قال الله تعالى: ﴿إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾
قد ذكرنا أن فرض الجهاد على الكفاية ودليل الفرضية قوله تعالى: ﴿إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ودليل على أنه فرض على الكفاية به ما ذكرنا من الآية وإذا لم يقم به قدر الكفاية خرج من تخلف واستحق العذاب، وإن قام به قدر الكفاية حتى لا يكون الجهاد معطلًا لم يأثم من تخلف لأن الله تعالى وعد جميعهم الحسنى، ولأنا لو أوجبنا الجهاد على الأعيان لتعطلت المكاسب والعمارات وذلك ضرر عظيم.
فرع
لو أظل العدو بلدًا من بلاد المسلمين اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: تعين الفرض على جميع المسلمين ووجب النفير على جميعهم وبه قال عامة أصحابنا. ونص الشافعي ﵁ قال في رواية البويطي في باب السنة في الجهاد: والغزو غزوان غزو نافلة، وغزو فريضة فأما الفريضة فهو النفير إذا أظل العدو بلاد المسلمين، والنافلة: الرباط والخروج إلى الثغور إذا كان فيها من فيه كفاية، وقال ابن أبي هريرة: هو فرض على الكفاية أيضًا.
فرع آخر
لو كان العدو على مسافة أقل من يوم وليلة من بلاد الإسلام يكون في حكم من قد أظل بلاد الإسلام ووصل إليها لقرب المسافة ويتعين فرض قتالهم على جميع أهل الثغر من المجاهدين ويدخل في القتال من عليه دين ومن له أبوان لا يأذنان لو لأنه قتال دفاع لا قتال غزو، ثم ينظر في عدد العدو فإن كانوا أكثر من مثلي أهل الثغر لم يسقط بأهل الثغر فرض الكفاية على كافة المسلمين، ووجب على الإمام إمدادهم، وإن كانوا مثلي أهل الثغر فما دون هل يسقط بهم فرض الكفاية عمن سواهم؟ لما أوجبه الله تعالى من قتال مثلهم فيصير فرض القتال عليهم متعينًا وعن غيرهم ساقطًا. والثاني لا يسقط من غيرهم فرض الكفاية بهم خوفًا من الظفر بهم فيصير فرض القتال عليهم متعينًا باقيًا على الكفاية في غيرهم.
[ ١٣ / ٢٠٦ ]
فرع آخر
لو دخل العدو بلاد الإسلام يتعين فرض قتاله على أهلها وهل يتعين على كافة المسلمين كما يتعين على أهل الثغر؟ فيه وجهان أحدهما: يتعين عليهم لأن جميع المسلمين يد على من سواهم، والثاني: يتعين عليهم ويكون باقيًا على الكفاية لقدرة أهل الثغر على دفعهم ولا يراعى بعد دخول العدو دار الإسلام أن يكونوا مثلين كما يراعى قبل دخوله، بل تراعى القدرة على دفعهم لأن القدرة بعد الدخول ظافر ومثله معترض.
فرع آخر
لو انهزم أهل ذلك الثغر عنهم صار فرض جهادهم متعينًا على كافة الأمة وجهًا واحدًا حتى يرده إلى بلادهم، فإذا ردوه إليها فإن عادوا خاليًا من سبي وأسرى سقط ما تعين من فرض قتاله، وإن عادوا بسبي وأسرى يكون فرض قتاله باقيًا حتى يسترجع ما في أيديهم من السبي وأسرى.
فرع آخر
ألحق الشافعي ﵁ رد جواب السلام وفن الموتى والقيام بطلب العلم وصلاة الجنازة بالجهاد في كونها فرضًا على الكفاية.
فرع آخر
اعلم أنه يتعلق بالسلام حكمان: أحدهما: في ابتدائه. والثاني: في رده. أما ابتداءه فينقسم ثلاثة أقسام: أدب، وسنة، ومختلف فيه، فالأدب سلام المتلاقين وهو خاص لا عام لأنه لو سلم على كل من لقي لتشاغل به عن كل مهم ويخرج به عن العرف وإنما يقصد به أحد أمرين إما أن يكتسب به ردًا، أو ستدفع به بذاءًا قال الله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ قيل: في تأويله ادفع بالسلام إساءة المسيء فصار هذا السلام خاصًا لا عامًا وكان من آداب الشرع لا من سننه لأنه يفعله لاجتلاب تآلفٍ. والأولى في ابتداء السلام أن يبدأ به الصغير على الكبير، والراكب على الماشي، والقائم على القاعد لأن ذلك مروي عن رسول الله ﷺ فإن استويا فأيهما بدأ كان له فضل التحية.
