مسألة:
قال الشافعي ﵀: "وإن طرحه في نار حتى يموت طرح في النار حتى يموت".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في وجوب القصاص في القتل بجميع ما يقتل مثله من حديد وغير حديد، وذكرنا خلاف أبي حنيفة في أن لا قصاص إلا في القتل بالحديد والنار، ولا قود في القتل بمثقلات وغيرها إلا بمثقل الحديد وحده، فأما استيفاء القصاص فمعتبر بحال بالقتل، فإن كان بالحديد لم يجز أن يستوفي القصاص إلا بمقله، وإن كان بغير الحديد كان الولي مخيرًا في استيفائه بمثله أو بالحديد.
وقال أبو حنيفة: إذا قتله بمثقل الحديد أو بالنار لم يجز أن يستوفي القصاص منه إلا بمحدد الحديد دون مثقله، ودون النار، استدلالًا بما رواخ سعيد بن المسيب عن أبي
[ ١٢ / ١٢٦ ]
هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا قود إلا بالسيف".
وروي عن عاصم بن ضمرة عن علي بن أبي طالب ﵇ أن النبي ﷺ قال:" لا قود إلا بحديدة".
وروي أن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه حرق قومًا بالنار ادعوه إلها فقال له ابن العباس: لو كنت أن لم أقتلهم إلا بالسيف، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يعذب بالنار إلا رب النار"، ولأن استحقاق القتل يمنع من استيفائه بغير السيف كالمرتد وكالقاتل بالسيف، ولأن تقويت النفوس المباحة لا يجوز إلا بالمحدد كالذبائح، مع أن نفوس الآدميين أغلظ حرمة من نفوس البهائم.
ودليلنا قوله تعالى" ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]
وقال تعالى: ﴿وجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]
وروى البراء بن عازب عن النبي ﷺ أنه قال: "من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه".
وروى أنس أن رجلًا من اليهود شدخ رأسه جارية من الأنصار فقتلها، وأخذ من حليها، فأمر به رسول الله فشدخ رأسه بين حجرين حتى قتل، ولأن كل آله قتل مثلها جاز استيفاء القصاص بمثلها الكسيف.
ولأن القصاص موضوع للماثلة وهي معتبرة في النفس فكان أولى أن تعتبر في ألة القتل.
ولأن القتل مستحق لله تعالى تارة للآدميين تارة، فلما تنوع في حق الله تعالى نوعين بالحديد تارة، وو بالمثقل في رجم الزاني المحصن، وجب أن يتنوع في قوق الآدميين نوعين بمثقل وغير مثقل.
وتحريره قياسًا: أحد القتيلين فوجب أن يتنوع استيفاء نوعين كالقتل في حقوق الله تعالى.
فأما الجواب عن قوله: "لا قود إلا بالسيف".
وقوله: "إلا بحديدة"، فمحمول على القتل إذا كان بسيف أو حديدة، ورواية ابن عباس: "أن لا يعذب بالنار إلا رب النار" فوارد في غير القصاص، لأن القصاص مماثلة ليس بعذاب، وإنما هو استيفاء حق، وكذا الجواب عن قياسهم على قتل المرتد.
وأما قياسه على الذبائح مع فساده يرجم الزاني المحصن فالمعنى فيه: أن المماثلة غير معتبرة فيه، وأن المحل الذبح معين، فجاز أن تكون الآلة معينة، ولما اعتبرت المماثلة بمحل الجناية اعتبرت بمثل آلتها.
[ ١٢ / ١٢٧ ]
فصل:
فإذا ثبت اعتبار المماثلة في القصاص بكل ما يقتل بمثله، فهو على العموم بكل ما قتل، إلا بثلاثة أشياء:
أن يقتل بالسحر، أو باللواط، أو يسقي الخمر، فلا يقتل بالسحر وإن قتل ولا يقتل باللواط وإن لاط به، ولا يقتب بسقي الخمر وإن سقاه، ويعدل إلي قتله بالسيف.
