قال الشافعي ﵁: أخبرنا مالك عن الزهري عن حرام بن سعد محيصة أن ناقة للبراء دخلت حائط قوم فأفسدت فقضى رسول الله ﷺ أن على أهل هذه الأموال حفظها [١٤٧/أ] بالنهار وما أفسدت بالليل فهو ضامن على أهلها.
اعلم أنه إذا أفسدت الماشية زرع قوم فلا يخلو إما أن يكون صاحبها عليها أو لا يكون، فإن كانت يده عليها يلزمه الضمان فإن كان نهارًا فلا ضمان على مالكها لأن لصاحب الماشية أن يسيب ماشيته بالنهار في العراء من غير حافظ وحفظ الزرع على صاحبها فإذا لم يحفظه فهو المضيع لماله وهو معنى قوله ﷺ: "العجماء جرحها جبار" والعجماء: البهيمة سميت عجماء لعدم نطقها والجبار: الهدر.
وقال بعض أصحابنا: عادة الناس هذا وذلك في الموات فإن أرسلت المواشي نهارًا في طرف ضياع للناس أو حريم الأنهار يضمن أربابها ما أفسدت، وكذلك في القرى والمدن العامرة يتقارب العقار فيها وبينها علف وكلأ ترعى بالعادة أن رب الدابة يرعاها فيه ويحفظها ولا يحفظ رب الزرع زرعه، فإذا أفسدت زرعًا يلزمه الضمان لأن التفريط كان منه، وإن كان هذا الإفساد ليلًا قال الشافعي: يلزم الضمان على مالكها لأن حفظها بالليل عليه وليس على صاحب الزرع حفظه بالليل فكان صاحب الماشية متعديًا
[ ١٣ / ١٦١ ]
بتسييبها بالليل بلا حافظ، ولا فرق بين أن يطلقها ابتداءً ليلًا أو أرسلها بالنهار وواصله بالليل، وقال أبو حنيفة: لا ضمان على صاحبها بكل حال ليلًا كان أو نهارًا [١٤٧/ب] لأنها أفسدت وليس يده عليها فلا يلزمه الضمان كما لو كان بالنهار، وقال بعض أصحاب أبي حنيفة بخراسان: سوى أبو حنيفة بين الليل والنهار في وجوب الضمان لا في سقوطه والأول أصح عنه. ودليلنا الخبر الذي رواه الشافعي، وروي عن البراء بن عازب ﵁ أنه قال: كانت له ناقة ضاريه فدخلت حائطًا فأفسدت فيه فكلم رسول الله ﷺ فيها فقضى أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها، وأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل. ففرق بين الليل والنهار فلا يجوز التسوية بينهما وهذا لأن الحفظ لا يشق بالليل ويشق بالنهار. وقال الصيمري: إن جرت عادة أهل أن يرعوا مواشيهم ليلًا دون النهار كان الضمان عليهم نهارًا دون الليل.
فرع
قال القفال: لو كانت العادة أن من له عمر في الحوائط فأرسل ليلًا فوجد بابها مفتوحًا أو اقتحمت ثلمة حائط فلا ضمنان على صاحبها لأنه لم يفرط في إرسالها، وإنما يضمن ذلك في المزارع التي لا حائط عليها في عادة أهل البلد.
فرع آخر
لو تكاثرت المواشي بالنهار حتى عجز أصحاب الزرع عن حفظها هل يضمن؟ فيه وجهان: أحدهما: يضمن لأنه لم يكن من أرباب الزرق تقصير في الحفظ. والثاني: لا يضمن لأنه لم يكن من أرباب المواشي تفريط في الحفظ. [١٤٨/أ]
فرع آخر
لو رد الماشية إلى البيت فخرجت بغير علمه واختياره غلبة ونفرة فأفسدت يحتمل وجهين: أحدهما: يلزمه الضمان لأنه مفرط في حفظها والاستيثاق منها. والثاني: لا يلزمه الضمان لأنه إذا آواها إلى مكانها بالليل على حسب العادة والعرف فيه فخرجت وأفسدت بالليل لم يكن متعديًا ذكره ابن أبي هريرة، وقال القاضي الطبري: والأول أصح لأنه إذا رد الماشية إلى المراح فخرجت بالليل فهو مفرط في حفظها لأنه كان يجب أن يستوثق منها بما لا تتمكن مع من الخروج من إغلاق باب المراح وإحكامه، فإذا نسي ذلك أو لم يفعله عمدًا أو أغلقه غلامًا فيمكن الماشية من فتحه فهو مقصر فيه فيلزمه الضمان.
