال أبو إسحاق: أكثرة ثلاثة أيام، وقوله الشافعي: "يوما أو يومين " تقريب لا تحديد، فإن جاء بها وإلا حد أو لاعن، وكذلك إذا أقام البينة عليها بالزني فادعت جرح الشهود، أو أقامت هي عليه البينة بالقذف فادعي جرح الشهود وأول الحدود الثلاثة لأنها جعلت حدًا في مواضع كثيرة.
مسألة:
قال: " وَلوْ أَقَامَتْ البيَنةَ أَنَهُ قَذَفَهاَ [كبَيرةً وَأَقَامَ البيَّنة أَنَّه قَذَفَهاَ] صَغيِرةً فَهَذَانِ قَذْفانِ مُفْترَقَانِ".
إذا قذف امرأته مطلقًا فطالبته بالحدّ فقال: كنت حين القذف صغيرة، لا يخلو إما أن يكون لها بينة، أولا، ف'ن لم يكن فالقول قوله، لأن الأصل براءة ذمته عن الحدّ والأصل الصغر، وإن حلف سقط الحدّ وعليه التعزيز إلا أن يلاعن، وإن كان لها بينة أقامت بينتها علي أنه قذفها وهي كبيرة حُدّ إلا أن يلاعن، وإن كانت له بينة مع بينتها لم يخل، إما أن يكونا مطلقتين أو مقيدتين، فإن كانت مطلقتين مثل إن قامت البينة أنه قذفها كبيرة وأقام البينة أنه [ق ٣٢ أ] قذفها صغيرة فهما قذفان: قذف حال الصغر وقذف حال الكبر، فعليه تعزيز وحد إلا أن ينفيهما اللعان.
ومن أصحابنا من قال: هل يدخل التعزيز غي الحد؟ وجهان:
أحدهما: يدخل فيه لأنه من جنسه ولمستحقه.
[ ١١ / ٢٣٧ ]
والثاني: لا يدخل، لأن حقوق الآدميين لا تتداخل فيقام عليه التعزيز، ثم الحد. وإن كانتا مقيدتين لا يخلو إما إن تكونا مقيدتين بوقت واحد، مثل إن شهدت إحداهما أنه قذفها مع الزوال أول رمضان وكانت كبيرة، وقالت الأخرى: قذفها في هذا الوقت وهي صغيرة، أو اتفق الزوج والزوجة أن القذف واحد، فقد تعارضت البينتان؛ لأن الجمع بينهما لا يمكن، وفي البينتين المتعارضتين قولان:
أحدهما: تسقطان.
والثاني: تستعملان، وإذا قلنا تستعملان فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: توقفان.
والثاني: يقرع بينهما.
والثالث: يقسم. فحصل أربعة أقوال ويجئ في هذا الموضوع الأقاويل الثلاثة ولا يجئ قول القسمة، فإن قلنا: يوقفان، لم يحكم عليه بشيء ههنا، وإن قلنا: يقرع فمن خرجت القرعة علي بينته حكم بها، فإن خرجت القرعة علي بينتها حُدَّ الزوج، وهل تحتاج المرأة أن تحلف مع القرعة؟ قولان مبنيان علي القولين في القرعة هل دخلت مرجحة للدعوي أو للبينة؟ فإن قلنا: ترجح الدعوي يحلف، وإن قلنا: ترجح البينة لا يحلف. وإن خرجته القرعة علي بينته سقط الحدّ وعزر، وهل يحتاج أن يحلف مع القرعة؟ قولان. وإذا قلنا: يسقطان وهو الأظهر، وبه أجاب الشافعي ههنا فيصبر كأن البينين لم يكون، ويكون القول قوله مع يمينه أنه قذفها صغيرة.
وقال أصحابنا: لا يجئ قول الوقف [ق ٣٢ ب] ههنا، لأن فيه تعطيل حكم القذف. ذكره أبو حامد وجماعة، ثم قال الشافعي: فهي متضادة فلا حدّ ولا لعان، أما الحد فسقط، وأما اللعان قال أصحابنا: له أن يلاعن لإسقاط التعزيز عن نفسه، وتأولوا قول: "ولا لعان" أي لا عان لإسقاط الحد، لأن الحد إذا لم يجب لم يحتج إلي اللعان لإسقاطه.
