ومن يجب عليه القصاص ومن لا يجب
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] الآية وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣] وقال ﵇: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس".
قال في الحاوي: الأصل في ابتداء القتل وتحريمه ما أنزل الله جل أسمه على رسوله ﷺ من قصة ابني آدم ﵇ هابيل، وقابيل حتى بلغ الأمة وأنذرها، فقال: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ [المائدة: ٢٧] يعني بالصدق، ويريد بابني آدم قابيل القاتل، وهابيل المقتول. ﴿إذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾ [المائدة: ٢٧] وسبب قربانهما أن آدم أقر أن يزوج كل واحد من ولده بتوأمه أخيه، فلما هم هابيل أن يتزوج بتوأمه قابيل منعه منها، وقال: أنا أحق بها منك.
وفي سبب هذا القول منه قولان:
أحدهما: لأن قبيل وتوأمته كانا من ولادة الجنة، وهابيل وتوأمته كانا من ولادة الأرض.
والثاني: لأن توأمه قابيل كانت أحسن من توأمه هابيل فاختصما إلى آدم فأمرهما أن يقربا قربانًا، وكان هابيل راعيًا، فقرب هابيل سمينة من خيار ماله، وكان قابيل
[ ١٢ / ٣ ]
حراثًا، فقرب حزمه زرع، فنزلت نار من السماء فرفعت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، وكان ذلك علامة القبول فازداد حسد قابيل لهابيل، فقال: "لأقتلنك": ﴿قَالَ إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ (٢٧) لَئِن بَسَطتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ العَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٧ - ٢٨] فلم يمنع عن نفسه، لأنه لم يؤذن له في المنع منها وهو مأذون فيه الآن، وفي وجوبه للفقهاء قولان: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣٠] فيه تأويلان:
أحدهما: شجعت قاله مجاهد.
والثاني: زينت قاله قتادة.
﴿فَقَتَلَهُ﴾ [المائدة: ٣٠] قيل: بحجر شرخ به رأسه ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٣٠] لأنه خسر أخاه وديته ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١] لأنه ترك أخاه على وجه الأرض ولم يدفنه، لأنه لم ير قبله مقتولًا ولا ميتًا، وفي بحث الغراب قولان:
أحدهما: بحث الأرض على ما يدفنه فيها لقوته قتنبه بذلك على دفن أخيه.
والثاني: أنه بحث على غراب ميت حتى دفنه: ﴿قَالَ يَا ويْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾ [المائدة: ٣١] فدفنه حينئذ وواراه فأصبح من النادمين فيه وجهان:
أحدهما: من النادمين، على قتل أخيه.
والثاني: من النادمين على أن ترك مواراة سوأة أخيه، ثم قال تعالى بعدما أنهاه من حال ابني آدم: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ومَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] أن خلصها من قتل وهلكة وسماه إحياء لما فيه من بقاء الحياة، وإن كان الله تعالى هو المحيي، وفي تسميته بقتل الناس جميعًا وإحياء الناس جميعًا تأويلان:
أحدهما: فكأنما قتل جميع الناس عند المقتول، وكأنما أحيا الناس عند المستفيد وهذا قول ابن مسعود.
والثاني: أن على جميع الناس دم القاتل، كما لو قتلهم جميعًا وعليهم شكر المحيي كما لو أحياهم جميعًا، وهذا أصل في تحريم القتل.
وقد روى معمر عن الحسن عن النبي ﷺ أنه قال: "إن ابني آدم ضربًا مثلًا لهذه الأمة فخذوا من خيرهما ودعوا شرهما".
وقال: ﴿مَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] الآية وهذا أغلظ وعيد يجب
[ ١٢ / ٤ ]
في أغلظ تحريم حتى قال ابن عباس: لأجل ما تضمنته هذه الآية من الوعيد أن توبة القاتل غير مقبولة، وتعلقًا بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ما نازلت ربي في شيء كما نازلته في توبة قاتل العمد فأبى علي" وذهب من سواه إلى قبول توبته لقول الله تعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلى قوله: ﴿إلاَّ مَن تَابَ﴾ فاستثناه من الوعيد، فدل على قبول توبته.
فإن قيل: هذه الآية نزلت قبل الآية الأولى بستة أشهر فلم يجز أن تنسخ ما بعدها.
قيل: ليس فيها نسخ، وإنما فيها إثبات شرط، والشرط معمول عليه تقدم أو تأخر، فأما الخبر المحمول على المبالغة في الزجر لئلا يسارع الناس على القتل تعويلًا على التوبة منه، وفي قول النبي ﷺ: "باب التوبة مفتوح" ما يقتضي حمله على هذا مع قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٥] وقول النبي ﷺ أن الله تعالى لم ينزع التوبة عن أمتي إلا عند الحشرجة" يعني وقت المعاينة.
وأما تحريم القتل بالسنة فروى أبو أمامة بن سهل عن عثمان، وروى مسروق عن ابن مسعود، وروى عكرمة عن ابن عباس، وروى عبيد بن عبيد بن عمير عن عائشة، كلهم يتفقون مع اختلاف الألفاظ على معنى واحد أن النبي ﷺ قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بأحدث ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنًا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس".
وروى أبو سعيد الخدري وأبو هريرة أن النبي ﷺ مر بقتيل فقال: من لهذا؟ فلم يذكر له أحد فغضب ثم قال: "والذي نفسي بيده لو تمالأ عليه أهل السماء والأرض لأكبهم الله في النار".
وروى ابن مسعود قال: سألت رسول الله ﷺ أي الكبائر أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندًا وهو خلقك" قلت: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك مخافة أن يأكل معك". قلت: ثم أي؟ قال: "أن تزني بحليلة جارك".
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "من أعان على قتل امرئ مسلم ولو بشطر كلمة لقي
[ ١٢ / ٥ ]
الله مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله".
وروي عن النبي ﷺ أنه قال في حجة الوداع: "ألا أن دماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، اللهم اشهد".
فصل:
فإذا ثبت تحريم القتل بالكتاب والسنة مع انعقاد الإجماع وشواهد العقول فالقصاص فيه واجب لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالْحُرِّ والْعَبْدُ بِالْعَبْدِ والأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وأَدَاءٌ إلَيْهِ بِإحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] يعني أن العفو يوجب استحقاق الدية، يطالب بها الولي بمعروف، ويؤديها القاتل إليه بإحسان، ذلك تخفيف من ربكم ورحمة، يعني: التخيير بين القصاص والدية، وتخفيف من الله تعالى على هذه الأمة، لأن قوم موسى ﵇ أوجب عليهم القصاص دون الدية، وقوم عيسى ﵇ أوجب عليهم الدية دون القصاص، وخيرت هذه الأمة بين الأمرين، فكان تخفيفًا من الله تعالى ورحمة وقال: ﴿ولَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] لأن القصاص وإن لم يكن في استيفائه حياة فوجوبه سبب للحياة، لأن القاتل إذا علم بوجوب القصاص عليه كف عن القتل، ولم يقتص منه فصار حياة لهما، وهذا من أوجه كلام وأوضح معنى.
وقيل: إنه في التوراة: يا بني إسرائيل لا تقتلوا تقتلوا، بين المعنيين فرق إذا سبر، وتعاطت العرب مثل ذلك، فقالوا: القتل أنفي للقتل، وكان لفظ القرآن أفصح، ومعناه أوضح وكلامه أوجز، وقال: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] فيه تأويلان:
أحدهما: أنه القصاص، وهو قول قتادة.
والثاني: أنه الخيار بين القصاص والدية، أو العفو عنهما، وهو قول ابن عباس. فلا يسرف في القتل فيه تأويلان:
أخدهما: أن يقتل غير قاتله، وهو قول طلق بن حبيب.
والثاني: يمثل به إذا اقتص وهو قول ابن عباس.
وتأوله سعيد بن جبير وداود تأويلًا ثالثًا: أن يقتل الجماعة بالواحد. إنه كان منصورًا فيه تأويلان.
أحدهما: أن الولي كان منصورًا بتمكينه من القصاص وهو قول قتادة.
والثاني: أن المقتول كان منصورًا بقتل قاتله، وهو قول مجاهد، وقال: ﴿وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا
[ ١٢ / ٦ ]
أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ والْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ﴾ [المائدة: ٤٥] له فيه تأويلان:
أحدهما: فهو كفارة له للمجروح وهو قول الشعبي.
والثاني: فهو كفارة للجارح، لأنه يقوم مقام أخذ الحق منه، وهو قول ابن عباس.
فإن قيل: فهذا إخبار عن شريعة من قبلنا، وهي غير لازمة لنا.
قيل: في لزومها لنا وجهان:
أحدهما: يلزمنا ما لم يرد نسخ.
والثاني: لا يلزمنا إلا أن يقوم دليل، وقد قام الدليل بوجوب ذلك علينا من وجهين.
أحدهما: أنه قد قرأ أبو عمرو: ﴿والْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] بالرفع وهذا خارج عن الخبر إلى الأمر.
والثاني: ما روي عن حميد عن أنس قال: كسرت الربيع بنت مسعود وهي عمة أنس ثنية جارية من الأنصار، فطلب القوم القصاص فأتوا النبي ﷺ فأمر بالقصاص فقال أنس بن النضر، عم أنس بن مالك: لا والله لا تكسر ثنيتها يا رسول الله.
فقال رسول الله ﷺ: "كتاب الله القصاص" فرض وقبلوا الأرش فقال رسول الله ﷺ: "إن من عباد الله لو أقسم على الله لأبر قسمة" ذكره البخاري في الصحيح.
فموضع الدليل من أنه أخبر بأن كتاب الله موجب للقصاص في السن ولم يذكره إلا في هذه الآية فدل على لزمها لنا، ويدل على وجوب القصاص من السنة ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل، وأنا والله عاقله، فمن قتل قتيلًا فأهله بين خيرتين أن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل".
