ومن به نقص أو شلل أو غير ذلك
مسألة:
قال الشافعي ﵀: "والقصاص دون النفس شيئان جرح يشق وطرف يقطع".
قال في الحاوي: قد مضى القصاص في النفس وهو فيما دون النفس واجب
[ ١٢ / ١٣٤ ]
كوجوبه في النفس، لقول اللع تعالى: ﴿ولَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة ١٧٩] ولقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة ١٩٤] ولقوله تعالى: ﴿وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ والْعَيْنَ بِالْعَيْنِ والأَنفَ بِالأَنفِ والأُذُنَ بِالأُذُنِ والسِّنَّ بِالسِّنِّ والْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة ٤٥] فجمعت هذه الآية عموم القصاص فيما استحق من الوجوه الثلاث، وهي القصاص في النفس والقصاص في الأطراف، والقصاص في الجروح، ولا قصاص فيما عداهما، وهي ضربان:
أحدهما: ما أوجب الأرش دون القصاص إما بمقدر كالجائفة أو بغير مقدر كالحارضة.
والثاني: ما لا يوجب أرشًا ولا قصاصًا كالضرب الذي لا أثر له في الجسد، فصارت الجنايات على خمسة أقسام، يجب القصاص منها في ثلاثة، والأرش في أربع، والعفو عنه في الخامس، وفيه يستحق التعزيز أدبًا. فإذا ثبتت هذه الجملة فالمكافأة في القصاص على ضربين:
أحدهما: في الأحكام.
والثاني: في الأوصاف.
فأما المكافأة في الأحكام فهو اعتبار التكافؤ في الحرية والإسلام، فهذا معتبر في جميع ما يجب فيه القود من الأقسام في النفوس والأطراف والجراح، فإذا منع الرق والكفر من القصاص في النفس منع منه في الأطراف والجراح، فلا يؤخذ حر ولا مسلم بطرف عبد ولا كافر وكذلك في الجراح.
وأما المكافأة في الأوصاف فتقسم ثلاثة أقسام:
أحدهما: في الصحة والمرض.
والثاني: في الزيادة والنقصان.
والثالث: في الصغر والكبر، فلا يعتبر واحد من هذه الأقسام الثلاثة في القصاص من النفس، فيقتص من الصحيح بالمريض، ومن المريض بالصحيح، ومن الكامل بالأقطع، ومن الأقطع بالكامل، ومن السليم بالأشل، ومن الأشل بالسليم، ومن الأعمى بالبصير ومن البصير بالأعمى، ومن الكبير بالصغير، والعاقل بالمجنون، ولا يقتص من الصغير والمجنون بالكبير، ولا بالعاقل، لارتفاع القلم عنهما بالصغر والجنون.
وأما الأطراف فيعتبر في القصاص منها السلامة من النقصان والزيادة، ولا يعتبر فيها الصحة والمرض، ولا الصغر والكبر، فلا يجوز أن تؤخذ اليد الكاملة الأصابع باليد الناقصة الأصابع، ولا اليد الزائدة الأصابع باليد الكاملة حتى يقع التساوي في الزيادة والنقصان وتؤخذ اليد الكبيرة باليد الصغيرة، واليد الصغيرة باليد الكبيرة، واليد الصحيحة باليد المريضة إذا سلمت من شلل، ويأخذ اليد المريضة إذا سلمت من شلل باليد الصحيحة، ولا تؤخذ سليمة بشلاء، وتؤخذ الشلاء بالسليمة إذا رضي مستحق القصاص بها.
[ ١٢ / ١٣٥ ]
وأما الجراح فيعتبر في القصاص فيها الصغر والكبر والزيادة والنقصان، فلا يؤخذ بالصغير إلا صغيرًا، وبالناقص إلا ناقصًا، وبالكبير إلا كبيرًا على ما سنذكره.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "فإذا شجه موضحة فبراء حلق موضعها من رأس الشاج ثم شق بحديدة قدر عضها وطولها فإن أخذت رأس الشاج كله ويبقى شيء منه أخذ منه أرضه".
قال في الحاوي: وإذا قد مضى القصاص في النفس فما دونها ضربان: طرف يقطع بطرف، وجرح يشق بجرح.
فأما القصاص في الأطراف فقد مضى وجوبه، وسيأتي استيفاؤه. وأما الجراح فقدم الشافعي فيه شجاج الرأس وهي إحدى عشرة شجة في قول الأكثرين: الحارصة والدامية والدامغة والباضعة والمتلاحمة والسمحاق والموضحة والهاشمة والمنقلة والمأمومة والدامغة.
فأما الحارصة: فهي التي تحرص جلد الرأس أي تكشطه ولا تدميه، مأخوذ من قولهم حرص القصاص الثوب: إذا شقه.
وتليها الدامية: وهي التي تخدش الجلد حتى يدمى، ولا يجري.
ثم تليها الدامغة: وهي التي يجري دمها كجريان الدموع.
ثم تليها الباضعة: وهي التي تبضع اللحم أي: تشقه.
ثم تليها المتلاحمة، وهي التي تغوص في اللحم، وقد يسميها أهل المدينة الباذلة؛ لأنها تبذل أي يشق فيها اللحم، ويحتمل أن تكون الباذلة بين الباضعة والمتلاحمة، وهي التي تبذل الدم منها فتكون أقوى من الدامغة، لأن دم الباذلة ما اتصل ودم الدامغة ما انقطع، وهذا أشبه بالمعنى والاشتقاق، فيصير الشجاج على هذا انتثي عشرة شجة.
ثم تليها السمحاق وهي التي تستوعب جميع اللحم حتى يصل إلي سمحاق الرأس، وهي جلدة رقيقة تغشي عظم ال ﴿اس، مأخوذة من سماحيق البطن وهو الشحم الرقيق، وغير سماحيق إذا كان رقيقًا وقد يسميها أهل المدينة البلطاء، ومنهم من جعلها بين المتلاحمة والسمحاق فيصير الشجاج ثلاث عشرة شجة.
ثم يليها الموضحة: وهي التي توضح عظم الرأس حتى يظهر ثم تليها الهاشمة: وهي التي تزيد على الموضحة حتى تهشم العظم، أي تكسره، ومنهم من يجعل بين الموضحة والهاشمة شجة تسمى المفرشة، وهي التي إذا أوضحت صدعت الرأس ولم
[ ١٢ / ١٣٦ ]
تهشمه، فيصير شجاج الرأس على هذا أربع عشرة شجة.
ثم يليها المنقلة: وهي التي تزيد على الهاشمة بنقل العظام من مكان إلي مكان.
ثم تليها المأمومة، ويقال لها الأمة: وهي التي تصل إلي أم الدماغ، وهي جلدة رقيقة محيطة بالدماغ، ثم تليها الدامغة، وهي التي خرقت غشاوة الدماغ حتى وصلت إلي مخه.
فهذه إحدى عشرة شجة في قول الأكثرين منها ستة قبل الموضحة وأربعة بعدها وهي أربع عشرة شجة في قول آخرين، منها ثمانية قبل الموضحة، وخمسة بعدها، وليس فيما قبل الموضحة قصاص، وفيها أرش مقدر إلا المفرشة على قول من زادها ففي الزيادة على الموضحة منها حكومة غير مقدرة.
فأما الموضحة فيجتمع فيها القصاص إن شاء والأرش المقدر إن عدل إليه على ما سنذكره، فصارت الشجاج منقسمة على هذه الأقسام الثلاثة:
قسم لا قصاص فيه ولا يتقدر أرشه، وهو ما قبل الموضحة، ويجب فيه حكومة على ما سنذكره من حكمها.
وقسم لا يجب فيه القصاص ويتقدر أرضه وهو بعد الموضحة فيجب في الهاشمة عشر من الإبل، وفي المنقلة خمسة عشرة بعيرًا، وفي المأمومة ثلث الدية، ثلاثة وثلاثون بعيرًا وثلث، وكذلك في الدامغة، وكتاب أبي العباس بن سريج يجعل الدامغة والمأمومة سواء، ويجعلها الدامغة غير معممة وهي الثالثة التي تلي الدامية، ولقوله وجه، لأنها لو زادت على المأمومة لزادت على أرشها.
وقسم يجب فيه القصاص ويتقدر أرشه وهو الموضحة يجب فيها خمس من الإبل.
فصل:
فإذا أراد القصاص من الموضحة فيقدر اعتبارها من رأس المشجوج فاعتبر فيها ثلاثة أشياء:
أحدهما: موضعها من رأسه هل هي في مقدمه، أو مؤخره، أو عن يمينه، أو عن يساره وفي يافوخه أو هامته، أو قرعته، لاستحقاق المماثلة في محلها، فلا يؤخذ مقدم بمؤخر ولا مؤخر بمقدم ولا يمنى بيسرى، كما لا يؤخذ يمنى اليدين بسراها.
والثاني: أن يقدر ما بين طرفيها طولًا لئلا يزاد عليها أو ينقص منها، لأن الزيادة عليها عدوان والنقص منها بخس.
والثالث: أن يقدر ما بين جانبيها عرضًا؛ لأنه قد يوضح بالشيء الغليظ فتعوض الموضحة ويوضح بالشيء الدقيق فيقل عرضها فيعتبر من موضحه المشجوج لهذه الأمور الثلاثة، ولا يعتبر عمقها، لأن المقصود في الموضحة الوصول إلي العظم فسقط اعتبار
[ ١٢ / ١٣٧ ]
العمق، لأنه قد تغلظ جلدة الرأس من بعض الناس وترق من آخر، فصار عتق الرأس في سقوط اعتباره جاريًا مجرى مساحة الأطراف التي لا تعتبر في القصاص، ثم لا يعدل بعد ذلك إلي الشجاج فيحلق شعر رأسه، سواء كان المشجوج أشعرًا أو محلوقًا؛ لأن المماثلة في استيفاء القصاص لا تتحقق إلا بمعرفة موضعها عن رأس المقتص منه، فيعلم في رأس الشاج ما قدمنا اعتباره من رأس المشجوج، وهو موضعها، وطولها، وعرضها، ويخط عليه بسواد أو حمرة، ويبضع القصاص بالموسى، ولم يضرب بالسيف وإن كان الجاني شج بالسيف؛ لأن ضرب السيف ربما هشم ولا يستوفيه المشجوج بنفسه ويستنيب فيه من يؤمن تعديه، فإن لم يستنيب ندب الإمام مأمومًا ينوب عنه في استيفائه.
فصل:
فإذا تقرر ما يعتبر في الاقتصاص فيها لم يخل حالها من أن تكون في بعض الرأس أو في جميعه.
فإن كانت في بعضه اقتص بقدرها في محلها من رأس الشاج، وإن كانت في جميعه قد أخذت طولًا ما بين الجبهة والقفا، وأخذت عرضًا ما بين الأذنين، لم يخل رأس الشاج والمشجوج من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يتماثل رأساهما في الطول والعرض، فاستيعاب القصاص ممكن، فإذا كانت طولًا مابين الجبهة والقفا اقتص من الشاج طول رأسه من جبهته إلي قفاه، واختلف أصحابنا في هذه القصاص على وجهين:
أحدهما: أنه يبدأ به من الموضع الذي بدأ به الجاني، إما من ناحية الجبهة أو القفا ليماثل في الابتداء كما يماثل في الاستيفاء، فإن أشكل رجع إلي الجاني دون المجني عليه.
والثاني: وهو أصح وبه قال جمهور أصحابنا: إن المستوفي له القصاص مخير في الابتداء بأي الموضعين شاء، لأن له أن يقتص من بعضها في أي الموضعين شاء.
والقسم الثاني: أن يكون رأس المشجوج أصغر من رأي الشاج، فيستوفي بمقدارها من رأس الشاج، ويترك له باقي رأسه بعد استيفاء مقدار رأس المشجوج.
مثاله: أن يكون طول رأس الشاج عشرين إصبعًا، وطول رأس المشجوج خمسة عشر إصبعًا، فيقتص من رأس الشاج قدر خمسة عشر إصبعًا ويبقى من رأسه مقدار خمس أصابع لا قصاص عليه فيها، لفضلها بعد استيفاء القصاص، ويكون محل هذا المتروك بناء على ما قدمناه من الوجهين من الابتداء بموضع القصاص.
فإن قيل: بالوجه الأول إنه يبدأ في القصاص بالموضع بداية الجاني نظر، فإن بدأ بمقدم الرأس كان المتروك من مؤخره، وإن بدأ بمؤخره كان المتروك من مقدمه.
وإن قيل: بالوجه الثاني الذي هو أصح أن المقتص له مخير في الابتداء بأي
[ ١٢ / ١٣٨ ]
الموضعين شاء كان بالخيار بين ثلاثة أحوال:
إما أن يستوفي قصاصه من مقدم الرأس، ويترك فاضله من مؤخره، أو يستوفيه من مؤخره، ويترك فاضله من مؤخره، أو يتسوفيه من مؤخره، ويترك فاضله من مقدمه، أو يستوفيه من وسطه ويترك فاضله من مقدمه ومؤخره، فإن أراد أن يستوفيه من طرفيه ويترك فاضله من وسطه لم يجز، لأنه إذا فصل بينهما صارتا موضحتين، ولا يجوز أن يقتص من موضحة بموضحتين، ويجيء على تخريج أبي علي بن أبي هريرة في دية هذا القاتل أن يجوز له ذلك ليجري على كل موضع من الجناية حكم الموضحة، وليس بصحيح، لما ذكرناه من التعليل.
والقسم الثالث: أن يكون رأس المشجوج أكبر من رأس الشاج.
مثاله: أن يكون طول رأس المشجوج عشرين إصبعًا، وطول رأس الشاج خمسة عشرة إصبعًا، فيستوعب في الاقتصاص طول رأس الشاج، وقدره ثلاثة أرباع الموضحة، فلا يستوفي الربع الباقي من الجبهة ولا من القفا، ولا يخرج من الرأس لأن كل ذلك في غير محل القصاص، كما لا يجوز أن يقتص في موضحة الوجه من الرأس، ولا في موضحة الرأس من الوجه، ويرجع على الجاني بقسط ذلك من أرش الموضحة وهو ربع أرشها؛ لأن الباقي منها ربعها، ولو كان الباقي منها ثلثها رجع بثلث أرشها، وخرج أبو علي بن أبي هريرة احتمال وجه ثانٍ، أنه يرجع عن الباقي منها بجميع أرش الموضحة، لأن أرض الموضحة يكمل فيها قل منها وكثر، وهذا فاسد، والفصل فيها أن اسم الموضحة ينطلق على صغيرها وكبيرها، فاستوي الأرش في جميعها، ولا ينطلق على الباقي من هذه الموضحة اسم الموضحة، وإنما ينطلق عليه اسم بعضها فلم يستحق فيه إلا بعض أرشها وهكذا لو كانت موضحة المشجوج بين قرني رأسه، وكان ما بين قرني رأس الشاج أضيق لم يجز أن يعدل بعد استيفاء ما بين القرنين إلي ما يجاوزهما. وإن كان من جملة الرأس، لخروجه عن محل القصاص ورجع بقسطه من أرش الموضحة.
فصل:
فإذا استوفي القصاص على ما ذكرنا لم يعتبر بعد الاقتصاص اختلاف الشجتين قبل الاندمال، فلو اندمل جرح المشجوج شائنًا ظاهر العظم غير ملتحم الجلد واندمل جرج الشاج حسنًا قد تغطى لحمه والتحمه جلده فلا شيء للمشجوج في زيادة الشين لأن حقه كان في القصاص وقد استوفاه.
وكذلك لو انعكس فكان الشين في جراحة الشاج دون المشجوج، وكانت زيادة الشين هدرًا كما تكون سرايتها هدرًا، فلو تجاوز مستوفي القصاص مقدار الموضحة، وأحذ أكثر منها من رأس الشاج كان عليه القصاص في الزيادة إن عمد، وأرش الموضحة كاملة إن أخطأ، وهذا بخلاف الباقي من موضحة المشجوج حيث رجع من أرشها بقسط الباقي منها.
[ ١٢ / ١٣٩ ]
والفرق بينهما: أن مجاوزة القصاص إلي الزيادة لما أوجب اختلاف الحكم في المستحق والعدوان تميزًا، فصارت كل واحدة منهما موضحة غير الأخرى، فلذلك كمل أرشها وما نقص عن استيفاء لم يختلف حكمه في الاستحقاق والعدوان فلم يتميز، وصار موضحة واحدة فرجع بقسط باقيها من أرشها، فإن كانت الزيادة من اضطراب المستوفي منه عند القصاص كانت هدرًا، فلو اختلفا والحال مشتبه كان القول قول المستوفي؛ لأن الأصل براءة ذمته، ويحتمل وجهًا ثانيًا من المقلوف إذا قطع واختف في وجود جناية عند القطع أن يكون القول قول المستفاد منه إذا قيل في الملقوف أن القول قول وليه، وإن كان الفرق بينهما لائحًا، فلو كانت موضحة المشجوج قد وضح وسطها حتى تبرز العظم وتلاحم طرفاها حتى بقي عليه اللحم وجب القصاص فيما وضح عن العظم، والأرش دون القصاص فيما تلاحم من الطرفين، لأن المتلاحمة لما سقط فيها القصاص إذا انفردت سقط فيها إذا اتصلت بالموضحة وكانت حكومتها أقل من قسطها وأرش الموضحة لنقصانها عن حكم الموضحة.
فصل:
وإذا أوضحه موضحتين وأكثر، كان المشجوج مخير فيها بين ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن يعفو عن الاقتصاص عن جميعها إلي الدية، فيستحق في كل موضحة أرشًا، كما يستوي فيه أرش ما صغر منها وما كبر، وسواء تقاربت أو تباعدت.
والثانية: أن يقتص من جميعها فيقاد في يوم واحد إن شاء أو في أيام شتى إلا أن يخاف على نفس الشاج إن اقتص من جميعها في يوم واحد، إما المرض أو شدة حر أو برد فلا يجمع عليه بين الاقتصاص من جميعها ويقتص من واحدة، فإذا اندملت اقتص من غيرها، وهكذا لو كانت الموضحة واحدة قد استوعبت طول الرأس وعرضه وخيف على نفسه إن اقتص من جميعها في يوم واحد جاز أن يفرق الاقتصاص منها، ويستوفي في وقت بعد وقت، ولو قيل: يستوفي الموضحة الواحدة في وقت واحد وإن خيف منها كما يقطع اليد قصاصًا وإن خيف منها كان لو وجه.