ومن أصحابنا من قال: لا يلاعن، لأن الحدّ لا يجب عليه وإنما التعزيز فهي لا تطالب به لدعواها الحد فلا يلاعن.
ومن أصحابنا من قال: معناه إذا كانت صغيرة لا يجامع مثلها لا تلاعن للتعزيز علي ما تقدم بيانه، قال القفال: ولو أشارت البينتان إلي وقت واحد، وقالت إحداهما أنها كانت حاضت قبل ذلك فبلغت بها، وقالت الأخرى لم تحض فبينة البلوغ أولي؛ لأن معها زيادة علم ولا تُقبل البينة علب النفي وهذا وضح لا إشكال فيه.
[ ١١ / ٢٣٨ ]
مسألة:
قال: "وَلَوْ شهِدَ عَليْه شَاهِدانِ أَنَّهُ قذَفها وقذف امْرأتهُ لمْ تَجزْ شَهَادَتُهُمَا".
الفصل:
إذا شهد شاهدان علي رجل أنه قذفها وقذف امرأته لم تجز شهادتهما في حق أنفسهما ولا في حق الزوجة؛ لأنهما قد صارا عدوين له بقولهما قذفنا.
قال الشافعي:" إلاَّ أَنْ يَعْفو قَبْل أَنْ يَشْهَدَا وَيُري مَا بَيْنهُ وَبَيْنُهمَا حَسَنًا فَيَجُوزَا". قال أصحابنا: وإذا كان كذلك لا فرق بين أن يشهدا للأجنبية بانفرادها وبين أن يشهدا لهما ولأنفسهما، فإن شهادتهما للأجنبية مقبولة قولًا واحدًا؛ لأنهم شهدا لهما وهما عدلان لا عداوة بينهما، وأما إذا شهدا بأنه قذفها وقذف الأجنبية فرد الحاكم شهادتهما ثم عفوا عن حقهما وحسن الحال بينهما وبينه أعادا تلك [ق ٣٣ أ] الشهادة للأجنبية لم تُقبل شهادتهما؛ لأن الشهادة إذا ردت بالاجتهاد ولم تُقبل بحالٍ، وثبت الرد علي التأبيد كما لو رد الحاكم شهادة الفاسق، ثم أعادها بعد التوبة لا تُقبل، وفي المسألة الأولي لم ترد شهادتهما للتهمة، بل منعنا قبول شهادتهما في الأول للعداوة فإن فإذا زالت العداوة قبلناها، فإن شهد أنه قذف زوجته، ثم قالا بعد ذلك بمدة: وقذفنا نحن أيضًا فأخبرا عن العداوة بعد الشهادة عليه بالقذف، فإن كان قولهما وقذفنا أيضًا بعد أن حكم الحاكم بشهادتهما لم ينقص حكمه، وإن [كان] ذلك منهما قبل الحكم بشهادتهما لم يحكم بها، وأصله أن إظهار العداوة بعد إقامة الشهادة كالفسق بعد إقامتها، فإن فسقا بعد الحكم لم يضر، وإن كان قبل الحكم لا يحكم كذلك العداوة مثله.
فرع:
لو شهد ابناه عليه أنه قذف أمهما، وقذف أجنبية، قال في " الأم": لم تُقبل شهادتهما للأم وقبلت للأجنبية". قال أصحابنا: وفيه قول آخر أن الشهادة إذا ردت في البعض ردت في الكل لا تُقبل شهادتهما للأجنبية أيضًا، فحصل قولان. والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها هناك لا تُقبل للأجنبية قولًا وذلك أنا رددنا شهادتهما هناك لأجل العداوة فرددنا في الكل وهنا رددنا للتهمة فاختص الرد بموضع التهمة علي أحد القولين، موضوع التهمة وهو الشهادة للأم دون الأجنبية. وحكي صاحب "الإفصاح" عن بعض أصحابنا أنه قال: كلا المسألتين علي قولين وهذا غلط، والفرق ظاهر.
