مسألة:
قال: "وإذا علم الزوج بالولد فأمكنه الحاكم أو من يلقاه له إمكانًا بينًا".
الفصل:
جملته إذا ولدت امرأته لا يخلو من أن يكون حاضرًا أو غائبًا، فإن كان حاضرًا لا يخلو من أن يكون معذورًا أو غير معذور، فإن كان غير معذور لا يختلف المذهب أن نفيه على الإمكان في العرف والعادة، فإن كان على الطعام فرغ منه، وإن كان قد دخل وقت الصلاة، فرغ منها، وإن كان بالليل أصبح، وإن كان عريانًا لبس وسار إلى الحاكم على سجية مشيه وابناه إليه وطالبه بما ينفيه عنه من إحضارها واللعان بينهما، فإن أخر مع
[ ١١ / ٢٤٢ ]
الإمكان الذي وصفناه يبطل النفي. (ق ٣٥ ب) وفيه آخر أن له نفيه إلى ثلاثة أيام، وهو الذي قال في الكتاب، ولو قال قائل: يكون له نفيه ثلاثًا إن كان حاضرًا كان مذهبًا، ونص عليه في القديم، واعترض المزني على هذا الكلام فقال: لا فرق بين الثلاثة والأربعة. وقال: قال الشافعي لمن جعل له نفيه في تسع وثلاثين يومًا وأباه في الأربعين، ما الفرق بين الصمتين، فمثل هذا يلزمه ههنا فقوله في أول الباب أشبه بمعناه عندي. وهو على ما ذكره المزني، ويمكن أن يجاب عن هذا بأن الإنسان لا يستغني عن مراجعة نفسه وما هل زمان وطئه إياها، وإذا نوجي الرجل بأمر لم يهتد في الحال إلى ما هو خير له فلا بد من إمهال والثلاثة زمان قريب، قال الله تعالى في قصة ثمود ﴿فَيَاخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود: ٦٤]، ثم فسر ذلك القريب ثلاثة أيام، فقال: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب، وهذا معنى قول الشافعي: فأمكنه الحاكم أو من يلقاه، لم يرد أنه كان مستقبلًا بما لا بد منه يلزمه أن يبعث وكيله إلى الحاكم ليخبره أنه على النفي، ولكن إذا شهد أنه على النفي كفاه، ثم يبقي الحاكم إن شاء بنفسه، وإن شاء بوكيله، ثم هو يحضر اللعان. وذكر المزني أن الشافعي قال في "القديم" إن لم يشهد حضره ذلك في يوم أ، يومين لم يكن له نفيه، وربما يتوهم أن هذا القول الذي حكاه عن القديم وهو قول التقدير بالثلاثة أو الثنين وليس كذلك، بل هو جواب عن الفور، وهو القول الذي نص عليه في أول هذا الباب، غير أنه إذا أراد تعجيل النفي ربما يصادفه الحكم (ق ٣٦ أ) في الحكم أول وهلة، وربما لا يصادفه، وربما يمنعه مانع فلا يبطل حقه عند ظهور عذره، ولهذا جاء بلفظ التنويع، وقال: يومًا أو يومين. ولو أراد التقدير لما استعمل عبارة التنويع، ثم قال المزني: "لوجاز في يومين لجاز في ثلاثة وأربعة في معنى ثلاثة" الفصل فقال للمزني: لعلك توهمت أن الشافعي في " القديم" ذهب إلى قول ثالث سوى القولين المذكورين في أول هذا الباب، وهو أنه بتقدير بيومين وليس كذلك بل له قولان:
أحدهما: أنه على الفور.
الثاني: أنه يتقدر بثلاثة أيام، وأما التقدير بيومين فليس من قوله وإنما عني به قول الفور على ما ذكرناه.