والثالثة: إن يقتص من بعضها ويعفو إلي الدية عن باقيها، فيكون مخيرًا في الاقتصاص من أيهما شاء من صغير وكبير شائن، ويرجع بأروش باقيها متساوية على أعدادها، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وكذا كل جرح يقتص منه".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، والجراح ما كان في الجسد، والشجاج ما كان في
[ ١٢ / ١٤٠ ]
الرأس، وقد مضى حكم الشجاج في الرأس وأنه ينقسم إلي ثلاثة أقسام:
قسم يجب فيه القصاص، وأرش مقدر وهو الموضحة.
وقسم لا قصاص فيه ويجب فيه مقدر وهو ما فوق الموضحة، وهذا حكم شجاج الرأس وكذلك إذا كان في الوجه واللجين يكون في حكم شجاج الرأس وإن كان جرحًا، ويصير الوجه والرأس في حكم الشجاج والجراح، سواء يجب القصاص في موضحة الوجه والمقدر من الأرش فيجب في موضحة الوجه خمس من الإبل، وفي هاشمته عشر من الإبل، وفي منقلته خمس عشرة من الإبل.
فأما جراح البدن فتنقسم ثلاثة أقسام:
قسم يجب فيه مقدر ولا يجب فيه القصاص، وهو الجائفة الواصلة إلي الجوف، لا قصاص فيها، وفيها ثلث الدية.
وقسم لا قصاص فيه ولا مقدر وهو ماعدا الموضحة والجائفة من الباضعة والمتلاحمة؛ لأن ما لا يجب فيه من الرأس والوجه قصاص ولا مقدر فأولى أن لا يجب فيه من البدن قصاص، ولا مقدر، لشرف الرأس والوجه على جميع البدن، وأن الشين فيهما أقبح من الشين في سائر البدن.
والقسم الثالث: ما يجب فيه من القصاص ولا يجب فيه المقدر وهو الموضحة إذا كانت في ذراع أو عضد أو ساق أو فخذ يجب فيها القصاص لإمكانه كالرأس، وتجب حكومة ولا تحب فيها مقدر بخلاف الرأس لما ذكنراه من شرف الرأس وضبح شينه، هذا مذهب الشافعي ومنصوصه.
وقال كثير من أصحابه: لا قصاص في موضحة البدن، لأنها لما خالفت موضحة الرأس في الأرش المقدر خالفتها في القود، وهذا فاسد مذهبًا وحجاجًا.
أم المذهب فقول الشافعي في كتاب "الأم": إن الموضحة إذا كانت على الساق لم تصعد إلي الفخذ ولم تنزل إلي القدم، وإن كانت على الذراع لم تصعد إلي العضد ولم تنزل إلي الكتف.
وأما الحجاج: فهو: أنه لما كان في البدن جرح مقدر وهو الجائفة وجب أن يكون فيها مايوجب القصاص وهو الموضحة كالرأس.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ولو جرحه فلم يوضحه منه أقص منه بقدر ما شق من الموضحة فإن أشكل لم أقد إلا مما أستيقن".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن ما تقدم موضحة الرأس من الشجاج الستة وهي
[ ١٢ / ١٤١ ]
الحارصة والدامية، والدامغة، والباضعة، والمتلاحمة والسمحاق، لا قصاص فيها، لأمرين:
أحدهما: أن مورها في اللحم وقصورها عن حد العظم يمنع من التماثل لعدم الغاية فيه كالجائفة.
والثاني: إن إثبات القصاص فيما دون الموضحة ينقص إلي أن يصير الاقتصاص منها موضحة لاختلاف الحلقة في جلدة الرأس لأنها تغلظ من قوم وترق من آخرين ولابد في الاقتصاص من تقدير عمقها حتى لا يتجاوز، وقد يكون عمقها من رأس المشجوج يبلغ إلي الموضحة من رأس الشاج، فنكون قد اقتصصنا من المتلاحمة بالموضحة وهذا غير جائز، فلهذين المعنيين سقط القصاص فيما دون الموضحة، هذا مذهب الشافعي، ومقتضى أصوله، وما نص عليه في كتاب "الأم" وغيره، وقال في كتاب "حرملة": لأن ذلك في لحم، غير أن المزني نقل عنه في هذا الموضع: "ولو جرحه فلم يوضحه اقتص منه بقدر ما شق من الموضحة"، وظاهر هذا يقتضي وجوب القصاص فيما دون الموضحة، فاختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه وهم من المزني في نقله؛ لأن الشافعي لم يذكره في شيء من كتبه، وهذا لا وجه لأن المزني أضبط من نقل عن الشافعي وأثبتهم رواية.
والثاني: أن هذا محمول على قول ثان، فيكون القصاص فيما دون الموضحة على قولين.
والثالث: أنه ليس بقول ثان بخلاف نصه في جميع كتبه، وإنما هو محمول على استيفائه إذا أمكن، وهذا قول أبي إسحاق المروزي، وأبي علي بن أبي هريرة وأكثر أصحابنا، فإن لم يكن فلا قصاص، وليس يمكن استيفاء القصاص منه إلا على وجه واحد، وهو أن يكون الشاج قد جرح المشجوج موضحة ومتلاحمة فينظر عمق المتلاحمة نصف أنملة علم أن المتلاحمة من رأسه هي نصف موضحة، فيقتص من رأس الشاج موضحة وينظر عمقها فإن كان أنملة فقد استوفي في عمق جلدة الرأس، فإذا أردنا الاقتصاص من المتلاحمة بعد الموضحة اقتص إل نصف أنملة من جلد رأسه، وإن كان رأس الشاج أرق جلدًا أو لحمًا وكان عمق موضحته نصف أنملة اقتص من متلاحمته ربع أنملة ليكون نصف موضحة كما كانت من المشجوج نصف موضحة، لا يمكن الاقتصاص منها إذا لم ينضم إليها موضحة في الجناية على المشجوج والقصاص من الشاج، وإذا تقدرت المتلاحمة في القصاص إما بالنصف على ما مثلناه، أو بالثلث إن نقص، أو بالثلثين إن زاد تقدر أرشها بقسطها من أرش الموضحة من نصف أو ثلث أو ثلثين، وإذا لم يتقدر المتلاحمة من الموضحة في القصاص لم يتقدر أرشها وكان فيها حكومة يقدرها الحاكم باجتهاده كما يقدر حكومات سائر الجراح الذي
[ ١٢ / ١٤٢ ]
لا قصاص فيه ولادية على ما سنذكره.
وحكي أبو حامد الإسفراييني عن أبي إسحاق المروزي ولم أره في شرحه: أنه إذا أشكل مور المتلاحمة ولم يتحقق قدر عمقها اعتبر ما يتيقن قدر مورها، وما يشك فيه وجمع بينع وبين تقويم الحومة ليعتبر بيقين المور صحة التقويم في الحكومة ويعتبر بتقويم الحكومة حكم الشك في المور، فإذا تيقنا أن مور المتلاحمة نصف عمق الموضحة وشككنا في الزيادة عليه اعتبرنا تقويم الحكومة، فنجده لا يخلو من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يكون قدر نصف أرش الموضحة فيتفقان في وجوب النصف ويدل كل واحد منهما على صحة الآخر، ويكون الشك في زيادة المور مطرحًا بالتقويم.
والثاني: أن يكون تقويم الحكومة أكثر من نصف أرش الموضحة فيوجب ما زاد على نصف الأرش، ويكون التقويوم دليلًا على أن ما شككنا فيه من زيادة المور على النصف، قد صار بالتقويوم معلومًا.
والثالث: أن يكون تقويم الحكومة أقل من النصف ويستدل بيقين المورة على أن تقويم الحكومة خطأ، لأن اليقين لا يتغير بالاجتهاد ويستفاد بالتقويم إسقاط الشك فيما زاد على النصف والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وتقطع اليد باليد والرجل بالرجل من المفاصل".
قال في الحاوي: قد ذكرنا وجوب القصاص في الأطرف كوجوبه في النفوس؛ لأن الأطراف مفاصل يمكن المماثلة بها، فإذا قطه يده فله خمسة أحوال:
أحدها: أن يقطعها من مفصل الكوع فيقتص منها، وإن اختلفا في الصغر والكبر، والصحة والمرض إذا كانت سليمة من نقص أو شلل، فيقتص من الكبيرة بالصغيرة، ومن القوية بالضعيفة ومن ذات الصنعة والكتابة بغير ذات الصنعة والكتابة، كما يجري مثله في النفوس، ولا تؤخذ سليمة بشلاء، ولا كاملة بناقصة على ما سنذكره بعد.
والثانية: أن يقطعها من نصف الذراع فيقتص من كف القاطع ولا يقتص من نصف ذراعه لأمرين:
أحدهما: لأنه لا مفصل فيها فيستوفي وربما وقع التجاوز فيه.
والثاني: أنه قد ينشظا العظم إذا قطع ولا يتماثل في القاطع والمقطوع فإن قيل: قد وضعتم القطع في القصاص في غير موضع القطع من الجناية وليست هذه مماثلة قلنا: لما تعذرت المماثلة في موضع الجناية كان العدول إلي ما دونها إذا أمكنت لدخولها في الجناية، فإذا اقتص من كف الجاني أخذت منه حكومة في نصف الذراع لا يبلغ بها دية
[ ١٢ / ١٤٣ ]
الكف، ولو عفا المقطوع عن القصاص أعطى نصف الدية في الكف وحكومة هي أقل منها في نصف الذراع.
والثالثة: أن يقطعها من مفصل المرفق فيقتص من جميعها، ويقطع الجاني من مرفقه؛ لأنه مفصل لا يمكن فيه المماثلة، فإن عدل إلي الدية أعطى نصف الدية في كف وحكومة في الذراع، ولو طلب القصاص من الكف وأرش في الذراع في المرفق لم يجز بخلاف المقطوع من نصف الذراع، لأنه إذا أمكن في القصاص وضع السكين في محلها لم يجز أن يعدل بها عن محلها.
والرابعة: أن يقطع يده من المنكب فيقتص منها في المنكب، لأنه مفصل، فإن طلب القصاص من الكف أو المرفق وحكومة في الزيادة لم يجز لما ذكرنا، وإن عفا عن القود إلي الدية أعطي نصف الدية في الكف وحكومة في الذراع، والعضد يكون أقل من نصف الدية، فلو كان قد أجافه حين قطع يده من الكف لم يقتص من الجائفة، وأعطى أرشها ثلث الدية بعد الاقتصاص من المنكب.
والخامسة: أن يقطع يده من نصف العضد فيجب بالقصاص من المرفق لإمكانه فيه وتعذره في نصف العضد كما قلنا في قطعها من نصف الذراع، فإن طلب القصاص من الكف وأخذ حكومة في الزيادة أجيب، ويكون في القصاص مخيرًا بين أن يقتص من المرفق، لأنه أقرب إلي محل الجناية وبين أن يقتص من الكف للفرق بينهما بأن ما أمكن وضع السكين في القصاص في موضعها لأنه أقل وخالف الجناية من المرفق حيث لم يجز أن يقتص فيها من الكف في الجناية لم يجز العدول عنه، وإذا لم يمكن جاز وضعها فيما قرب منها، وإذا جاز وضعها في الأكثر جاز وضعها في الأقل.
فصل:
وهكذا القصاص في الرجل تنقسم على هذه الأحوال الخمس، فإن كانت من القدم اقتص منها، فتؤخذ القدم الكبيرة بالصغيرة، والماشية بغير الماشية، والصحيحة بالمريضة والمعتدلة بالعرجاء، والمستقيمة بالحتفاء فإن كانت في نصف الساق اقتص من القدم وأعطى حكومة في نصف الساق، وإن كانت من الركبة اقتص منها، لأنها مفصل، وإن كانت من نصف الفخذ اقتص من الركبة، فإن سأل من القدم أجيب وإن كانت من الورك اقتص منها، فإن سأل القصاص من الركبة والقدم لم يجب إليه.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "والأنف بالأنف".
قال في الحاوي: وهذا صحيح: القصاص في الأنف واجب بالنص، فإذا جدع أنفه من العظم حتى استوعب جميع مارنه اقتص منه بمثله، وقطع جميع مارنه ويقتص من أنف
[ ١٢ / ١٤٤ ]
الشام بأنف الأخشم، ومن الكبير بالصغير ومن الأقنى بالأفطس، ومن الصحيحة بالخرماء إذا لم يذهب بالخرم منها شيء، فإن قطع أنفه من نصف المارن اقتص من نصف مارنه، بخلاف القاطع من نصف الذراع، لأن في الذراع عظمًا يمنع من مماثلة القصاص ومارن الأنف ليس يمكن فيه القصاص، فلو قطعه من نصف العظم صار حينئٍذ كالقاطع من نصف الذراع فيقتص له من حد العظم ويستوعب به جميع المارن، ويعطي حكومة فيما قطع من العظم، فلو أوضح عن العظم ولم يقطعه أخذ منه دية موضحة، ولو هشمه أخذ منه دية هاشمة، ولو نقله أخذ منه دية منقلة، وفي حكومة قطع أكثر من دية منقلة، وإذا قطع أحد شقي أنفه اقتص منه؛ لأن حاجز المنخرين حد ينتهي القصاص إليه، ولو قطع حاجز المنخرين اقتص منه إلي الحد الذي قطعه لإمكان الاقتصاص من جميعه، ولو ضرب أنفه فاستحشفت لم يقتص منه وكان له الدية، كما لو ضرب يده فشلت، ويحتمل أن يتخرج قيه قول آخر من استحشاف الأذن أنه له حكومة، ولو كسر أنفه مجبرة أعطى حكومة ولا قود له، فلو انجبر معوجًا كانت الحكومة أكثر منها لو انجبر مستقيمًا.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "والأذن بالأذن".
قال في الحاوي: وهذا نص الكتاب، لأن للأذن حدًا يتميز به عما سواه، فيقتص من أذن السميع بأذن الأصم، لأن محل السمع في غير الأذن، ويقتص من الكبيرة بالصغيرة، ومن الصحيحة بالمثقوبة ثقب فرط أو شنف، فأما المخرومة فإن لم يذهب بالخرم منها شيء اقتص بها من الصحيحة، فإذا أذهب الخرم شيئًا منها قيل للأخرم: إن شئت القصاص قطعنا لك من أذن الجاني إلي موضع خرمتك وأعطيناك دية ما بقي منها بعد الخرم وإن شئت أعطيناك دية الأذن، ولو قطع بعض أذنيه اقتص من أذن الجاني بقدره لإمكان الاقتصاص منه، ولو قطع أذنه فذهب منها سمعه اقتص من أذنه ولم يقتص من سمعه لتعذره، ولو ضرب أذنه فاستحشفت ويئست لم يكن فيها قصاص كاليد إذا شلت، وفيما يجب فيها قولان:
أحدهما: ديتها كشلل اليد.
والثاني: حكومة، لأن شلل اليد يذهب منافعها في القبض والبسط، وليس كذلك في استحشاف الأذن، فإن قطعت بعد استحشافها كان فيها حكومة ولا تنقص الحكومتان عن دية الأذن ويجوز أن يكونا أكثر.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "والسن بالسن كان القاطع أفضل طرفًا أو أدنى ما
[ ١٢ / ١٤٥ ]
لم يكن نقص أو شلل".
قال في الحاوي: وهذا نص الكتاب في السن لتمييزه عن غيره فيجوز القصاص فيه في الثنايا والرباعيات والأنياب والأضراس، فيقتص بها إذا أقلعت بمثلها من أسنان الجاني، فيقلع من أسنانه مثل ما قلع، فيقتص من البيضاء بالسوداء والخضراء، ومن الشاب بسن الشيخ، ومن القوية بالضعيفة، ومن الكبيرة بالصغيرة، ومن المشتدة بالمتحركة، إذا كانت منافعها باقية، ولا قود في السن الزائدة إلا أن يكون للجاني مثلها في مثل موضعها فيقتص منها، فإن كسر سنه وأمكن أن يسكر سن الجاني مثل كسره اقتص منه، وإن لم يكن فلا قصاص، وكان عليه دية السن، وهي خمس من الإبل بقسط ما كسر منها من نصف أو ثلث أو ربع ويكون بقسطه على ما جرح في اللثة وظهر منها، وإن كان لو قطعها من أصلها يجب فيها أكثر منها، كما لو قطع أصابع كفه وجب فيها ديته، ولو قطعها مع الكف لم يجب فيها أكثر منها، ولا تؤخذ ثنية برباعية ولا ناب بضرس ولا يمنى بيسرى، ولا عليا بسفلى.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "فإن كان قاطع اليد ناقصًا إصبعًا قطعت يده وأخذ منه أرش أصبع".
قال في الحاوي: اعلم أنه لا يخلو كف القاطع والمقطوع من أربعة أحوال:
أحدهما: أن تكونا كاملتي الأصابع.
والثاني: أن تكونا ناقصتي الأصابع.
والثالث: أن تكون كف المقطوع كاملة وكف القاطع ناقصة.
والرابع: أن يكون كف المقطوع ناقصة وكف القاطع كاملة، فإن استويا في الكمال والنقص جرى القصاص بينهما في الكاملة بالكاملة والناقصة بالناقصة إذا كان النقص فيهما متساويًا، وإن كانت يد المقطوع كاملة الأصابع ويد القاطع ناقصة إصبعًا فهي مسألة الكتاب، وله أن يقتص من كفه الناقصة ويأخذ منه دية الأصبع التي نقصت.
وقال أبو حنيفة: يقتص من كفه الناقصة بكفه الكاملة ولا شيء له في الإصبع الناقصة، احتجاجًا بأنه لما لم يعتبر في قود النفوس نقصان الأطراف لدخولها في النفس لم يعتبر في قصاص الأطراف ما تخللها من نقص، ولأنه لما كان أخذ الشلاء بالسليمة أذا رضي بها المقطوع لا يوجب الرجوع بنقص الشلل كذلك أخذ الناقصة بالكاملة لا يوجب الرجوع بأرش النقص، ولأن القصاص يوجب وضع السكين من القاطع في موضعهما من المقطوع وقد فعل ذلك في الكف الناقصة فصار مستوفيًا للحق.