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "من قتل قتيل فهو به بسواء" يعني سواء فإذا ثبت وجوب القصاص، وهم معتبر بالتكافئ على مسا سنذكره تعلق بالقتل حقان.
أحدهما: لله.
والثاني: للمقتول.
فأما حق الله فشيئان الكفارة والمأثم.
فأما الكفارة فلا تسقط بالتوبة، وأما المأثم فيسقط بالتوبة على ما قدمناه، والتوبة معتبر بثلاثة شروط:
أحدها: الندم على قتله، وترك العزم على مثله، وتسليم إلى ولي المقتول، ليقتص منه أو يعفو عنه.
[ ١٢ / ٧ ]
وأما حق المقتول، فأحد أمرين يرجع فيها إلى خيار وليه في القصاص أو الدية، ولا يجوز أن يجمع بين الأمرين.
وروي أن مقيس بن صبابة أتى رسول الله ﷺ يطالبه بدم أخيه وقد قتله بعض الأنصار، فحكم له بالدية، فأخذها ثم عدا على قاتل أخيه وعاد إلى مكة مرتدًا.
وأنشأ يقول:
شفي النفس أن قد بات بالقاع مسندًا تضرج ثوبيه دماء الأخادع
ثأرت به قهرًا وحملت عقله سراة بني النجار أرباب فارع
حللت به وترى وأدركت ثؤرتي وكنت عن الإسلام أول راجع
فقتله رسول الله ﷺ بمكة عام الفتح صبرًا.
وهو أحد الستة الذين أمر بقتلهم، وإن تعلقوا بأستار الكعبة.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وإذا تكافأ الدمان من الأحرار المسلمين أو العبيد المسلمين، أو الأحرار المعاهدين، أو العبيد منهم، قتل من كل صنف مكافئ في دمه منهم الذكر قتل بالذكر وبالأنثى، والأنثى إذا قتلت بالأنثى وبالذكر".
قال في الحاوي: والمكافأة معتبر في وجوب القصاص على تفصيل أقسامها، وهي منقسمة ثلاثة أقسام: مكافأة في الأجناس، ومكافأة الأنساب، ومكافأة في الأحكام.
فأما مكافأة الأجناس: فهو الذكور بالذكور والإناث بالإناث، فهو غير معتبر عند الفقهاء بأسرهم، وهو قول جمهور الصحابة والتابعين فيجوز أن يقتل الذكر بالذكر وبالأنثى، وتقتل الأنثى بالأنثى وبالذكر. وحكي الحسن البصري عن علي بن أبي طالب ﵇ أنه قال: لا يقتل الذكر بالأنثى إلا أن يؤخذ منها نصف الدية ثم يقتل بها. وبه قال عطاء استدلالًا بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالْحُرِّ والْعَبْدُ بِالْعَبْدِ والأُنثَى بِالأُنثَى﴾ [البقرة: ١٧٨] فلما لم يتكافأ الأحرار والعبيد لم يتكافأ الذكور والإناث، ولأن تفاضل الديات تمنع من التماثل في القصاص كما يمنع تفاضل القيم في المتلفات من التساوي في الغرم.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] فعم من غير تخصيص.
وروى أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلك كتب كتابًا إلى أهل اليمن فيه الفرائض والسنن، وأنفذه مع عمرو بن حزم، وكان فيه: "يقتل الذكر
[ ١٢ / ٨ ]
بالأنثى" وهذا نص.
وروى قتادة عن أنس بن مالك أن يهوديًا مر بجارية عليها حلي لها، فأخذ حليها، وألقاها في بئر فأخرجت وبها رمق، فقيل: من قتلك؟ قالت: فلان اليهودي، فانطلق به إلى رسول الله ﷺ فاعترف فأمر به فقتل.
ولأن الأحكام ضربان: ضرب تعلق بحرمة كالحدود فيستوي فيه الرجل والمرأة، وضرب تعلق بالمال كالميراث، فتكون المرأة فيه على النصف من الرجل والقود متعلق بالحرمة فاستوت فيه المرأة والرجل.
والدية متعلقة بالمال فكانت المرأة فيه على النصف من الرجل. ولأن القصاص إن وجب فبذل المال معه لا يجب وإن لم يجب القصاص فبذل المال لا يجب.
فأما قوله: ﴿والأُنثَى بِالأُنثَى﴾ فليس يمنع قتل الأنثى بالأنثى من قتل الذكر بالأنثى، لأن الحكم المعلق بعين لا يقتضي نفيه عما عداها.
وأما اختلاف الديات فلا يمنع من التماثل في القصاص كتفاضل الديات بين أهل الكتاب والمجوس وهم متساوون في القصاص.
فصل:
وأما التكافؤ بالأنساب فغير معتبر بالإجماع فيقتل الشريف بالدنيء، والدنيء بالشريف، والعربي بالعجمي، والعجمي بالعربي.
روي عن النبي ﷺ: "المسلمون تتكافأ دماؤهم" وقال ﷺ: "أئتوني بأعمالكم ولا تأتوتي بأنسابكم".
وروي عن النبي ﷺ أنه قال في حجة الوداع: "من له علي مظلمة أو له قبلي حق فليقم ليأخذ حقه فقام له رجل يقال له عكاشة، فقال: لي عليك مظلمة ضربتين بالسوط على بطني يوم كذا، فكشف رسول الله ﷺ عن بطنه وقال: قم فاقتص، فبكى الرجل، وقال: عفا الله عنك يا رسول الله.
وروي عنه ﷺ أنه قال: "إنما هلك من كان قبلكم بأن الشريف كان إذا أتى الحد لم يحد وحد الدنيء".
وأما تكافؤ الأحكام فكالأحرار مع العبيد، والمسلمين مع المعاهدين فهو عندنا معتبر، وإن خولفنا فيه وسنذكره فيما يليه. وأصل التكافؤ في الحرية على ما سيأتي بيانه.
[ ١٢ / ٩ ]
مسألة:
قال الشافعي: "ولا يقتل مؤمن بكافر لقول النبي ﷺ: لا يقتل مؤمن بكافر" وإنه لا خلاف أنه لا يقتل بالمستأمن وهو في التحريم مثل المعاهد. قال المزني ﵀: فإذا لم يقتل بأحد الكافرين المحرمين لم يقتل بالآخر. قال الشافعي ﵀: قال قائل: عنى النبي ﷺ: لا يقتل مؤمن بكافر حربي فهل من بيان في مثل هذا يثبت؟. قلت: نعم قول النبي ﷺ: "لا يرث المؤمن الكافر ولا الكافر المؤمن فهل تزعم أنه أراد أهل الحرب لأن دماءهم وأموالهم حلال؟ قال: لا ولكنها على جميع الكافرين لأن اسم الكفر يلزمهم.
قلنا: وكذلك لا يقتل مؤمن بكافر، لأن اسم الكفر يلزمهم فما الفرق؟ قال قائل: روينا حديث ابن البيلماني، قلنا: منقطع، وخطأ إنما روي فيما بلغنا أن عمرو بن أمية قتل كافرًا كان له عهد إلى مدة، وكان المقتول رسولًا فقتله النبي ﷺ به، فلو كان ثابتًا كنت قد خالفته، وكان منسوخًا لأنه قتل قبل الفتح بزمان، وخطبة رسول الله ﷺ "لا يقتل مؤمن بكافر" عام الفتح، وهو خطأ لأن عمرو بن أمية عاش بعد النبي ﷺ دهرًا وأنت تأخذ العلم ممن بعد ليس لك به معرفة أصحابنا.
قال في الحاوي: أما تكافؤ الأحكام بالحرية والإسلام فمعتبر عندنا فيقتص من الأدنى بالأعلى ولا يقتص من الأعلى بالأدنى، وهو أن يقتل الكافر بالمسلم، ولا يقتل المسلم بالكافر، وسواء كان الكافر ذميًا، أو معاهدًا، أو حربيًا، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق.
قال أبو حنيفة: يقتل المسلم بالذمي، ولا يقتل بالمعاهد والحربي، وقال الشعبي: يقتل المسلم بالكتابي، ولا يقتل بالمجوسي.
واستدلوا بعموم قول الله تعالى: ﴿وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وبقوله: ﴿ولَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] ورواية ابن البيلماني أن النبي ﷺ قتل مسلمًا بكافر وقال: "أنا أحق من وفي بذمته".
وبما روي أن عمرو بن أمية الضمري قتل مشركًا، فقتله رسول الله ﷺ.
وروي أن أبا موسى الأشعري كتب إلى عمر بن الخطاب ﵁ يسأله عن مسلم قتل نصرانيًا فكتب إليه عمر أن يقتاد منه.
ومن القياس: أن كل من قتل به الكافر جاز أن يقتل بالكافر كالكافر.
لأن كل من قتل بأهل ملته جاز أن يقتل بغير أهل ملته كقتل اليهودي بالنصراني.
[ ١٢ / ١٠ ]
ولأن المسلم قد ساوى الذمي حقن دمهما على التأبيد، فوجب أن يجري القصاص بينهما كالمسلمين.
ولأن حرمة نفس الذمي أغلظ من حرمة ماله وقد ثبت أن يد المسلم تقطع بسرقة ماله، فكأن أولى أن يقتص من يده بيده، لأن كافرًا لو قتل كافرًا ثم أسلم القاتل لم يمنع إسلامه من الاستيفاء للقود، كذلك لا يمنع من وجوب القود، ولأنه لما جاز للكافر قتل المسلم دفعًا عن نفسه كان قبله قودًا بنفسه، لأنهما في الحالين قتل مسلم بكافر.