واعلم أن قوله: "أو من يلقاه له" يوهم أن وكيله يقوم في النفي مقامه وليس كذلك، فإنه لا سبيل إلى التوكيل باللعان ولكنه أراد به جواز التوكيل بالنفي في الحال، ثم قال بعد هذا: وأي مدة قلت له نفيه وفيها فأشهد على نفيه وهو مشغول بما يخاف فوته أو بمرض لم ينقطع نفيه" وهذا يوهم أن الإشهاد شرط في صحة النفي وليس كذلك، وإنما أمر بالإشهاد لنوع من الاحتياط، وهو أن المرأة ربما تدعي أن حبر الولادة بلغه صباح يوم الجمعة، فأعرض عن النفي إلى يوم السبت، فإذا أقام الرجل شاهدين أنه نفى الولد
[ ١١ / ٢٤٣ ]
لما بلغه خبره، وإنما منعه عن الحضور عذر لم يبطل حقه فهذه فائدة الإشهاد.
وأما إذا كان معذورًا لا يمكن من المجيء إلى الحاكم، فإن وجد من ينفذه إليه ويعرفه أنه مقيم على النفي فعل، وإن لم يجد أشهد على نفسه شاهدين أنه مقيم على النفي (ق ٣٦ ب) كالمولى إذا عجز عن الوطء فاء بلسانه في المعذور، وصفة المعذور أن يكون مريضًا أو له مريض يحتاج أن يمرضه، أو كان ملازمًا في دين أو ملازمًا لغريمه يخاف أن يتركه فيخسر ماله وما أشبهه، فإن أمكنه أن يبعث بمن يلقاه فتركه أو أمكنه أن يشهد فلم يفعل بطل حقه ولم يكن له نفيه.
فرع:
لو قال: لم أعلم بالولادة نظر، فإن كان في موضع يخفي عليه مثله، بأن يكون في محلة أخرى أو موضع بعيد منها فالقول قوله مع يمينه، فإذا حلف كان له نفيه وإن كان معها في الدار وفي موضع لا يخفى عليه في الغالب لم يصدق.
فرع آخر:
لو قال: علمت بالولادة ولكني لم أعلم أن لي نفيه، فإن كان فقيهًا لا يخفى عليه مثله لم يصدق، وإن كان حديث العهد بالإسلام أو نشأ في بادية نائية كان القول قوله مع يمينه، وإن كان من العامة الذين نشأوا في بلاد الإسلام فهل يقبل قوله مع يمينه؟ وجهان:
أحدهما: لا يقبل كما لو ترك الرد بالعيب، وقال: لم أعلم أن لي الرد لم يقبل منه.
والثاني: يقبل، لأنه لا يعرفه إلا الخواص من الناس ولا يعرفه العامة فعذروا فيه.
مسألة:
قال: "وإن كان غائبًا فبلغه الخبر فأقام والمسير يمكنه لم يكن له نفيه إلا أن يشهد أنه على نفيه، ثم يقم".
الفصل:
إذا كان غائبًا فبلغه خبر الولادة، فإن أمكنه المسير حين سمع بخروج القافلة في ذلك الوقت فأخره سقط حقه ولم يكن له نفيه، وإن لم يمكنه المسير في الحال لتعذر الرفقة أشهد على نفسه أنه مقيم على النفي (ق ٣٧ أ) وفائدة الإشهاد ما ذكرناه، فإن ترك الإشهاد قال أصحابنا: لم يكن له نفيه، والمراد به إذا لم يظهر أ، هـ مصر على نفيه على ما ذكرنا، ولا يلزمه أن يغرر بنفسه لخروجه وحده ولو كان يلحقه خصران فادح لو عجل المسير في تجارة هو مقبل عليها كان هذا من الأعذار الظاهرة فلا يجعل به مقصرًا،
[ ١١ / ٢٤٤ ]
ومعنى قوله: "فقدم أي قدر ما في العادة غير مضر به ولا يتقاعد مع التمكن من المعدوم، ولو أمكنه المسير فتأخر، وقال: لم أصدق المخبر بالولادة نظر فإن كان الخبر مستفيضًا لم يقبل منه، وإن كان غير مستفيض، وإنما كان خبرًا واحدًا واثنين قبل قوله مع يمينه أنه لم يصدقه، وإن كان المخبر عدلًا؛ لأنه يجوز يعلم منه في الباطن ما يمنعه السكون إلى خبره، فإن حلف على ذلك كان له نفيه، وإن نكل عن اليمين لزمه الولد، هكذا قال جماعة أصحابنا، وقال في "الحاوي" إذا نكل عن اليمين هل يحكم عليه بنكو له وجهان:
أحدهما: يحكم [عليه بنكو له في إبطال دعواه] ويلحقه الولد بالفراش دون النكول ولا ترد [اليمين] على الأم ولا على الولد لأنه لا يراعى فيه تصديقهما ولا يؤثر تكذيبهما.