[ ١٢ / ١٤٦ ]
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿وإنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل ١٢٦] والمثل مثلان: مثل في الخلقة، ومثل في القيمة، وليست الكف الناقصة مثلًا في الخلقة ولا مثلًا في القيمة فلم تكافيء ما فضلت عنها في الخلقة والقيمة، وإذا عدم مثل الخلقة في الناقصة أوجب العدول إلي مثلها في القيمة وهي الدية، ولأن كل عضو أخذ قودًا إذا كان موجودًا أخذت ديته إذا كان مفقودًا كما لو قطع أصابعه وكان للقاطع بعضها، ولأن المقطوع مخير بين القصاص والدية، فلما لم يؤثر نقصان كفه في نقصان الدية لم يؤثر نقصانها في نقصان القصاص.
فأما جمعه بين النفوس والأطراف فقد تقد الفرق بينهما، وأما اعتباره بالشلل فلا يصح، لأن الشلاء تامة الأصابع ناقصة المنافع، وهذه ناقصة الأصابع والمنافع فافترقا، وأما اعتباره بوضع السكين، في موضعهما من المقطوع، فإن استويا في الوضع فقد اختلفا في التمام فلم يجز أن يستوفي الناقص بالتام.
فصل:
وإن كان كف المقطوع ناقصة الأصابع وكف القاطع كاملة الأصابع لم يقتص من كفه الكاملة بكف ناقصة، ويلزم أبا حنيفة أن يقول بهذا كما قاله في نقصان كف القاطع وكمال كف المقطوع، فإن قاله فقد جرى فيهما على قياس، وإن لم يقله فقد ناقض ومذهبه في الموضعين مسمى على القياس.
فإذا كانت كف المقطوع ناقصة إصبعًا سقط القصاص في كف القاطع لزيادة أصبعه التي لا قصاص فيها ولا يمكن استيفاؤها مع قطع الكف، فوجب استيفاء الكف بها لحفظ الإصبع الزائدة، واقتص من أصابعه التي للمقطوع مثلها، واستبقى للقاطع الإصبع التي فقدت من المقطوع، وأخذ منه أرش الكف المستبقاة له، ولا يبلغ بأرشها دية إصبع، لأنها تبع للأصابع.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وإن كانت شلاء فله الخيار إن شاء اقتص بأن يأخذ أقل من حقه وإن شاء أخذ دية اليد".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا قطع الأشل اليد يدًا سليمة لم تكن الشلاء مكافئة لها لنقصها عن كمال السلامة فإن أراد المقطوع أعطي دية سليمة فإن أراد القصاص من الشلاء بيده السليمة كان له، لأن أخذ الأنقص بالأكمل يجوز، وأخذ الأكمل بالأنقص لا يجوز، فإن أراد أن يقتص من الشلاء ليأخذ من الشلاء ليأخذ مع القصاص من الكاملة ويأخذ فضل الدية لم يجز، فإن خيف على القاطع الأشل إن قطعت يده الشلاء أن لا تندمل عروق الدم بالشلل
[ ١٢ / ١٤٧ ]
الذي لا يلتحم ويتحقق تلفه لم يقتص منه، لأنه يصير اقتصاصًا من يد بنفس.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وإن كان المقطوع أشل لم يكن له القود فيأخذ أكثر وله حكومة يد شلاء".
قال في الحاوي: لا يجوز أن يقتص من اليد السليمة باليد الشلاء.
وقال داود: يقتص من السليمة بالشلاء اعتبارًا بملطق الاسم، كما يقتص من القوية الضعيفة، ومن الصحيحة بالمريضة ولأنه لما اقتص من الأذن السليمة بالأذن المستحشفة، والاستحشاف شلل، كذلك شلل اليد، وهذا خطأ، لقول الله تعالى: ﴿وجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى ٤٠] وليست الشلاء مثلًا لسليمة فلم يجز أن تؤخذ بها، ولأن البصير إذا قلع عينًا قائمة لا تبصر لم يقتص بها من عينه المبصرة مع وجود الحياة فيما قلع، فكل شلل اليد مع هذه الحياة فيها أولى ان لا يقتص منها من يد ذات حياة.
فإن قيل: لو كانت الشلاء ميتة لما حل أكلها من الحيوان المذكى؟
قيل: إنما حل أكلها لحمًا وإن كانت ميتة؛ لأنها صارت تبعًا لمذكى كالجنين إذا مات بذكاة أمه، ولأن قطع الشلاء من حي كقطعها من ميت، لأنها في الحالتين ميتة، وقطعها من الميت لا يوجب القصاص، فكذلك قطعها من الحي.
فإن قيل: قطعها من الميت لا يضمن بالأرش، وقطعها من الحي مضمون بالأرش فجاز أن تضمن بالقود وإن لم تضمن به يد الميت؟
قيل: لأن اليد تبع للجسد، وجسد الميت غير مضمون فلم تضمن يده، وجسد الأشل مضمون فضمنت يده وخلاف نفس الضعف والمرض لوجود الحياة معهما وحصول النفع بهما، فأما الأذن المستحشفة ففي الاقتصاص بها من السليمة قولان:
أحدهما: لا قصاص كاليد الشلاء.
والثاني: يقتص بها من السليمة بخلاف اليد الشلاء.
والفرق بينهما: أن منفعة الأذن حصول الجمال بها، وهذا موجود في المستحشفة كوجوده في السليمة، ومنفعة اليد قبضها وبسطها والعمل بها، وهذا مفقود في الشلاء موجود في السليمة فافترقنا.
فصل:
فأما إذا قطع الأشل يد أشلاء ففي القصاص وجهان:
أحدهما: وهو محكي عن أبي إسحاق المروزي: أنه لا قصاص بينهما، واعتل بأن
[ ١٢ / ١٤٨ ]
العلة في الأبدان تتفاوت ولا يعرف منتهاها، فصار الشللان مختلفين غير متماثلين فسقط القصاص فيه.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة وأكثر أصحابنا أن القصاص فيه واجب، لأن تفاوت الشلل يكون في نهايته ويكون في أحدهما أكثر سارية منه في الآخر، ولسنا نستوفي القصاص إلا من حد القطع فقد تساويا في نقصه فيجرب القصاص بينهما في الشلل كما يجري مع السلامة إلا أن تكون الشلاء من المقطوع يمناه ومن القاطع يسراه فلا قصاص بينهما، لأنه لا يجوز أن يقتص من يمنى بيسرى، وسواء كان الشلل حادثًا مع الولادة أو طارئًا بعدها.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وإن قطع أصبعه فتأكلت فذهبت كفه أقيد من الأصبع وأخذ أرش يده إلا أصبعا".
قال في الحاوي: وهذا كما قال اختلف الفقهاء فيمن قطع إصبع رجل فسرى القطع إلي أن تآكلت كفه ثم اندملت فذهب الشافعي إلي وجوب القصاص عليه في الإصبع دون الكف، فأوجبه في الجناية السراية.
وقال أبو حنيفة: لا قصاص عليه في الإصبع ولا في الكف، فأسقطه في الجناية والسراية.
وقال آخرون: يجب عليه القصاص في جميع الكف فأوجبوه في الجناية والسراية.
واستدل أبو حنيفة على سقوط القصاص في الجناية والسراية بناء على أصله في أن قطع اليد إذا سرى إلي النفس وجب القصاص في النفس دون اليد، فكان القصاص عنده معتبرًا بالسراية دون الجناية، وليس في السراية ها هنا قصاص فسقط في الجناية واحتج بعده بأمرين:
أحدهما: أن الجناية إذا لم تضمن سرايتها بالقود لم يضمن أصلها بالقود كالخطأ.
والثاني: أن هذه الجناية قد اجتمع فيها موجب القصاص بالمباشرة وسقط له بالسراية، وإذا اجتمع في الجناية موجب ومسقط غلب حكم الإسقاط على الإيجاب كالعامد إذا شارك خاطئًا.
والدليل على وجوب القصاص في الجناية دون السراية قول الله تعالى: ﴿والْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة ٤٥] والجرح مختص بالجناية دون السراية، ولأن كل جناية وجب القصاص فيها مع عدم السراية وجب القصاص فيها مع وجود السراية، قياسًا على قطع يد الحامل إذا سرى إلي سقاط حملها، ولأنه لا يمتنع وجوب القصاص في الجناية وإن
[ ١٢ / ١٤٩ ]
انتهت (إلى) ما لا قصاص فيه كمن رمى رجلًا بسهم فنفذ السهم إلي آخر وماتا وجب القصاص للأول دون الثاني، ولأننا نبينه على أصلنا في أنه لا يسقط القصاص في الجناية وإن اقتص في السراية، نقابل أصلهم، وقياسهم على الخطأ فاسد بسراية الجناية إلي الحمل، ثم المعنى في الخطأ سقوط القصاص مع الاندمال فسقط مع الراية ووجوب القصاص في العمد مع الاندمال فوجب مع السراية.
وأما قياسهم على شريك الخاطئ فالمعنى فيه مع فساده بالسراية إلي الحمل هو أن قتل الشريكين حادث بالسراية ولم يمتميز سراية بالعمد من سراية الخطأ' فسقط القود عنهما بسقوطه عن أحدهما، وحكم الجناية في مسألتنا متميز عن السراية فلم يكن سقوط القود في أحدهما موجبًا لسقوطه فيهما، كما لو قطع أحدهما يده عمدًا وقطع الآخر يده الأخرى خطأ لما تميز فعل أحدهما من فعل الآخر لم يكن سقوط القود عن أحدهما موجبًا لسقوط القود عن الآخر.
فصل:
واستدل من أوجب القصاص في الجناية والسراية بأمرين:
أحدهما: أنه لما وجب القصاص في السراية إذا انتهت إلي النفس كان أولى أن يجب فيها إذا كانت دون النفس.
والثاني: أنه لما وجب القصاص فيها إذا سرت إلي ذهاب البصر وجب فيها إذا سرت إلي طرف.
والدليل على سقوط القصاص في السراية وإن وجب في الجناية: أن ما أمكن مباشرة أخذه بغير سارية كان انتهاء السراية إليه غير مقصود، وما لم يقصد بالجناية جرى عليه حكم الخطأ في سقوط القود، وبهذا المعنى قد فرقنا بين السراية إلي النفس في وجوب القود لأن النفس لا تؤخذ إلا بالسراية، لأنها مغيبة تسري في جميع البدن وبين السراية إلي الطرف في سقوط القود، لأنه يمكن أن يؤخذ بالمباشرة دون السراية وكذلك السراية إلي ذهاب البصر، لأنه محسوس غير مشاخد لا يؤخذ في الأغلب إلا بالسراية.
فصل:
فإذا ثبت وجوب القصاص في الجناية دون السراية قيل للمجني عليه: أنت بالخيار في الجناية بين القصاص أو الدية، فإن عفا عن القصاص فيها إلي الدية كان له دية الكف كلها، وهي نصف الدية خمسون من الإبل، وكان دية الجناية منها، وهي دية الإصبع المقطوعة عشر من الإبل دية عمد محض تجب في مال الجاني حالة، وفي دية السراية إلي الكف، وهي أربعون من الإبل وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنها لسقوط القصاص فيها دية خطأ تجب مؤجلة على العاقلة.
[ ١٢ / ١٥٠ ]
والثاني: وهو ظاهر قول أبي علي بن أبي هريرة أنها دية عمد تجب حالة في مال الجاني، لأنها جنايةً واحدةً فلم يختلف حكم أرشها، وإن طلب المجني عليه القصاص في الجناية اقتص له من إصبع الجاني، وأخذ منه أربعة أخماس دية الكف لذهابها بالسراية عن جناية، وذلك أربعون من الإبل هي دية أربع أصابع وأصولها من الكف واختلف أصحابنا: هل يدخل فيها أرش أصل الإصبع المأخوذ قودًا أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: أنه قد دخل في حكم القصاص تبعًا لدخوله في حكم الدية تبعًا.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي أن أصول الأصابع من الكف تكون تبعًا لها في الدية ولا تكون تبعًا لها في القصاص، ألا ترى أنه لو قطع أصابعه الخمس كان عليه خمسون من الإبل ولو قطعها مع الكف وجبت عليه الخمسون من غير زيادة، فصارت الكف تبعًا للأصابع في الدية، ولو قطع أصابعه الخمس ثم سرت إلى الكف اقتص من خمس أصابعه ووجب عليه أرش الكف، ولم يكن أرش الكف تبعًا للقصاص فاقتضى هذا التعليل أن يؤخذ منه أرش ما يجب للإصبع المقتص منها من الكف مضافًا إلى دية الأصابع الأربع، وهل يكون جميعه حالا في مال الجاني أو مؤجلًا على عاقلته؟ على الوجهين الماضين.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: «ولم ينتظر به أن يراقي إلى مثل جنايته أولًا».
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا اقتص من إصبع الجاني فسرت إلى كفه كسراية جنايته من إصبع المجني عليه إلى كفه لم تكن السراية قصاصًا من السراية.
فإن قيل: فهلا كانت السراية إلى الأطراف قصاصًا كما كانت الراية إلى النفس قصاصًا؟
قيل: النفس لا تؤخذ بالمباشرة وإنما تؤخذ بالسراية، والأطراف تؤخذ بالمباشرةً دون السراية، ولذلك وجب القصاص في سراية النفس ولم تجب في سراية الأطراف.
فإن قيل: أفليس لو شجه موضحةً فسرت إلى ذهاب بصره فاقتص من موضحة الجاني فسره إلى بصره كانت السراية قصاصا، وليس ذلك سراية إلى نفس، فهلا كان في السراية إلى الطرف كذلك؟
قيل: لأن أخذ البصر يكون بالسراية كالنص، لأن ضوء البصر غير مشاهد، ولذلك وجب القصاص في السراية إلى ذهاب البصر قصاصًا بالسراية إلى ذهاب البصر قصاصا بالسراية إلى ذهاب البصر قصاصًا.
[ ١٢ / ١٥١ ]
فصل:
فإذا ثبت أن سراية القصاص إلى الكف لا تكون قصاصا من سراية الجناية إلى الكف، فإذا اقتصصنا من إصبع الجاني أخذنا الباقي من دية الكف على ما وصفنا، ولم ينتظر بإصبعه أن ينتهي في السراية إلى مثل سراية جنايته، لأنها لو انتهت إليه لم يكن قصاصا فلم يكن للانتظار وجه، وهو معنى قول الشافعي: «ولم ينتظر به أن يراقي إلى مثل جنايته أولًا، فإن سرت أكلة الكف إلى نفس المجني عليه بعد الاقتصاص من إصبع الجاني نظر فإن كانت السراية إلى نفسه بعد أخذ دية باقي كفه فلا قصاص له في النفس، لأنه قد استوفي بعض ديتها فيستوفي ما بقى من دية النفس وذلك نصف الدية، لأنه قد أخذ بالقصاص والأرش نصفها الآخر، وإن كانت السراية قبل أخذ الباقي من دية كفه ففي وجوب القصاص في النفس وجهان بناء على اختلاف أصحابنا في دية السراية إلى الكف هل يكون دية عمد أو خطأ؟
أحد الوجهين: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنها دية خطأ، فعلى هذا لا قود في السراية إلى النفس، ويعدل إلى استكمال الدية ليأخذ تسعين من الإبل لاقتصاصه من إصبع ديتها عشر من الإبل، وعلى هذا لو سرى القصاص من الجاني إلى نفسه لم تسقط عنه الدية.
والوجه الثاني: وهو مقتضى قول أبي علي بن أبي هريرة، وقول أبو حامد الإسفراييني إنها دية عمد، فعلى هذا يستحق القصاص في النفس إلا أن يعفو إلى الدية فيعطاها إلا دية إصبع، وعلى هذا لو سرى القصاص من إصبع الجاني إلى نفسه كانت سرايته قصاصًا، لأن سراية جنايته موجبة للقصاص والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: «ولو سأل القود ساعة قطع إصبعه أقدته فإن ذهبت كف المجني عليه جعلت على الجاني أربعة أخماس ديتها»
قال في الحاوي: وهذا كما قال، يجوز القصاص في الأطراف قبل اندمالها.
وقال أبو حنيفة، ومالك والمزني: لا يجوز أن يقتص من طرف أو جرح حتى يندمل أو يسري إلى النفس، وبناه أبو حنيفة على أصله الذي تقدم فيه الكلام معه من أن سرايته إلى ما دون النفس موجية لسقوط القود فيه، احتجاجًا برواية ابن جريج عن ابن الزبير عن جابر أن رجلًا جرح فأراد أن يستفيد فنهى رسول الله - ﷺ - أن يستفاد من الجارح حتى يبرأ المجروح.
وروى يزيد بن عياض عن أبي الزبير عن جابر أن النبي - ﷺ - قال: «يتسانا
[ ١٢ / ١٥٢ ]
بالجراحات سنة»، ولان القود أحد البدلين فلم يجز استيفاؤه قبل استقرار الجناية كالدية؛ ولأن القود من الطرف قبل استقرار الجناية قد يجوز أن يسري إلى نفس الجاني قبل سرايته إلى نفي المجني عليه، فإن جعلتموه قصاصًا في النفس كان سالفًا قي قتل قبل استحقاقه وذلك غير جائز قصاصًا إن أخذتم الدية كنتم قد جمعتم بين القصاص والدية وذلك غير جائز.
ودليلنا رواية أيوب عن عمرو بن دينار عن جابر أن رجلًا طعن رجلًا بقرن في ركبته فأتى النبي - ﷺ - ليستفيد فقيل له: حتى تبرأ، فأبى وعجل، فا ستفاد فعرجت رجله وبرئت رجل المستفاد منه، فأتي النبي - ﷺ - فقال: «ليس لك شيء أنت أبيت» فدل هذا الحديث على ثلاثة أشياء:
أحدها: جواز تعجيل القود قبل الاندمال.