وأما السنة: فسلام القاصد على المقصود وهو عام يبتدئ به كل قاصد على كل مقصود من صغير وكبير وراكب وماشٍ. كان رسول الله ﷺ يبتدئ بالسلام إذا قصد ويبتدئ به إذا لقي وقصد وهذا من سنن الشرع لأنه مندوب إليه لغير سبب مختلف وبين هذا وبين سلام الأدب فرقان: عموم هذا، وخصوص ذاك، وتعيين المبتدئ بهذا
[ ١٣ / ٢٠٧ ]
وتكافؤ ذاك ثم هذا على ضربين: أحدهما: أن يكون المقصود واحدًا فيتعين السلام عليه من القاصد ويتعين الرد فيه على المقصود. والثاني: أن يكون المقصود جماعة وهما ضربان أحدهما: أن يكون عدد الجماعة قليلًا يعمهم السلام الواحد فليس يحتاج في قصدهم إلى أكثر من سلام واحد يقيم به سنة السلام وما زاد عليه من تخصيص بعضهم فهو أدب. والثاني: أن يكون جميعًا لا ينتشر فيهم سلام الواحد كالجامع والمسجد المحفل بأهله فسنة السلام أن يبتدئ به الداخل في أول دخوله إذا شاهد أوائلهم وتؤدى سنة السلام في جميع من سمعه ويدخل في فرض الكفاية الرد جميع من سمعه، فإذا أراد الجلوس فيهم سقطت عنه سنة السلام فيمن لم يسمعه من الباقين وإن أراد أن يجلس فيمن بعدهم ممن لم يسمعه سلامه المتقدم وجهان أحدهما: أن سنة السلام عليهم قد سقطت بالسلام على أوائلهم لأنه جمع واحد فإن سلم عليهم كان أدبًا فعلى هذا أي أهل المسجد رد عليه سقط فرض الكفاية عن جميعهم، والثاني: أن سنة السلام باقية عليه فيمن لم ينتشر فيهم سلامه إذا أراد الجلوس بينهم لأنهم بسلامه أخص فعلى هذا لا يسقط فرضه على الأوائل برد الأواخر.
وأما المختلف فيه فسلام القاصد إذا لزمه الاستئذان على المقصود فيؤمر القاصد بالاستئذان والسلام لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَانِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ وفي قوله: ﴿تَسْتَانِسُوا﴾ تأويلان: أحدهما: أراد حتى تستأذنوا قاله ابن عباس. والثاني: حتى تعلموا أن فيها من يأذن لكم من قوله تعالى: ﴿آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ أي: علم، قاله ابن قتيبة وهل يبتدئ عند الاستئذان بالاستئذان أم بالسلام؟ فيه وجهان: أحدهما: يبتدئ بالاستئذان قبل السلام لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَسْتَانِسُوا وَتُسَلِّمُوا﴾ فعلى هذا يكون الاستئذان واجبًا والسلام سنة. والثاني: يبدأ بالسلام قبل الاستئذان لأنه وإن كان مقدمًا في التلاوة فهو مؤخر في الحكم لما روى محمد بن سيرين أن رجلًا استأذن على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ لرجل عنده: " قم فعلم هذا كيف يستأذن فإنه لم يحسن" فسمعها الرجل فسلم واستأذن قال صاحب "الحاوي": الأولى عندي من اختلاف هذين الوجهين أن يكون محمولًا على اختلاف حالين لا يتعارض فيهما كتاب ولا سنة وهو إن وقعت عين القاصد على المقصود قبل دخوله قدم السلام على الاستئذان على ما جاءت به السنة، وإن لم تقع عينه عليه قدم الاستئذان على السلام على ما جاء به الكتاب العزيز فعلى هذا إذا أمر بأن يبتدئ بالسلام فسلم فهل يكون سلامه استئذانًا ويكون رده إذنًا؟ وجهان: أحدهما: يكون استئذانًا فعلى هذا يكون السلام واجبًا وإعادته بعد الوجوب إذنًا. والثاني: لا يكون استئذانًا ولا يكون رده إذنًا فعلى هذا يكون السلام مسنونًا قد سقطت به سنة السلام بعد الإذن.
