مسألة
قال الشافعي ﵀:"من لزمه حق المساكين في زكاةٍ أو كفارةٍ يمينٍ أو حج
[ ١٠ / ٤٣٠ ]
فَذَلِكَ كُلُهُ رَاسِ مَالِهِ يُحَاصُّ بِهِ الغُرَمَاءُ".
قال في الحاوي: أما أخص الحقوق بتركة الميت فهو الكفن، ومؤونة الدفن يقدم على حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين، وإن استوعبت جميع التركة، وأما غيره من الحقوق فضربان:
أحدهما: ما كان من حقوق الآدميين كالديون فلا خلاف أنها لا تسقط بالموت لقول الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، ولقول النبي ﷺ: "نفس الميت معلقة بدينه حتى يقضى" وأما حقوق الله تعالى من الزكوات والكفارات والحج والنذور فمذهب الشافعي أنها لا تسقط بالموت سواء وجبت باختياره كالكفارات والنذور أو بغير اختياره كالزكوات والحج، وقال أبو حنيفة: يسقط جميعها بالموت، وفرق بعض الفقهاء بين ما وجب باختياره فسقط بالموت وما وجب بغير اختياره فلا يسقط بالموت، وعكس بعضهم هذا فأسقط بالموت ما وجب بغير اختياره لم يسقط به ما وجب باختياره، وقد حكى الشافعي هذه المذاهب كلها في كتاب الأم، وقد قدمنا الكلام مع أبي حنيفة في كتاب الزكاة والحج بما أغنى عن الإعادة فإذا تقرر هذه الجملة لم يحل حال بعد الموت فيما لزمه من الحقوق من ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون جميعها من حقوق الآدميين فهي على ثلاثة أضرب:
أحدها: أن يتعلق جميعها بالذمة، فجميع أربابها أسوة في التركة، إن اتسعت لها قضى جميعها، وإن ضاقت عنها تحاصوها بينهم على قدر ديونهم.
والثاني: أن يكون جميعها متعلقة بالعين كالرهن، والعبد الجاني، فإن اختلفت العينان اختص كل واحد منهم بالعين التي تعلق حقه بها وإن تعلقت حقوقهم بعين واحدة اشتركوا فيها بقدر حقوقهم منها.
والثالث: أن يكون بعض الحقوق ثابتًا في الذمة، وبعضها متعلقًا بالعين فيقدم ما تعلق بالعين على ما تعلق بالذمة، لأن صاحب العين قد جمع بين حقين، وتفرد صاحب الذمة بأحدهما.
فصل:
الثانية: أن يكون جميعها من حقوق الله تعالى فهي على ثلاثة أضرب:
أحدها: أن يتعلق جميعها بالذمة كالحج والكفارة والزكاة بعد تلف الحال والنذور المتعلقة بالذمة، فإن اتسعت التركة لجميعها قضيت، فإن فضل عنها شيء كان للورثة وإن استوعبت التركة فلا شيء للورثة، وإن ضاقت التركة عنها قسمت التركة على الحقوق بالحصص، فإن كان ما خرج بقسط الحج يمكن أن يحج به عنه من ميقات بلده أخرج
[ ١٠ / ٤٣١ ]
عنه وإن لم يكن سقط وتدبر من التركة على ما سواه من الحقوق وكذلك حكم العتق في الكفارة إذا لم يمكن فيه تخيير كالعتق في كفارة القتل والظهار إذا ضاق سقط عن تحرير رقبة سقط حكمه، وعاد على ما سواه.
والثاني: أن يكون جميعها متعلقة بالعين، كالزكاة في نصاب موجود والنذور في عتق عبد معين، أو الصدقة بمال معين، فإن تغايرت الأعيان اختصت كل عين بالحق المتعلق بها، وإن اتفقت قسطت على الحقوق المتعلقة بها.
والثالث: أن يختص بعضها بالذمة ويتعلق بعضها بالعين، فالمتعلق بالعين أحق أن يقدم على ما تعلق بالذمة كما ذكرنا في حقوق الآدميين.
فصل:
والثالثة: أن تجمع في تركته حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين فهذا على أربعة أضرب:
أحدها: أن تكون حقوق الله تعالى متعلقة بالعين، وحقوق الآدميين مختصة بالذمة، فيقدم حق الله تعالى المتعلقة بالعين على حقوق الآدميين المتعلقة بالذمة.
والثاني: أن تكون حقوق الله تعالى متعلقة بالذمة وحقوق الآدميين متعلقة بالعين فيقدم حقوق الآدميين على حقوق الله تعالى.
والثالث: أن تكون حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين متعلقة بالذمة ففيها ثلاثة أقاويل:
أحدها: أن حقوق الله تعالى مقدمة على حقوق الآدميين لقول النبي ﷺ: "فدين الله أحق أن يقضى" ولأنها حقوق لا تسقط بالإبراء فكانت أوكد من حقوق الآدميين الساقطة بالإبراء.
والثاني: أن حقوق الآدميين مقدمة على حقوق الله تعالى لأمرين:
أحدهما: أن نفوس الآدميين أشح، والله تعالى بحقوقه أسمح، ولذلك جعل لها أبدالًا وأسقطها بالشبهات.
والثاني: أن مستحقيها متعينون؟ وحقوق الله تعالى لا يتعين مستحقها، وما تعين مستحقة أوكد.
والثالث: أن كلا الحقين سواء لاشتراكهما في الوجوب، وتساويهما في الاستحقاق فتسقط التركة بينهما على قدر الحقين.