والثاني: أن تأخيره إلى وقت الاندمال استحباب.
والثالث: جواز القود من الجناية بغير الحديد، لأن الجناية كانت بقرن، وهذا الحديث ذكره الدارقطني في سننه، ولأن القود واجب بالجنايةً والاندمال عافيةً من الله تعالى لا توجب سقوط القود، وسرايتها لا تمنع من استيفائه، فوجب أن يكون استقرار الجناية على أحد الحالين غير مالح من تعجيل القود، ولأن ما استحق فيه القود لم يلزم تأخيره كالمندمل.
فأما استدلالهم بالخبر الأول فمحمول على الاستحباب بدليل خبرنا.
وأما الخبر الثاني فمتروك من وجهين:
أحدهما: ضعف راويه، قال لدارقطني: يزيد بن عياض ضعيف متروك.
والثاني: أن تقدير تأخيره بالسنة لا يلزم بالإجماع.
وأما الجواب عن قياسهم على الديةً فهو أن للشافعي في أخذ دية الطرف قبل اندماله قولان:
أحدهما: قاله في كتاب «المكاتب»: لو جني السيد على عبده المكاتب فقطع يده كان له أن يعجل أرش يده قصاصًا من كتابته، فخرجه أصحابنا قولا في جواز تعجل الأرش قبل الاندمال، فعلى هذا إن كان أرش الجناية أقل من دية النفس أخذ جميعها، وإن كان أكثر من دية النفس كقطع يديه ورجليه، فقد اختلف أصحابنا في أخذ ما زاد على دية النفس على وجهين حكاهما أبو حامد الإسفراييني:
أحدهما: يؤخذ منه ديات الأطراف وإن كانت أربعًا فوق دية النفس اعتبارًا بحال الجناية كالقود.
[ ١٢ / ١٥٣ ]
والثاني: حكاه عن أبي إسحاق المروزي أنه لا يؤخذ منه أكثر من دية النفس لجواز السراية إليها فلا يجب أكثر منها فلا يؤخذ ما يجوز أن يسترجع، فعلى هذا القول قد بطل أصل القياس للتسوية بين الدية والقود في استيفائهما قبل الاندمال.
والقول الثاني: وهو الصحيح المنصوص عليه في جميع كتبه والمعمول عليه عند سائر أصحابنا أنه لا يجوز أخذ الدية قبل الاندمال وإن كان القود قبله.
والفرق بينهما: أن القول لا يسقط بما حدث بعد ألجناية من اندمال أو سراية، فجاز أن يستوفي قبل استقرارها، ودية الطرف لا تستقر إلا بعد الاندمال، لأنه إن قطع إصبعًا أرشها عشر الدية فقد يجوز أن يشاركه في قتل المجني عليه مائة نفس، فلا يلزم كل واحد من الجماعة من الدية إلا عشر عشرها فيحتاج إلى أن يرد على قاطع الإصبع الزيادة عليه فافترقا.
فإن قيل: فقد يجوز أن يحدث في القود مثله، لأنه قد يجوز أن يشركه قبل اندمال الإصبع خاطئ فتسري الجنايتان إلى نفسه فيسقط القول على العامد.
قيل: إنما يسقط القول عن العامد في النفس إذا شاركه خاطئ بخروج النفس بعمده وخطئه، فأما الطرف الذي تفرد العاهد بأخذه فلا يسقط القول فيه بمشاركة خاطئ له في النفس، وصار القود في الطرف محتوم الاستحقاق.
وأما الجواب عن قولهم: وإن هذا يفضي عند السرايتين إلى السلف في القصاص فهو أن تقول: لا تخلو السرايتان بعد الجناية والقصاص من أن تقدم سراية الجناية أو سراية القصاص، فإن تقدمت سراية الجناية على سراية القصاص فقد استوفي بسراية القصاص ما وجب في سراية الجناية من القصاص، وإن تقدت سراية القصاص على سرأية الجناية، ففيه وجهان:
أحدهما: وهو محكي عن أبي إسحاق المروزي أنها تكون قصاصًا وإن تقدمت على سراية الجناية، فلا يكون ذلك سلفًا لحدوثها عن قصاص قد استوفي بعد استحقاقه، والسلف أن يقول: اقطع يدي ليكون قصاصًا من سراية الجناية لتقدمها عليه.
والثاني: وهو قول أبي علي بن خيران أنها لا تكون قصاصًا، لتقدمها على سراية الجناية وتميز الطرفين عن السرايتين، فعلى هذا يصير المجني عليه مستحقًا لدية النفس لفوات القصاص فيها بالسراية اليها وهي غير مضمونةً لحدوثها عن مباح، وقد استوفي المجني عليه من دية النفس عشرها وهي دية الإصبع المقتص منها، فيرجع في مال الجاني بتسعة أعشار الدية، وقد استوفينا هذين الجوابين لما تعلق بهما من شرح المذهب.
مسألة:
قال الشافعي - ﵁ -: «ولو كان مات منها قتلته به لأن الجاني ضامن لما
[ ١٢ / ١٥٤ ]
حدث من جنايته والمستفاد منه غير مضمون له ما حدث من القود بسبب الحق».
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن سراية الجناية مضمونةً على الجاني، وسراية القصاص غير مضمونة على المقتص له، لحدوث سراية الجناية عن محظور وحدوث سراية القصاص عن مباح، وإن سوى أبو حنيفة بين ضمان السرايتين، فعلى هذا صورة مسألتنا أن يقطع إصبعه فيقتص من إصبعه، ثم تسري الجناية إلى نفس المجني عليه، فيجب أن يقتص له من نفس الجاني، ولو كان المجني عليه قد أخذ دية إصبعه ثم مات من سرايتها لم يقتص له من نفس الجاني، لأن أخذه لدية إصبعه عفو عن القصاص فيها، وسراية ما لا قصاص فيه غير موجبةً للقصاص، وله أن يرجع بتسعة أعشار الدية، لأنه قد أخذ في دية الإصبع عشرها، فصار مستوفيًا لجميع الدية.
مسألة:
قال المزني ﵁: " وَسَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ ﵀ يَقُولُ لَوْ شَجَّهُ مُوضِحَةً فَذَهَبَتْ مِنْهَا عَيْنَاهُ وَشَعْرُهُ فَلَمْ يَنْبُتْ ثم برئ أقص مِنَ المُوضِحَةِ فَإِنْ ذَهَبَتْ عَيْنَاهُ وَلَمْ يَنْبُتْ شَعْرُهُ فَقَدِ اسْتَوْفي حَقَّهُ وَإِنْ لَمْ تَذْهَبْ عَيْنَاهُ وَنَبَتَ شَعْرُهُ زِدْنَا عَلَيْهِ الدِّيَةَ وَفِي الشعر حكومة ".
قال في الحاوي: اعلم أن سراية الجناية تنقم ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تسري إلى النفس، فيجب القصاص له في السراية كوجوبه في الجناية، لأن النفس تؤخذ تارة بالتوجئة وتارة بالسراية، فوجب القصاص في الحالين وليست النفس عينًا ترى فتنفرد بالأخذ، فلو سرى قصاص الجناية إلى النفس كان وفاء لحق المجني عليه.
والثاني: أن تسري الجناية إلى عضو في الجسد كسراية قطع الإصبع إلى الكف وسراية قطع الكف إلى المرفق، فالقصاص في الجناية دون السراية، ويؤخذ أرش السراية مع القصاص في الجناية على ما مضى، فلو سرى قصاص الجناية مثل سراية الجناية لم يسقط به أرش سراية الجناية، لما ذكرناه من حدوث سراية الجناية غير مضمون فصار مضمونًا، وحدوث سراية القصاص عن غير مضمون فلم يصر مضمونًا.
والثالث: أن تسري الجناية إلى ذهاب ضوء العين كالموضحة في الرأس إذا ذهب بها ضوء العين، فالذي نقله المزني عن الشافعي نصًا في هذا الموضع أن القصاص في السراية إليه واجب؛ لأن ضوء العين ليس بشخص يرى فيؤخذ بقلع العين تارةً وبالسرايةً أخرى فأشبه النفس، فاقتضى أن يجب القصاص في السراية إليه كما يجب في السراية إلى النفس، فيصير هذا ملحقًا بالقسم الأول.
[ ١٢ / ١٥٥ ]
وقال أبو حنيفة: لا قصاص في الموضحة ولا في السرايةً كما لا يجب في الإصبع ولا في السراية إلى الكف.
وقال أبو يوسف: يجب القصاص في الموضحة وفي السرايةً إلى ضوء العين وإن لم يجب في الأصبع والسراية إلى الكف، وخرج أبو إسحاق المروزي قولًا ثانيًا لم يساعده عليه غيره أن السرايةً إلى ضوء العين لا توجب القصاص كما لا توجبه السرايةً إلى أعضاء الجسد لأنهما سرايتان إلى ما لا دون النفس وجعل ذلك ملحقًا بالقسم الثاني، فأما السرايةً إلى ذهاب الشعر فلا توجب القصاص، لأن الشعر عين ترى يمكن أن يقصد بالأخذ فصار كسائر الأعضاء.
فصل:
فإذا تقرر ما ذكرناه من هذه المقدمة فصورة مسألتنا في رجل شبح رجلًا موضحة فذهب منها ضوء عينيه وشعر رأسه، فعلى منصوص الشافعي في وجوب القصاص في السرايةً إلى ضوء العين، يقتص من موضحة الجاني، فإن ذهب منها ضوء عينيه وشعر رأسه فقد استوفي المجني عليه حقه، وإن لم يذهب منها ضوء عينيه ولا شعر رأسه أخذ منها حكومة في الشعر الزائد على موضع الموضحةً، لأن الشعر الذي في موضع الموضحة قد دخل في القصاص منها أو في أرش ديتها، ولا يعالج شعره حتى يذهب ولا يعود نباته؛ لأنه قصاص في السرايةً إلى الشعر، وقد كان القياس يقتضى أن يؤخذ من الجاني حكومةً وإن لم ينبت شعر، غير أن الشافعي جعله تبعًا لخفة حكمه من أحكام الأعضاء، فأما ضوء العين إذا لم يذهب بسراية القصاص فإن أمكن يعالج العين بما يذهب ضوءها من غير جنايةً على الحدقة مثل الكافور أو ميل يحمى بالنار ويقرب إلى العين من غير أن يذوب به شحمها اقتص منه بذلك، وإن لم يكن إلا بقلع الحدقة لم يجز قطعها لأحد أمرين:
أحدهما: أن الحدقة عضو لم يجن عليه فلم يقتص منه.
والثاني: أنه لا يجوز أن توضع حديدة القصاص في غير محلها من الجناية.
فإن قيل: أفليس لو سرت إلى نفسه ولم يسر القصاص إلى نفس الجاني. قيل: ووضع حديد القصاص في غير موضعه من الجناية؟
قيل: لأن القصاص في النفس يستهلك به جميع الجسد وفيما دون النفس لا يستهلك به إلا عضو الجناية وحده فافترقا، وإذا تعذر القصاص في ضوء العين أخذ منه ديتها مع حكومة الشعر بعد الاقتصاص من الموضحة، ولو لم يقتص منها يضم إلى ذلك دية الموضحة.
فأما على القول الثاني خرجه المروزي، أنه لا قصاص في ذهاب ضوء العين بالسرايةً فيقتص من الموضحة، ويؤخذ من الجاني دية في ذهاب في ضوء العين، وحكومةً في ذهاب الشعر، سواء سرى قصاص الموضحةً إلى ذهاب ضوء عين الجاني وذهاب
[ ١٢ / ١٥٦ ]
شعره أم لا، كما قلنا في السرايةً إلى الكف بقطع الإصبع لما لم يجب فيه القصاص لم تكن سراية القصاص إلى الكف مسقطًا لما وجب من أرش الكف، فأما المزني فإنه جمع بين السرايةً في النفس في وجوب القصاص فيهما وهو الأصح.
فأما إن لطمه فأذهب ضوء عينه فإن كانت اللطمةً يذهب بمثلها ضوء العين في الغالب وجب القصاص فيها بلطمةً يقصد بها ذهاب ضوء العين، ولا يقصد بها القصاص في اللطمةً فإن ذهب بها ضوء العين فقد استوفي القصاص منها، وإن لم يذهب منها ضوء العين وأمكن أن يؤخذ ضوؤها مع بقاء الحدقةً بغير حديد فعل، وإن لم يمكن أخذت منه دية العين، ولا أرش عليه في اللطمةً لاستيفاء ما حدث عنها، وإن كانت اللطمةً لا يذهب في الأغلب منها ضوء العين ويجوز أن يذهب فلا قصاص فيها؛ لأنها عمد الخطأ وتؤخذ منه دية العين، ولا يعزر في اللطمةً؛ لأنه قد استوفي منه حقها، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي ﵀: "ولا أبلغ بشعر رأسه ولا بشعر لحيته دية قال المزني ﵀: هذا أشبه بقوله عندي قياسا على قوله إذا قطع يده فمات عنها أنه يقطع فإن مات منها فقد استوفي حقه فكذلك إذا شجه مقتصا فذهبت منها عيناه وشعره فقد أخذ حقه غير أني أقول إن لم ينبت شعره فعليه حكومة الشعر ما خلا موضع الموضحة فإنه داخل في الموضحة فلا نغرمه مرتين".
قال في الحاوي: لا خلاف أن الشعر إذا عاد نباته فلا دية فيه، فأما الحكومة فمعتبرة بحال الشعر، فإن كان مما لا شين في أخذه كشعر الرأس والجسد والشارب فلا يجب في أخذه حكومة، وإن كان مما يشين أخذه كاللحية والحاجبين وأهداب العينين فلا يخلو حال نباته من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يعود مثل ما كان، فلا حكومة فيه ويعزر جانبه.
والثاني: أن يعود أخف مما كان وأقل فعليه حكومة ما نقص منه، سواء عاد أقبح مما كان أو أجمل، لأنه قد زال من جسده ما لم يعد.
والثالث: أن يعود أكثف مما كان وأكثر فإن لم يكن في الزيادة قبح فلا شيء عليه ويعزر، وإن كان في الزيادة قباحةً وشين فعليه حكومة ما نقص بالقباحةً والشين، وذهب بعض أصحابنا إلى أن نبات الشعر بعد ذهابه لا يسقط ما وجب فيه من حكومة أخذه، وقد روى محمد بن مسلم الطائفي عن إبراهيم بن ميسرة أن النبي - ﷺ - قال: «من مثل بالشعر فليس له خلاق عند الله يوم القيامة» وفيه ثلاثة أوجه:
[ ١٢ / ١٥٧ ]
أحدها: أن مثلة الشعر تغييره بالسواد.
والثاني: أنه نتفه.
والثالث: أنه حلقه في الخدود وغيرها.
فصل:
فأما إن قني شعره قلعا لم يعد نباته، فإن أمكن فيه القصاص حتى يذهب فلا يعود نباته اقتص منه مع التماثل والمكنة، وإن تعذر القصاص منه إلا أن يعود نباته فعليه في جميعه حكومة، ولا تبلغ حكومته دية، وأوجب أبو حنيفة الدية في الشعر في أربعة مواضع؛ في شعر الرأس، واللحية، والحاجبين وأهداب العينين، فجعل في كل واحد منها الدية إلا في العبد فإنه أوجب في شعره ما نقص من قيمته، احتجاجًا بما روي أن رجلًا أفرغ قدرًا يغلي على رأس رجل فتمعط منها شعره فأتى عليًا - ﵇ - فقال له: اصبر سنة فصبر فلم ينبت فقضى علي له بالدية، ولم يظهر له في الصحابة مخالف فكان إجماعًا.
قال: ولأن الدية تجب بإتلاف ما فيه منفعة كاليدين والرجلين، وبإتلاف ما فيه جمال كالأنف والآذنين، وفي هذا الشعر جمال، وإن لم يكن فيه منفعة، فاقتضى أن يجب فيه الدية كالأنف والأذنين.
قال: ولأن كل ما فرق بين الرجل والمرأةً وجبت فيه الدية كالذكر والأنثى.
ودليلنا: هو أن الدية لا تجب إلا توفيقًا كديات الشجاج والأطراف، وليس في الشعر توقف فلم يجب فيه دية، ولأن الدية تجب فيما يؤلم وليس في أخذ الشعر ألم، وما اختص بالجمال دون الألم لم تكمل فيه الدية كاليد الخلاء، ولأنه شعر لا يجب في العبد منه مقدر فلم يجب في الحر منه مقدر كشفر الجسد، ولأن من لا يجب في شعر جسده مقدر لم يجب في شعر وجهه مقدر كالعبد، ولأن ما جرت العادة بإزالته عند تجاوزه حده لم تجب الدية في إزالة أصله كالأظفار، ثم في الأظفار مع الجمال نفع ليس في الشعر، لأن الأنامل لا يتصرف إلا بها فنقص حكم الشعر عنها.
فأما احتجاجهم بقضاء على رضوا ن الله عليه فقد خالفه فيه أبو بكر ﵁ فقضى فيه بعشر من الإبل، فقد خالفه فيه أبو بكر ﵁ فقضى فيه بعشر من الإبل، وخالفها فيه زيد فقضى فيه بثلث الدية، وليس مع الخلاف إجماع، وقيامه على الذكر لاختصاص الرجال به فيفسد بشعر الشارب يختص به الرجال ولا يجب فيه الدية.
ثم المعنى في الذكر أن فيه منفعة وإنما يخاف منه للسرايةً إلى النفس، فخالف الشعر، وما ذكره من القياس على الأنف والأذين فلا توية بيها وبين الثم لأمرين:
أحدهما: أن في الأنف والأذنين منفعة ليست في الشعر، لأن الأنف يحفظ النفس والشم، والأذن يحفظ السمع ويدفع الأذى.
[ ١٢ / ١٥٨ ]
والثاني: أن في قطعهما ألمًا ربما أفضى إلى النفس بخلاف الشعر الذي لا يؤلم ولا يخاف منه التلف.