ودليلنا قوله: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وأَصْحَابُ الجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] فكان نفي التساوي بينهما يمنع من تساوي نفوسهما، وتكافؤ دمائها، فإن قيل: ليس يجوز أن يقطع على هذا المسلم بالجنة لجواز كفره، ولا على الكافر بالنار لجواز إسلامه.
قيل: الحكم وارد في عموم الجنسين دون أعيان الأشخاص، وقد قطع لأهل الإيمان بالجنة وأهل الكفر بالنار وقال تعالى: ﴿ولَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] وهذا وإن كان بلفظ الخبر فالمراد به النهي، لأن الخبر لا يجوز أن يكون بخلاف مخبره، وقد نرى لكافر سبيلًا على المسلم بالتسلط واليد، ونفي السبيل عنه يمنع من وجوب القصاص عليه.
فإن قيل: وهو محمول على أن لا سبيل له عليه في الحجة والبرهان، فعنه جوابان:
أحدهما: أنه محمول على العموم اعتبارًا بعموم اللفظ.
والثاني: أننا نعلم أنه لا سبيل له عليه بالحجة الدالة بهذه الآية فلم يجز حملها على ما هو معلوم بغيرها.
ويدل عليه من السنة وهو المعتمدة في المسألة ما رواه أبو هريرة وعمران بن الحصين أن النبي ﷺ قال: لا يقتل مؤمن بكافر".
وروى معقل بن يسار أن النبي ﷺ قال: "لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده".
وروى قتادة عن الحسن عن قيس قال: انطلقت أنا والاشتر إلى علي بن أبي طالب رضوان الله عليه فقلنا له: هل عهد إليك رسول الله ﷺ لم يعهده إلى الناس عامة؟ فقال: لا إلا ما في هذا الكتاب، وأخرج كتابًا من قراب سيفه فإذا فيه: "المسلمون تتكافأ دماءهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم. ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده".
[ ١٢ / ١١ ]
وروى حماد عن جابر عن الشعبي عن علي بن الحسين قال: أخرج أبي سيف رسول الله ﷺ فإذا فيه العقل على المؤمنين عامة ولا يترك مفرج في الإسلام، ولا يقتل مسلم بكافر.
والمفرج الذي لا يكون له قبيلة ينضم إليها فأمر أن يضم إلى قبيلة يضاف إليها حتى لا يكون مفردًا.
فدلت هذه النصوص كلها على أن لا يقتل مسلم بكافر.
فإن قالوا المراد بقوله: "لا يقتل بكافر" أي بكافر حربي، لأنه قال: "ولا ذو عهد في عهده" وذو العهد يقتل بالمعاهد، ولا يقتل بالحربي، ليكون حكم العطف موافقًا لحكم المعطوف عليه فعنه جوابان:
أحدهما: أن قوله: "لا يقتل مؤمن بكافر" يقتضي عموم الكفار من المعاهدين، وأهل الحرب فوجب حمله على عمومه ولم يجز تخصيصه بإضمار وتأويل، وقوله: "ولا ذو عهد في عهده" كلام مبتدأ أي: لا يقبل ذو العهد لأجل عهده، وأن العهد من قبله حقنًا لدماء ذوي العهود.
والثاني: أن قوله: "لا يقتل مؤمن بكافر" محمول على العموم في كل كافر من معاهدي وحربي.
ولا ذو عهد في عهده محمول على الخصوص في أنه لا يقتل بالحربي، وإن قتل بالمعاهد لأنه ليس تخصيص أحد المذكورين موجبًا لتخصيص الآخر.
ويدل على ذلك ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لو كنت قاتلًا مسلمًا بكافر لقتلت خدامًا بالهذلي" ولو جاز قتله ببعض الكفار دون بعض غيره ولم يطلقه، ويدل عليه من طريق الاعتبار أن المسلم لما لم يقتل بالمستأمن لم يقتل بالذمي.
وللجمع بينهما ثلاث علل:
أحداهن: أنه منقوض بالكفر، فوجب إذا قتله مسلم أن لا يقاد به كالمستأمن.
والثانية: أن من لم يمنع دينه من استرقاقه لم يقتل به من منع دينه من استرقاقه كالمستأمن.
فإن قيل: هذا منتقض بالكافر إذا قتل كافرًا ثم اسلم القاتل فإنه يقتل به، وإن كان مسلمًا فعنه جوابان:
أحدهما: إن في شرط العلة إذا قتله مسلم، وهذا قتله وهو كافر، فلم تنتقض به العلة.
والثاني: أن التعليل للجنس فلا تنتقض إلا بمثله.
فإن قيل: المستأمن ناقص الحرمة، لأن دمه محقون إلى مدة بخلاف الذمي فإنه تام
[ ١٢ / ١٢ ]
الحرمة، محقون الدم على التأييد، فأشبه المسلم فعنه جوابان:
أحدهما: أن اختلاف الحرمتين في المدة لا يمنع من تساويهما في الحكم مع بقاء المدة، ألا ترى أن تحريم الأجنبية مؤقتة، وتحريم ذات المحرم مؤبد، وقد استويا في وجوب الحد في الزنا كذلك ها هنا.
والثاني: أن للنفس بدلين: القود والدية، فلما لم يمنع اختلافهما في الحرمة من تساويهما في الدية لم يمنع من تساويهما في القود، ولأن حد القذف يجب بهتك حرمة العرض، والقود يجب بهتك حرمة النفس، فلما سقط عن المسلم حد قذفه كان أولى أن يسقط عنه القود في نفسه، لأن أخذ النفس أغلظ من استيفاء الحد.
فأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] فمن وجهين:
أحدهما: أنه عائد إلى بني إسرائيل وكانوا أكفاء فلم يجز حكمهم على غير الأكفاء.
والثاني: أنه عموم خص بدليل.
فأما قوله تعالى: ﴿ولَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] فهو قصاص لهم فلم يجز أن يفعل قصاصًا عليهم.
وأما حديث عبد الرحمن بن البيلماني أن النبي ﷺ قتل مسلمًا بكافر فهو حديث ضعيف لا يثبته أصحاب الحديث، ثم مرسل، لأن ابن البيلماني ليس بصحابي، والمراسيل عندنا ليست بحجة، ولو سلم الاحتجاج به لما كان فيه دليل، لأنها قضية في عين لا تجري على العموم. وقد يجوز أن يكون القاتل اسلم بعد قتله فقتله به، وإذا احتمل هذا وهذا وجب التوقف عن الاحتجاج.
وأما حديث عمرو بن أمية الضمري فقد أجاب الشافعي عند بثلاثة أجوبة:
أحدها: أن طريقة بن أمية الضمري عاش بعد النبي ﷺ، ومات في زمن معاوية، فاستحال ما أضيف إليه.
ولهذا قال الشافعي: وأنت تأخذ العلم، من بعد ليس لك به معرفة أصحابنا يعني: أهل الحرمين، لأن رسول الله ﷺ كان بينهم فكانوا بأقواله وأصحابه أعرف.
والثالث: أن في روايتهم أنه قتله رسول مستأمن، وعندهم أن المسلم لا يقتل بالمستأمن، فلم يكن لهم فيه دليل.
وأما حديث عمر فقد روى أن معاذ بن جبل أنكر عليه.
وروى له عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يقتل مؤمن بكافر" وأن زيد بن ثابت قال له: لا تقتل أخاك بعبدك فرجع عنه، وكتب إلى أبي موسى أن لا تقتله به، فصار ذلك إجماعًا.
[ ١٢ / ١٣ ]
وأما قياسهم على المسلم فالمعنى فيه أنه حقن دمه بدينه وأن دينه يمنع من استرقاقه فخالف الكافر.
وأما قياسهم على قتل اليهودي بالنصراني فلا يصح، لأن الكفر كله عندنا ملة واحدة، وإن تنوع، فلذلك جرى القود بينهما، وملة الإسلام مخالفة لهما ومفضلة عليهما.
وقولهم: إن حرمة النفس أغلظ من حرمة المال، والمسلم يقطع في مال الكافر فكان أول أن يقتل بنفس الكافر.
فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أن القطع في السرقة حق الله تعالى لا يجوز العفو عنه فجاز أن يستحق في مال الكافر كما يستحق في كال المسلم والقود من حقوق الآدميين لجواز العفو عنه فلم يستحقه كافر على مسلم.
والثاني: أنه لما جاز قطع المسلم بسرقة مال المستأمن، ولم يقتل به، جاز أن يقطع في مال الذمي، وإن لم يعتد به.
وقياسهم على الكافر فالمعنى فيه تساويهما في الدين.
وقولهم: إنه يقتل به لو اسلم بعد قتله، فكذلك إذا كان مسلمًا قبل قتله لا وجه له لأن القود حد، والحدود تعتبر بحال الوجوب، ولا تعتبر بما بعده، لأن مجنونًا لو قتل ثم عقل لم يجب عليه القود، ولو كان عاقلًا وقت القتل، ثم جن وجب عليه القود، وقد ذهب الأوزاعي إلى أنه لا يقتل به الكافر، إذا أسلم تمسكًا بظاهر قوله: لا يقتل مؤمن بكافر" وإن خالفناه فيه بالمعنى الذي قدمناه.
وقولهم: لما جاز أن يقتله دفعًا، جاز أن يقتله قودًا، فيفسر من وجهين:
أحدهما: أن المستأمن يجوز له قتل المسلم دفعًا ولا يجوز أن يقتل به قودًا.
والثاني: بالمال يجوز أن يقتل المسلم بدفعه عنه ولا يقتل ما بدفعه عليه.
وفيما تتجافاه النفوس من قتل المسلم بالكافر ما يمنع من القول به، والعمل عليه.