[ ١٣ / ٢٠٨ ]
وأما رد السلام فضربان فإن سلم على واحد يكون رده متعينًا على ذلك الواحد سواء كان المسلم مسلمًا أو كافرًا، وقال عطاء: يجب رده على المسلم دون الكافر وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦] بمعنى أحسن منها للمسلم وردوها مثلها للكافر، وقيل: فحيوا بأحسن منها أي: زيادة على الدعاء أو ردوا عليه غير زيادة. وإن كان السلام على جماعة فرده من فروض الكفايات على تلك الجماعة فأيهم تفرد بالرد سقط فرضه عن الباقين والراد منهم هو المختص بثواب رده، فإن أمسكوا عنه حرجوا أجمعين ولا يسقط الفرض عنهم برد غيرهم.
فرع آخر
صفة السلام وصفة الرد تختلف باختلاف المسلّم والراد وذلك ضربان: أحدهما: أن يكون السلام بين مسلمين فصفته من المبتدئ به أن يقول: السلام عليكم سواء كان على واحد أو جماعة إلا أن لفظ الجمع يتوجه إليه وإلى حافظيه من الملائكة وما زاد بعده من قوله: ورحمة الله وبركاته فهو زيادة فضل، وأما الرد فأقله أن يقابله بمثله قال النبي ﷺ: "لا تغار التحية" والغرار: النقصان أي: لا ينتقص من التحية إذا سلم عليك.
والسنة أن يزاد عليه في الرد، روى الحسن البصري أن رجلًا سلم على رسول الله ﷺ فقال النبي ﷺ: "وعليك السلام ورحمة الله وبركاته" ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله فقال النبي ﷺ: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته" ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقال النبي ﷺ: "وعليكم" فقيل: يا رسول الله زدت الأول، والثاني وقلت للثالث وعليكم فقال: "إن الأول والثاني أبقيا من التحية شيئًا فرددت عليهما أحسن من تحيتهما، وإن الثالث جاء بالتحية كلها فرددت عليه مثلها". والثاني: أن يكون السلام بين مسلم وكافر وهذا على ضربين فإن كان الكافر مبتدئًا به يجب على المسلم رد سلامه وفي وصفه رده وجهان: أحدهما: يقول: وعليكم السلام ولا يزيده عليه ورحمة الله وبركاته. والثاني: يقول وعليك لا يزيده لأنه ربما نوى سوءًا بسلامه وقد روى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن اليهود إذا سلم أحدهم عليكم فإنها يقول: السام عليكم"، وقال أبو سليمان الخطابي: كان سفيان يروي عليكم بحذف الواو وهو الصواب وذلك أنه إذا حذف الواو صار قولهم الذي قالوه بعينه مردودًا عليهم، وإذا دخل الواو يقع الاشتراك والدخول معهم فيما قالوه لأن الواو حرف العطف والجمع بين الشيئين. والسام الموت. فإن كان المسلم مبتدئًا ففيه وجهان أحدهما: يجوز أن يبتدئ به لأنه لما كان السلام أدبًا وسنةً كان المسلم يفعله أحق فعلى هذا يقول: السلام عليك
[ ١٣ / ٢٠٩ ]
على لفظ الواحد ولا يذكره بلفظ الجمع ليقع الفرق بين المسلم والكافر. والثاني: لا يبتدئ بالسلام عليه لقوله ﷺ: "لا تبتدئوا اليهود بالسلام فإن بدؤوكم فقولوا وعليكم".
فرع آخر
دفن الموتى وتكفينهم وغسلهم فرض على الكفاية وهل يكون أولياءه فيه أسوة غيرهم؟ فيه وجهان أحدهما: جميع المسلمين فيه أسوة لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، والثاني: أنهم أحق به من غيرهم وإن لم يتعين فرضه عليهم فمأثم تركه فيهم أغلظ لقوله تعالى: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾.
فرع آخر
إذا قلنا بالوجه الأول: لا يجوز لمن علم به من الأقارب والأجانب أن يمسكوا عنه حتى يقوم به أحدهم، وإن قلنا بالوجه الثاني: يجوز أن يفوضوا أمره إلى الأقارب فإن أمسك عنه الأقارب شاركهم في فرضه الأجانب.