مسألة:
قال الشافعي ﵀: «ولو أصابته من جرح يده أكلة فقطعت الكف لئلا تمشي الأكلة في جسده لم يضمن الجاني من قطع الكف شيئا فإن مات من ذلك فنصف الدية على الجاني ويسقط نصفها لأنه جني على نفسه».
قال في الحاوي: وصورتها: في رجل قطع إصبع رجل فتآكلت، وخاف المجني عليه سرايتها إلى نفسه فقطع كفه ليقطع سرايتها، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يندمل بقطع كفه فيجب على الجاني القصاص في الإصبع التي قطعها، وعليه الأرش فيما سرت إليه الجناية من كف المجني عليه كأنها سرت إلى إصبع ثانية، فيلزمه ديتها لذهابها بسراية جنايته، ولا قود عليه فيها، ويكون الباقي الكف التي قطعها صاحبها هدرًا لا يضمنها الجاني فإن قيل: إنما قطعها من الخوف الحادث عن جنايته فهلا كانت من ضمانه كالسراية.
قيل: تلف السراية حادث عن فعله فضمنه، وتلف الخوف حادث عن فعل غيره فلم يضمنه.
والثاني: أن يسري قطع الكف إلى نفسه فيموت، فيكون الموت حادثًا من سرايتين. قطع الجناية، وقطع الاستصلاح، فيصير الجاني أحد القاتلين، وعند أبي حنيفة يكون الثاني قاتلًا دون الأول، لأنه قطع محل الجناية فأزال سرايتها، وهذا فاسد بما قدمناه من الدلالة عليه، فإن الموت كان بسراية الألمين، فلذلك صار الأول أحد القاتلين، وإذا كان كذلك ففي قطع الجاني نصف الدية، فأما القود في النفس فقد صار مشاركًا في النفس لمن لم يلزمه ضمانها فاختلف أصحابنا في وجوب القول عليه، فكان أبو علي بن أبي هريرة يخرجه على قولين من شريك السبع ومن جارح نفسه بعد الجناية عليه:
أحدهما: عليه القول في النفس.
والثاني: لا قود عليه، وقد مضى توجيه القولين من قبل.
وقال أبو إسحاق المروزي: لا قود عليه قولًا واحدًا وإن كان شريك السح وشريك المجني عليه قولين وفرق بينهما بأن النفس في شركة السع والمجني عليه خرجت عن قصد التلف فصار جميعها عمدًا محضًا فجاز أن يجب فيها القول، وفي هذا الموضع خرجت عن قصد الاستصلاح دون التلف، فإذا أفضى إلى التلف صار عمد الخطأ ولا قود على شريك الخاطئ وكذلك ها هنا.
[ ١٢ / ١٥٩ ]
فصل:
فأما إذا قطع الجاني قطعة لحم من بدن المجني عليه فخاف المجني عليه سرايتها فقطع ما يليها فمات فينظر، فإن قطع المجني عليه ميتًا فلا تأثير للقطعة، لأن قطع الميت لا سرايةً له، والجاني هو القاتل وحده، والقول عليه في النفس واجب، فإن عفا عنه فجميع الدية، وإن قطع لحمًا حيًا فالموت من سرايتها والجاني أحد القاتلين بوفاق أبي حنيفةً؛ لأن محل الجناية عنده إذا كان باقيًا حدثت السراية عنهما، وإن أزاله الثاني كانت السراية عن الثاني، وعندنا أنه لا فرق بين بقاء محل الجناية وزواله في حدوث السراية عنهما، ويكون القول ها هنا على الجاني محمولًا على ما قدمناه من اختلاف أصحابنا، فيكون على قول ابن أبي هريرة على قولين، وعند أبي إسحاق المروري: لا قود عليه قولًا واحدًا، وعليه نصف الدية، وهكذا لو أن المجروح خاط جرحه فمات، فإن خاطه في لحم ميت فالجارح هو القاتل وعليه القول في النفس أو جميع الدية، وإن خاطه في لحم حي كان الجارح أحد القاتلين وكان وجوب القود على ما ذكرناه من اختلاف أصحابنا في القولين.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: «ولو كان في يد المقطوع إصبعان شلاوان القصاص في اليد لم تقطع يد الجاني ولو رضي فإن سأل المقطوع أن يقطع له إصبع القاطع الثالث ويؤخذ له أرش الإصبعين والحكومة في الكف كان ذلك له ولا أبلغ بحكومة كفه دية إصبع لأنها تبع للأصابع وكلها مستوية ولا يكون أرشها كواحدة منها «.
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن السليمة لا تقاد بالشلاء، ويجوز أن تقاد الشلاء بالسليمة، فإذا قطع كفًا فيها إصبعان شلاوان فلا تخلو كف القاطع من أن تكون سليمة أو فيها شلل فإن كانت سليمةً فلا قصاص عليه في كفه وإن بذلها، لأن سلامة ما قابل الأشل يوجب سقوط القصاص عنه، ومن سقط القصاص عنه لم يقتص منه وإن رضي لأمرين:
أحدهما: أنه لما كان سقوط القود عن الأب بالابن وعن الحر بالعبد يمنع من القود مع رضا الأب والحر كذلك يمنع منه مع رضا السليم بالأشل.
والثاني: أن سقوط القود في السليم عن الجاني قد أوجب المال أرشًا في الأشل من المجني عليه فصار كالدين المستحق، ولو بذل من عليه الدين أن يؤخذ به شيء من أعضائه لم يجز، كذلك هنا وإذا سقط القصاص من الملجم المقال للأشل لم يسقط من السليم المقابل للسليم فيقال للمجني عليه: أنت بالخيار بين القصاص أو الدية، فإن طلب الدية وعفا عن القصاص أعطي ديةً ثلاثةً أصابع ثلاثين بعيرًا يدخل فيها حكومة ما تحتها
[ ١٢ / ١٦٠ ]
من الكف، وأعطي حكومة إصبعين شلاوين لا يبلغ بهادية إصبعين سليمتين، ويدخل في حكومتهما حكومة ما تحتهما من الكف لأن أراد القصاص اقتص من ثلاثة أصابع من كف الجاني المماثلة للسليمة من كف المجني عليه، وأخذ منه حكومة في الإصبعين الشلاوين يدخل فيهما حكومة ما تحتهما من الكف، وهل يدخل في القصاص في الأصابع الثالث حكومة ما تحتهما من الكف؟ على وجهين ذكرناهما من قبل:
أحدهما: تدخل حكومتهما في القصاص كما تدخل حكومتها في الدية.
والثاني: وهو منصوص الشافعي لا تدخل حكومتهما في القصاص، لبقائها، بعد استيفائه، ولا يبلغ بحكومة الكف دية إصبع؛ لأنها تع للأصابع فلم يبلغ بالتابع حكم المتبوع، وإذا كان هذا في جميع الكف فالمستحق ها هنا حكومة ثلاثة أخماس الكف، لأن حكومة خمسها قد دخل في حكومة الإصبعين الشلاوين إذا كان قد أدخله في اعتبار حكومتهما فلا تبلغ بحكومة ثلاثة أخماس دية إصبع وثلاثة أخماس ديتها ست من الإبل فينقص منها شيء وإن قل.
فصل:
وإن كان في كف الجاني شلل فعل ضربين:
أحدهما: أن يتساوى الشلللان من كف الجاني وكف المجني عليه، فيكون الشلل من أصابع الجاني والمجني عليه في الخنصر والبنصر والباقي منها سليم فيقتص من كف الجاني لتكافئهما في الأشل والسليم.
والثاني: أن يختلف الشللان فيكون الآشل من المجني عليه الخصر والبنصر ومن الجاني الإبهام والسبابة، فإن رضي المجني عليه أن يأخذ الأشل بالسليم اقتص له من أصابع الجاني الثلاثة وهي الوسطى سليمة بسليمة والسبابة والإبهام شلاوان بسليمتين، وأعطي حكومة في إصبعيه الشلاوين لأن لم يرض أخذ الأشل بالسليم اقتص له من إصبع واحدةً وهي الوسطى، لسلامتهما منهما معًا، وأعطي ديتي إصبعين عشرين بعيرًا في السبابة والإبهام، لسلامتهما من المجني عليه وشللهما في الجاني، وأعطي حكومة إصبعين شلاوين لقصهما من المجني عليه وسلامتهما من الجاني، ويدخل في دية السليمتين ما تحتهما من الكف، وفي حكومة الشلاوين ما تحتهما من الكف في سقوط حكومة ما تحت المقتص منها وجهان على ما مضى
مسألة:
قال الشافعي ﵁: «ولو كان القاطع مقطوع الأصبعين قطعت له كفه وأخذت للمقطوعة يده أرش (أصبعين) تامتين».
[ ١٢ / ١٦١ ]
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا قطع كفًا كاملة الأصابع وكف القاطع ناقصة إصبعين كان للمقطوع الخيار في الدية والقصاص، فإن اختار الدية أعطي دية يد كاملة لكمالها من المقطوع، وإن نقصت من القاطع ووفقنا أبو حنيفة على أن ديتها لا تقف على مراضاة القاطع وهو أصل معه فيما خالفنا عليه من دية النفس، فإن اختار القود من كف القاطع أقيد منها وهي أنقص من حقه؛ فيقاد من الناقص بالكامل، ويعطى بعد القصاص دية أصبعين لوجودهما في كف المقطوع ونقصانهما من كف القاطع.
وقال أبو حنيفة: لا شيء له بعد القصاص، وقد تقدم الكلام معه، واعتبر فقد الإصبعين بشللهما ولا يلزم بعد الاقتصاص نقص شللهما كذلك لا يلزم بعد، دية فقدهما، وهذا فساد بما قدمناه من الغرق بين شللهما وفقدهما بكمال العدد مع الشلل ونقصانه مع الفقد.
فصل:
قال الشافعي ﵁: «ولو كان للقاطع ست أصابع لم يقطع لزيادة الإصبع».
قال في الحاوي: لأن القصاص أن يؤخذ من الجاني مثل ما أخذ من غير زيادة فإذا كان للقاطع ست أصابع وللمقطوع خمس لم يجز أن تؤخذ ست بخمس فإن قيل: إذا جاز إذا اشترك رجلان في قطع يد أن يقطعوا بيدهن يد فهلا جاز أن يأخذوا ست أصابع بخمس؟
قلنا: لأن يد كل واحد منهما مماثلة ليد المقطوع فقطعناها وليست يده مماثلةً لليد الزائدة فلم يقطعها، وإذا كان كذلك نظر في السادسة الزائدة، فإن كانت تحت الكف في طرف الذراع وأصل الزند اقتص من كف القاطع، لبقاء الزائدة بعد أخد الكف، وإن كانت الزائدةً في الكف مع أصابعها لم يخل حالها من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تكون ثابتة في الكف، فيقتص من أصابع القاطع الخمس وتستبقي الزائدة على كفه، وهل تؤخذ منه حكومة كفه المستبقاة؟ فعلى وجهين:
أحدها: وهو منصوص الشافعي: يؤخذ حكومة كفه لبقائها بعد استحقاق القود لها، ولا سلخ بها دية إصبع، لأنها تبع للأصابع.
والثاني: لا تؤخذ منه حكومة كفه يتكون تبعا للاقتصاص من أصابعه كما تكون تبعًا لها لو أخذت ديتها.
والقسم الثاني: أن تكون الإصبع الزائدة ملتصقةً بإحدى أصابعه الخمس فيسقط القصاص في الإصبع الزائدة مع الملتصقة بها، ولا يقتص منها لدخول الضرر على
[ ١٢ / ١٦٢ ]
الزائدةً، ويقتص من أربع أصابع القاطع، وتؤخذ منه دية إصبع وهي المستبقاة له مع الزائدة وتدخل حكومة ما تحتها من الكف في ديتها، وفي دخول حكومة باقي كفه في الاقتصاص من أصابعه ما ذكرناه من الوجهين: والقسم الثالث: أن تكون الإصبع الزائدة ثابتة على إحدى أنامل إصبع فيقتص من أصابع القاطع الأربع، فأما الإصبع التي تثبت الزائدةً في أناملها فلا يخلو حال الزائدة عليها من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تكون ثابتة منها في الأنملة العليا، فلا قصاص عليه في شيء منها، وتؤخذ منه دية الإصبع، ولو بذلها قصاصا لم يجز أن يقتص منها.
والثاني: أن تكون الزائدة ثابتة على الأنملة الوسطى، فيقتص من أنملته العليا، ويؤخذ منه دية ثلثي إصبع ستة أبعرة وثلثين لبقاء الأنملة الوسطى والأنملة السفلى.
والثالث: أن تكون الزائدة ثابتة في الأنملة السفلى، فيقتص من أنملته العليا والوسطى، ويؤخذ منه ثلث دية إصبع، لبقاء الأنملة السفلى، وهو ثلاثة أبعرة وثلث.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: «ولو كان الذي له خمس أصابع هو القاطع كان للمقطوع قطع يده وحكومة الإصبع الزائدة ولا أبلغ بها أرش إصبع».
قال في الحاوي: إذا كانت الإصبع الزائدة في كف المقطوع دون القاطع اقتصصنا من كف القاطع وأخذنا منه حكومة الإصبع الزائدة، ولا تبلغ بها دية إصبع من أصل الخلقة، فلو قطع الإصبع الزائدة وحدها فلا قصاص فيها لعدم مثلها في أصابع القاطع، وتؤخذ حكومتها، فإن بقي لها بعد اندمالها شين وكانت كفه بعد أخذها أجمل منها مع بقائها ففيه وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج لا شيء فيها، ويعزر الجاني عنهما، لأن الحكومة أرش للنقص ولم يحدث من جنايته نقص، وإنما يعزر للألم، ويكون بمثابة من قطع سلعة يضمن إن أفضت إلى التلف، ولا يضمن إن برأت.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي، والساجي: عليه حكومة، لأنه قد أراق دما بجناية، واختلفا في اعتبار حكومتها، فقال أبو إسحاق المروزي: اعتبر حكومتها والدم جار.
وقال الساجي: اعتبر حكومتها في أول أحوال اندمالها، لأنه أقرب إلى الاندمال المعتبر في غيرها.
[ ١٢ / ١٦٣ ]
فصل:
ولو كانت الإصبع الزائدة في كف القاطع والمقطوع معا فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يتماثل محل الزائدة من كفيهما فتكون مع الخنصرين أو مع الإبهامين فيقتص من كف القاطع بكف المقطوع ويستوفي القصاص في الأصل والزيادة.
والثاني: أن يختلف محل الزائدة من كفيهما فتكون الزائدة من القاطع مع خنصره والزائدة من المقطوع مع إبهامه، فلا قصاص في الزائدة لاختلافهما باختلاف محلهما، ويقتص من أصابعه الخمس، ويؤخذ منه حكومة الأصبع الزائدة.
فصل:
وإذا كان لرجل أربع أصابع من أصل الخلقةً وإصبع زائدةً في محل الخامسة الناقصة، والعلم بزيادتها وإن كانت في محل الخامسةً الناقصةً يكون إما بضعفها وقلة حركتها، وإما بدقها وصغرها، وإما بغلظها وطولها، وإما بسلبها عن استواء الأصابع، فإن قطع هذا الكف رجل سليم الكف لم يقتص من كفه، لأن فيها إصبعا من أصل الخلقة قد قابلتها إصبع زائدةً الخلقةً فلم يجز أن يأخذ الكاملة بالناقصة كما لا يأخذ السليمة بالشلاء، فإن أراد الدية أعطي دية أربع أصابع أربعين من الإبل وأعطي حكومةً في الزائدة، ويدخل في ذلك حكومةً الكف، فإن أراد القصاص اقتص من أربع أصابع القاطع وأخذت منه حكومة في الإصبع الزائدة، ولو قطع كفا كاملة الأصابع وله كف قد نقصت إصبعا وزاد في محلها إصبع، فإن رضي المقطوع أن يأخذ الزائدة بالكاملةً اقتص له من كف القاطع ولا شيء له في نقص الزائدة كما لو اقتص من شلاء بسليمةً، وإن لم يرض يأخذها بدلا من إصبعه اقتص له من أربع أصابع القاطع، وأخذ منه دية إصبع عشرا من الإبل، ولو كانت الزائدة في غير محل الناقصة لم يجز أن يقتص منها بالكاملة وإن تراضيا لسقوط القصاص فيها باختلاف المحل، ولو كانت كف كل واحد من القاطع والمقطوع ناقصةً إصبعًا وزائدةً إصبعًا فإن تساويا في الناقصةً والزائدةً جرى القصاص بينهما في الزيادة والنقصان، وإن استويا في الزائدةً واختلفا في الناقصة اقتص من الزائدة بالزائدة ويؤخذ من القاطع دية إصبع واحدةً وهي الناقصة من كف القاطع ويقتص من ثلاثة أصابع المتماثلة فيهما، وإن اختلفا في الزائدة واستويا في الناقصة فلا قصاص بينهما في الزائدة، ويقتص من أصابع القاطع الأربع ويؤخذ منه حكومة الزائدةً من المقطوع.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: «ولو قطع له أنملة لها طرفان فله القود من إصبعه وزيادة حكومة وإن كان للقاطع مثلها أقيد بها ولا حكومة فإن كان للقاطع طرفان
[ ١٢ / ١٦٤ ]
وللمقطوع واحد فلا قود لأنها أكثر».
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا كان الطرفان في أنملة المقطوع اقتص من القاطع وأخذ منه حكومة الطرف الزائد، وإن كان الطرفان في أنملة القاطع فلا قصاص عليه، وتؤخذ منه دية أنملة، وإن كان الطرفان في أنملة القاطع والمقطوع اعتبر تماثل الطرفين، فإن كان متماثلين جرى القصاص بهما في الطرفين وإن كانا غير متماثلين فلا، لأن الطرف الزائد من أحدهما متيامن ومن الآخر متياسر فلا قصاص بينهما، ويؤخذ من القاطع دية أنملة وزيادة حكومة في الطرف الزائد.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: «ولو قطع أنملة طرف ومن آخر الوسطى من إصبع واحد فإن جاء الأول قبل اقتص له ثم الوسطى وإن جاء صاحب الوسطى قيل لا قصاص لك إلا بعد الطرف ولك الدية».