حكي يحيي بن زكريا الساجي عن موسى بن إسحاق الأنصاري عن علي بن عمرو الأنصاري أنه رفه إلى أبي يوسف القاضي مسلم قتل كافرًا فحكم عليه بالقود، فأتاه رجل برقعة ألقاها إليه من شاعر بغدادي يكنى أبو المضرجي فيها مكتوب.
يا قاتل المسلم بالكافر جرت وما العادل كالجائر
يا من ببغداد وأطرافها من فقهاء الناس أو شاعر
جار على الدين أبو يوسف إذ يقتل المسلم بالكافر
فاسترجعوا وابكو على دينكم واصطبروا فالأجر للصابر
فأخذ أبو يوسف الرقعة، ودخل على الرشيد، فأخبره بالحال، وقرأ عليه الرقعة،
[ ١٢ / ١٤ ]
فقال له الرشيد: تدارك هذا الأمر بحيلة لئلا يكون منه فتنة.
فخرج أبو يوسف وطالب أولياء المقتول بالبينة على صحة الذمة، وأداء الجزية فلم يأتوا بها فأسقط القود وحكم الدية، وهذا إذا كان مفضيًا إلى استنكار النفوس وانتشار الفتن كان العدول عنه أحق وأصواب.
فصل:
فإذا ثبت أن المسلم لا يقتل بالكافر فحالهما تنقسم أربعة أقسام:
أحدها: ما لا يقتل به، وتجب عليه دية كافر، وهو أن يبتدئ المسلم بقتل الكافر توجيه فلا يجب القود لإسلام القاتل، وتجب به دية كافر لكفر المقتول.
والثاني: ما لا يجب فيه القود، وتحب فيه دية مسلم، وهو أن يجرح المسلم كافرًا، ثم يسلم المجروح، ويموت مسلمًا، فلا قود على المسلم، لأن المقتول وقت الجرح كان كافرًا، وفيه دية مسلم، لأنه مات من الجرح مسلمًا، لأن الاعتبار في القود بحال الابتداء، وفي الدية بحال الانتهاء.
والثالث: ما يقتل به المسلم ولا يجب فيه الدية كافر، وذلك في حالتين:
إحداهما: أن يقتل كافر كافرًا ثم يسلم القاتل به، وإن كان مسلمًا اعتبارًا بحال القتل، ولا تجب عليه إلا دية كافر، لأن المقتول مات كافرًا.
والثانية: أن يطلب المسلم نفس الكافر فيجوز للكافر أن يقبل طالب نفسه، وإن كان مسلمًا فلو قتله المسلم الطالب لم يجب عليه إلا دية كافر، ولو قتل المسلم لم يجب له دية لأن نفس المطلوب مضمونة، ونفس الطالب هدر.
والرابع: ما اختلف القول فيه، وهو أن يقتل مسلم كافرًا في الحرابة، ففي قتله به قولان للشافعي:
أحدهما: وهو المشهور عنه أنه لا يقتل به لعموم النهي.
والثاني: ذكره الشافعي في موضع وقال: هذا مما استخير الله فيه أن يقتل به، لأن في قتل الحرابة حقًا لله تعالى يجب أن يستوفي ولا يجوز العفو عنه فاستوي فيه قتل المسلم والكافر، وهو في غير الحرابة حق لآدمي يجوز العفو عنه فسقط في حق الكافر، ولو قتل مرتد كافرًا لم يجب عليه القود، وإن اتفقا على الكفر لما ثبت له من حرمة الإسلام، وما أجرى عليه من أحكامه.
مسألة:
قال الشافعي: "قال: ولا يقتل حر بعبد".
[ ١٢ / ١٥ ]
قال في الحاوي: لا يقتل الحر بعبده وبعبد غيره.
وقال أبو حنيفة: يقتل الحر بعبد غيره، ولا يقتل بعبد نفسه استدلالًا بعموم قول الله تعالى: ﴿وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْس﴾ [المائدة: ٤٥] ورواية علي بن أبي طالب ﵇: أنه قال: المسلمون بتكافؤ دماؤهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم فاعتبر المكافأة بالإسلام قد استوى الحر والعبد فيه فوجب أن يتكافأ دمهما، ويجري القود بينهما، ومن الاعتبار أن كل من قتل بالحر قتل به الحر كالحر، ولأن الرق مؤثر في ثبوت الحجر، وما ثبت به الحجر يمنع من استحقاق القود على من ارتفع عنه الحجر كالجنون والصغر، ولأنه لما جاز أن يقتل به الحر دفعًا جاز أن يقتل به قودًا.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالْحُرِّ والْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨] فاقتضى هذا الظاهر أن لا يقتل حر بعبد.
وروى سليمان بن مسلم عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "لا يقتل حر بعبد".
ورواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وهذا نص لا يسوغ خلافه وروى إسرائيل عن جابر عن عامر عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: "من السنة ألا يقتل مسلم بكافر، ومن السنة ألا يقتل حر بعبد يعني: سنة رسول الله ﷺ، وهذا يقوم مقام الرواية عنه، وليس له في الصحابة مخالف، فصار مع السنة إجماعًا، ومن الاعتبار أن حرمة النفس أغلظ من حرمة الأطراف، فلما لم يجب القود بينهما في الأطراف، فأولى أن لا يجري بينهما في النفس.
وتحريره قياسًا أن كل شخصين امتنع القود بينهما في الأطراف امتنع في النفس كالوالد مع ولده طردًا، وكالحربي عكسًا، ولأن كل قود سقط بين المسلم والكافر المستأمن سقط بين الحر والعبد كالأطراف.
فإن قيل: الأطراف تعتبر فيها المماثلة لأنه لا تؤخذ السليمة بالشلاء المريضة، ولا تؤخذ الأيدي بيد واحدة، والمماثلة غير معتبرة في النفوس لقتل الصحيح بالمريض، والجماعة بالواحد، فكذلك جرى القود بين الحر والعبد في النفس، وسقط في الأطراف.
قيل: هما عندنا سواء، والمماثلة المعتبرة فيهما واحدة، لأننا نقطع الأيدي بيد واحدة، وإن خالفتمونا فيه ونقتل الصحيح بالمريض كما نقطع اليد الصحيحة بالعليلة، ولا نقطعها باليد الشلاء كما لا يقتل الحي بالميت، لأن الشلاء ميتة.
فإن قيل: فقد فرقتم بين قطع الشلاء في وجوب الأرض فيهما، وبين استهلاك الميت في سقوط الأرش فيه.
[ ١٢ / ١٦ ]
قيل: لأن الشلاء متصلة بحي، وفيها جمال، فجاز أن يجب الأرش بقطعها مع موتها، كما يجب في الشعر مع كونه عندكم ميتًا، ولأن الرق حادث عن الكفر فلما سقط به القود عن المسلم وجب أن يكون ما حدث فيه من الرق بمثابته في سقوط القود عن الحر ولأن النقص بالرق يمنع من استحقاق القود على الحر كالسيد مع عبده، ولأنه لما سقط عنه الحد بقذفه فأولى أن يسقط عنه القود بقتله لأن حرمة النفس أغلظ.
فأما الجواب عن الآية فهو أنها تضمنت نفسًا وأطرافًا فلما خرج العبيد من حكم الأطراف خرجوا من حكم النفوس.
وأما الخبر فقال قال فيه: "ويسعى بذمتهم أدناهم" يريد به العبيد، ومن كان أدناهم لم يجز أن يؤخذ بالأعلى.
وأما قياسهم على الحر، فالمعنى فيه جريان القود في الأطراف فجرى في النفوس، ولا يجري في الأطراف بين الحر والعبد، فلم يجز في النفوس، وكذلك الجواب عن تعليلهم بتأثير الحجر كالجنون والصغر، وقد مضى الجواب عن جمعهم بين قتل الدفع وقتل القود، وليس لما تناكرته العامة، ونفرت منه الخاصة مساغًا في اختلاف الفقهاء.
وحكي أن بعض فقهاء خراسان سئل في مجلس أميرها عن قتل الحر بالعبد فمنع منه وطولب بالدليل عليه. فقال: أقدم قبل الدليل حكاية إن احتجت بعدها إلى دليل فعلت ثم قال: كنت أيام تفقهي ببغداد نائمًا ذات ليلة على شاطئ دجلة فسمعت ملاحًا يترنم وهو يقول:
خذوا بدمي هذا الغلام فإنه رماني بسهمي مقلتيه على عمد
ولا تقتلوه إني أنا عبده ولم أر حرًا قط يقتل بالعبد
وما انتشر في العامة تناكره حتى نظموه شعرًا، وجعلوه في الأمثال شاهدًا كان من اختلاف الفقهاء خارجًا فقال الأمير: حسبك فقد أغنيت من دليل.
فصل:
واستدل النخعي وداود على قتل السيد بعبده بما رواه قتادة عن الحسن عن سمرة أن النبي ﷺ قال: "من قتل عبده قتلناه ومن جدع عبده جدعناه" وفي رواية أخرى: "ومن خصًا عبده خصيناه".
والدليل عليهما رواية الأوزاعي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلًا قتل عبده فجلده النبي ﷺ ولم يقده به، وأمره أن يعتق رقبه، وهذا نص وما أمر به من جلده ونفيه تعزيز. فأما الخبر المستدل به ضعيف، لأن الحسن لم يرو عن سمرة إلا ثلاثة
[ ١٢ / ١٧ ]
أحاديث ليس هذا منها.
وقد روى قتادة عن الحسن أن النبي ﷺ قال: "لا يقتل حر بعبد".
ولو صح لحمل على أحد وجهين إما على طريق التغليظ والزجر لئلا يتسرع الناس إلى قتل عبيدهم، وإما على من كان عبده فاعتقه فإنه يقاد به، وإن كان من قبل عتقه لا يقاد به والله أعلم.