وحكي عن أبي إسحاق المروزي: أنه يقتل في قتل اللواط بإيلاج خشبة، وفي سقي الخمر بسقي الخل، وهذا فاسد، لأنه لما تعذرت المماثلة لحظرها على الفاعل والمفعول به، ولم يكن في العدول عنها مماثلة، كان السيف أحق، فأما إذا قتل بالسم المهري احتمل القصاص بمثله وجهين:
أحدهما: جوازه اعتبارًا بإمكانه.
والثاني: لا يجوز لأمرين:
أحدهما: أنه لا يمكن غسله، كذلك وهو حق لله تعالى علينا.
والثاني: أنه ربما تعدى ذلك إلي من باشر غسله وتكفينه.
فصل:
نبدأ بما بدأ به المزني من حرقه بالنار، فيكون الولي بالخيار بين أن يعدل عن حرقه بالنار إلي قتله بالسيف، فله ذاك؛ لأنه أوجى وأسل، فيضرب عنقه، ولا يعدل عنه، فإن عدل عن العنق إلي غيره من جسده أساء وغرر، وقد استوفي قصاصه، وإن أراد أن يقتص منه بإحراقه بالنار كان له، وروعي ما فعله الجاني من إحراقه فإنه على ضربين:
أحدهما: أن يكون قد ألقى عليه نارًا، فيكون الولي بالخيار بين أن يلقى عليه النار حتى يموت وبين إلقائه في النار، لأنه أوجى.
والثاني: أن يكون قد ألقاه في النار، فلوليه أن يلقيه في النار، وليس له أن يلقى عليه النار، لأنه أغلظ عذابًا، وإذا ألقاه في النار كان له أ، يلقيه في مثلها، وما هو أكثر منها، وليس له أن يلقيه فيما هو أقل منها، لأنه أغلظ عذابًا، كما لو لو قتله بسيف، كان له أن يقتله بمثله وما هو أمضى، وليسه له أن يقتله بما هو أقل، ويخرج من النار إذا مات قبل أن يشوي جلده، ليمكن غسله وتكفينه، ولا تماثل بالمحرق إن أكلته النار لما علينا من استيفاء جسده في حقوق الله تعالى.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وإن ضربه بحجر فلم يقلع عنه حتى مات أعطي
[ ١٢ / ١٢٨ ]
وليه حجرًا مثله فقتله به، وقال بعض أصحابنا، إن يمت من عدد الضرب قتل بالسيف".
قال الماوردي: إذا قتله بحجر يقتل مثله في الغالب على ما قدمناه وجب عليه القود بمثله، وكان لوليه الخيار إن شاء عدل إلي الاقتصاص منه بالسيف، لأن أوجى، وإن شاء رماه بحجر مثله في مثل الموضع الذي رماه من بدن المقتول إن كان في الرأس رماه على رأسه، وإن كان في الظهر رماه على ظهره، وإن كان في البطن رماه على بطنه، ولا يعدل عن موضع الرمي إلي غيره، فإن رماه بمثل ما رمى فمات فقد استوفي حقه، وإن لم يمت ففيه قولان:
أحدهما: يوالي رميه بالحجر ويكرره حتى يموت أن ينتهي إلي حالة يعلم قطعًا أنه يموت منها، ولا تطول حياته بعدها، فيمسك عنه كما يمسك عن المضروب العنق إذا بقيته فيه حياة، ولو قتله برميه حتى يموت كان له وجه كالزاني.
والثاني: أن يعدل إلي قتله بالسيف إذا لم يمت من رميه بمثل ما رمى، لأن السيف أوجى، وهكذا لو كان قد ضربه بعصا حتى مات ضرب بمثلها وبمثل عددها، فإن ضربه ذلك العدد فلم يمت كان على قولين: أحدهما: يوالي عليه الضرب حتى يموت.