فرع آخر
لو لم يعلم بحال الميت إلا واحد تعين فرضه عليه وذلك بألا يوجد غيره ممن يقوم به، وإن وجد غيره ممن يقوم بمواراته فهو فيما تعين عليه من فرضه بين خيارين إما أن ينفرد بمواراته، وإما أن يخبر به من يقوم بمواراته فيسقط فرضه التعيين ويبقى فرض الكفاية على المخبِر والمخبَر حتى يواريه أحدهم فتصير هذه المواراة من فروض الكفاية في العموم ومن فروض الأعيان في الخصوص.
فرع آخر
طلب العلم على أربعة أقسام أحدها: ما تعين فرصه على كل مكلف كالطهارة والصلاة فيلزمه العلم بوجوبه وصفة آدابه على تفصيله لقوله ﷺ: "علموهم الطهارة والصلاة وهم أبناء سبع" ولا يلزم أن يعلم أحكام الحوادث فيها لأنها عارضة وإنما يلزم الراتب من شروطها. والثاني: ما يتعين العلم بوجوبه على كل مكلف في تعيين فرض العلم بأحكامه على بعض المكلفين دون جميعهم وهو الزكاة والحج لأن فرضهما لا يتعين على كل مكلف فيتعين فرض الحكم على من تعين فرض الفعل فيكون برجوعه عامًا وفرض العلم بأحكامه خاصًا. والثالث: ما تعين فرض العلم بوجوبه ولا يتعين فرض العلم بأحكامه وهو تحريم الزنا والقتل وأكل لحم الخنزير فيلزمهم العلم بتحريمه لينتهوا عنه، ولا يلزمهم العلم بأحكامه إذا فعل لأنهم منهيون عنه. والرابع: ما كان فرض العلم به على الكفاية وهو جميع الأحكام من أصول وفروع ونوازل لقوله تعالى: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ وأراد فلولا نفر
[ ١٣ / ٢١٠ ]
من كل فرقة طائفة في الجهاد ليتفقد الطائفة المقيمة، وقيل: أراد فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة في طلب الفقه لتجاهد الطائفة المتأخرة. فإن قيل: فما تأويل قوله ﷺ: "طلب العلم فريضة على كل مسلم". قيل: له تأويلان أحدهما: أراد به علم ما لا يسمع جهله. والثاني: أراد به جميلة العلم إذا لم يقم بطلبه من فيه كفاية.
فرع آخر
إذا ثبت أن طلب العلم من فروض الكفايات توجه فرضه إلي كل من تكاملت فيه أربعة شروط أحدها: أن يكون مكلفًا بالبلوغ والعقل. والثاني: أن يكون ممن يجوز أن يقلد القضاء بالحرية والذكورة لأن تقليد القضاء من فروض الكفايات. والثالث: أن يكون من أهل الذكاء والتصور ليكون فهيمًا للعلم. والرابع: أن يقدر على الانقطاع إليه بما يدمه فإن عجز عنه بعسر خرج من فرض الكفاية لقوله ﷺ: "كفى بالمرة إثمًا أن يضيع من يقوت".
فرع آخر
متى تكاملت هذه الشروط الأربعة في عدل أو فاسق توجه فرض الكفاية إليه، لأن الفاسق مأمور بالإقلاع عن فسقه.
فرع آخر
متى أقام بطلبه من فيه كفاية انقسمت حاله وحال من دخل في فرض الكفاية أربعة أقسام: أحدها: من يدخل في فرض الكفاية ويسقط به فرضها إذا علم وهو من تكاملت فيه الشروط الأربعة إذا كان عدلًا. والثاني: من يدخل في فرض الكفاية ولا يسقط فرضها إذا علم وهو الفاسق لأنه لا يقبل قوله. والثالث: من لا يدخل في فرض الكفاية ويسقط فرضها إذا علم وهو المعسر. والرابع: من لا يدخل في فرض الكفاية وفي سقوط فرضها به وجهان، وهو المرأة، والعبد. أحدهما: يسقط لأن قولهما في الفتاوى مقبول. والثاني: لا يسقط لقصورهما عن ولاية القضاء والله أعلم.
[ ١٣ / ٢١١ ]