فرع آخر:
قال القفال تفريعًا علي ما ذكرنا: لو شهدنا أنه قذف زوجتيهما وقذف أجنبية، وقلنا:
[ ١١ / ٢٣٩ ]
لا تُقبل شهادة الزوج لزوجته [ق ٣٣ ب] لا تقبل شهادتها للأجنبية قولًا واحدًا؛ لأن الرجل عدو لمن قذف زوجته وأظهر العداوة حين شهد بذلك، ولو شهد للزوجة وللأجنبي عليه بالدين وقلنا: لا تُقبل شهادته للزوجة هل تُقبل للأجنبي فهذه شهادته ردت بعضها للتهمة هل يرد الباقي؟ قولان.
فرع آخر
لو أعرض عن ذكر قذف امرأته أو قذفه وشهد للأجنبي تُقبل بلا خلاف، وإن علم أنه قذف امرأته بعد ما لم يظهر هو عداوة إذا رددناها بهذا لما عجز أحد عن قذف من يريد أن يشهد عليه حتى لا يشهد.
فرع آخر:
قال في " الأم": ولو شهد ابناه أنه قذف ضرة أمهما يحتمل أن يقال: تُقبل هذه الشهادة، ويحتم أن ترد هذه الشهادة. وقيل قطع من الأم أنه تُقبل.
وحكي لمزني هذه اسأل في " الجامع الكبير" وقال: قال الشافعي: قيها قولان:
أحدهما: لا تُقبل لأنها شهادة لأمهما، فإن القذف إذا ثبت أدي إلي اللعان والفرقة ولأمهما من الفرقة غرض ومنفعة.
والثاني: تُقبل لأن له أن يتزوج بامرأة أخري فلا منفعة من فراق الضرة وهذا هو الصحيح واختاره الشافعي، وبه قال مالك، وأبو حنيفة.
وعلي هذا لو شهد بأنه طلق ضرة أمهما قولان، وعلق القول فيه في " الأم" وقيل: قول واحد في الجديد في مسألة القذف أنه تقبل، وفي الطلاق قولان، والفرق أن الطلاق موضوع للفراق وإزالة النكاح وفي القذف قد يلاعن فافترقا.
مسألة:
قال: "وَلَوْ شَهِدَ أحدهما أَنهُ قَذَفَهَا بِالعَربيِّة وَالآخَر َأَنهَّ قَذَفَهَا بالْفارسيَّةِ لمّْ يُجز".
الفصل:
إذا أدَّعت القذف علي زوجها فأنكر، فأتت بشاهدين فشهد أحدهما [ق ٣٤ أ] أنه قذفها بالفارسية وشهد الآخر أنه قذفها بالعربية لم يثبت القذف لأنها شهادة علي قذف. وكذلك لو شهد أحدهما أنه قذفها يوم الخميس وشهد الآخر أنه قذفها يوم الجمعة لم
[ ١١ / ٢٤٠ ]
يثبت أيضًا لأنهما قذفان.
وقال أبو حنيفة: يقبل لأنه لا يحتاج إلى ذكر القذف في الشهادة فيكون لغوًا غلط. قال الشافعي: كل واحد من الكلامين غير الآخر فلم تتفق شهادتهما على شيء واحد. وعلى ما ذكرنا لو شهد أحدهما أنه أقر عندي أنه قذفها بالعربية، وشهد الآخر أنه أقر عندي أنه قذفها بالعجمية، وشهد الآخر أنه قذفها وشهد الآخر أنه أقر بقذفها لا تقبل، ولا تتم الشهادة في القذف ولا في الإقرار بالقذف، ولهذا لا تقبل شهادة شهود الرؤيا؛ لأن كل واحد منهم يثبت فعلًا غير الفعل الذي يثبته الآخر.
