قال الشافعي: "الحكم في المشركين حكمان فمن كان منهم أهل أوثان أو من عبد ما استحسن من غير أهل الكتاب لم تؤخذ منهم الجزية وقوتلوا حتى يقتلوا أو يسلموا لقول الله ﵎: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدتُّمُوهُمْ﴾ وقال رسول الله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله".
قال في الحاوي: وهذه المسألة من كتاب الجزية وإنما قدمها المزني في الجهاد لتعلقها بأحكامه، والمشركون ثلاثة أصناف:
أحدها: أهل الكتاب.
والثاني: من لهم شبهة كتاب.
والثالث: من ليس بأهل كتاب، ولا لهم شبهة كتاب.
فإن قيل: فلم جعلهم الشافعي صنفين وهم أكثر، فعنه جوابان:
أحدهما: أنهم في حكم الجزية صنفان، وإن كانوا في غيرها من الأحكام أكثر.
والثاني: لأن الذين جاهدهم رسول الله ﷺ كانوا على عهده صنفين. فإن قيل: فلم أدخل أهل الكتاب في المشركين، وأطلق عليهم اسم الشرك وقد منع غيره من الفقهاء إطلاقه اسم الشرك عليهم، لأنه ينطلق على من جعل لله شريكًا معبودًا فعنه جوابان:
أحدهما: لأن فيهم من جعل لله ولدًا وفيهم من جعله ثالث ثلاثة.
والثاني: لأنهم لما أنكروا معجزات رسول الله ﷺ وأضافوها إلي غيره جعلوا له شريكًا فيها، فلم يمتنع لهذين أن ينطلق عليهم اسم الشرك فأما أهل الكتاب فصنفان:
أحدهما: اليهود ومن تبعهم من السامرة وكتابهم التوراة.
والثاني: النصارى ومن تبعهم من الصابئين وكتابهم الإنجيل، فهو لا يجوز أخذ الجزية منهم إن بذلوها مع أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم، وأما من ليس بأهل كتاب ولهم شبهة كتاب فهم المجوس، لأن وقوع الشك في كتابهم أجرى عليهم حكمه في حقن دمائهم، فيجوز أن تؤخذ منهم الجزية، ولا يجوز أكل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم على الصحيح من المذهب وسيأتي شرحه.
وأما من ليس بأهل كتاب ولا لهم شبهة كتاب فهم أهل الأوثان ومن عبد ما استحسن من الشمس والنار فلا يجوز أن تقبل جزيتهم ولا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح
[ ١٣ / ٢١٢ ]
نساؤهم، سواء كانوا عربًا أو عجمًا، ويقاتلوا حتى يسلموا أو يقتلوا.
وقال مالك: تقبل جزيتهم إلا أن يكونوا من قريش، فلا يقبل منهم إلا الإسلام.
وقال أبو حنيفة: تقبل جزيتهم إلا كانوا عجمًا ولا تقبل جزيتهم إن كانوا عربًا حتى يسلموا، احتجاجًا بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ألا أدلكم على كلمة تدين لكم بها العرب، وتؤدي الجزية إليكم بها العجم؟ شهادة إن لا إله إلا الله" فعم الجزية جميع العجم ما عم بالدين جميع العرب، فدل على افتراقهما في حكم الجزية.
وروى سليمان بن بريده عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميرًا على سرية أوصاه بتقوى الله في خاصة نفسه وبمن معه من المسلمين خيرًا وقال: "إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلي إحدى خصال ثلاث، فإلي أيتهن أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ادعهم إلي إعطاء الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم" وهذا نص في أخذ الجزية من المشركين من غير أهل الكتاب ولأن من جاز استرقاق نسائهم جاز أخذ الجزية من رجالهم كأهل الكتاب، ولأن الجزية ذل وصغار، فإذا جرت على أهل الكتاب وهم أفضل، كان إجراؤها على من دونهم من عبادة الأوثان أولى.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿فَإذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدتُّمُوهُمْ وخُذُوهُمْ واحْصُرُوهُمْ واقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإن تَابُوا وأَقَامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. فكان الأمر بقتلهم حتى يسلموا عامًا، وخص منهم أهل الكتاب بقبول الجزية، فقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ إلي قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ﴾. فكان الدليل في هذا من وجهين:
أحدهما: أن استثناء أهل الكتاب منهم يقتضي خروج غيرهم من استثنائهم، ودخولهم في عموم الأمر.