والثاني: يرد على الأم، فإن [حلفت لزمه الولد، وإن] (٢) نكلت وقفت على بلوغ الولد، فإن نكل انتفى عنه لأن لحوق النسب حق للولد، وفيه من حقوق الأم نفي المعرة عنها هذا إن وقفت على بلوغ الولد لم يؤخذ الزوج بنفقته لأن نسبه على هذا الوجه غير لا حق به.
ومن أصحابنا من قال: إذا أخبره عدلان ظاهرهما العدالة لا يعذر، في قوله لم أصدقهما والأول أظهر.
مسألة:
قال: "ولو رآها حبلى فلما ولدت نفاه، فإن قال: لم أدر لعلة ليس (ق ٣٧ ب) بحمل لاعن".
إذا كانت له زوجة فظهرت بها أمارات الحمل فلم ينفه حتى ولدت، ثم أراد نفيه بعد الوضع قيل له: هلا نفيته قبل الوضع، فإن قال: ما تحققته وظننت أنه ريح يذهب وينفش فالقول قوله مع يمينه وله نفيه؛ لأنه قد يشك فيه هكذا سواء قلنا: الحمل يعرف أو قلنا: لا يعرف، وإن قال: عرفته حملًا صحيحًا ولكني أخرت نفيه رجاء موته أو موت الأم للستر يلزمه الولد ولا يكون له نفيه إلا أن يكون الحال مبتوتة، ففي جواز نفيه بعد ولادته وجهان مبنيان على اختلاف الوجهين في نفي حمل المبتوتة.
فإن قلنا: يلتعن لنفيه قبل الولادة لم يكن لهذا أ، ينفيه ولزمه بعد الولادة. وإن قلنا: لا يلاعن من حمل المبتوتة إلا بعد ولادتها، جاز له نفيه بعد الولادة، وإنما قلنا: كذلك لأن مثل هذا لا يكون عذرًا، كما لو ولدت فسكت عن نفيه، وقال: لعله يموت
[ ١١ / ٢٤٥ ]
فيكون أستر لها ولي، لم يكن له نفيه. وكذلك لو اشترى سلعة فوجد بها عيبًا فسكت عن رده، وقال: إنما سكت لأني قلت لعل هذا العيب يزول لم يكن له الرد.
مسألة:
قال: "ولو هنئ به فرد خيرًا ولم يقر به لم يكن ذلك إقرارًا".
قال أصحابنا: معناه إذا قال له إنسان: بارك الله في مولودك وجعله ولدًا صالحًا فقال: أحسن الله جزاك وبارك فيك، لم يكن هذا إقرارًا. وكذلك إذا قال: رزقك الله مثله لم يكن إقرارًا.
وأما إذا قال: آمين، أو استجاب الله دعاك كان إقرارًا؛ لأنه سأل الله تعالى أن يبارك له في مولوده يجعله ولدًا صالحًا، وذلك اعتراف به. وكذلك لو قال له: ليهنئك الفارس (ق ٣٨ أ) فقال: آمين كان إقرارًا به.