قال في الحاوي: إذا ابتدأ فقطع أنملة عليا من سبابة رجل ثم قطع أنملةً وسطى من سبابة آخر ليس لها عليا كان القصاص لصاحب العليا مستحقا في الحال، وقصاص صاحب الوسطى معتبرًا بصاحب العليا، فإن اقتص صاحب العليا اقتص بعده لصاحب الوسطى، وإن طالب صاحب الوسطى بالقصاص قبل اقتصاص صاحب العليا لم يخل صاحب العليا من أن يكون قد عفا عن القصاص أو لم يعف، فإن عفا سقط قصاص صاحب الوسطى، لأنه لا يجوز أن يأخذ أنملتين عليا ووسطى بأنملة واحدة وسطى وإن لم يعف صاحب العليا قيل لصاحب الوسطى: لا قصاص لك في الحال مع بقاء العليا وأنت بالخيار بين أن تعفو عن القصاص إلى الدية وبين أن تنتظر بها قصاص صاحب العليا.
فإن قيل: إذا كان غير مستحق للقصاص في الحال فكيف يجوز أن يستحقه في ثاني حال، وهلا كان باختلاف الحالين كالحر إذا قطع يد عبد لما سقط القصاص عنه في الحال لم ينتظر بها عتق العبد من بعد حتى يقتص منه قيل: القصاص في الوسطى قد وجب بعد قطع العليا وإنما أخر استيفاؤه لأجل صاحب العليا، وما أخر استيفاؤه من القصاص لسبب لم يوجب تأخيره بطلانه كتأخير الاقتصاص من الحامل حتى تضع، وخالف قطع الحر العبد، لأن القصاص له يجب فافترقا، فإن بادر صاحب الوسطى فاقتص من القاطع فقد تعدى بأخذ العليا مع الوسطى إذ لا قود له عليه فيها لعدم محلها منه، وعليه ديتها للقاطع، ويرجع صاحب العليا بديتها على القاطع.
فصل:
ولو ابتدأ الجاني فقطع الأنملة الوسطى من سبابة رجل ليس له عليا ثم قطع العليا
[ ١٢ / ١٦٥ ]
من سبابة آخر فلا قصاص لصاحب الوسطى، سواء اقتص صاحب العليا أو لم يقتص، لأنه لم يستحق القصاص في الحال فلم تستحقه في ثاني حال كالعبد إذا أعتق، وكما لو قطع إصبعا شلاء ثم شلت إصبع القاطع بعد الجناية لم يقتص منها، وحكي ابن أبي هريرة في السليمة إذا شلت وجها ثانيًا أنه يقتص منها ولا وجه له اعتبارًا بما ذكرنا، ولو قطعهما من رجلين في حالةً واحدةً وجب لصاحب الوسطى القصاص إذا استوفاه صاحب العليا، ويصير كما لو تقدم بقطع العليا ثم الوسطى، لأن القصاص مستحق بعد القطع والعليا بعده مستحقة القطع.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: «ولا أقيد بيمنى يسرى ولا بيسرى يمنى».
قال في الحاوي: والمماثلة في القصاص معتبرة في الجنس والنوع، فالجنس أن تؤخذ اليد باليد، ولا تؤخذ يد برجل، والنوع أن تؤخذ يمنى بيمنى، ولا تؤخذ يمنى بيسرى، فإذا قطع يده اليمنى وكان للقاطع يد يمنى أخذناها قودًا، وإن لم يكن له يمنى سقط القصاص إلى الدية ولم يؤخذ بها اليسرى لعدم المماثلة وهو قول الجمهور.
وقال شريك بن عبد الله: أقطع اليمنى باليمنى ولا أعدل عنها إلى اليسرى، فإن عدمت اليمنى قطعت اليسرى بها، لاشتراكهما في الأيسر وتماثلهما في الخلقة وتقاربهما في المنفعة وهذا خطأ، لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] ولأن ما تميز محله وتفرد بنوعه لم يكن الاشتراك في الاسم العام موجبًا للقصاص كالإصبع لا تؤخذ السبابة بالوسطى وإن اشتركا في الاسم لاختلافهما في المحل، ولأنه لو جاز أخذ اليسرى باليمنى عند عمدها لجاز أن تؤخذ بها مع وجودها وذلك غير جائز مع الوجود فكذلك مع العدم.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: «ولو قلع سنه أو قطع أذنه ثم إن المقطوع ذلك منه ألصقه بدمه وسأل القود فله ذلك لأنه وجب له بإبانته، وكذلك الجاني لا يقطع ثانية إذا أقيد منه مرة إلا بأن يقطع لأنها ميتة».
قال الماوردي: وهذه المسألة يشتمل في القاطع والمقطوع على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يقطع أذنه فيبينها ثم إن المقطوع أذنه ألصقها بدمها فالتحمت مندملة ثم سأل القصاص من القاطع اقتص له منه لوجوب القصاص بالإبانة، فإن سأل المقتص منه أن تزال أذن المقتص له.
قيل: لا حق لك في إزالتها وإنما تزال في حق الله تعالى، لأنها بعد الإبانةً ميتةً
[ ١٢ / ١٦٦ ]
نجسة يلزم أخذه بإزالتها لما عليه من اجتناب الأنجاس في الصلاةً وهو حق يستوفيه الإمام دونك، وهكذا لو اقتص من أذن الجاني فألصقها بدمها فسأل المقتص له أن تعاد إزالتها، قيل له: قد استوفيت حقك من القصاص بالإبانة، وإنما تزال في حق الله تعالى لا في حقك، فلو قطع هذه الأذن الملصقة قاطع من المقتص له أو من المقتص منه لم يضمنها بقود ولا ديةً، ويعزر لافتياته على الإمام لا لتعديه على المقطوع، لأنه مستحق عليه فلم يكن تعديًا في حقه وكان افتياتًا في حق الإمام لمداخلته في سلطانه.
والثاني: أن تقطع أذنه إلى نصفها ثم يتركها فيلصقها المجني عليه بدمها فتلتحم وتندمل فلا قصاص على الجاني لأمرين:
أحدهما: عدم الإبانة.
والثاني: إقرارها مندملةً وتؤخذ منه حكومة ما حدث من الشين بعد الاندمال فلو جني عليها آخر فقطعها إلى آخر الموضع الذي قطعها الأول أخذ بحكومتها دون القود كالأول، ولو أبانها اقتص منه بها، فلو بلغ القصاص إلى نصف أذن القاطع فألصقها بدمها أعيد قطعها منه قودًا، لأنها مقرة في غير القصاص فوجب أن تؤخذ في القصاص.
الثالث: أن تقطع أذنه وتتعلق بالجلد فلا تنفصل منه، فإن أعادها المجني عليه فالتصقت أقرت، لأنها إذا لم تنفصل فهي طاهرة لبقاء الحياة فيها، وإذا أقرت بعد الالتحام فلا قصاص فيها، وفيها حكومة بقدر الشين، وإن لم تلتحم وجب القصاص فيها فيقتص من أذن الجاني حتى تتعلق بجلدتها، ولا يقطع الجلدة كما لم يقطعها، لأن غضاريف الأذن محدودة فجرى القصاص فيها مع بقاء الجلد المغشي لها كما يقتص من الموضحة لانتهائها إلى العظم كذلك يقتص من غضروف الأذن لانتهائه إلى اللحم، فإذا اقتضى منها وأعادها الجاني فألصقها حتى التحمت أعيد قطعها ثانية، لأن حقه في بقائها بائنة كما بقيت أذن المجني عليه بائنةً.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: «ويقاد بذكر رجل شيخ وخصي وصبي والذي لا يأتي النساء، كان الذكر ينتشر أو لا ينتشر ما لم يكن به شلل يمنعه من أن ينقبض أو ينبسط.
قال في الحاوي: القصاص في الذكر واجب، لأنه عضو له حد وغايةً، فإذا استوعبه من أصل القضيب اقتص منه، ويؤخذ الطويل بالقصير، والغليظ بالدقيق، وذكر الشاب بذكر الشيخ، وذكر الذي يأتي النساء بذكر العنين، والذكر الذي ينتشر بالذي لا ينتشر ما لم يكن به شلل، وذكر الفحل بذكر الخصي.
[ ١٢ / ١٦٧ ]
وقال أبو حنيفة، ومالك: لا أقتص من ذكر الفحل بذكر الخصي، ولا الذكر المنتشر بغير المنتشر لنقصهما وقلة النفع بهما فلم يقتص من كامل بناقص، وهذا فاسد، لقول الله تعالى ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]. ولأنهما قد اشتركا في الاسم الخاص مع تمام الخلقة والسلامة من الشلل فجرى القصاص بينهما كسائر الأطراف، ولأن ذكر العنين صحيح وعدم الإنزال لعلة في الصلب، لأنه محل الماء، وكذلك ذكر الخصي صحيح، والنقص في غيره وهو عدم الأنثيين، ولأنه ليس في العنة والخصي أكثر من فقد الولد، وهذا المعنى لا يؤثر في سقوط القود، كما يؤخذ ذكر من ولد له بذكر العقيم، وكما يؤخذ ثدي المرضعةً ذات اللبن بثدي من لا ترضع وليس لها لبن، وفيما ذكرناه انفصال. فأما الذكر الأشل فلا قصاص فيه من السليم كما لا يقتص من اليد السليمة بالشلاء، وشلل الذكر هو أن يستحشف أو ينقبض فلا ينبسط بحال، وينبسط فلا ينقبض بحال أو ينقبض باليد فإذا فارقته انبسط، أو ينبسط باليد فإذا فارقته انقبض، فهذا هو الأشل على اختلاف أنواع شلله، فلا يقتص منه إلا بأشل ولا يمنع اختلاف أنواع الشلل من جريان القصاص بينهما لعموم النقص وعدم المنفعة.
فصل:
فإن قطع حشفة الذكر كان فيها القصاص، لأنها معلومة الغاية ولا يمنع اختلافهما في الصغر والكبر من جريان القصاص بينهما، ولو قطع بعض ذكره اقتص منه إذا أمكن، لأنه عصب يمكن قطعه وليس فيه عظم يتشظى كالذراع، فيقدر المقطوع من ذكر المجني عليه، فإن كان نصفه قطع نصف الذكر الجاني، سواء كان أكبر من ذكر المجني عليه أو أقل، وإن كان ثلثه قطع ثلث ذكر الجاني، ولا يؤخذ بقدر المقطوع: لأنه قد يكون نصف ذكر المجني عليه بقدر الثلث من ذكر الجاني، فيؤخذ نصف ذكره ولا يقتصر على ثلثه اعتبارًا بمقدار المقطوع من بقية ذكره لا من ذكر الجاني.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: «وبأنثيي الخصي القصاص لأن ذلك طرف وإن قدر على أن يقاد من إحدى أنثيي رجل بلا ذهاب الأخرى أقيد منه وإن قطعهما ففيهما القصاص أو الدية تامةً».
قال في الحاوي: أما القود في الأنثيين فواجب، لأنهما عضوان من أصل الخلقة فيهما منفعة ويخاف من قطعهما على النفس فأشبها الذكر، فيؤخذ أنثيا الشاب بأنثيي الشيخ، وأنثيي الرجل بأنثيي الصبي، وأنثيي من يأتي النساء بأنثيي العنين، وأنثيي الفحل
[ ١٢ / ١٦٨ ]
بأنثيي المجبوب، وهو الذي عناه الشافعي بالخصي، ومنع أبو حنيفة ومالك من أخذ أنثيي الفحل بأنثيي المجبوب، ومن أخذ أنثيي الذي يأتي النساء بأنثيي العنين، كما منعا منه في الذكر، والكلام فيهما واحد.
فإن قطع إحدى الأنثيين اقتص منها إذا علم أن القصاص منهما لا يتعدى إلى ذهاب الأخرى، لأن كل عضوين جرى القصاص فيهما جرى في أحدهما كاليدين والرجلين، فإن علم أن القصاص من إحداهما يتعدى إلى ذهاب الأخرى الأنثيين فلا قصاص فيهما، لأنه يصير قصاصًا من عضوين بعضو وذلك لا يجوز، ويؤخذ منه ديتها وهي نصف الدية، لأن في الأنثيين جميع الدية.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: «فإن قال الجاني جنيت عليه وهو موجوء، وقال المجني عليه بل صحيح فالقول قول المجني عليه مع يمينه لأن هذا يغيب عن أبصار الناس ولا يجوز كشفه لهم».
قال في الحاوي: إذا اختلف في سلامة العضو المجني عليه فقال الجاني: هو أشل وهو موجوء قد بطلت منافعه فلا قود علي ولا دية، وعلي حكومة.
وقال المجني عليه: بل هو سليم استحق فيه القود أو الدية عامةً فقد نص الشافعي في الأعضاء الباطنةً كالذكر والأنثيين القول المعتبر في سلامتها عند القصاص أن القول قول المجني عليه مع يمينه على سلامتها، وله القود إلا أن يقيم الجاني البينةً على ما ادعاه من الشلل، ونص في الأعضاء الظاهرة كاليدين والرجلين والأنف والعينين القول المعتبر في سلامتها عند القصاص أن القول قول الجاني مع يمينه أنها غير سليمة، ولا قود عليه ولا دية إلا أن يقيم المجني عليه البينة على سلامتها، فاختلف أصحابنا في اختلاف هذين النصين على وجهين:
أحدهما: أن القول قول الجاني مع يمينه في الأعضاء الظاهرة والباطنةً أنها غير سليمةً على ما نص عليه في الأعضاء الباطنةً لا قود عليه ولا دية.
وبه قال أبو حنيفة: لأن الأصل براءة الذمةً من قود وعقل فكان الظاهر صدقه.
والقول الثاني: أن القول قول المجني عليه مع يمينه في الأعضاء الظاهرة والباطنة على ما نص عليه في الأعضاء الباطنة، لأن الأصل سلامة الخلقة وثبوت الصحة، وهكذا لو قطع رجلًا ملفوفًا في ثوب فادعى أنه كان ميتًا وادعى وليه أنه كان حيًا فهو على قولين:
أحدهما: أن القول قول الجاني.
والثاني: أن القول قول الولي وأصلهما اختلاف قوليه في أيهما هو المدعي:
[ ١٢ / ١٦٩ ]
أحدهما: أن الجاني هو المدعي لحدوث الموت، فيكون القول فيه قول الولي.
والثاني: أن الولي هو المدعي للقود، فيكون القول قول الجاني، فهذا أحد وجهي أصحابنا.
والوجه الثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي، أن اختلاف النصين محمول على اختلاف حالين، فيكون القول في الأعضاء الظاهرة قول الجاني مع يمينه أنها غير سليمةً، والقول في الأعضاء الباطنة قول المجني عليه مع يمينه أنها سليمة.
والفرق بينهما: تقدير إقامة البينة في الأعضاء الباطنةً وإمكانها في الأعضاء الظاهرةً، فيقوى في الباطن جنبة المجني عليه، وقوي في الظاهر جنبة الجاني، كما لو قال: إن ولدت فأنت طالق، فادعت الولادة وأنكرها، كان القول فيه قولها لتعذر البينة عليها.
وإن قال: إن ولدت فأنت طالق، فادعت الولادة وأنكرها كان القول فيه قوله دونها، لإمكان إقامة البينة على ولادتها.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا من شرح المذهب، فإن قلنا إن القول قول المجني عليه في سلامتها مع يمينه حلف لقد كان سليما عند الجناية عليه، وحكم له بالقود أو الدية، إلا أن يكون للجاني بينة على ما ادعاه من الشلل وعدم السلامة، فإن شهدوا أنه كان أشل عند الجناية أو قبلها حكم بشهادتهم، وسقط القود والدية ووجب الأرش، لأن الشلل إذا ثبت قبل الجناية يزول وكان باقيا إلى وقت الجناية، فلذلك ما استوي حكم الشهادة في الحالتين، والبينة هاهنا إن كانت الجناية موجبة للقود شاهدان، وإن كانت موجبة للدية دون القود في الجناية شاهدان، أو شاهد وامرأتان، أو شاهد ويمين، وإن قلنا: إن القول قول الجاني فلا يخلو حاله من أن يكون قد اعترف بالسلامة قبل الجناية أو لم يعترف بها، فإن لم يعترف له بالسلامة وقال لم تزل سلامته وحلف، فالقول قوله مع يمينه، وإن اعترف له بالسلامة وادعى حدوث الشلل عند الجناية القول المعتبر في السلامة عند القصاص ففي قبول قوله قولان منصوصان:
أحدهما: لا تقبل للاعتراف بالسلامة، لأنها قد صارت باعترافه بها أصل استصحابه فيصير القول فيه قول المجني عليه.
والثاني: أن يقبل دعواه في حدوث الشلل مع اعترافه بتقدم السلامة، لأننا لما قدمنا قوله في الشلل وإن كان الظاهر سلامة الخلقة قبلنا قوله مع اعترافه بسلامة الخلقة، لاعترافه بما وافق الظاهر من السلامة، فيكون القول قوله مع يمينه، لقد كان أشل ولا يلزم أن يكون يمينه على شلله وقت الجناية، لأن الشلل لا يزول بعد حدوث، فإن أقام المجني عليه بينة على سلامته سمعناها إن شهدت بسلامته وقت الجناية.
وإن شهدت بسلامته قبلها فعلى قولين من اختلاف قوليه إذا اعترف بتقدم سلامته هل
[ ١٢ / ١٧٠ ]
يقبل قوله في حدوث شلله.
فإن قيل بقبول قوله فيه لم يحكم عليه بهذه البينة، وإن لم يقبل قوله فيه حكم عليه بهذه البينة، وكان له إحلاف المجني عليه لقد كان سليما إلى وقت الجناية عليه، ولا يقبل فيما أوجب القود إلا شاهدان ويقبل فيما أوجب الدية دون القود شاهد وامرأتان أو شاهد ويمين والله أعلم.
مسألة
قال الشافعي ﵁: «ويقاد أنف الصحيح بأنف الأخرم ما لم يسقط أنفه أو شيء منه».