فصل:
فإذا ثبت أن الحر لا يقتل بالعبد فكذلك لا يقتل بكل من جرى عليه حكم الرق من المدبر والمكاتب، وأم الولد، ومن رق بعضه، وإن قل، فلو قتل حر كافر عبدًا مسلمًا لم يقتل به لحريته، ولو قتله العبد المسلم لم يقتل به لإسلامه، فيسقط القود عن كل واحد منهما بصاحبه، وإذا قتل عبد نصفه حر عبدًا نصفه حر قتل به لاستوائهما في الحرية والرق، ولو كان نصف القاتل حرًا وثلث المقتول حرًا ولم يقتل لفضل حرية القاتل، وإن كان ثلث القاتل حرًا ونصف المقتول حرًا قتل به لفضل حرية المقتول على القاتل، لأنه يجوز أن يقتل الناقص بالكامل، ولا يجوز أن يقتل الكامل بالناقص، كما يجوز أن يقتل العبد بالحر، ولا يجوز أن يقتل الحر بالعبد.
ولو قتل حرًا عبدًا في الحرابة كان في وجوب قتله به قولان على ما مضى في قتل الذمي في الحرابة، ولو جرح عبد حر عبدًا فاعتق المجروح ومات حرًا فلا قود على القاتل، وعليه دية حر، ولو جرح عبد عبدًا فاعتق الجارح ومات قتل به.
مسألة:
قال الشافعي: "وفيه قيمته وإن بلغت ديات قال المزني رحمه الله تعالى: وفي إجماعهم أن يده لا تقطع بيد العبد قضاء على أن الحر لا يقتل بالعبد، فإذا منع أن يقتص من يده وهي أقل لفضل الحرية على العبودية، كانت النفس أعظم، وهي أن تقتص بنفس العبد أبعد".
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا قتل العبد بجناية أو مات في يدها منه ففيه قيمة ما بلعت، وإن زادت على دية الحر ضعافًا، وهو قول جمهور أهل الحجاز، وبه قال من العراقيين سفيان الثوري وأبو يوسف وأحمد وإسحاق.
وقال أبو حنيفة ومحمد: يضمن في اليد جميع قيمته ما بلغت، ويضمن في الجناية بقيمته إلا أن تبلغ دية حر أو تزيد عليها فتنقص عن دية الحر عشر دراهم حتى لا يساويه في ديته.
وإن كانت أمة قد زادت قيمتها على نصف الدية نقصت عنها عشرة دراهم.
[ ١٢ / ١٨ ]
وقيل: خمسة دراهم، لأن لا تساوي دية الحر استدلالًا بأنه آدمي مضمون بالجنابة فلم يضمن بأكثر من دية حر كالحر، ولأنه يضمن بالجناية ضمان النفوس لوجوب الكفارة فيه فوجب أن يضمن كالأطراف، ولأن نقصه بالرق يمنع من كمال بدله كالناقص القيمة، وهو معنى قول أبي حنيفة: لا أوجب في المملوك مما أوجب في المالك.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] والمثل في الشرع مثلان مثل يفي الصورة، ومثل في القيمة فإذا لم يعتبر المثل في الصورة اعتبر في القيمة ما بلغت، ولأن حرمة الآدمي أغلظ من حرمة البهيمة، ثم كانت البهيمة مضمونة بجميع قيمتها فكان أولى أن يضمن العبد بجميع قيمته.
وتحريره قياسًا بأحد معنيين: أن تقول في أحدهما: إنه مملوك مضمون فوجب أن لا تتقدر قيمته كالبهيمة.
والثاني: أن ما لم يتقدر أقل قيمته لم تتقدر أكثرها كالبهيمة، ولأن ضمان العبد بالجنابة أغلظ من ضمان باليد، ثم كان في اليد مضمونًا بجميع قيمته فكان أول أن يضمن في الجناية بجميع قيمته. ويتحرر منه قياسان:
أحدهما: أنه أحد نوعي الضمان فوجب أن يستوفي به قيمة المضمون كالضمان باليد.
والثاني: أن ما ضمنت قيمته باليد ضمنت قيمته بالجناية كالناقص القيمة، ولأن العبد متردد الحال بين أصلين:
أحدهما: الحر لأنه آدمي مكلف يجب في قتله القود والكفارة.
والثاني: البهيمة لأنه مملوك يباع ويوهب ويورث وهو في القيمة ملحق بأحد أصلين.
فلما بالبهيمة في ثلاثة أحوال:
أحدها: إذا قلت قيمته.
والثانية: إذا ضمن باليد.
والثالثة: إذا ضمنه أحد الشريكين بالعتق.
وجب أن يلحق بالهيمة في الحال الرابعة وهو إذا أرادت قيمته في ضمانه بالجناية، لأنه لا يجوز أن يلحق بالبهيمة في أقلها، ويلحق بالحر في أكثرها، ولأنهم لا يلحقونه بالحر في أكثرها حتى ينقصوا من قيمته عشرة، فلم يسلم لهم أحد الأصلين.
فأما الجواب عن قياسهم على الحر، فهم لا يساوونه بالحر لما يعتبرونه من نقصان قيمته عن دية الحر فهذا جواب.
وجواب ثان أنه لما يلحق بالحر في ضمانه باليد لم يلحق في ضمانه بالجناية، ولما امتنع أن يلحق به إذا نقصت قيمته امتنع أن يلحق به به إذا نقصت قيمته امتنع أن يلحق به إذا زادت.
وقياسهم على ضمان أطرافه فأطرافه معتبرة بقيمته، وقيمته غير مقدرة، فلم تتقدر بها
[ ١٢ / ١٩ ]
أطرافه، وقولهم: أنه ناقص بالرق فلم يساوي الحر في ديته، فاسد من وجهين:
أحدهما: أنهم جعلوه كاملًا في القصاص وناقصًا في الدية وهذا تناقض.
والثاني: أنه لما لم يمنه نقصه في ضمانه باليد من الزيادة على دية الحر لم يمنع من ذلك في ضمانه بالجناية.
فصل:
فإذا ثبت أن العبد مضمون بالقيمة، وإن زادت على الدية، لم يخل الضمان أن يكون نفسه أو لما دونها فإن ضمنت نفسه استوى ضمانها باليد إذا غصب وبالجناية إذا قتل، فتجب فيه جميع قيمته ما بلغت لكن يعتبر في الجناية قيمته وقت القتل، وتعتبر في اليد قيمته أكثر ما كانت من وقت الغصب إلى وقت التلف.
فأما ما دون نفسه فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون جرحًا لا يتقدر فيه من الحر دية، فتجب فيه ما نقص من قيمته في ضمانه باليد والجناية جميعًا.
فلا يخلو ضمانها في العبد من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تضمن بالجناية فتضمن بنصف قيمته كالحر في ضمانها بنصف ديته.
والقسم الثاني: أن تضمن باليد فتضمن ما نقص من قيمته سواء زاد على نصف القيمة أو نقص كالبهيمة.
والقسم الثالث: أن تضمن باليد والجناية فيضمنها بأكثر الأمرين من نصف قيمته، أو ما نقص منها لأنه لما جمع بين الأمرين وجب أن يلزمه أغلظهما لوجود موجبه.
مسألة:
قال الشافعي ﵀: "ولا يقتل والد بولد لأنه إجماع، ولا جد من قبل أم، ولا أب بولد وإن بعد، لأنه والد، قال المزني ﵀: هذا يؤكد ميراث الجد، لأن الأخ يقتل بأخيه، ولا يقتل الجد بابن ابنه، ويملك الأخ أخاه في قوله، ولا يملك جده، وفي هذا دليل على أن الجد كالأب في حجب الإخوة وليس كالأخ".
قال في الحاوي: "لا يقتل والد ولا والدة ولا جد ولا جدة بولد ولا بولد ولد وإن سفل، سواء قتله ذبحًا قال مالك: إن ذبحة غيلة قتل به وإن حذفه بسيف فقتله لم يقتل به، استدلالًا بعموم الكتاب والسنة، ولأن تساويهما في الإسلام والحرية يوجب
[ ١٢ / ٢٠ ]
تساويهما في القود كالأجانب ولأنه لما قتل الولد بالوالد جاز قتل الوالد بالولد.
ودليلنا ما روى قتادة عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقام الحدود في المساجد، ولا يقاد بالولد الوالد" وروى محمد بن عجلان عن عمرو بن شعيب عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رجلًا من بني مدلج أولد جارية فأصاب منها ابنًا، وكان يستخدمها، فلما شب الغلام قال: إلى متى تستأمن أمي أي: تستخدمها خدمة الإماء فغضب فحذفه بسيف أصاب رجله فقطعها، ومات فانطلق في رهط إلى عمر ﵁ فقال: يا عدو نفسه أنت الذي قتلت ابنك، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يقاد الأب من أبنه" لقتلتلك هلم ديته، قال: فأتاه بعشرين ومائة بعير، قال: فخير منها مائة فدفعها إلى ورثته، وترك أباه، فإن قيل: إنما أسقط عنه القود للحذف، ودخول الشبهة فيه بما جعل له من تأديبه، وهذا المعنى مفقود في ذبحه غيلة.
قيل: هذا فاسد من وجهين إنه ليس في عرف التأديب حذفه بالسيف فلم يجز حمله عليه.
والثاني: أنه لو جاز لما استحقه من تأديبه أن لا يقال لحذفه يسقط به القود عن كل مستحق للتأديب من وال وحاكم، وهم يقادون به مع استحقاقهم للتأديب فكذلك الأب، ولأنه لا يحلو سقوط القود عن الأب في الحذف أن يكون لشبهة في الفعل، أو في الفاعل، فلم يجز أن يكون لشبهة في الفعل، لأنه لا يكون شبهة فيه مع غير الولد فثبت أنه لشبهة في الفاعل وهو الأبوة فوجب أن يسقط عنه القود مع اختلاف أحواله، ولأن الولد بعض أبيه، ولا قود على الإنسان فيما جناه على نفسه كذلك لا قود عليه في ولده لأنه بعض نفسه.