وقال أبو حنيفة: في الصورة الأولى يكون إقرارًا أيضًا، وهذا غلط لما قال الشافعي هذا يحتمل المكافأة ومقابلة الدعاء بالدعاء المحصن لما بيناه فلا يكون رضًا به.
فرع:
لو انتفى من بعض حملها أو قال: إن وضعت في شهر كذا فليس مني، وإن وضعت في شهر كذا فمني وكلتا المدتين ستة أشهر فصاعدًا بعد عقد النكاح لزمه الولد.
مسألة:
قال: "وأما ولد الأمة، فإن سعدًا قال: يا رسول الله إن أخي عتبة كان قد عهد إلى فيه، وقال عبد بن زمعة أخي وابن الوليدة أبي ولد على فراشه فقال رسول الله ﷺ "هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر".
الفصل:
إذا ملك الرجل أمة فقد استباح وطئها بالملك ولم تصر فراشًا له بذلك، فمتى أتت بولد قبل أن يطأها أو بعدما وطئها لدون أقل هذا الحمل لم يلحق به، وكان مملوكًا له كأمة، وإذا ثبت أنه قد وطئها باعترافه أو بالبينة فقد صارت فراشًا بالوطء والولد يلحقه إلا أن ينفيه، ونفيه أن يدعي الاستبراء بعد الوطء ويحلف عليه. وبه قال الأوزاعي، ومالك، وأحمد.
وقال أبو حنيفة، والثوري: لا يلحقه ولدها ما لم يقر نفس الولد فيقول: هذا ولدي، واحتج الشافعي على مذهبه بخبر سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة وقد ذكرناه
[ ١١ / ٢٤٦ ]
في "كتاب الإقرار" فألحق الولد بزمعة لأنه كان قد وطء تلك الجارية، ولم يشترط إقراره بالولد في حال الإلحاق.
وقال عمر بن الخطاب﵁- لا يأتيني وليدة يعترف سيدها أن قد ألم بها إلا ألحقت به (ق ٣٨ ب) ولدها فأرسلوهن بعد أو أمسكوهن. فاعتبر الإلمام به ولم يشترط الاعتراف بالولد.
فإن قيل: أليس عمر بن الخطاب﵁- نفى عن نفسه نفي جارية له مع علمه بأنه كان يطأها قبل؟ أجاب الشافعي- رحمة الله عليه- عنه فقال: "إنما أنكر لأنه سألها فأخبرت أنه من غيره، وأنكر زيد بن ثابت حمل جارية له. والسيد إذا كان على إحاطة من أنها لم يحمل منه فواسع له فيما بينه وبين الله تعالى نفي الولد وإن كان يطأها. وكذلك في امرأته الحرة إلا أنه لا يستغنى في نفي ولد الحرة عن اللعان بخلاف نفي ولد الأمة.
فإذا تقرر هذا نقول: لو اعترف بالوطء ثم ادعى الاستبراء بحيضة لم يلحق به على ما ذكرنا؛ لأن الاستبراء علامة تدل على براءة الرحم.
واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: لابد من دعوى الاستبراء ودعوى الاستبراء استحباب؛ لأن الحرة لا تحتاج إلى دعوى الاستبراء فالأمة أولى، وهو اختيار أبي إسحاق، وهو ظاهر كلام الشافعي، وهو الصحيح، وهكذا ذكره القاضي الطبري.
وقال في "الحاوي": إذا ادعى السيد الاستبراء لنفي الولد وأنكرته الأمة ففي وجوب إخلافه وجهان:
أحدهما: لا يمين عليه، وهذا على الوجه الذي ذكره بعض أصحابنا أن نفيه معتبر بدعوى الاستبراء لا بفعله.
والثاني: وهو قول الجمهور اليمين واجبة إذا قلنا نفيه معتبر بفعل الاستبراء لا بدعواه.