والثاني: يعدل إلي قتله بالسيف إذا لم يمت من رميه بمثل ما رمى، لأن السيف أوجى، وهكذا لو كان قد ضربه بعصا حتى مات ضرب بمثلها وبمثل عددها، فإن ضربه ذلك العدد فل يمت كان على قولين:
أحدهما: يوالي عليه الضرب حتى يموت.
والثاني: يعدل إلي قته بالسيف، ولو ألقاه من جبل حتى تردى فمات، من جدار أو سطح دار وأراد الولي قتله فعل، وإن أراد إلقاءه من مثل ذلك الموضع فعل، فلم يمت فعلى قولين:
أحدهما: يوالي عليه الضرب حتى يموت.
والثاني: يعدل به إلي قتله بالسيف، فلو ألقاه من جدار فتلقاه رجل من الأرض بسيفه فقده نصفين روعي مدى العلو، فإن كان مما يجوز أن يعيش من ألقى منه فالمستقبل له بسيفه هو القاتل، وإن كان ذلك المدى بعيد لا يجوز أن يعيش من ألقى منه ففيه وجهان:
أحدهما: أن الملقي هو القاتل، لأنه بإلقائه كالموجاء.
والثاني: أن المستقبل له بالسيف هو القاتل، لمباشرة التوجئة.
مسألة:
قال مزني: "هكذا قال الشافعي ﵀ في المجوس بلا طعام ولا شراب
[ ١٢ / ١٢٩ ]
حتى مات إنه يحبس فإن لم يمت في تلك المدة قتل بالسيف".
قال في الحاوي: أما إذا أراد الولي أن يعدل عن حبسه إلي قتله بالسيف كان له، ليس في اختلاف المحابس زيادة، ثم لا يخلو حاله إذا حبس من ثلاثة أحوال:
أحدهما: أنه يموت كأنه قد حبس المقتول عشرة أيام مات فيها، فحبس هو فمات في خمسة أيام، فالواجب إخراجه ليواري ويدفن، ولا يترك بقية بالمدة فيتغير لحمه.
والثانية: أن يموت في مثلها فقد تساويا في المدة والتلف.
والثالثة: أن يحبس مثل تلك المدة فلا يموت فيها ففيه قولان:
أحدهما: يستدام حبسه حتى يموت.
والثاني: يقتل بالسيف بعد انقضاء المدة.
فصل:
فإن حبسته في بيت مفعى فنهشته أفعى فمات نظر، فإن كانت أفاعيه تغيب عنه وتعود إليه فلا ضمان عليه، وإن كانت مقيمة فيه نظر حال البيت، فإن كان واسعًا يزيد على طول الجبة ومنتهى نفخها فلا ضمان عليه، لتمكنه من البعد عنها إذا قربت، وإن كان ضيقًا يقصر عن طولها ومدى نفخها روعي البيت، فإن كان فيه كوى ونقاب تتسرب فيه الأفاعي فلا ضمان عليه، لأن من عادة الأفعى أن تغيب عن مشاهدة الإنسان، وإن كان مسلمًا لا كوة فيه ولا نقبل فعليه ضمان ديته، ولا قود عليه في نفسه، لأنه كعمد الخطأ إلا أن نهشته الأفعى بيده وهي من الأفاعي القاتلة بيجب عليه القود واختلف أصحابنا فيما يقاد به على وجهين:
أحدهما: يقاد بالسيف؛ لأن الأفاعي غير متماثلة ولا نهشاتها متساوية.
والثاني: أن يقاد بإنهاش الأفعى له، فإن كانت تلك الأفعى موجودة لم يعدل إلي غيرها، وإن فقدت التمس مثلها، فإن نهشته فمات فقد استوفي، وإن لم يمت فعلى قولين:
أحدهما: يعاد عليه نهشها حتى يموت.
والثاني: يقتل بالسيف.
فأما إذا حبسه في بيت مع سبع حتى افترسه فهذا قاتل، لأن ضراوة السبع طبع لا تزول في الأغلب، وفي القود منه بإضرار السبع عليه وجهان، على ما ذكرنا في نهشه الأفعى لعدم التماثل في الجناية والقود، ويمنع السبع من أكل لحمه بعد قتله لحرمته.