فرع آخر
لو انفلتت من يده مع شدة مراعاته لها قال أصحابنا: لا ضمان عليه بحال، وقال
[ ١٣ / ١٦٢ ]
في (الحاوي): في وجهان: أحدهما: يضمن لأنه قلما يكون ذلك إلا من تفريط خفي. والثاني: وهو الأصح لا يضمن. وهذان الوجهان مخرجات من القولين في إصدام السفينتين بغلبه الريح.
فرع آخر
قال أصحابنا: لو أرسل الطيور مثل الحمام ونحوها فكسرت على الجيران شيئًا أو التقطت حبًا فلا ضمان على صاحبها لأن العادة إرسالها أبدًا.
فرع آخر
لو أطلق السنور فأفسدت في بيوت الجيران قال صاحب "الإفصاح": إن كان معروفًا [١٤٨/ب] بالإفساد ضمن سواء كان بالليل أو بالنهار لأن العرف في مثله في الزمانين إطلاقه وكذلك الكلاب التي تقتني للصيد ينظر فيها فإن كان عقورًا ضمن في الزمانين، وإن لم يكن عقورًا فلا ضمان على أهلها فيما كان من جنايتها في الليل والنهار لأن العرف إطلاقها في الزمانين إلا أن يكون العرف في مثلها أنها ترد في الليل إلى البيوت فيجب على صاحبها الضمان، وقال بعض مشايخنا بخراسان: في السنانير القاتلة، وإن كان ليلًا فلا ضمان لأن العادة إيواء الطيور بالليل وإرسال السنانير، في البيوت وليس بشيء.
مسألة: قال: والوجه الثاني إذا كان الرجل راكبًا فما أصابت بيدها أو رجلها.
الفصل:
إذا كان راكبًا دابة فعليه ضمان ما تتلف بيدها أو رجلها أو ذنبها أو فيها، وكذلك لو كان قائدًا أو سائقًا أو رديفًا وسواء فيه الوطء بالقدم والرفس باليد والركض بالرجل، وقال أبو حنيفة: إن كان قائدها أو راكبها ضمن ما تتلفه بيدها وفمها دون ما تتلفه برجلها وذنبها لأنه يملك تصرفها من قدامها ولا يملك ذلك فيما ورائها قال: [١٤٩/أ] وإن كان سائقها ضمن ما تتلف بالأطراف كلها، وإن وطئ شيئًا يضمن بكل أطرافها.
وقال فيمن تجري دابته فسقط منها شيء فتلف به مال الغير: فإن كان ريقها أو بولها أو روثها فلا ضمان، وإن كان شيئًا من المعاليق التي علقها عليها ضمن واحتج بما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الرجل جبار". وما ذكره لا يصح لأنا لا نعارف فارسًا يضبط يدها دون رجلها، وأما الخبر قال أصحاب الحديث: هذا غير محفوظ ولم يروه من أصحاب الزهري سوى سفيان بن الحسين وهو معروف بسوء الحفظ وإنما هو "العجماء جرحها جبار، والمعدن جبار والبثر جبار، وفي الركاز
[ ١٣ / ١٦٣ ]
الخمس" وأراد بالعجماء إذا كانت مطلقة ليس لها قائد ولا سائق، وأراد بالبئر أن يحفر الرجل بئرًا في ملك نفسه فيتردى فيها إنسان فهو هدر لا ضمان فيه، وأراد بالمعدن ما يستخرجه الإنسان من معادن الذهب والفضة ونحوها فيستأجر قومًا يعملون فربما انهار على بعضهم فمات فدماؤهم هدر لأنهم أعانوا على أنفسهم، وقد روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "النار جبار"، وقيل: إن صح الخبر أراد به إذا أوقد الرجل النار في ملكه لحاجته فتطير بها [١٤٩/ب] الريح فتشعلها في مال أو متاع لغيره من حيث لا يملك ردها فيكون هدرًا.
فرع
قال الشافعي ﵁: وكذلك الإبل المقطرة بالبعير الذي هو عليه في حكم الضمان لأنه قائد لجميعها وعلى هذا لو كان مع قطار من الإبل يسوقها أو يقودها فابتلع جمل منها جوهرة لإنسان وجب الضمان على الحافظ لا يختلف أصحابنا فيه.