والوجه الأول غلط؛ لأنه إذا كانت دعوى الاستبراء شرطًا في نفيه لم يجز أن يكون كاذبًا في تلك الدعوى، فيقتضي أن يكون فعل الاستبراء شرطًا واجبًا في رفع الفراش ونفي الولد (ق ٣٩ أ) قال: فعلى هذا في كيفية يمينه وجهان:
أحدهما: [يحلف] بالله لقد استبرأها قبل ستة أشهر من ولادته.
والثاني: [يحلف] بالله لقد ولدته لستة أشهر بعد استبرائه، فإن حلف انتفى وإن نكل فيه وجهان:
أحدهما: يكون لاحقًا به بنكوله.
والثاني: ترد اليمين على الأمة، فإن نكلت كانت اليمين موقوفة على بلوغ الولد،
[ ١١ / ٢٤٧ ]
فيحلف بالله أنني والده وجهًا واحدًا، فإن نكل انتفي عنه.
ولو ادعى الاستبراء ثم [أتت] بولد لدون ستة أشهر لحقه وبان أن ذلك الاستبراء لم يكن شيئًا، ولو أتت لستة أشهر فصاعدًا من استبرائها. نص الشافعي أنه لا يلحق به.
وقال ابن سريج: يلحق به إلى أربع سنين كالحرة، قال صاحب "الحاوي": وهذا هو القياس عندي، وفي الفرق بين الحرة والأمة ضعف. ولو ادعت على السيد أنه وطئها وأن الولد منه لم يحلف السيد، وإنما التحليف في المسألة السابقة لإقرار منه سابق بالوطء وهو مدع للاستبراء. ذكره القفال.
فرع:
إذا صارت أم ولده بالإقرار تعين الولد، ثم جاءت بولد ثان وثالث. قال أبو حنيفة: يلحقه ذلك أقر به أو لم يقر إلا أن ينكر فينتفي عنه، وعندنا في هذا الولد الثاني إذا كانت بينه وبين الولد ستة أشهر فصاعدًا حتى لا يكون حملًا واحدًا وجهان:
أحدهما: يلحقه وإن لم يقر بوطء جديد، وهذا بناء على أنه إذا زوج أم ولده فأبانها زوجها وانقضت عدتها فماتت السيدة قبل أن يطأها هل عليها الاستبراء بموت السيد؟ قولان: ففي قول: تعود فراشًا له فعلى هذا يلحقه الولد الثاني (ق ٣٩ ب) من غير إقرار بالوطء.
والثاني: لا تعود فراشًا إلا بوطء جديد وكذلك إذا اشترى امرأته الأمة فأتت بولد لستة أشهر فصاعدًا من وقت الشراء فهل يلحقه من غير إقرار بالوطء؟ فعلى القولين، والصحيح أنه يلحق به وأنها منكوحة فارقت زوجها، فأكثر ما فيه أن تجعل كأن الملك لم يكن وهذا كله ذكره الإمام القفال.
قال: ويخرج على الوجهين أنه لو أقر بوطئها ولم يدع الاستبراء فجاءت بولد لأكثر من أربع سنين من يوم الوطء هل يلحقه؟ فإن جعلناها فراشًا له فهي كفراش النكاح، فمتى أتت بالولد لحق، وإن اعتبرنا الوطء لا غير يلحقه إلى أربع سنين ولا يلحقه أكثر من ذلك.
مسألة:
"ولو قال: كنت أعزل عنها ألحقت الولد به".
أراد به إذا قال: وطئها في الفرج وأنزلت الماء خارج الفرج فوجود هذا العزل وعدته سواء، لأن أحكام الوطء لا تتعلق بالإيلاج ولا يراعى فيه الإنزال، وربما يسبق الماء إلى الفرج وهو لا يشعر به، ولو قال: وطئتها بين الفخذين وعزلت عنه الإيلاج لم يلحق به الولد على الصحيح من المذهب، وقد ذكرنا فيه وجهًا آخر.
[ ١١ / ٢٤٨ ]
فرع:
لو لم يدع الاستبراء وقال: أريد أن أنفيه باللعان، قال بعض أصحابنا: فيه قولان:
أحدهما: له ذلك لأنه دون ولد الحرة.