مسألة:
قال الشافعي ﵀: "وكذا قال لو عرفه في الماء وكذلك يقليه في مهواة في
[ ١٢ / ١٣٠ ]
البعد أو مثل سدة الأرض وكذا عدد الضرب بالصخرة فإن مات وإلا ضربت عنقه فالقياس على ما مضى في أول الباب أن يمنعه الطعام والشراب حتى يموت كما قال في النار والحجر والخنق بالحبل حتى يموت إذا كان ما صنع بع من المتلف الوحي".
قال في الحاوي: وهو صحيح مولى الغريق بالخيار بين قتل المغرق بالسيف لأنه أوجى وبين تغريقه؛ لأن المماثلة في التغريق ممكن، ويجوز أن يغرقه في ذلك الماء وفي غيره، فإن غرقه في ماء ملح كان له أن يغرقه في ماء الملح وفي العذب؛ لأن العذب اسهل، وإن غرقه في العذب لم يجز أن يغرقه في الملح، لأنه أشق، وإن كان يححسن العوم ربط حتى لا ينجو منه ثم يخرج بعد موته حتى يصلي عليه ويواري، سواء فعل ذلك بالغريق الأول أو لم يفعل، فإن كان في مالء من حيتانه ما يأكل غرقًا، فإن لم يأكل الحيتان الغريق الاول لم يلق المقتص منه إلا في ماء يؤمن ان يأكله حيتانه، وإن أكلته الحيتان ففي جواز إلقائه فيه لتأكله حيتاه وجهان إذا اقتصرت الحيتان على إفاتة نفسه دون استهلاك جسده، فإن استكلته لم يجز لوجوب حق الله تعالى في مواراة جسده.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ولو قطع يديه ورجليه فمات فعل به الولي ما فعل بصاحبه فإن مات وإلا قتل بالسيف".
قال في الحاوي: وهذا صحيح ولي المقطوع يداه ورجلاه إذا سرت إلي نفسه بالخيار بين ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن يضرب عنقه، فيجوز له ذلك باتفاق، لأن النفس يقتص من تلفها بالسراية كما يقتص من تلفها بالتوجيه.
والثانية: أن يقتص من يديه ورجليه ويعفو عن القصاص في النفس فيجوز، لأن لما كان الاقتصاص منها مع عدم السراية كان مع السراية أولى، فإن اقتص وعفا عن النفس إلي الدية لم يستحقها، لأنه قد استوفي بقطع اليدين والرجلين أكثر منها، وهذا من المواضع النادرة التي يجوز أن يقتص فيها من النفس ولا يملك ديتها، وقال أو حنيفة: إذا عفا عن النفس بعد الاقتصاص من الطرف لزمته دية الأطراف، استدلالًا بأن الأطراف تبع للنفس، فإذا سقط بالعفو القصاص في النفس التي هي أصل سقط في الأطراف التابعة لها، لأن القصاص لا تبعض فصار آخذًا لها بغير قصاص، فلزمه ديتها، ولا دية عليه عند الشافعي للأطراف مع العفو عن النفس.
وبه قال أبو يوسف، ومحمد.
ودليلنا هو أن ما لم يضمن من الأطراف إذا اندملت فأولى أن لا يضمن إذا سرت،
[ ١٢ / ١٣١ ]
لأن القصاص في النفس يسقط بالاندمال كما يسقط بالعفو، ولأنهما حقان يستوفي كل واحد منهما إذا انفرد، فجاز مع العفو عن أحدهما أن يستوفي الآخر منهما كالطرفين المختلفين، وكالدين، وإذا جاز ذلك سقط فيه الضمان.
والجواب عن استدلاله بدخول الأطراف في النفس: هو أن حكم كل واحد منهما قد ينفرد عن الآخر فلم يصر بعضًا منه ولا تابعًا له.