فرع آخر
لو كانت غنم بين يديه يسوقها فابتلعت شاة جوهرة لإنسان اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: عليه الضمان كسائق الإبل، ومنهم من قال: لا ضمان عليه، والفرق أنه ليس العرف أن يكون مع كل واحد منها حافظ ومقطور في الإبل قد يكون مع كل واحد منها حافظ ويمكن أن يحفظه بالقطار أو يشد فمه.
فرع آخر
لو لم يكن مع الشاة صاحبها فابتلعت جوهرة لإنسان قد ذكرنا هذه المسألة، وقد قال ابن أبي هريرة: إن كان نهارًا فلا شيء عليه، وإن كان بالليل ضمن قال أصحابنا: وكذلك الإبل والبقر وإذا أوجبنا الضمان قال ابن أبي هريرة: يحتمل أن يضمن الجوهرة ولا يذبح الشاة ويحتمل أن يؤمر بذبحها ويسلم الجوهرة إلى صاحبها. قال صاحب (الحاوي): عندي أنه يضمن ليلًا بذبحها ويسلم الجوهرة إلى صاحبها. قال صاحب (الحاوي): عندي أنه يضمن ليلًا كان أو نهارًا بخلاف الزرع، والفرق أن رعي الزرع مألوف فلزم حفظ الزرع منها وابتلاع الجوهرة غير مألوف فلم يلزم حفظ الجوهرة. [١٥٠/أ]
فرع آخر
لو كان رجل راكب دابة فجاء إنسان فنخسها فرمحت فأتلفت شيئًا فالضمان على الناخس دون الراكل، لأنه حملها على ذلك فهو كما لو حملها راكبها على الإتلاف، وقال بعض أصحابنا: هذا إذا كانت الدابة لا تتلف شيئًا إلا بالنخس فإن كانت تتلفه
[ ١٣ / ١٦٤ ]
بطبعها واتصل التلف هنا بالنخس فهل يضمن الراكب أو الناخس؟ فيه وجهان. وهكذا لو كانت الدابة تمر فنخسها رجل فأتلف شيئًا فالحكم هكذا هل يضمن الناخس إذا اتصل التلف بالنخس وطبعها الإتلاف؟ فيه وجهان.
فرع آخر
لو كان مع الدابة سائق وقائد فجنت الدابة وجب الضمان عليهما نصفين، ولو كان راكب وقائد وسائق ففيه وجهان: أحدهما: يضمنان نصفين لأن كل واحد لو انفرد يضمن فإذًا يضمنان كالسائق والقائد. والثاني: يضمن الراكب لأنه هو المباشر ويده أقوى من يد السائق والقائد ويمكن بناء هذا على الوجهين في راكب وقائد اختلفا في دابة وتداعيا ملكها في وجهان: أحدهما: هما سواء. والثاني: الراكب أولى.
فرع
قال صاحب (الحاوي) في مسألة ابتلاع البهيمة الجوهرة: إن لم تكن البهيمة مأكولة اللحم غرم صاحبها قيمة الجوهرة فإن دفع القيمة ثم ماتت البهيمة وأخرجت الجوهرة من جوفها ففيه وجهان: أحدهما: ملكها صاحب البهيمة بدفع القيمة ولا يلزمه ردها. [١٥٠/ ب] والثاني: ترد إلى صاحبها ويسترجع منه قيمتها لأنها غير مأكولة فإن نقصت قيمتها ضمن صاحب البهيمة قدر نقصها.
فرع آخر
لو ركب صبي أو مجنون دابة بغير أمر الولي فأتلفت شيئًا ضمن في ماله وإن ركب بأمر الأجنبي فالضمان على الأجنبي، وإن ركب بإذن الولي فإن كان مثل ملك الدابة لا يجوز للولي أن يركبها صغيرًا فالضمان على الولي، وإن كن مثله يركب مثلها وأركبه لمصالحه فالضمان على الصبي في ماله وفيه وجه آخر أنه على الولي بكل حال.
فرع آخر
لو ركب دابة فعضت على اللجام وغلبت على الراكب فأتلفت شيئًا قال أصحابنا بخراسان: هل يضمن الراكب؟ فيه قولان: أحدهما: لا يضمن كما لو لم يكن راكبًا لها فأتلفت شيئًا لا ضمان. والثاني: يضمن لأن الراكب في الغالب يدفعه بالسوط واللجام فإذا لم يقدر نسب على التفريط حيت لم يرضها للركوب وهذان القولان غريبان ولعله أراد وجهين وهو يحتمل. ثم رجع الشافعي ﵁ إلى المناظرة في ضمان الرجل فقال: ولا يجوزن إلا ضمان ما أتلفت البهيمة تحت الرجل أو لا يضمن إلا ما حملها عليه فوطئته، فأما من ضمن عن يدها لو يضمن عن رجلها فهذا يحكم وليس هذا ما تقول منه ولا تعليق قول وإنما هو رد على أبي حنيفة ﵀.