والثاني: ليس له ذلك لأنه يمكنه نفيه بدعوى الاستبراء فلا حاجة به إلى اللعان. هكذا ذكره من الشامل ولعله ذكر القولين برواية أحمد عن الشافعي، وقد ذكرنا ما قيل فيه.
مسألة:
قال: "وقال بعض الناس (ق ٤٠ أ) لو ولدت جارية له يطأها فليس هو ولده إلا أن يقر به فإن أقر بواحد، ثم جاءت بعده بآخر فله نفيه لأن إقراره بالأول ليس بإقرار بالثاني وله عنده أن يقر بواحد وينفي ثانيًا وبثالث وينفي رابعًا، ثم قال: ولو أقر لواحد ثم جاءت بعده بولد فلم ينفيه حتى مات فهو ابنه ولم يدعه قط".
هكذا حكي الشافعي عن أبي حنيفة وألزمه أنه إن كان الإقرار شرطًا في إلحاقه فهلا نفاه عنه إذا مات قبل إقراره به، وإذا ألحقه من غير إقرار فالولد للحي مثله، ومنهم من يقول: هذا ليس بمذهب أبي حنيفة بل مذهبه ما ذكرنا عن القفال.
مسألة:
قال: "ثم قالوا إن قاضيًا زوج امرأة رجلًا في مجلس القضاء ففارقها ساعة ملك عقدة نكاحها ثلاثا ثم جاءت بولد لستة أشهر لزم الزوج".
الفصل:
إنما ذكر الشافعي هذا ليبين أنهم أبعد الناس قولًا حيث قالوا مع وجود الوطء في ملك اليمين: لا يلحقه الولد، ومع غير إمكان الوطء في النكاح يلحقه، وهو أنه لو نكحها ثم طلقها في الحال بين يدي الناس ثلاثًا ثم جاءت بولد لستة أشهر لا تزيد ولا تنقص لحقه، فإن زاد لم يلحقه بخلاف ما لو دخل بها فإنه يلحقه إلى سنتين عندهم، وأبلغ من هذا أنه لو علق طلاقها بالنكاح، فنكحها وطلقت من غير فصل فالحكم هذا، وعندنا وإمكان الوطء شرط. وعلى هذا لو غاب عن زوجته غيبة بعيدة بحيث لم يصل إليها بل كان شاهده من صحبة هناك وشاهدها من صحبتها على مر الأيام حيث هي، فجاءت بولد في زمان غيبته لحقه عندهم، وعندنا لا يلحقه إذا جاءت به لأكثر من أربع سنين من يوم غيبته والغيبة بهذه الصلة (ق ٤٠ ب) لأن الإمكان شرط، وإن لم يكن العلم بحصول الوطء شرطًا، وهذه المسألة معروفة بالمشرقي والمغربية؛ فرضها في ملك المشرق
[ ١١ / ٢٤٩ ]
إذا سار إلى ملك المغرب فزوجه ابنته التي بالمشرق فأتت بولد لستة أشهر من حين العقد.
قال أبو حنيفة: يلحق، وهذا من المحال الظاهر؛ لأن القاضي وغيره يعلمون بقينًا أنه لم يخلق من مائه فكيف يجوز إلحاقه به؟ وهل يكون الفراش إلا بالوطء وأين الوطء ههنا.
فرع:
لو ارتد وقذف امرأته ولاعن، ثم أسلم في العدة صح، وإن لم يسلم حد إن لم تقم بينة.
فرع آخر:
لو كانت تحته أربع نسوة فقال: إحداكن زانية قيل: بين، فإن قال: ما أردت واحدة لم يقبل منه، وإن قال: ألاعن من التي قذفتها ولا أعين لا يجوز.
فرع آخر:
لو قال: إن قذفتك فأنت طالق ثلاثًا، فقذفها طلقت وله أن يلاعن.
[ ١١ / ٢٥٠ ]