واستدلاله بالظواهر مخصوص وقياسه على الأجانب ممنوع بما ذكرناه من البعضية واعتباره بقتل الولد بالوالد فاسد لتسويته في الولد بين الذبح، والحذف، وفرقة في الأب بين الذبح والحذف، وأنه يحد الولد بقذف الوالد، ولا يحد الوالد بقذف الولد، وهذا انفصال ودليل.
فإن قيل: فكيف قال الشافعي فيما خالف فيه مالك: لأنه إجماع، وكيف ينعقد الإجماع مع خلاف مثله فعنه جوابان:
أحدهما: أنه أراد به الصحابة لأن قول عمر رضي الله تعالى عنه ولم يخالف أحدهم.
والثاني: أنه قتله حذفًا إجماع لا يعرف فيه خلاف فكان الذبح بمثابة فأما المزني
[ ١٢ / ٢١ ]
فإنه لما رأى الشافعي يقول: إن الجد كالأب في أنه لا يقتل بولده ولده قال: يجب أن يكون الجد كالأب في حجب الإخوة عن الميراث. قيل: إنما قال: إن الجد كالأب لأجل الولادة ولا يقتضي أن يحجب به الإخوة، كما تجعل الأم وأباها كالأب في سقوط القود، ولا تجعلها كالأب في حجب الإخوة.
فصل:
فإذا ثبت أن لا قود على الأبوين ومن علا من الأجداد والجدات من ورث منهم أو لم يرث فسواء كان الوالد القاتل حرًا أو عبدًا مسلمًا أو كافرًا، ويعزر لإقدامه على معصية، وعليه الدية والكفارة في ماله، ولا ميراث له منه، لأن القاتل لا يرث.
فصل:
وإذا تنازع رجلان في أبوة ولد ثم قتلاه أو أحدهما فلا يخلو من أحد أمرين:
إما أن يكون لقيطًا قد أدعاه كل واحد منهما ولدًا فعند أبي حنيفة: أنه يلحق بهما.
وعلى مذهب الشافعي: أنه يعرض على القافة، ويلحق بمن ألحقوه به منهما، فإن عدمت القافة، وأشكل عليهم وقف إلى زمان الانتساب لينتسب إلى أحدهما بطبعه، وللكلام معه موضع غير هذا، وإذا كان كذلك فللمدعي أبوتة ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكونا مقيمين على ادعائه، والتنازع فيه، فإن قتلاه فلا قود عليهما، لجريان حكم الأبوة عليهما، وإن لم يتعين في أحدهما، لأن كل واحد منهما يجوز أن يكون أباه وإن قتله أحدهما قبل البيان فلا قود عليه سواء لحق بالقتل أو بالآخر، لثبوت الشبهة فيه عند قتله.
والثانية: أن يسلمه أحدهما إلى الآخر قبل القتل فيلحق بمن سلم إليه، ويصير ابنًا له دون الآخر، فإن قتله من ألحق به فلا قود عليه، لأنه أب له، وإن قتله من نفي عنه أقيد به، لأنه أجنبي منه، وإن قتلاه معًا فلا قود على الأب، ويقاد من الآخر.
والثالثة: أن يرجعا جميعًا عن ادعائه فلا يقبل رجوعهما، وإن قبل رجوع أحدهما، لأنه قد صارًا بدعواهما مستحقًا لأبوة أحدهما فإذا سلمه أحدهما صارا متفقين على إثبات أبوته فقبل منهما، وإذا رجع عنها صارًا متفقين على إسقاط أبوته فلم يقبل منهما.
فإن قتلاه أو أحدهما لم يقتل به لبقاء حكم الأبوة بينهما.
وإن تنازعا لاشتراكهما في الفراش، أو تناكراه مع اشتركهما في الفراش، فالحكم فيهما سواء، وكذلك لو سلمه أحدهما إلى الأخر لم يقبل منه بخلافهما في دعوى اللقيط، لأن حكم الأبوة في اللقيط يثبت بالدعوى، فجاز تسليمه لأحدهما.
وفي ولد الموطوءة ثبت حكم الأبوة بالاشتراك في الفراش فلم يؤثر فيه التسليم
[ ١٢ / ٢٢ ]
والإنكار، وإذا كان كذلك فلبيان نسبة في لحوقه بأحدهما حالتان:
إحداهما: بالولادة، وهو أن تلده لأقل من ستة أشهر من وطء أحدهما، ولستة أشهر فصاعدًا من وطء الآخر، فيكون لاحقًا بمن ولدته لستة أشهر فصاعدًا من وطئه، وهذا بيان لا يجوز أن يتأخر عن زمان الولادة فلا يكون القتل إلا بعد استقرار نسبة، فإن قتله من لحق به فلا قود عليه، وإن قتله من انتفي عنه أقيد به، وإن اشتركا في قتله به غير أبيه، وسقط القود عن أبيه.
والثانية: أن لا يبين نسبة بالولادة، لولادته بعد ستة أشهر من وطئها معًا، فيوقف نسبة على البيان، بالقافة أو الانتساب، فإن قتل بعد البيان أقيد به غير أبيه، وإن قتل قبل البيان فلا قود على واحد منهما، سواء بان من بعد أنه أب أو غير أب، لثبوت الشبهة حال القتل.
فصل:
وإذا قتل الرجل زوجته وتركت ولدًا فله حالتان:
إحداهما: أن يكون من القاتل.
والثاني: أن يكون من غيره.
فإن كان من القاتل سقط القود عنه، لأن وراثها ابن قاتلها، وإذا لم يثبت للابن على أبيه قود في حق نفسه لم يثبت عليه بإرثه عن غيره، ولو كان الزوج قد قذفها قبل القتل سقط عنه حد القذف وإذا ورثها ابنه، لأن الابن لما لم يستحق عليه الحد في قذف نفسه، فكذلك لا يستحقه بإرثه عن غيره، وإن كان ولد المقتولة من غير القاتل ثبت له على القاتل القود حد القذف، لأنه لا نسب له بينهما، ولا بعضية.
ولو تركت المقتولة ولدين أحدهما من القاتل والآخر من غيره، ورثها الولدان معًا، وسقط عن الزوج القود، ولم يسقط عنه حد القذف، لأن القود في حق ابنه قد سقط فسقط في حق الآخر منهما، كما لو عفا أحد الوليين عن القاتل سقط القود في حق الآخر ولا يجوز لأحد الوليين أن يستوفيه.
وحد القذف بخلافه لأن عفو أحد الوارثين عنه لا يوجب سقوط حق الآخر منه، ويجوز لأحدهما أن يستوفه فافترقا فيه ويتصل بهذا الموضع فروع قدمناها في كتاب الفرائض.
مسألة:
قال الشافعي: "ويقتل العبد والكافر بالحر المسلم والولد بالوالد".
قال في الحاوي: وإذا مضى الكلام في الإيقاد من الأكمل بالأنقص فلا يمنع أن
[ ١٢ / ٢٣ ]
يقاد من الأنقص بالأكمل فيجوز أن يقتل الكافر بالمسلم، وإن لم يجز أن يقتل المسلم بالكافر، ويجوز أن يقتل العبد بالحر، وإن لم يجز أن يقتل الحر بالعبد، ويجوز أن يقتل الولد بالوالد، وإن لم يجز أن يقتل الوالد بالولد، لأن أخذ الأنقص بالأكمل اقتصار على بعض الحق، وأخذ الأكمل بالأنقص استفضال على الحق فيجوز الاقتصار فيه، ومنع من الاستفضال عليه، فلو بذل الأكمل نفسه بالأنقص فبذل الحر نفسه بقتل العبد، وبذل المسلم نفسه بقتل الكافر، وبذل الوالد نفسه بقتل الولد، لم يجز أن يقاد من واحد منهم، لأن القود إذا لم يجب لم يستبح بالبذل، كما لو بذل نفسه أن يقتل بغير قود لقول الله: ﴿ولا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
مسألة:
قال الشافعي: "ومن جرى عليه القصاص في النفس جرى عليه القصاص في الجراح".
قال في الحاوي: وهذا صحيح كل بينهما القصاص في النفس جرى القصاص بينهما في الأطراف والجراح، سواء اتفقا في الدية كالحرين المسلمين أو اختلفا في الدية، كالرجل والمرأة والعبيد إذا تفاضلت فيهم، وإن لم يجز القصاص بينهما في النفس لم يجز في الأطراف كالمسلم مع الكافر والعبد مع الحر.
وقال أبو حنيفة: إن اختلفت دياتهما جرى القصاص بينهما في النفس دون الأطراف كالرجل مع المرأة بقتله بها، ولا يقطع يده بيدها، والعبيد إذا تفاضلت قيمهم، وقل أن تكون متفقة، فيوجب القود بينهم في النفوس، لأنه لا يجوز أن تؤخذ اليد السليمة بالشلاء، وتؤخذ النفس السليمة بالنفس السقيمة، فلم يمنع تفاضل الديات من القود في النفوس، ومنع من القود في الأطراف، ولأن أطراف الرجل أعم نفعًا من أطراف المرأة لاختصاصهما بالتصرف في الأعمال والاكتساب، فلم يتكافأها أطراف المرأة فسقط القود فيها.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ والْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥] إلى قوله: ﴿والْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ فكان على عمومه. ولأن كل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس جرى في الأطراف كالرجلين.