والثالثة: أن يقتص من اليدين والرجلين ثم يقتله قصاصًا من نفسه، فيجوز له ذلك عندنا.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يجمع بين القود في الأطراف والنفس، ويقتص من نفسه دون أطرافه، استدلالًا بأن للطرف بدلين القود والدية، فلما دخلت دية الأطراف في دية النفس، وجب أن يدخل قود الأطراف في قود النفس، لأنه أحد البدلين فأشبه الدية.
ودليلنا: هو أن كل طرف اقتص منه لو انفرد عن النفس جاز الاقتصاص منه وإن اقتص من النفس، كما لو قتل النفس بالتوجئة، كذلك إذا قتلها بالسراية، فإن أبا حنيفة يوافق إذا عاد إليه فذبحه بعد قطع أطرافه أنه يقتص من نفسه وأطرافه، وإنما يخالف في ذهاب النفس بالسراية إلي القصاص فيما يسقط القصاص في الأطراف، وإن كان أبو يوسف يسوي بينهما، ويسقط القصاص من الأطراف فيهما، ثم يقال لأبي حنيفة: إذا لم يسقط القصاص في الأطراف بالتوجئة التي لم تحدث عن الأطراف فلأن لم تسقط بالسراية الحادثة عن الأطراف أولى، ولأن المماثلة في القصاص مستحقة، والأطراف بالأطراف أشبه بالمماثلة من النفس بالأطراف.
والجواب من قياسهم على الدية فساده بالقتل توجئة هو أن القصاص أوسع حكمًا من الدية، لأن الجماعة لو قتلوا واحدًا قتلوا به جميعًا، وإن لم يجب عليه مع العفو إلا دية واحدة.
فصل:
فإذا ثبت أنه يقتص من أطرافه ثم من نفسه فإن للولي أن يستوفي القصاص من النفس وفي جواز مباشرته لقطع الأطراف إذا اتصلت بالنفس وجهان:
أحدهما: لا يجوز كما لو انفردت، ويستنيب من يستوفي له القصاص في الأطراف.
والثاني: يجوز لاتصالهما بالنفس أن يستوفيها، وهذان الوجهان مخرجان من اختلاف قوليه في الجوائف إذا صارت نفسًا، هل يقتص منها أم لا؟ على قولين: فلو كان الجاني حين قطع يد المجني عليه ورجليه جني عليه أجنبي فقطع يديه ورجليه كان للجاني أن يقتص ليديه ورجليه، أو يأخذ ديتهما، ويسقط عنه القصاص فيهما، لعدمهما، وكان ما أخذه من ديتهما إذا اقتص من نفسه خالصًا لورثته، وإن كان قطع يديه ورجليه مستحقًا
[ ١٢ / ١٣٢ ]
لأولياء قتيله، لأنهم استحقوها قصاصًا لا مالًا، وهكذا لو قطع أولياء المقتول يدي الجاني ورجليه قصاصًا ثم جني عليه أجنبي فقتله افتص منه في النفس، فإن عفا عنه كان عليه ما يلزمه من دية النفس، وهو أن ينظر قطع يديه ورجليه في القصاص إن اندملتا كان على ما قابله جميع الدية، وإن لم يندملا كان عليه نصف الدية، تختص بها ورثته، ولا شيء فيها لأولياء قتيله، لاستيفائهم بقطع يديه ورجليه أكثر من دية نفسه.