مسألة: قال: ولو أوقفها في موضع [١٥١/ أ] ليس له أن يقفها فيها ضمن.
[ ١٣ / ١٦٥ ]
وقد ذكرنا أنه إذا وقف دابة في طريق المسلمين سواء كان الطريق ضيقًا أو واسًعا، أو ربطها في باب داره فجنت ضمن لأن الوقف في مثل هذا الموضع لا يجوز إلا بشرط السلامة كإخراج الروشن إلى الطريق وإن وقفها في ملكه أو في أرض الموات لم يضمن لأن له أن يقفها فيه والمفرد من لم يتحرز منه وهذا إذا وقفها وغاب عنها، أما إذا كان معها يلزم الضمان بكل حال، وقال الصيمري: لو وقفها في طريق واسع في ناحية أو بفناء داره فأتلفت هل يضمن؟ قولان، وقال في (الحاوي): إن كانت الدابة مشغبة ضمن، وإن كانت غير مشغبة فوجهان بناءًا على القولينفي حفر البئر بفناء داره.
مسألة: قال: ولو جعل في داره كلبًا عقورًا.
الفصل
إذا دخل دار غيره بغير إذنه فعقره الكلب فلا ضمان، وإن أذن له المالك بالدخول فإن أعلمه أنه عقور فلا ضمان وإن لم يعلمه فهل يضمن؟ قولان: سواء أشلاه أو لم يشله أحدهما: يضمن لأنه لما أذن له في الدخول صارت الدار المأذون فيها في حكم ملكه أو صارت في حقه بمنزلة الموات، ولو وقف عقورًا أو دابة عضوضًا في موضع يشترك فيه الناس فعضت ضمن كذلك هنا. والثاني: لا يضمن لأنه دخل باختياره وهذان القولان [١٥١/ب] مخرجان من مسألة السم إذا سم الطعام وقدمه إليه فأكله، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يلزمه القود؟ فيه قولان فإن قلنا: لا قود فهل تجب الدية؟ فيه وجهان واختار المزني أنه لا ضمان أصلًا وهكذا إذا حفر بئرًا في داره وغطى رأسها وأذن لرجل في الدخول فسقط فيها ففي الضمان قولان، وهكذا إذًا لم يغطها ولكن الداخل أعمى وكذلك إذا نصب في داره حباله وأذن لإنسان في الدخول فأحبلته كان على القولين.
فرع
إذا كان مع الدابة التي هو راكبها ولدها يضمن جناية الولد لأن يده عليهما، وكذلك لو كان معها أخرى مشددة إليها ضمن جنايتها لأن يده عليهما.
فرع آخر
لو أحرق حشيشًا في أرضه فتعدت النار إلى زرع غيره فإن كان زرعه غير متصل بحشيشه فلا ضمان، وإن كان متصلًا فإن كانت الريح مصرفة عن جهة الزرع فهل يضمن؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يضمن لأن هبوب الريح ليس من فعله. والثاني: يضمن لأن طبع النار أن تسري إلى جهة الريح هكذا ذكره في (الحاوي) وقد ذكرنا ما قيل في موضع آخر.
[ ١٣ / ١٦٦ ]
فرع آخر
لو أرسل الماء في [١٥٢/أ] أرضه فخرج إلى غير أرضه قد ذكرنا أنه إن كان بقدر الحاجة فلا ضمان، وإن كان أكثر فإن عجز عن حبس الريادة لطغيان الماء فلا ضمان وإن قدر على حبسه ففيه وجهان: أحدهما: يجب الضمان لأن من طبع الماء الجريان، والثاني: لا يجب لأن الجار يقدر على الاحتزاز منه بحفيرة تصد عنه ذكره في (الحاوي).
فرع آخر
لو أكره رجلًا على دخول داره وفيها كلب عقور فدخل فجرحه فإن اتصل التلف بالإكراه ضمن الدية، وإن لم يتصل ففي استصحاب حكمه وجهان: أحدهما: أن يستصحب الحكم إلى التف فيضمن. والثاني: زوال حكمه بانقطاعه ويكون في حكم غير المكره.
[ ١٣ / ١٦٧ ]