والرابع: أن تكون حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين متعلقة بالعين، فإن تغايرت اختصت كل عين بمستحقها، وإن اتفقت في عين واحدة فقد أشار أبو علي بن أبي هريرة إلى وجهين:
أحدهما: أنه يكون على الأقاويل الثلاثة كالمتعلق بالذمة.
[ ١٠ / ٤٣٢ ]
والثاني: أنه يقدم فيها حقوق الآدميين على حقوق الله تعالى قولًا واحدًا لأنها في أيديهم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَإِنْ أَوْصَى بِأَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ فِي كَفَّارَةٍ فَإِنْ حَمَلَ ثُلْثُهُ العِتْقَ أُعْتِقَ عَنْهُ فَإِنْ لَمْ يَحْمِلْهُ الثُّلُثُ أُطْعِمَ عَنْهُ مِنْ رَاسِ مَالِهِ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا مات وعليه كفارة لم يخل حالها أن تكون على الترتيب أو على التخيير، كانت على الترتيب مثل كفارة القتل والظهار لم يخل حالة فيها من أن يوصى بها أو لا يوصى فإن لم يوص أخرجت الكفارة من رأس ماله، فإن احتمل العتق صار من أهله فأعتق عليه، وإن لم تحتمل تركته العتق صار معسرًا به، فلا يعدل عنه إلى الصيام؟ لأنه لا تصح منه النيابة، وعدل عنه إلى الإطعام وإن أوصى بالتكفير عنه لم يخل حاله في الوصية من ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يجعله من رأس ماله فيكون من أصل التركة وتكون الوصية به تأكيدًا.
والثانية: أن يجعله من ثلثه فتصير الوصية في الثلث، وهو بها مرفه على ورثته، فإن وفي العتق من الثلث، وإلا كمل من رأس المال.
والثالثة: أن يطلق الوصية به ولا يسميه من رأس المال ولا من الثلث ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يكون من رأس المال حملًا للوصية على التأكيد.
والثاني: يكون من الثلث حملًا للوصية على التأثير والترفيه.
والثالث: أن ينظر فإن قرن له في الوصية بما يكون في الثلث، صار العتق في الثلث، وإن قرن به ما يكون من رأس المال صار العتق من رأس المال اعتبارًا بالجمع.
فصل:
فإن كانت الكفارة على التخيير مثل كفارة اليمين لم يخل حاله فيها من أن يوصى بها أو لا يوصى، فإن لم يوص بها وجب أن يخرج من رأس ماله أقل الأمرين من الإطعام أو الكسوة فإن عدل الوارث إلى أعلاهما أجزأه، وإن عدل عنهما إلى العتق ففي إجزائه وجهان:
أحدهما: يجزئ لأنه يقوم في التكفير مقام الموروث فاستحق التخيير.
والثاني: أنه لا يجزئ لأنه أدخل في ولاية من لا يستحق عتقه، ويشبه أن يكون هذان الوجهان مخرجين من اختلاف الوجهين فيما أوجبه التخيير في كفارة اليمين.
[ ١٠ / ٤٣٣ ]
فإن قيل بوجوب أحدهما لا بعينه لم يجز العتق لأنه لم يتعين في الوجوب، وإن قيل: إنه موجب لجميعها وله إسقاط وجوبها بإخراج أحدها أجزأ، وإن وصى بالتكفير عنه، فإن لم يتعين مما يكفر به كان كمن لم يوص فيما يكفر به عنه، فيكون على ما مضى، وتكون الوصية إذكارًا أو توكيدًا، وإن عين ما يكفر به عنه لم يخل ما عينه من أحد ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يعين الإطعام الذي هو أقل فيكفر عنه بالإطعام ويكون من رأس المال إلا أن يجعله في الثلث فيصير بالوصية من الثلث.
والثانية: أن يوصى بالكسوة وهو فوق الإطعام ودون العتق، فيكون ما زاد على قيمة الإطعام من الثلث، وهل يصير قدر قيمة الإطعام بذلك من الثلث أم لا؟ على وجهين نذكرهما.
والثالثة: أن يوصى بالعتق فيكون ما زاد على قيمة الإطعام من العتق من الثلث. وفي قدر قيمة الإطعام وجهان:
أحدهما: يكون في الثلث أيضًا، فيصير جميع قيمة العتق من الثلث، فإن امتنع له الثلث أعتق عنه، وإن ضاق الثلث بطلت الوصية بالعتق، وأطعم عنه من رأس المال، ولم يجز أن يقيم قيمة الإطعام إلى ما عجز عنه الثلث من العتق ليستكمل به جميع العتق هذا هو الأظهر في مذهب الشافعي، والمعول من قول أكثر أصحابه.
والثاني: وهو محكي عن أبي العباس بن سريج وأبي إسحاق المروزي أنه يجعل في الثلث من قيمة العتق ما زاد على قيمة الإطعام، ويكون قدر قيمة الإطعام مستحقًا من رأس المال لاستحقاق إخراجه من غير وصية، فإذا ضاق الثلث عن قيمة العتق، وكان في قيمة الإطعام ما يستكمل به قيمة العتق أعتق عنه، وإن عجز عن قيمة العتق بطلت الوصية بالعتق وعدل عنه إلى الإطعام الذي هو فرضه من غير وصية ويكون من رأس ماله، لأن الثلث محل الوصايا دون الفروض والله أعلم.