مسألة
قال الشافعي ﵀:"كل من وجب عليه ليس بمشروطٍ في كتاب الله أن
[ ١٠ / ٤٢٧ ]
يكون متتابعًا أجزأه متفرقًا قياسًا علي قوله الله ﷿ ذكره: (فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة:١٨٤] والعدة أن يأتي بعدد صوم لا ولاء وقال في كتاب الصيام أن صيام كفارة اليمين متتابع والله اعلم قال المزني ﵀ هذا ألزم لأن الله ﷿ شرط صوم كفارة المتظاهر متتابعًا وهذا صوم كفارة مثله كما احتج الشافعي بشرط الله ﷿ رقبة القتل مؤمنه قال المزني فجعل الشافعي رقبة الظهار مثلها مؤمنه لأنها كفارة شبيه بكفارة فكذلك الكفارة عن ذنب بالكفارة عن ذنب أشبه منها بقضاء رمضان الذي ليس بكفارة عن ذنب فتفهم".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن الصوم في كفارة الإيمان مترتب لا يجزئ إلا بعد العجز عن الإطعام والكسوة والعتق لقول الله تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة:٨٩]، وهل يكون تتابع صومها شرطًا في صحتها أم لا علي قولين:
أحدهما: نص عليه في كتاب الصيام، وهو قول أبي حنيفة والعراقيين واختاره المزني أن التتابع شرط في صيامها، فإن صام متفرقًا لم يجزه استدلالًا بقراءة ابن مسعود:"فصيام ثلاثة أيام متتابعات" وقراءة أبي: فصيام ثلاثة أيام متتابعة" والقراءة الشاذة تقوم مقام خبر الواحد في وجوب العمل، لأنها منقولة عن الرسول، ولأنه صوم تكفير فيه عتق، فوجب أن يكون التتابع من شرطه قياسًا علي كفارة القتل والظهار، لما ذكره المزني أن من أصل الشافعي حمل المطلق علي ما قيد من جنسه كما حمل إطلاق العتق في كفارة الإيمان علي ما قيد في كفارة القتل من الإيمان فلزمه أن يحمل إطلاق هذا الصيام علي ما قيد من تتابعه في القتل.
والثاني: نص عليه في هذا الموضع، وهو قول مالك والحاجزين أن التتابع استحباب وليس بواجب وأن صومه متفرقًا جائزًا استدلالًا بما ورد به القرآن من إطلاق صيامها فاقتضي الظاهر إجزاء صيامها في حالتي تتابعها وتفريقها، ولا يجب حمله علي المقيد من كفارة الظهار كما ألزمه المزني لتردد هذا الإطلاق بين أصلين يجب التتابع في أحدها وهو كفارة الظهار، ولا يجب في الآخر وهو قضاء رمضان فلم يكن أحد الأصلين في التتابع بأولي من الآخر في التفرق.
ولأنه صوم يتردد موجبه بين إباحة خطر، فوجب أن لا يستحق فيه التتابع قياسًا علي قضاء رمضان، فأما قراءة ابن مسعود وأبى فإنما تجرى في وجوب العمل بها مجرى خير الواحد، إذا أضيفت إلي التنزيل والي سماعها من الرسول صلي الله عليه وسلم فأما إذا أطلقت جرت مجرى التأويل دون التنزيل، ثم لو سلمت لحملت علي الاستحباب وإطلاقها علي الجواز، وأما كفارة القتل فلما تغلظ صومها بزيادة العدد تغلظ بالتتابع، ولما تخفف صوم كفارة اليمين بنقصان العدد تخفف بالتفرقة.
[ ١٠ / ٤٢٨ ]
مسألة:
قال الشافعي: "وإذا كان الصوم متتابعًا فافطر فيه الصائم أو الصائمة من ذعر وغير عذر استأنفا الصيام إلا الحائض فإنها لا تستأنف وقال في القديم: المرض كالحيض وقد يرتفع الحيض بالحمل وغيره كما يرتفع المرض قال ولا صوم فيما لا يجوز صومه تطوعًا مثل يوم الفطر والأضحى وأيام التشريق".
قال في الحاوي: وصورتها أن يجب عليه صوم متتابع في كفارة قتل أو إظهار فيفطر في أثناء صيامه، وإن كان أكثر من باقية فلا يخلو فطره من أن يكون بعذر أو غير عذر، فإن أفطر بغير عذر أبطل به التتابع ولم يعتد بما تقدم من صيامه، وإن كان أكثر من باقية، واستأنف صوم شهرين متتابعين، وإن افطر بعذر فالأعذار ضربان:
أحدهما: ما كان من أعذار الأبدان.