قال في الحاوي: وهذا صحيح، لقول الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾ [المائدة: ٤٥] ولأن الأنف حد ينتهي إليه، وهو المارن المتصل بقصبة الأنف الذي يحجز بين المنخرين، والمارن ما لان من الأنف من القصبة الذي بعده من العظم فشابه حد الكف من زند الذراع، فلذلك وجب فيه القود، فيؤخذ الأنف الكبير بالصغير، والغليظ بالدقيق، والأقنى بالأفطس، والشام بالأخشم الذي لا يشم، لأن الخشم علة في غير الأنف، ويؤخذ أنف الصحيح بأنف الأجذم والأخرم إذا لم يذهب بالجذام والخرم شيء منه، لأن الجذام مرض لا يمنع من القود، فإن ذهب بالجذام والخرم شيء من أنف المجني عليه روعي ما ذهب منه وما بقي، فإن أمكن فيه القود استوفي، وهو أن يذهب أحد المنخرين ويبقى أحدهما فيقاد من المنخر الباقي ويؤخذ مثله من الجاني، وإن لم يكن فيه القود لذهاب أرنبة الأنف وهو مقدمه سقط القود فيه، لأنه لا يمكن استيفاء الأرنبة مع القود فيما بعدها، وكان عليه من الدية بقسط ما أبقاه الجذام من أنف المجني عليه من نصف أو ثلث أو ربع.
ولو كان أنف المجني عليه صحيحا وأنف الجاني أجذم، فإن لم يذهب بالجذام شيء منه أقيد به أنف الصحيح ولا شيء عليه بعده، وإن أذهب الجذام بعضه أقيد من أنفه وأخذ من دية الأنف بقسط ما أذهبه الجذام من أنف الجاني من ربع أو ثلث أو نصف، ولو قطع الجاني بعض أنف المجني عليه وكان كل واحد منهما صحيح الأنف قدر المقطوع من أنف المجني عليه وما بقي منه. فإن كان المقطوع ثلث أنفه أقيد من الجاني ثلث أنفه، وإن كان نصفا فالنصف، ولا يقاد بقدر المقطوع، لأنه ربما كبر أنف المجني عليه فكان نصفه مستوعبا لأنف الجاني، فيفضي إلى أخذ الأنف بنصف أنف وهذا لا يجوز، فلو قطع المارن وبعض القصبة أقيد من مارن الجاني وأخذ منه أرش المقطوع من القصبةً، لأنهما عظم لا يتماثل فلم يجب فيه القود، كما لو قطع يدا من عظم الذراع أقيد من كفه وأخذ منه أرش ما زاد عليها من عظم الذراع.
[ ١٢ / ١٧١ ]
مسألة:
قال الشافعي ﵁: «وأذن الصحيح بأذن الأصم».
قال في الحاوي: والقود في الأذن واجب، لقوله تعالى: ﴿وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾ فيأخذ الأذن الكبيرةً بالصغيرةً، والغليظةً بالدقيقةً، والسمينةً بالهزيلةً، والسميعةً بالصماء.
وقال مالك: لا أقيد أذن السميع بأذن الأصم، لنقصها بذهاب السمع، وهذا فاسد؛ لأن محل السمع في الرأس، والصم يكون إما بسداد منافذه، وإما لذهابه من محله فلم يكن نقصا في الأذن وإنما هو نقص في غيرها، فجرى القود بينهما فيها، ومنفعةً الأذن تجمع الأصوات لتصل إلى السمع، وتؤخذ الأذن التي لا ثقب فيها بالأذن المثقوبة إذا لم يذهب بالثقب شيء منها، فإن أذهب الثقب منها شيئًا فهي كالأنف إذا أذهب الجذام شيئا منه، وكذلك قطع بعضها على ما بيناه في الأنف لتشابههما.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: «وإن قلع سن من قد أثغر سنه هل يجب القصاص فإن كان المقلوع سنه لم يثغر فلا قود حتى يثغر فيتتام طرحة أسنانه ونباتها فإن لم ينبت، وقال أهل العلم به لا ينبت أقدناه» قال في الحاوي: أما القصاص في الأسنان فواجب بقوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥]. ولرواية أنس بن مالك أن النبي - ﷺ - قال: في السن القصاص ولأن فيها منفعةً وجمالًا فأشبهت سائر الأعضاء.
فإن قيل: فالسن عظم والعظم لا قصاص فيه.
قيل: السن لانفراده كالأعضاء المنفردة التي يجري القصاص فيها، وغيره من العظام ممتزج ومستور بما يمنع من مماثلة القصاص فلم يجب فيه القصاص، فإذا ثبت وجوب القصاص فيه لم يخل حال المجني عليه بقلع سنه من أحد أمرين: إما أن يكون قد ثغر أو لم يثغر، والمثغور أن يطرح أسنان اللبن وينبت بعدها أسنان الكبر، فإن كان مثغورًا قد طرح أسنان اللبن ونبتت أسنان الكبر فقلعت سنه وجب القصاص فيها من مثلها من سن الجاني، وأسنان الفم إذا تكاملت اثنان وثلاثون سنًا، منها أربع ثنايا، وأربع رباعيات، وأربعة أنياب، وأربعة ضواحك، واثني عشر ضرسا، وهي الطواحن، وأربعة نواجذ وهي أواخر أسنان الفم، فتؤخذ الثنيةً بالثنيةً، ولا تؤخذ ثنيةً برباعيةً، ولا ناب بضاحك، كما لا يؤخذ إبهام بخنصر، وتؤخذ اليمنى باليمنى ولا تؤخذ يمنى بيسرى
[ ١٢ / ١٧٢ ]
وتؤخذ العليا بالعليا ولا تؤخذ عليا بسفلى، وتؤخذ السن الكبيرة بالصغيرة، والقويةً بالضعيفةً، كما تؤخذ اليد الصحيحةً بالمريضةً، لأن الاعتبار بالاسم المطلق، وإذا كان كذلك لم يخل حال السن المقلوعةً بالجنايةً من أن تقلع من أصلها أو يكسر ما ظهر منها، فإن قلعت من أصلها الأسنان قلعت سن الجاني من أصلها الداخل في لحم العمور ومنابت الأسنان، وإن كسر ما ظهر منها وبرز من لحم العمور كسر من سن الجاني ما ظهر منها وترك عليه ما ستره اللحم من أصلها، فإن عفا عن القصاص إلى الدية كانت فيه دية السن خمسًا من الإبل كما لو قلعها من أصلها، لأن منفعتها وجمالها بالظاهر دون الباطن، فإن عاد وقطع ما بطن من بقيتها كان فيه حكومةً، كمن قطع أصابع الكف وجب عليه دية كف، فإن عاد فقطع بقية الكف كانت عليه حكومة، ولو كان قد قطعها من أصل الكف لم يجب عليه أكثر من الدية، ولو كسر نصف سنة بالطول، فإن أمكن القصاص منها اقتص، وإن تقدر كان عليه نصف ديتها.
فصل:
وإن قلع سن من لم يثغر فلا قصاص في الحال ولا ديةً، لأنها من أسنان اللبن التي جرت العادة بنباتها بعد سقوطها ووجب الانتظار إلى أقصى المدة التي يقول أهل العلم بها من الطب أنها تنبت فيه، فإن نبتت فلا قصاص فيها ولا دية، لأن القصاص والدية إنما يجبان فيما يدوم ضرره وعينه ولا يجبان فيما يزول ضرره وشينه كالسن إذا نبتت وكاللطمة إذا آلمت، لزوال ذلك وعوده إلى المعهود منه، فإن كان قد خرج مع سن اللبن حين قلعت دم نظر فيه فإن خرج من لحم العمور وجب فيه أرش، كمن جرح في لحم بدنه فأنهر دمه، وإن خرج من محل السن المقلوعة ففي وجوب الأرش وجهان حكاها أبو حامد الإسفراييني:
أحدهما: لا يجب فيه أرش كمن لطم فرعف لم يجب فيه أرش.
والثاني: فيه الأرش، لأنه قد قلع بقلعه ما اتصل به من عروق محله ومرابطه فلزمه الأرش، وعلى مقتضى هذا التعليل يجب عليه الأرش وإن لم يخرج دم لقطع تلك المرابط والعروق.
فإن قيل به كان هذا الوجه الثاني أصح، وإن لم يقل به كان الوجه الأول أصح، والقول الثاني عندي أولى.
فإذا ثبت وجوب الانتظار بالسن المقلوعة وقت نباتها لم يخل حال صاحبها من أحد أمرين:
إما أن يعيش إلى ذلك الوقت أو يموت قبله، فإن عاش إليه لم يخل حال تلك السن المقلوعة من أحد أمرين:
إما أن تنبت أو لا تنبت، فإن لم تنبت وجب فيها القصاص، فإن عفا عنه فالدية تامةً، لأنه قلع سنا لم تعد فصارت كسن المثغور وإن نبتت فلها ثلاثة أحوال:
[ ١٢ / ١٧٣ ]
أحدها: أن تنبت كأخواتها في القد واللون، فلا قود فيها ولا دية.
والثانية: أن تنبت أقصر من أخواتها فالظاهر من قصرها أنه من قلع ما قبلها قبل أوانه فصار منسوبا إلى الجاني فيلزمه دية السن بقدر ما نقص من السن العائد، فإن كان النصف فنصف ديتها، وإن كان الثلث فثلثها.
والثالثة: أن تنبت في قد أخواتها لكنها متغيرةً اللون بخضرةً أو سواد، فالظاهر أنه من الجنايةً، فيؤخذ الجاني بأرش تغييرها، وإن مات المقلوع سنه قبل الوقت الذي قدره أهل العلم بالطب لعودها فلا قود فيها، لأن الظاهر أنه لو بقي لعادت، والقصاص حد يدرأ بالشبهة.
وأما الدية ففي استحقاقها وجهان: أحدهما: يستحق، لأن قلعها مستحق وعودها مع البقاء متوهم، فلم يسقط بالظن حكم اليقين.
والثاني: لا يستحق الدية اعتبارًا بالظاهر كما لم يجب القود اعتبارًا به.
فصل:
وإذا كان المقلوع سنه مثغورًا فعادت سنه ونبتت ففيها قولان:
أحدهما: أنه يصير كغير المثغور إذا عادت سنه بعد قلعها تكون هي الحادثة عن المقلوعةً، فلا يجب فيها قصاص ولا دية كما لو جني على عينه فأذهب ضوءها ثم عاد الضوء كان هو الأول ولم يكن حادثًا عن غير، فلو كان قد تقدم الاقتصاص منها لم يقتص للجاني منها، لأن المستوفي على وجه القصاص لا يجب فيه القصاص لكن له الدية يرجع بها على المجني عليه لأخذه القصاص من سن لا يستحق فيها القصاص.
والثاني: أن هذه السن الحادثة هبة من الله مستجدة وليست حادثة من المقلوعة، لأن الظاهر من حال المثغور أن سنه إذا انقلعت لم تعد، فلا يسقط بعودها قصاص ولا دية، فيقتص من الجاني وإن عادت من المجني عليه بخلاف من لم يثغر، لأن سن المثغور لا تعود في غالب العادة، وسن غير المثغور تعود في الأغلب، وخالف ضوء العين إذا عاد بعد ذهابه، لأنه كان مستورًا بحائل زال فأبصر بالضوء الأول لا بضوء تجدد وهذه سن تجددت فافترقا، ويتفرع على هذين القولين فرعان:
أحدهما: أن يقلع رجل سنا فيقتص من سن الجاني بسن المجني عليه، ثم تعود سن الجاني فتنبت.
فإن قيل: إن السن العائدة في المثغور هي هبةً مستجدةً وليست حادثةً عن الأولى، فلا شيء على الجاني بعود سنه من قصاص ولا دية لاستيفاء القصاص منه، وما حدث بعده هبةً من الله تعالى له.
وإن قيل: إن السن العائدة في المثغور هي الحادثةً عن الأولى، ففي وجوب
[ ١٢ / ١٧٤ ]
الاقتصاص منها ثانيًا وجهان:
أحدهما: يقتص منها إذا عادت ثانيةً كما اقتص منها في الأولى، وكذلك لو عادت ثالثةً ورابعةً، لأنه قد أفقد المجني عليه سنه فوجب أن يقابل بما يفقد سنه.
والثاني: لا قصاص فيها لاستيفائه منها وأنه جني دفعةً واحدةً فلم يجز أن يقتص منه أكثر من دفعةً واحدةً، فعلى هذا هل تؤخذ منه ديتها أم لا: على وجهين:
أحدهما: تؤخذ منه الدية لترك سنه عليه.
والثاني: لا يؤخذ بالدية كما لم يؤخذ بالقصاص، لأن لا يجمع بين دية وقصاص.
والفرع الثاني: أن يقتص من سن الجاني بسن المجني عليه، فتعود سن الجاني وتعود سن المجني عليه، فلا قصاص هنا من الثانيةً ولا دية على القولين معًا، لأننا إن قلنا بأن العائدة هبةً مستجدةً فهي هبةً في حق كل واحد منهما، وإن قلنا إنها حادثةً عن الأولى فقد عادت سن كل واحد منهما والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: «ولو قلع له سنًا زائدةً ففيها حكومةً إلا أن يكون للقالع مثلها فيقاد منه».
قال في الحاوي: أما السن الزائدةً فهي ما زادت على الاثنين والثلاثين سنًا المعدودة التي عيناها من أسنان الفم، وتنبت في غير نظام الأسنان، إما خارجةً أو داخلةً، وتسمى هذه الزيادة سنا ثانيةً، قال الشاعر:
فلا يعجبن ذا البخل كثرة ماله فإن الشغا نقص وإن كان زائدًا
فإذا جني عليها جان فقلعها لم يخل أن يكون للجاني مثلها أو لا يكون، فإن لم يكن له مثلها فلا قود فيها، لعدم ما يماثلها، كما لو قطع نابه ولم يكن له ناب لم يؤخذ به غير الناب، فإذا سقط القصاص في الشاغبةً فعليه فيها حكومةً لا يبلغ بها ديةً سن غير شاغبةً لنقص الأعضاء الزائدة عن أعضاء الخلقةً المعهودةً، وإن كان للجاني سن زائدةً لم يخل من أن تكون في مثل محلها من المجني عليه أو غير محلها، فإن كانت في غير محلها منه مثل أن تكون الزائدة من الجاني مع الأسنان العليا ومن المجني عليه مع الأسنان السفلى أو تكون من الجاني يمنى ومن المجني عليه يسرى، أو تكون من الجاني مقترنة بالناب ومن المجني عليه مقترنةً بالثنية فلا قصاص فيها، لأن اختلاف محلهما يمنع من تماثلهما فإن كانت من الجاني في مثل محلها من المجني عليه ففيها القصاص، لتماثلهما في المحل، وسواء اتفقا في القدر والمنفعةً أو تفاضلا، لتساويهما في الاسم الخاص كما قلناه فيما كان من أصل الخلقة المعهودة.
[ ١٢ / ١٧٥ ]
مسألة:
قال الشافعي ﵁: «ومن اقتص حقه بغير سلطان عزر ولا شيء عليه».
قال في الحاوي: وهذا صحيح ليس لمستحق القصاص أن ينفرد باستيفائه من غير إذن السلطان، سواء كان في نفس أو طرف ثبت ذلك عند سلطان أو لم يثبت لأمرين:
أحدهما: أن في القصاص ما اختلف الفقهاء في استيفائه فلم يتيقن فيه الحكم باجتهاد الولاة.
والثاني: أنه موجود في تعديته في الاقتصاص منه فلم يكن له القصاص إلا بحضور من يزجره عن التعدي، فإن تفرد باستيفائه فقد وصل إلى حقه ويعزر على افتياته، ولا شيء عليه إذا كان ما استوفاه من القصاص ثابتًا فإن ادعاه ولم يكن له بينة لم تقبل دعواه وصار جانيًا، فيؤخذ بما جناه من قصاص أو ديةً، ولا تكون دعواه شبهة في سقوط القصاص عنه، لأن سعدًا قال للنبي - ﴿ﷺ﴾ - «أرأيت يا رسول الله، لو وجدت مع امرأتي رجلًا أقتله؟ قال: لا حتى تأتي بأربعة من الشهداء، كفي بالسيف شا» يعني: شاهدًا عليك بالقتل، وقال منصور بن إسماعيل التميمي المصري، من أصحابنا: لا يعزر الولي إذا استوفاه بغير سلطان: لأنه استوفي حقه فلا يمنع منه كاسترجاع المغصوب وهذا فاسد بما قدمناه من الأمرين.
مسألة:
قال الشافعي ﵀: «ولو قال المقتص: أخرج يمينك فأخرج يساره فقطعها، وقال عمدت وأنا عالم فلا عقل ولا قصاص فإذا برئ اقتص من يمينه وإن قال لم أسمع أو رأيت أن القصاص بها يسقط عن يميني لزم المقتص دية اليد».
قال في الحاوي: وصورتها في رجل وجب القصاص عليه في يمناه فأخرج يسراه فقطعها المقتص، فلا يجوز أن تكون اليسرى قصاصًا باليمنى لاستحقاق المماثلة فيه، كما لا تكون اليد قصاصا بالرجل وإن وقع به التراضي، وإذا كان كذلك بدئ بسؤال فخرج يده قبل سؤال المقتص القاطع: هل أخرج يده باذلا لقطعها أو غير باذل؟ فإن قال: أخرجتها غير باذل لقطعها وإنما أردت بإخراجها التصرف بها سأل حينئذ المقتص القاطع: هل علم أنها اليسرى أو لم يعلم؟ فإن قال: لم أعلم أنها اليسرى وظننتها اليمنى فقطعتها قصاصًا فلا قصاص على هذا المقتص في اليسرى وإن لم يكن قصاصًا في اليمنى، لأنها شبهةً تدرأ بها الحدود، وعليه ديتها، لأنه قطعها خطأ بغير حق، وهل يسقط بذلك حقه من قطع اليمنى أم لا؟ على وجهين:
[ ١٢ / ١٧٦ ]
أحدهما: قد سقط حقه من الاقتصاص منها لاعتقاده استيفاء قصاصه، فعلى هذا يرجع المقتص على مخرج يده اليمنى حالة في ماله، لأنها دية عمد، ويرجع مخرج يده اليسرى على عاقلة المقتص، لأنها دية خطأ، ولا يكونا قصاصا لاختلاف محلهما.