مسألة:
قال الشافعي ﵀: "ولو كان أجافه أو قطع ذراعه فمات كان لوليه أن يفعل ذلك به على أن يقتله فأما على أن لا يقتله فلا يترك وإياه. وقال في موضع آخر: فيها قولان أحدهما هذا والآخر لا نقصه من ذلك بحال لعله إذا فعل ذلك به أن يدع قتله فيكون قد عذبه بما ليس في مثله قصاص. قال المزني ﵀: قد أبى أن يوالي عليه بالجوائف كما والى عليه بالنار والحجر والخنق بمثل ذلك الحبل حتى يموت ففرق بين ذلك والقياس عندي على معناه أن يوالي عليه بالجوائف إذا والى بها عليه حتى يموت كما يوالي عليه بالحجر والنار والخنق حتى يموت. قال المزني أولاهما بالحق عندي فيما كان في ذلك من جراح أن كل ما كان فيه القصاص أو بري أقصصته منه فإن مات وإلا قتلته بالسيف وما لا قصاص في مثله لم أقصه منه وقتلته بالسيف قياسا على كا قال في أحد قولي في الجائفة وقطع الذراع أنه لا يقصه منهما بحال ويقتله بالسيف".
قال في الحاوي: لا يخلو حال الجرح إذا صار نفسًا من أحد أمرين:
إما أن يكون موجبًا للقصاص إذا انفرد أو لا يوجبه، فإن أوجب القصاص إذا انفرد كالموضحة وقطع الأطراف من مفصل فيجوز أن يقتص منهما ومن النفس بعدها على ما مضى، وإن لم يوجب القصاص إذا انفرد عن النفس فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون موجبًا في الغالب كشدخ الرأس بالحجارة، فيوجب القصاص إذا صار نفسًا، وإن لم يوجبه إذا انفرد؛ لأنه موج في القصاص كما كان موجبًا في الجناية، ولأن النبي ﷺ اقتص من اليهودي الذي شدخ رأس الأنصارية بشدخ رأسه.
والثاني: ما كان غير موج كالجائفة والمأمومة وقطع الأطراف من غير مفصل، فإذا صارت نفسًا جاز أن يقتص من النفس.
فأما الاقتصاص من الجوائف وقطع الأطراف من غير مفصل، فإن أراده مع عفوه عن القصاص في النفس، لم يجز، لأنه قد صار بالعفو عن النفس كالمنفرد عن السراية إلي النفس فلم يجز أن يقتص منه كالمنفرد، فإن أراد أن يقتص منه مع الاقتصاص من
[ ١٢ / ١٣٣ ]
النفس ففي جوازه قولان:
أحدهما وهو اختيار المزني لا يجوز، لأنه قد يعفو بعد الاقتصاص منهما عن النفس فيصير مقتصًا فيما لا قصاص فيه.
والثاني: يجوز أن يقتص منها لدخولها في النفس، فخالفت ما انفرد عنها، وليس ما يتوهم من جواز العفو عن النفس مانعًا من دخولهما في حكم النفس؛ لأنه قد يجوز لو أراد القصاص عن نفسه أن يعفو بعد حزّ رقبته بالسيف حزًا لا قصاص فيه، ثم يعفو بعد فعل ما لا قصاص فيه، ولا يمنع هذا التوهم من جواز القصاص في النفس كذلك في الجوائف، وفي هذا انفصال عما احتج به المزني للقول الأول.
فصل:
قال مزني: "قد أبى أن يوالي عليه بالجوائف كما والى عليه بالنار، والحجر والخنق بمثل ذلك الحبل حتى يموت ففرق بين ذلك إذا والى بها عليه "
والقياس عندي على معناه أن يوالي عليه الجوائف والكلام على الفرق بين الجمع من وجهين:
أحدهما: أنه يقتص منه بالحجارة إذا صارت نفسًا قولًا واحدًا، وفي الاقتصاص من الجوائف إذا صارت نفسًا قولان:
والفرق بينهما: أن الحجارة موجية فجاز الاقتصاص بها، والجوائف غير موجئة فعدل عنها.
والثاني: أن الحجارة يجوز أن يوالي إلي التلف في أحد القولين، ولا يجوز أن توالي الجوائف إلي التلف قولًا واحدًا.
والفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: ما قدمناه، وأن موالاة الحجارة موج وموالاه الجوائف غير موج.
والثاني: أن للحجارة تأثيرًا إذا أعيدت في مواضعها، ولا يجوز العدول بها إلي غير مواضعها، وإن تأثرت، وبالله التوفيق.