والثاني: ما كان من أعذار الزمان، فأما أعذار الأبدان فأربعة أعذار:
أحدها: الحيض، فهو مناف للصوم، فإذا دخلت المرأة في صيام شهرين متتابعين بكفارة قتل ثم حاضت في تضاعيفها لا يبطل به تتابع صيامها وتبني علي ما مضي من صيامها بعد انقطاع حيضها لعلتين:
إحداهما: أنه فطر بعذر، لا يقدر معه علي الصيام.
والثانية: أن طرق الحيض معتاد لا يسلم لها في العرف صيام شهرين لا حيض فيها.
والثاني: المرض تفطر به في تضاعيف صيامها فهل ينقطع به التتابع أم لا؟ علي قولين:
أحدهما: وهو القديم أنه يجوز معه البناء ولا ينقطع به التتابع كالحيض، تعليلًا بأنه فطر بعذر، لا يمكن معه الصوم.
والثاني: وهو الجديد يجب معه الاستئناف، وينقطع به التتابع، تعليلًا بأنه لا يعتاد استمراره.
والثالث: الفطر بالسفر.
فإن قيل: إن الفطر بالمرض يقطع التتابع، فالفطر بالسفر أولي أن يقطعه.
وإن قيل: إن الفطر بالمرض لا يقطع التتابع ففي قطعة بالسفر قولان:
أحدهما: لا يقطعه، ويجوز معه البناء، لأنه قطر بعذرين قد جمع الله بينهما في الإباحة.
والثاني: يقطع التتابع ويوجب الاستئناف، لأن فطره بالمرض ضرورة وبالسفر عن
[ ١٠ / ٤٢٩ ]
اختيار، ولذلك إذ مرض في يوم كان صحيحًا في أوله أفطر، ولو سافر في يوم كان سقيمًا في أوله لم يفطر.
والرابع: أن يطرأ عليه في تضاعيف صيامه جنون، أو إغماء، فإن قيل في المرض يبني فهذا أولي، وإن قيل في المرض يستأنف ففي الاستئناف بالجنون والإغماء وجهان:
أحدهما: يستأنف كالمريض.
والثاني: يبني ولا يستأنف لأن الصوم مع المرض يصح، مومع الجنون والإغماء لا يصح وأما أعذار الزمان، فهو أن يتخلل مدة صيامه زمان لا يجوز صيامه مثل يوم الفطر، ويوم النحر، فهذا قاطع للتتابع وموجب للاستئناف، ولأن الاحتراز منه ممكن، وهكذا لو تخلل صيامه شهر رمضان قطع التتابع، فأما أيام التشريق فما تقدمه من يوم النحر قطع التتابع، فأما الابتداء بصيامها في الكفارة فقد كان الشافعي يرى في القديم جواز صيامها في كفارة تمتعه، لقول الله تعالى ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٦]، ثم رجع عنه في الجديد، ومنع صيامها للمتمتع وغيره لنهي رسول الله صلي الله عليه وسلم عن صيامها، وقوله:"إنها أيام أكل وشرب وبعال، فلا تصوموها"، فإن منع من صيامها للمتمتع، كان غير المتمتع أولي بالمنع، وإن جوز صيامها للمتمتع لم يجز أن تصام تطوعًا لغير سبب، وفي جواز صيامها بسبب موجب وجهان:
أحدهما: يجوز وهو قول أبي إسحاق المروزي كالمتمتع لاشتراكهما في السبب الموجب.
والثاني: لا تجزئ لأن صيام التمتع مختص بأيام الحج، وصيام غيره لا يختص بها، وأما إذا كان عليه صيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين فإن قيل: إن التتابع فيها غير مستحق لم يمنع الفطر في تضاعيفها من جواز البناء.
وإن قيل: إن التتابع فيها شرط مستحق كان الفطر فيها بالحيض قاطعًا للتتابع قولًا واحدًا، بخلافه في كفارة القتل، لأن التحرز منه بصيامها في أول الطهر ممكن، لأن اقله خمسة عشر يومًا، وإن أفطر فيها بمرض، كان البناء علي قولين كفطره في كفارة القتل، لأن التحرز من هجوم المرض غير ممكن، وكذلك يكون حكم فطره بالسفر والجنون، كحكمه في كفارة القتل سواء، ولا يجزئ صومه في الكفارة إلا بنيه قبل الفجر، تجدد النية لكل يوم، والله أعلم.