ولأن كل قصاص جرى بين الرجلين والمرأتين جاز أن يجري بين الرجل والمرأة كالنفوس، وكل قصاص جرى بين الحرين جرى بين العبدين كالنفوس، وقد مضى الجواب عن استدلاله باعتبار التكافؤ في الأطراف دون النفس بأنه معتبر في الأمرين، وفي الشلل حكم نذكره في موضعه، وما ذكره من اختصاص أطراف الرجل بالمنافع
[ ١٢ / ٢٤ ]
فيفسد من ثلاثة أوجه:
أحدها: ما اتفقوا عليه من أخذ يد الكاتب والصانع والمحارب بيد من ليس بكاتب ولا صانع ولا محارب.
والثاني: أن في يد المرأة منافع ليست في يد الرجل فتقابلا.
والثالث: أن أطراف العبيد تماثل في المنافع، ولا يجري فيها قود، فبطل هذا الاعتبار وبالله التوفيق.
مسألة:
قال الشافعي: "ويقتل بالواحد، واحتج بأن عمر ﵁ قتل خمسة أو سبعة برجل قتلوه غيلة، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعًا"
قال في الحاوي: وهو كما قال إذا اشترك الجماعة في قتل واحد قتلوا به جميعًا إذا كانوا له أكفاء وبه قال من الصحابة: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، والمغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنهم. ومن التابعين: سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعطاء، ومن الفقهاء: مالك والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق.
وقالت طائفة: للولي أن يقتل به من الجماعة واحدًا فيه إلى خياره، ويأخذ من الباقين قسطهم من الدية، وهو في الصحابة قول معاذ بن جبل، وعبد الله بن الزبير ﵄، وفي التابعين: قول ابن سيرين والزهري.
وقال آخرون: لا قود على واحد من الجماعة بحال، وتؤخذ منهم الدية بالسوية، وبه قال: ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وداود بن علي وأهل الظاهر، واستدلالًا بقول الله تعالى: ﴿وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وبقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالْحُرِّ والْعَبْدُ بِالْعَبْدِ والأُنثَى بِالأُنثَى﴾ [البقرة: ١٧٨] فاقتضي هذا الظاهر أن لا تقتل النفس أكثر من نفس، ولا بالحر أكثر من حر، وبقوله تعالى: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِف فِّي القَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣] ومن السرف قتل الجماعة بالواحد.
وروى جويبر عن الضحاك أن النبي ﷺ قال: "لا يقتل اثنان بواحد" وهذا نص ولأن الواحد لا يكافئ الجماعة لا يقتل بالجماعة إذا قتلهم، ويقتل بأحدهم، ويؤخذ ماله ديات الباقين، وكذلك إذا قتله جماعة لم يقتلوا به، ولأن زيادة الوصف إذا منعت من القود حتى لم يقتل حر بعبد، ولا مسلم بكافر، كان زيادة العدد أولى أن تمنع من القود، فلا يقتل جماعة بواحد، ولأن للنفس بدلين: قود ودية، فلما لم يجب على الاثنين بقتل الواحد ديتان لم يجب عليهما قودان.
[ ١٢ / ٢٥ ]
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿ولَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] وسبب الحياة أنه إذا علم القاتل بوجوب القصاص عليه إذا قتل كف عن القتل، فحي القاتل والمقتول، فلو لم تقتص من الجماعة بالواحد، لما كان في القصاص حياة، ولكان القاتل إذا هم بالقتل شارك غيره فسقط القصاص عنهما وصار رافعًا لحكم النص.
وروى أبو شريح الكعبي أن النبي ﷺ قال: "ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل، وأنا والله عاقله، فمن قتل بعد قتيلًا فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل". وهذا الخبر وارد في قتل الجماعة لواحد لأنه قال: "ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل" ثم قال: "فمن قتل بعده قتيلًا" ومن ينطلق على الجماعة كانطلاقه على الواحد ثم قال: "فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل، فدل على قتل الجماعة بالواحد، لأن الحكم إذا ورد على سبب، لم يجز أن يكون السبب خارجًا من ذلك الحكم.
وروى ابن المسيب أن عمر بن الخطاب ﵁ قتل خمسة أو سبعة برجل قتلوه غيله وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلهم جميعًا به. والقتل على أنواع غيلة، وفتك، وغدر، وصبر.
فالغيلة: الحيلة وهو أن يحتالوا له بالتمكن من الاستخفاء حتى يقتلوه.
والفتك: أن يكون آمنًا فيراقب حتى يقتل.
والغدر: أن يقتل بعد أمانه.
والصبر: قتل الأسير محاصرة.
وروي عن علي ﵇ أنه قتل ثلاثة قتلوا واحد وكتب إلى أهل النهروان حين قتلوا عامله خباب بن الأرت سلموا إلى قاتله قالوا: كلنا قتله قال: فاستسلموا إذن أقد منكم، وسار إليهم فقتل أكثرهم.
وقتل المغيرة بن شعبة سبعة بواحد.
وقال ابن عباس: إذا قتل جماعة واحدًا قتلوا به ولو كانوا مائة. وهذا قول أربعة من الصحابة فيهم إمامان عملًا بما قالا به فلم يقابلهم قول معاذ بن الزبير وصار ربيعة وداود خارجين من قول الفريقين بإحداث قول ثالث خالف فيه الفريقين فصارا مخالفين للإجماع، لأن من أحدث قولًا ثالثًا بعد قولين أحدث قولًا ثانيًا بعد أول، ولأن قتل النفس أغلظ من هتك العرض بالقذف فلما حد الجماعة بقتل الواحد، كان أولى أن يقتلوا بقتل الواحد.
[ ١٢ / ٢٦ ]
ولأن كل واحد من الجماعة ينطلق اسم القتل عليه، فوجب أن يجري عليه حكمه كالواحد، ولأن ما وجب في قتل الواحد لم يسقط في قتل الجماعة كالدية.
فأما قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وقوله: ﴿الحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨] فستعمل في الجنس لأن النفس تنطلق على النفوس، والحر ينطلق على الأحرار وقوله: ﴿فَلا يُسْرِف فِّي القَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣] يريد أن لا يقتل غير قاتله على أن قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] يقتضي أن يكون سلطانه في الجماعة كسلطانه في الواحد فصارت الآية دليلنا.
وأما حديث الضحاك فمرسل منكور وإن صح كان محمولًا على المسك والقاتل، فيقتل به دون المسك.
وقولهم إن دم الواحد لا يكافئ دم الجماعة غير صحيح، لأن حرمة الواحد كحرمة الجماعة لقول الله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] فوجب أن يكون القود فيهما واحدًا، وليس يوجب قتل الجماعة بالواحد، أن تقتل الواحد بالجماعة، وإن قال به أبو حنيفة لأن المقصود بالقود حقن الدماء، وأن لا تهدر فقتل الجماعة بالواحد لئلا تهدر دماؤهم.
وقولهم: لما منع زيادة الوصف ممن القود كان أولى أن يمنع من زيادة العدد، فالفرق بينهما أن زيادة الوصف منعت من وجود المماثلة في الواحد فلم تمنع في الجماعة ألا ترى أن زيادة الوصف في القاذف تمنع من وجوب الحد عليه، وزيادة العدد لا يمنع من وجوب الحد عليهم وقولهم: لما لم تستحق بقتله ديتان لم تستحق به قودان فعنه جوابان:
أحدهما: أن الدية تتبعض فلم يجب أكثر منها، والقود لا يتبعض فعم حكمه كسرقة الجماعة لما أوجبت غرمًا يتبعض، وقطعًا لا يتبعض اشتركوا في غرم واحد وقطع كل واحد منهم.
والثاني: أن القود موضوع للزجر والردع فلزم في الجماعة كلزومه في الواحد، والدية بدل من النفس فلم يلزم فيها إلا بدل واحد، فإذا ثبت قتل الجماعة بالواحد:
كان الولي فيه بالخيار بين ثلاثة أحوال: إما أن يقتص من جميعهم أو يعفوا عن جميعهم، إلى الدية فتسقط الدية الواحدة بينهم على أعدادهم، أو يعفو عن بعضهم، ويقتص من بعضهم، ويأخذ ممن عفا عنه من الدية بقسطه.
مسألة:
قال الشافعي ﵀: "ولو جرحه أحدهما مائة جرح والآخر جرحا واحد فمات كانوا في القود سواء".
[ ١٢ / ٢٧ ]
قال في الحاوي: أعلم أن اشتراك الجماعة في قتل الواحد تنقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون كل واحد منهم موجبًا مثل أن يذبحه أحدهما ويبقر الآخر بطنه ويقطع حشوته فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يفعلا ذلك معًا في حالة واحدة، فيكونا جميعًا قاتلين، ويجب القود عليهما، وتؤخذ الدية منهما.
والثاني: أن يتقدم أحدهما على الآخر فيوجئه ثم يتلوه الآخر مع بقاء النفس ووجود الحركة فيوجئ حتى يطفا ويبرد، فالأول منهما هو القاتل، وعليه القود وجميع الدية، دون الثاني، لأن فوات الحياة منسوب إلى فعل الأول، ولا يجري على ما بقي من النفس والحركة حكم الحياة، ولو مات له في هذه الحالة ميت لم يرثه، ولو أوصى له بمال لم يملكه، ولو انقلب على طفل فقتله لم يضمنه، ويعزز الثاني أدبًا وزجرًا.
فصل:
والقسم الثاني: أن يكون كل واحد منهم جارحًا أو قاطعًا غير موج فيكون جميعهم في قتله سواء اجتمعوا في وقت واحد أو تفرقوا، وسواء اتفقوا في عدد الجرح أو اختلفوا حتى لو جرحه واحدة، وجرحه الآخر مائه جراحة، كانوا في قتله سواء وعليهم القود والدية بينهم بالسوية، لا على عدد الجراح لأنه يجوز أن يموت من الجرح الواحد، ويحيا من مائة جرح، أما لاختلاف المواضع القاتلة، وإما لاختلاف مورد الحديد في دخوله في جسده، وذلك غير مشاهدة.