والثاني: أنه جعل قبول الجزية مشروطًا بالكتاب، فاقتضى انتفاؤها عن غير أهل الكتاب.
وروى أبو صالح عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم" فكان على عمومه، إلا ما خصه دليل، ولأن عمر ﵁ امتنع من أخذ الجزية من المجوس لشكه فيهم أنهم من أهل الكتاب، حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ أخذها من مجوس
[ ١٣ / ٢١٣ ]
هجر وقال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" وقال رجل لعلي بن أبي طالب ﵇: "أعجبت من أخذ الجزية من المجوس، وليس لهم كتاب فقال علي: كيف تعجب وقد كان لهم كتاب فبدلوا، فأسرى به، فدل ذلك على إجماع الصحابة على أنها لا تؤخذ من غير أهل الكتاب، ولأن كل مشرك لم تثبت له حرمة الكتاب لم يجز قبول جزيته كالعرب، ولأن كل ما منع الشرك منه في العرب منع منه العجم كالمناكح والذبائح.
فأما الجواب عن الحديث الأول فمن وجهين:
أحدهما: أنه ضعيف، نقله أهل المغازي ولم ينقله أصحاب الحديث.
والثاني: حمله على أهل الكتاب بدليلنا.
وأما الجواب عن الحديث الثاني فمن وجهين:
أحدهما: أن أكثر السرايا كانت إلي أهل الكتاب.
والثاني: حمله بأدلتنا على أهل الكتاب.
وأما الجواب عن قياسهم على أهل الكتاب، فالمعنى ثابت لهم من حرمة كتابهم، وأنهم كانوا على حق في إتباعه، وهذا معدوم في غيرهم من عبادة الأوثان، وقولهم: إنها صغار فكانت بعبدة الأوثان أحق.
مسألة:
قال الشافعي: "ومن كان منهم أهل كتاب قوتلوا حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فإن لم يعطوا قوتلوا وقتلوا وسبيت ذراريهم ونساؤهم وأموالهم وديارهم".
قال في الحاوي: اعلم أن أهل الكتاب يوافقون عبدة الأوثان في حكمين ويفارقونهم في حكمين فأما الحكمان في الإنفاق:
فأحدهم: أنه يجوز قتل أهل الكتاب كما يجوز قتل عبدة الأوثان.
والثاني: يجوز سبي أهل الكتاب كما يجوز سبي عبدة الأوثان.
وأما الحكمان في الافتراق فأحدهما: أنه يجوز أخذ الجزية من أهل الكتاب، ولا يجوز أخذها من عبدة الأوثان.
والثاني: أنه تستباح مناكح أهل الكتاب وذبائحهم ولا يستباح ذلك من عبدة الأوثان، وإذا كان كذلك وجب استواء الفريقين في وجوب القتال واختلافهما في الكف عنهم.
فأما أهل الكتاب فيجب قتالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، فإن أسلموا أو بذلوا
[ ١٣ / ٢١٤ ]
الجزية، وجب الكف عنهم وإن امتنعوا منها وجب قتالهم حتى يقتلوا.
وأما عبدة الأوثان فيجب قتالهم حتى يسلموا، فإن أسلموا وجب الكفر عنهم، وإن لم يسلموا وجب قتالهم حتى يقتلوا، والفريقان في المهادنة سواء، إن دعت إليها حاجة هودنوا، وإن لم تدع إليها حاجة لم يهادنوا.