والثاني: أن حقه في الاقتصاص من اليمنى باق لبقائها، وأن الخطأ بغيرها لا يزيل الحق منها، فعلى هذا يكون للمقتص أن يقطع يمين الجاني المخرج ليسراه إذا اندملت اليسرى، لأن لا يوالي عليه بين قطعين فيسري قطعهما إلى تلفه، وهذا بخلاف ما لو استحق عليه قطع يديه فإنه يجوز أن يوالي عليه في الاقتصاص منهما بين قطعهما ولا ينتظر اندمال أولاهما، لأن قطعهما مستحق فلم ينتظر به الاندمال وفي مسألتنا الأولى غير مستحق فانتظر اندماله لاستيفاء المستحق بعده، فإذا اقتص من اليمنى كان على عاقلته دية يسرى الجاني.
وإن قال المقتص القاطع لليسرى علمت حين قطعتها أنها اليسرى. قيل: عليك منها القصاص، لأنك أخذتها عمدًا بغير حق، سواء علم تحريم قطع اليسرى باليمنى أو جهل، فيقتص من يسراه بيسرى الجاني، فأما حقه في الاقتصاص من يمين الجاني فمعتبر بحاله في قطع اليسرى، هل قصد بقطعها القصاص من اليمنى أو لم يقصد بقطعها أن تكون قصاصًا باليمنى؟ فإن لم يقصد قصاصًا باليمنى كان على حقه من الاقتصاص من يمين الجاني، وإن قصد بقطع اليسرى أن يكون قصاصًا من اليمنى، ففي سقوط حقه من الاقتصاص منها وجهان:
أحدهما: قد سقط حقه من قطع اليمنى قصاصا لاعتقاده استيفاء بدله ويكون له على الجاني ديتها.
والثاني: أنه على حقه في الاقتصاص من اليمنى، لأنه لما لم تكن اليسرى بدلًا عنهما واستوفي القصاص لها وجب أن يكون على حقه من القصاص من اليمنى.
فصل:
وإن قال الجاني المخرج ليسراه: أخرجتها باذلا لقطعها الذي أخرج يسراه وكان عليه القصاص في يمناه سئل عن بذلها: هل جعلته بدلا من اليمنى أو غير بدل؟ فإن قال لم أجعله بدلا لعلمي بأنه لا يقتص من يسرى بيمنى قيل فقطع يدك هدر لإباحتك لها، فلا قود لك فيها ولا دية، ويعزر قاطعها زجرًا في حق الله تعالى مع علمه بالحظر، ولا يعذر مع جهله به، ثم يسأل قاطعها هل قطعها قصاصا أو غير قصاص: فإن قال: قطعتها غير قصاص كان على حقه في الاقتصاص من اليمنى بعد اندمال اليسرى، وإن قال: قطعتها قصاصًا من اليمنى، قيل له: علمت أنها اليسرى أو لم تعلم؟ فإن قال: علمت أنها اليسرى صار ذلك عفوًا منه عن قطع اليمنى فسقط حقه من الاقتصاص منها، وله ديتها حالة في مال الجاني، وإن قال: ظننتها اليمنى ولم أعلم أنها اليسرى أخرج يسراه وعليه قصاص في يمناه فهل يسقط بذلك حقه من القصاص في اليمنى؟ على ما مضى من الوجهين: أحدهما: لا يسقط وله الاقتصاص منها بعد اندمال اليسرى.
[ ١٢ / ١٧٧ ]
والثاني: يسقط القصاص منها ويرجع بديتها، وإن قال المخرج لليسرى أخرجتها لتكون بدلًا من اليمنى أخرج يسراه وعليه قصاص في يمناه سئل قاطعها: هل قطعتها بدلًا من اليمنى أم لا؟ فإن قال: لم أقطعها بدلًا كان عليه القصاص في يسراه، وله القصاص في يمنى الجاني، لأنه لما لم يسقط بذلك حقه من القصاص في اليمنى لم يسقط عنه القصاص في اليسرى، ولم يكن بذل مخرجها مسقطا لقصاصه لها، لأنه بذلها لتكون معاوضة باليمنى، فإذا لم تكن عوضًا سقط حكم البذل، وإن قال: قطعتها بدلًا لتكون قصاصًا من اليمنى سئل: هل علمت أنها اليسرى أو لم تعلم: فإن علم أنها اليسرى سقط قصاصه من اليمنى، وكان عليه دية اليسرى وله دية اليمنى فيتقاصان، لأنهما ديتا عمد في أموالهما، فإن تفاضلت ديةً أيديهما لكون أحدهما رجلًا والآخر امرأةً تراجعا فضل الدية وإن ظنها اليمنى ولم يعلم أنها اليسرى ففي سقوط القصاص ما قدمناه من الوجهين.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: «ولو كان ذلك في سرقة لم يقطع يمينه ولا يشبه الحد حقوق العباد».
قال في الحاوي: وصورتها: أن يستحق قطع يمين السارق فيخرج يسراه فتقطع فقد قال الشافعي في موضع القديم: القياس أن تقطع يمناه والاستحسان ألا تقطع فصار قوله في القديم لم يلزم من تقديم على الاستحسان، لأنه لا يجوز أن يؤخذ يسرى السارق بيمناه كالقصاص وقطع اليمنى بعد قطع اليسرى إذا اندملت، فعلى هذا إذا أخرجها السارق مبيحا لها لا قصاص فيها ولها دية، وإن أخرجها لتقطع في السرقة بدلا من يمناه فليستفد بها منه.
وإن عمد الجلاد قطع اليسرى وعلم بها اقتص منه يد السارق، وإن لم يعلم فلا قصاص عليه وفي وجوب الدية وجهان:
أحدهما: يجب عليه ديةً للصيد، لأن ما وجب في القود في عمده وجبت الدية في خطئه.
والثاني: لا ديةً عليه، لأنه في الخطأ متسلط، وفي العمد ممنوع هذا ما يقتضيه مذهبه في القديم.
فأما قوله في الجديد فلم يختلف أن أخذ اليسرى في السرقة مجزئ عن قطع اليمنى، وإن لم يجز في القصاص.
والفرق بينهما من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن حقوق الله تعالى موضوعة على المساهلةً والمسامحةً، وحقوق العباد
[ ١٢ / ١٧٨ ]
موضوعةً على الاستقصاء والمشاحة؟
والثاني: أن قطع اليمنى في السرقة يسقط بذهابها إذا تآكلت، ولا يسقط حكم الجناية بذهابها في القصاص إذا تآكلت
والثالث: أن يسرى السارق تقطع إذا عدم اليمنى، ولا تقطع يسرى السارق بجاني إذا عدم اليمنى. فلهذه المعاني الثلاثة افترقا.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: «ولو قال الجاني مات من قطع اليدين والرجلين، وقال الولي مات من غيرهما فالقول قول الولي».
قال في الحاوي: وصورتها في رجل قطع يدي رجل ورجليه ثم مات المجني عليه فلا يخلو موته من خمسة أحوال:
أحدها: أن يموت بعد اندمال اليدين والرجلين فيكون الجاني قاطعا وليس بقاتل فيلزمه إن عفا عن القصاص في يديه ورجليه ديتان إحداهما في اليدين، والأخرى في الرجلين.
والثانية: أن يموت قبل اندمالهما فيصير الجاني قاتلًا يقتص من نفسه بعد الاقتصاص من اليدين والرجلين، فإن عفا عن القصاص كانت عليه ديةً واحدةً، لأن ديات الأطراف تدخل في ديات النفس إذا سرت الجناية إليها.
والثالثة: أن يموت بعد اندمال أحدهما وبقاء الأخرى، كموته بعد اندمال يديه وبقاء رجليه، فيصير الجاني قاتلًا بسراية الرجلين قاطعًا باندمال اليدين وتلزمه ديتان إحداهما في النفس لسراية الرجلين إليهما والأخرى في اليدين لاستقرار ديتها باندمالهما، لأنها تدخل في دية النفس ما لم تندمل، ولا تدخل فيها إذا اندملت.
والرابعة: أن يختلفا فيدعي الولي أنه مات بعد اندمالهما فاستحق على الجاني ديتين، وادعى الجاني أنه مات قبل اندمالهما ليلتزم ديةً واحدةً، فالواجب مع هذا الاختلاف أن يعتبر الزمان الذي بين الجناية والموت، فإن اتسع للاندمال كالشهر فما زاد فالقول قول الولي مع يمينه بالله لقد مات بعد اندمال الجنايةً، لأنه قد استحق بابتداء الجناية ديتين، وما ادعاه من الاندمال محتمل فلم تقبل دعوى الجاني في إسقاط أحدهما إلا أن يقيم بينة أن المقطوع لم يزل مريضا حتى مات من الجناية فيحكم بها، ولا يلزمه إلا ديةً واحدةً، وإن ضاق الزمان عن الاندمال كموته بعد يوم أو أسبوع فالقول قول الجاني، لأن ما ادعاه الولي مخالف للظاهر ويحلف الجاني وإن كان الظاهر معه، لجواز أن يموت المقطوع مخنوقًا أو مسمومًا، فإن ادعى الولي مع ضيق الزمان عن
[ ١٢ / ١٧٩ ]
الاندمال أن المقطوع مات موجئا بذبح أو سم أو خنق صار مع كل واحد منهما ظاهر يوجب العمل عليه، فيكون على وجهين:
أحدهما: أن يكون القول قول الولي مع يمينه وهو الأظهر من مذهب الشافعي، لأنه قد استحق في الظاهر بابتداء الجناية ديتين وما ادعاه من حدوث التوجية محتمل.
والثاني: أن القول قول الجاني مع يمينه، لأن الظاهر موته من الجناية وما ادعاه الولي من حدوث التوجية غير معلوم فلم يقبل منه، فعلى هذا لو اختلفا في اتساع الزمان وضيقه فقال الولي: اتسع الزمان للاندمال فالقول قولي في استحقاق الديتين، وقال الجاني: ضاق الزمان عن الاندمال فالقول قولي في أن لا تلزمني إلا ديةً واحدةً، فالقول قول الجاني مع يمينه دون الولي، ولا يلزمه إلا ديةً واحدةً لأمرين:
أحدهما: أن الأصل قرب الزمان حتى يعلم بعده.
والثاني: أن الأصل بقاء الجناية حتى يعلم اندمالها.
والخامسة: أن يختلفا فيدعي الولي أنه مات من الجناية قطع يده ورجله ومات المقطوع فاستحق القصاص في النفس، ويدعي الجاني أنه مات من غير الجناية قطع يده ورجله ومات المقطوع فلا قود عليه في النفس، فإن ضاق الزمان عن الاندمال فالقول قول الولي مع يمينه، لأن الظاهر معه، فإن اتسع الزمان للاندمال فالقول قول الجاني مع يمينه، لأن الأصل أن لا قصاص عليه في النفس.
فصل:
فلو كانت المسألة بضد المسطور وكانت الجناية موضحة توجب خمسا من الإبل ومات المجني عليه واختلف الولي والجاني، فقال الولي: مات من جنايتك فعليك دية النفس أو القصاص فيها، وقال الجاني: بل مات من غير جنايتي فليس علي إلا ديةً الموضحةً، فإن ضاق الزمان عن الاندمال فالقول قول الولي مع يمينه وله القصاص في النفس أو الدية كاملةً، لأن الظاهر معه، وإن اتسع الزمان للاندمال فالقول قول الجاني، لأن الظاهر معه في أن لم يجب بالجنايةً إلا دية موضحةً وأن النفس لا قصاص فيها، فصار الجواب بضد ما تقدم، لأنها بضده والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: «ويحضر الإمام القصاص عدلين عاقلين حتى لا يقاد إلا بحديدةً حادةً مسقاةً ويتفقد حديده لئلا يسم فيقتل من حيث قطع بأيسر ما يكون به القطع».
قال في الحاوي: وإنما اختار الشافعي أن يحضر القصاص عدلين شاهدين ليشهدا باستيفائه إن استوفي، وبالتعدي فيه إن تعدي، فإن قيل: فما معنى قول الشافعي: عدلين
[ ١٢ / ١٨٠ ]
عاقلين»، والعدل لا يكون إلا عاقلا فمنه ثلاثة أجوبة:
أحدهما: أنه قاله على طريق التأكيد، كمال قال الله ﷿: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٢٦] و﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧].
والثاني: أنه أراد بالعقل ثبات النفس وسكون الجأش عند مشاهدة القصاص، وليس كل عدل يمكن جأشه عند مشاهدة القتل والقطع قاله أبو القاسم الصميري.
والثالث: أنه أراد بالعقل الفطنة والتيقظ ليفطن بما يجري من استيفائه من حق أو تعد، إذ ليس كل عدل يفطن لذلك قاله أبو حامد الإسفراييني، فإن غاب الشاهدان عن استيفاء القصاص لم يؤثر فيه وكان المسيء هو الحاكم بالقصاص دون المستوفي له، فأما صفة ما يستوفي به القصاص من الحديد فقد ذكرنا أنه ينبغي لمن حكم باستيفائه من سلطان أو قاض أن يتفقده حتى لا يكون مثلوما كالا ولا مسموما، لأن الكال يعذب المقتص منه والمسموم يهري لحمه، فإن اقتص بكال مثلوم لم يعزر، وإن اقتص بمسموم فإن كان القصاص في النفس فقد استوفي ولا غرم في السم لكن يعزر المقتص أدبا، كما لو قطع المقتص منه بعد قتله قطعا، وإن كان في طرف فأفضى السم إلى تلفه وصار التلف حادثا عن القصاص الذي لا يضمن وعن السم الذي يضمن فيلزم نصف الدية لحدوث التلف عن مباح ومحظور، كمن جرح مرتدًا ثم أسلم وجرحه بعد إسلامه أخرى ثم مات ضمن نصف ديته لتلفه عن سببين أحدهما مباح والآخر محظور.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: «ويرزق من يقيم الحدود ويأخذ القصاص من سهم النبي ﷺ من الخمس كما يرزق الحكام فإن لم يفعل فعلى المقتص منه الأجر كما عليه أجر الكيال والوزان فيما يلزمه».
قال في الحاوي: ينبغي للإمام أن يندب لاستيفاء الحدود والقصاص رجلا أمينا من بيت المال إن لم يجد متطوعا، لأنه من المصالح العامة، ويكون من مال المصالح وهو خمس الخمس سهم رسول الله ﷺ من الفيء والغنيمة المعد بعده للمصالح العامة، فإذا استوفي الجلاد القصاص أعطى أجرته منه، فإن أعوز بيت المال أو كان فيه ولزم صرفه فيما هو أولى منه من سد الثغور وفي أرزاق الجيوش منه كانت على المقتص منه أجرته دون المقتص له.
وقال أبو حنيفة: أجرته على المقتص له دون المقتص منه استدلالا بأن حقه متعين، وإنما يحتاج إلى الفصل بين حقه من حق غيره فكانت أجرة الفاضل على مستوفيه كمشتري الثمرة يلزمه أجرة لقاطها وجذاذها، وكمشتري الصبرة يلزمه أجرة حمالها ونقالها، ولأنه
[ ١٢ / ١٨١ ]
لما كانت أجرة متعد المال على مستوفيه دون موفيه كذلك القصاص، ولأن العامل في الصدقات مستوف من أرباب الأموال لأهل السهمان، ثم كانت أجرته في مال أهل السهمان المستوفي لهم دون أرباب الأموال المستوفي منهم وجب أن تكون أجرة المقتص في مال المستوفي له دون المستوفي منه.
ودليلنا هو أن القصاص استيفاء حق فوجب أن تكون أجرته على الموفي دون المستوفي كأجرة الكيال والوزان، ولأنه قطع مستحق فوجب أن تكون أجرته على المقطوع منه كالختان وحلق شعر المحرم.
فإن قيل: فالختان وحلق شعر المحرم حق للمقطوع منه فلذلك وجب عليه أجرته والقصاص حق للمقطوع له دون المقطوع منه فكان المقطوع له أولى بالتزام أجرته من المقطوع منه.
قلنا: هما سواء، لأن الختان وحلق شعر حق على المقطوع منه كما أن القصاص حق على المقطوع منه، غير أن الحق في الختان والحلق لله تعالى وفي القصاص للولي فكا التزم حق الله التزم حق الآدمي.
فأما الجواب عن استدلاله بأجرة الجذاذ والنقل فهو أن ذلك تصرف فيما قد استقر ملكه عليه فاختص بمؤنة تصرفه فيه، وكذلك أجرة منتقد الثمن، وليس كذلك القصاص، لأنه إيفاء للحق ومؤونة الإبقاء مستحقة على الموفي كما قال تعالى:﴾ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ ﴿[يوسف: ٨٨]. ثم ثبت أن أجرة الكيال على الموفي دون المستوفي، كذلك في القصاص، وأما عامل الصدقات فهو نائب عن أهل السهمان في الإستيفاء لهم، وليس بنائب عن أرباب الأموال في الإبقاء عنهم، فكانت أجرته واجبة على من ناب عنه كأجرة الوكيل، وخالف المقتص؛ لأنه يقوم بالإبقاء دون الاستيفاء، فصار بالكيال والوزان أشبه.
فصل:
فإذا ثبت ما ذكرنا أن أجرة القصاص على المقتص منه دون المقتص له فقال المقتص منه: أنا أقتص لك من نفسي لتسقط عني أجرة القصاص لم يكن ذلك له لأمرين:
أحدهما: أن موجب المماثلة في القصاص يقتضي أن يؤخذ منه ما أخذه من غيره، ولا يكون هو الأخذ لهما معا.
والثاني: أنه حق عليه فلم يجز أن يكون هو المستوفي له كما لو أراد بائع الصبرة أن يكيلها بنفسه لم يكن له ذلك، فلو قال السارق وقد وجب قطع يده أنا أقطع يد نفسي ولا ألتزم أجرة قاطعي ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز القصاص.
والثاني: يجوز، لأن قطع السرقة حق لله يقصد به النكال والزجر فجاز أن يقوم بحق
[ ١٢ / ١٨٢ ]
الله تعالى عليه وخالف القصاص المستحق للآدمي وبالله التوفيق.