فلهذا لم تقسط الدية على عدد الجراح، وتقسطت على عدد الجناة الجناية.
فإن قيل: أفليس الجلاد لو حد القاذف أحدًا وثمانين سوطًا فمات كان عليه من الدية جزء من إحدى وثمانين جزءًا فهلا كان الجناة في أعداد الجراح كذلك؟ قيل: في الجلاد قولان:
أحدهما: عليه نصف الدية لفوات النفس من وجهين، مباح، ومحظور، ولا اعتبار بعدد الجلد، وتساوي حكم الجناة.
والثاني: أنه تتقسط الدية على عدد الجلد ولا تتقسط على أعداد الجراح، والفرق بينهما: أن محل الجلد مشاهد يعلم به التساوي فتقسطت الدية على عدده ومور الجراح غير مشاهد لا يعلم به التساوي فلم تتقسط الدية فيه على عدده.
فصل:
والقسم الثالث: أن يكون أحدهما جارحًا، والآخر موج فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يتقدم الجارح على الموجئ فيؤخذ كل واحد منهما بحكم جنايته، فيكون الأول جارحًا فيقتص منه في الجراح، إن كان مثله قصاص أو يؤخذ منه ديته، إن لم يكن فيه قصاص، ويكون الثاني قاتلًا يقتص منه في النفس، أو تؤخذ منه جميع الدية،
[ ١٢ / ٢٨ ]
وكذلك لو اجتمعا معًا لم يسقط حكم الجرح لأن التوجية لم تتقدمه.
والثاني: أن يتقدم الموجئ على الجارح فيسقط حكم الجرح بعد التوجية ويؤخذ الموجئ بالقود أو جميع الدية.
فصل:
ولو جرحه أحدهما موضحة، وجرحه الآخر جائفة، ثم مات قبل اندمالهما كانا قائلين، والدية بينهما نصفين لأنه قد يجوز أن يبرأ من الجائفة، ويموت من الموضحة والولي في صاحب الموضحة بين خيارين بين أن يبدأ بقتله أو يوضحه ثم يقتله وفي صاحب الجائفة على قولين:
أحدهما: أنه بالخيار فيه بين قتله ابتداء، وبين أن يقتص من الجائفة ثم يقتله.
والثاني: أنه ليس له إجافته، لأن الجائفة لا قصاص فيها، ويعتد له بالقتل فلو اندملت الموضحة، ثم مات قبل اندمال الجائفة، صار الذي أوضحه جارحًا، ويجوز أن يقتص منه في الموضحة أو تؤخذ ديتها، وصار الذي أجافه قاتلًا عليه القود أو الدية، وهل له إجافته قبل قتله أم لا على قولين.
ولو اندملت الجائفة، ومات قبل اندمال الموضحة كان في اندمال الموضحة في الجائفة ديتها دون القود، وصار الموضع قاتلًا والولي معه بين خيارين إما أن يبدأ بقتله أو يقتص من الموضحة ثم يقتله.
فلو ادعى صاحب الجائفة أن جراحته اندملت ومات من الموضحة فصدقه الولي وكذبه صاحب الموضحة، نظر في حال الولي فإن أراد القود قبل قول الولي في تصديقه لصاحب الجائفة، وكان له أن يقتص من صاحب الموضحة وحده، ويأخذ من صاحب الجائفة أرش جائفته، لأن له لو لم تندمل الجائفة أن يقتص من صاحب الموضحة وحده، وإن كان الولي قد عفا عن القود، وأراد الدية لم يقبل تصديقه لصاحب الجائفة لأمرين:
أحدهما: أن يجر بها إلى نفسه نفعًا في أخذ أرش الجائفة بعد اندمالها مع دية النفس.
والثاني: أنه يدخل على صاحب الموضحة ضررًا، لأنه قد كان ملتزمًا ما لو لم تندمل الجائفة نصف الدية فألزمه جميعًا، وإذا كان كذلك حلف صاحب الموضحة بالله لقد مات المجروح قبل اندمال الجائفة ولم يلزمه إلا نصف الدية فإن نكل عن اليمين ردت على الولي، لأن الحق له دون صاحب الجائفة وقضى له بجميع الدية.
مسألة:
قال الشافعي: "ويجرحون بالجرح الواحد إذا كان جرحهم إياه معًا لا يتجزأ".
[ ١٢ / ٢٩ ]
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا اشترك الجماعة في جرح أو قطع طرف اقتص من جميعهم وقال أبو حنيفة والثوري: لا قصاص عليهم إذا اشتركوا في الأطراف، وإن وجب عليهم القصاص إذا اشتركوا في النفس استدلالًا بما قدم ذكره من أن التساوي معتبر في الأطراف دون النفس، لأن اليد السليمة لا تؤخذ بالشلاء، وتقتل النفس السليمة بالنفس السقيمة ودليلنا ما روي أن رجلين شهدا عند علي بن أبي طالب، رضوان الله عليه، على رجل بالسرقة فقطع يده ثم عادا، ومعهما آخر فقالا: أخطأنا في الشهادة على الأول وهذا هو السارق، فرد شهادتهما، ولم يقطع الثاني وقال: لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما.
فدل على جوازه قطع اليدين باليد الواحدة، ولأن كل جناية لو انفرد بها الواحد أقيد، وجب إذا اشترك فيها الجماعة أن يقادوا، كالجناية على النفوس، ولأنه قود يستحق في النفس فوجب أن يستحق في الطرف كالواحد، ولأن حرمة النفس أغلظ من حرمة الطرف فلما أقيدت النفوس بنفس، فأولى أن تقاد الأطراف بطرف، وقد أجبنا عن استدلالهم بأن التساوي معتبر في الأطراف، دون النفوس بأنهما سواء عندنا في اعتبار التساوي فيهما على ما بيناه.
فصل:
فإذا ثبت قطع الأطراف بطرف فاعتبار الاشتراك فيه أن يجتمعوا على أخذ السيف بأيديهم كلهم، ويعتمدوا جميعًا في حال واحدة على قطع اليد فحينئذ يصيروا شركاء في قطعها، فتقطع أيديهم بها.
فأما إذا انفرد كل واحد منهم بقطع موضع منها حتى بانت، إما في موضع منها أو في مواضع، أو يقطع أحدهما من باطن اليد والآخر من ظاهرها حتى يلتقي القطعان فتبين اليد وتسقط فليس هذا اشتراكًا في الفعل الواحد فلم يجب على الواحد منهم قود، وأخذ بأرش جنايته. فأما اشتراكهم في جرح موضحه فإن اجتمعوا على سيف واحد، أوضحوه به في حالة واحدة، وجب على كل واحد منهم القصاص في مثل تلك الموضحة، وإن عفا عن القصاص كان على جماعتهم دية موضحة واحدة، وإن تفرد كل واحد منهم بأن أوضح منها موضعًا حتى اتسع اقتص من كل واحد منهما مثل ما أوضح، لأن القصاص يجب في صغير الموضحة كما يجب في كبيرها فإن عفا عن القصاص كان على كل واحد منهم دية موضحة، لأن دية الموضحة إذا صغرت كديتها إذا كبرت.
مسألة:
قال الشافعي: "ولا يقتص إلا من بالغ، وهو من احتلم من الذكور أو حاض من
[ ١٢ / ٣٠ ]
النساء، أو بلغ أيهما كان خمس عشرة سنة".
قال في الحاوي: وهذا صحيح وجوب القصاص معتبر بالبلوغ والعقل المعتبرين في التكليف فإن كان الجاني صغيرًا أو مجنونًا لم يجب عليه القصاص في نفس ولا طرف لرواية علي بن أبي طالب رضوان الله عليه عن النبي ﷺ أنه قال: "رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى ينتبه" فإن قيل: فقد روي عن علي ﵇ أنه قطع أنملة صبي.
قيل: ليس بثابت، ولو صح لاحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون قطعها الأكلة وقعت فيها لتسلم من سرايتها، ولم يقطعها قودًا.
والثاني: أن يكون غلامًا صغيرًا في المنظر وإن بلغ، ولأن عدم التكليف يمنع من الوعيد والزجر، فلم يجب عليه قود كما لم يجب عليه حد، ولأن حقوق الأبدان تسقط بالجنون والصغر كالعبادات.
فصل:
فإذا تقرر أن لا قود عليهما إذا جنيا لم يؤخذا به بعد البلوغ والعقل، ووجب القود على البالغ العاقل إذا قتلهما، لأن التكليف معتبر في القاتل دون المقتول فلو ادعى القاتل أنه قتل وهو صغير، وادعى الوالي أنه قتل وكان بالغًا، فالقول قول القاتل مع يمينه لأمرين:
أحدهما: أن الأصل الصغر حتى يعلم البلوغ.
والثاني: أن الأصل سقوط القود حتى يعلم استحقاقه، ولو ادعى القاتل أنه قتل وهو مجنون وادعى الولي أنه قتل وكان عاقلًا، فإن علم بجنونه فالقول قوله مع يمينه للأمرين، وإن لم يعلم جنونه فالقول قول الولي مع يمينه، لأن الأصل السلامة، فإذا سقط القود عنهما في العمد لزمتها الدية لأنها من حقوق الأموال التي يجب على غير المكلف كوجوبها على المكلف، وإن اختلفا في حقوق الأبدان، وفي الدية اللازمة لهما قولان:
أحدهما: أنها تكون في أموالهما.
والثاني: على عواقلهما بناء على اختلاف قولي الشافعي في عمدهما هل يكون خطأ أو عمدًا، والله أعلم.