مسألة:
قال الشافعي: "وكان ذلك كله فيئًا بعد السلب للقاتل في الأنفال. قال ذلك الإمام أو لم يقله لأن رسول الله ﷺ نفل أبا قتادة يوم حنين سلب قتيله وما نفله إياه إلا بعد تقضي الحرب ونفل محمد بن مسلمة سلب مرحب يوم خيبر ونفل يوم بدر عددًا ويوم أحد رجلًا أو رجلين أسلاب قتلاهم وما عملته ﷺ حضر محضرًا قط فقتل رجل قتيلًا في الأقتال إلا نفله سلبه وقد فعل ذلك بعد النبي ﷺ أبو بكر وعمر ﵄".
قال في الحاوي: يريد الشافعي بهذا ما غنم من أهل أموال الفريقين من أهل الكتاب وعبدة الأوثان يكون بعد تخميسه للغانمين، وسماه فيئًا، وإن كان باسم الغنيمة أخص لرجوعه إلي أولياء الله.
فيبدأ الإمام من الغنائم بأسلاب القتلى فيدفع سلب كل قتيل إلي قاتله، سواء شرطه الإمام أو لم يشرطه.
وقال مالك وأبو حنيفة: إن شرطه الإمام كان لهم وإن لم يشترطه كانوا فيه أسوة الغانمين احتجاجًا بقول النبي ﷺ: "ليس لأحد ما طابت به نفس إمامه" ودليلنا قول النبي ﷺ: "من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه". وروى عمرو بن مالك الأشجع أن النبي ﷺ قضى بالسلب للقاتل. وروي أنه وجد في بعض غزواته قتيلًا فسأله عنه قاتله، فقالوا: سلمه بن الأكوع. فقال: له سلبه أجمع. وقدا مضت هذه المسألة مستوفاة في كتاب قسمة الفيء والغنيمة.
فصل:
فإذا ثبت عطاء السلب للقاتل استحقه بأربعة شروط:
أحدها: أن يقتله والحرب قائمة ليكف كيده، فإن قتله اشتباك الحرب أو بعد انكشافها فلا سلب له.
[ ١٣ / ٢١٥ ]
والثاني: أن يكون مقبلًا على القتال ليكف شره، فإن قتله مدبرًا عن القتال أو معتزلًا له فلا سلب له.
والثالث: أن يكون ذا بطش في القتال وقوة فإن قتل زمنًا أو مريضًا أو شيخًا هرمًا أو صبيًا لا يقاتل مثله أو امرأة تضعف عن القتال فلا سلب له، ولو كان الصبي والمرأة يقاتلان عن قوة وبطش كان له سلبهما.
والرابع: أن يكون القاتل مغرورًا بنفسه في قتله، بأن يبارزه فيقتله أو يقتحم المعركة فيقتله فأما إن رماه بسهم من بعد بحيث يأمن على نفسه فلا سلب له.
فإذا استكملت هذه الشروط الأربعة في القتل لم يخل حال القاتلة من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون ممن يسهم له كالرجل الحر المسلم فيستحق السلب ولا يحمسه الإمام.
وقال مالك: يأخذ خمسه لأهل الخمس وليس بصحيح لما قدمنها من إعطاء رسول الله ﷺ أبا قتادة سلب قتيله، ولو يحمسه، واختلف أصحابنا هل يستحق السلب مع سهمه من المغنم أم لا، على وجهين:
أحدهما: وهو ظاهر نص الشافعي في هذا الموضع أنه يجمع له بينهما، لأن السلب زيادة استحقها بالتغرير كالنفل.
والثاني: لا يجمع لع بينهما وينظر في السلب، فإن كان بقدر سهمه فأكثر أخذه ولا شيء له سواه، وإن كان أقل من سهمه أعطى تمام سهمه لما يلزم من التسوية بين الغانمين.