وأما إذا شهد أحدهما أنه أقر عندي بالعربية أنه قذفها، وشهد الآخر أنه أقر عندي بالفارسية أنه قذفها قبلت شهادتهما وحكم بها؛ لأن القذف لم يختلف وإنما اختلف الإقرار بالقذف، ويجوز أن يعبر عن القذف الواحد لأحد الشاهدين بالعربية وللآخر بالعجمية. وكذلك إذا شهد أحدهما أنه أقر عنده يوم الخميس أنه قذفها وشهد الآخر أنه أقر عنده يوم الجمعة أنه قذفها يحكم شبهادتهما؛ لأن الإقرار يختلف والقذف غير مختلف، لأنه يجوز أن يقر بالقذف الواحد لأحد الشاهدين يوم الخميس وللآخر يوم الجمعة. وجملته أنهما إذا أثبتنا قذفين أو أثبت أحدهما قذفًا والآخر أقر بالقذف لم تتم الشهادة في واحد منهما، وإذا أثبتا إقرارين والقذف غير مختلف تمت الشهادة (ق ٣٤ ب) ووجب الحكم.
فرع:
قال القاضي الطبري: سمعت بعض مشايخنا يقول: إذا شهد ثلاثة أنفس اثنان على فعل الزنى والآخر على الإقرار بالزنى، فإن الشهادة لم تتم على واحد من الفعل والإقرار، ولا يجب على شاهد الإقرار، ولا يجب على شاهد الإقرار شيء، وهل يجب على شاهدي الفعل حد القذف؟ قولان، وإن شهد اثنان على فعل الزنى وشهد اثنان على الإقرار بالزنى، فإن قلنا الإقرار بالزنى يثبت بشاهدين يلزمه الحد ولم يجب على شاهدي الفعل شيء.
وإن قلنا الإقرار بالزنى لا يثبت إلا بأربعة لم تتم الشهادة في الفعل والإقرار، ولا يجب على شاهدي الإقرار شيء، وهل يجب على شاهدي الفعل حد القذف قولان.
فرع آخر:
حكي الاصطخري أنه قال: إذا شهد أحدهما أنه قال: القذف الذي كان مني كان بالعربية، وشهد الآخر أنه قال: القذف الذي كان مني بالعجمية فيه وجهان:
أحدهما: لا تتم الشهادة لأنهما قذفان.
والثاني: تتم الشهادة لأنه أقر بالقذف وقوله بعد هذا كان بالعربية أو بالعجمية إسقاط منه لإقراره فلا يلتفت إليه.
[ ١١ / ٢٤١ ]
مسألة:
قال: "ويقبل كتاب القاضي إلى القاضي بقذفها".
حد القذف وحق الآدمي يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي قولًا واحدًا، وفي حدود الله تعالى هل يقبل كتاب القاضي إلى القاضي؟ قولان؛ والأظهر أنه لا يقبل، وقد ذكر في آخر هذا الباب.
وأما حدود الله تعالى فتدرأ بالشبهات، يعني لا يقبل فيها كتاب القاضي إلى القاضي وهذا لأن قبول الكتاب مبالغة في استيفائها وهي مبنية على الفداء (ق ٣٥ أ) والتأخير، وهكذا الشهادة على الشهادة تقبل في حد القذف، وفي حدود الله تعالى هل تقبل؟ قولان: وعند أبي حنيفة: لا يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي ولا الشهادة على الشهادة بناءً على أصله أنه حق الله تعالى.
قال القفال: إذا قلنا: لا تقبل في حدود الله تعالى فله معنيان:
أحدهما: أن الستر فيه أولى.
والثاني: أنه يدرأ بالشبهات، ففي حد القذف والقصاص هل يقبل ذلك؟ قولان بناءً على المعنيين، فإن قلنا بالمعنى الأول يقبل ههنا، لأنه لا يجوز كتمان الشهادة في حق الآدمي، وإن قلنا بالمعنى الثاني لايقبل ههنا لأنهما يسقطان بالشبهة أيضًا وهذا غريب.
مسألة:
قال: "وتقبل الوكالة في تثبيت البينة على الحدود".
وقد ذكرنا هذه المسألة في كتاب الوكالة.