والثاني: أن يكون ممن لا يسهم له ولا يرضخ له كالمرجف والمخذل والكافر إذا لو يؤذن له فلا يستحق السلب؛ لأن لا حق له في المغنم.
والثالث: أن يكون ممن يرضخ له ولا يسهم كالصبي والعبد والمرأة والكافر والمأذون له، ففي استحقاقه للسلب وجهان بناء على اختلاف أصحابنا في إعطاء رسول الله ﷺ السلب للقاتل هل هو ابتداء عطية منه أو بيان لقول الله تعالى: ﴿واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾.
فأحد الوجهين: أنه ابتداء عطية، فعلى هذا يستحق القاتل، وإن لم يستحقه سهمًا.
والثاني: أنه بيان لمجمل الآية، فعلى هذا لا يستحق إذا لم يستحق في الغنيمة سهمًا فإذا قيل باستحقاقه للسلب لم يرضخ له وجهًا واحدًا، وقد نص عليه الشافعي ففي سير الواقدي.
وإن قيل: لا يستحقه كان السلب مغنمًا، وزيد القاتل في رضخ لأجل بلائه في قتله.
فصل:
فإن لم يقتله ولكن قطع بعض أعضائه، فعلى ثلاثة أقسام:
[ ١٣ / ٢١٦ ]
أحدها: أن يقطع منه ما لا يمنعه من الحضور ولا من القتال، كقطع أسنانه، أو جدع أنفه أو ثمل إحدى عينيه، فلا يستحق لبه، لأنه لم يكف كيده.
والثاني: أن يقطع منه ما يمنعه من الحضور والقتال جميعًا، كقطع يديه ورجليه فيستحق سلبه، لأنه قد عطله، فصار كقتله.
والثالث: أن يقطع منه ما يمنعه من الحضور ولا يمنعه من القتال كقطع الرجلين، أو يقطع ما يمنعه من القتال ولا يمنعه من الحضور، كقطع اليدين، فعلى استحقاقه لسلبه وجهان:
أحدهما: يستحقه، لأنه قد كفه عن كمال الكيد.
والثاني: لا يستحقه، لأنه إن قطع رجليه قدر على القتال بيديه إذا ركبك وإن قطع يديه قدر على الحضور برجليه مكثرًا ومهيبًا، ولو أخذه أسيرًا ففي استحقاقه لسلبه قولان:
أحدهما: يستحق سلبه، لأن من قدر على أسره كان على قتله أقدر.
والثاني: لا سلب له لأنه ما كف كيده ولا كف شره.
فصل:
وأما السلب من مال المقتول ينقسم ثلاث أقسام"
أحدها: ما يكون كله سلبًا يستحقه القاتل، وهو ما كان مقاتلًا فيه من ثياب وجبة أو مقاتلًا عليه من فرس أو مطية أو مقاتلًا به من سلاح وآلة.
والثاني: ما يكون مغنمًا ولا يكون سلبًا، وهو ما له في العسكر من كراع وسلاح وخيم وآلة.
والثالث: ما اختلف فيه، وهو ما كان معه في المعركة لا يقاتل به، ولكنه قوة له على القتال كفرس يجنبه معه، أو مال في وسطه أو حلي على بدنه، ففي كونه سلبًا وجهان:
أحدهما: يكون سلبًا لقوته به.
والثاني: لا يكون سلبًا لأنه لا يقاتل به والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "ثم يرفع بعد السلب خمسه لأهله".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن السلب مقدم في المغانم للقاتل، وفيما يستحق إخراجه منها بعد السلب قولان:
أحدهما: وهو المنصوص عليه ها هنا، أنه يخرج خمس المغانم بعد السلب مقدمًا
[ ١٣ / ٢١٧ ]
على الرضخ يصرفه في أهل الخمس، لقول الله تعالى: ﴿واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾. فكان على عمومه في جميع الغنيمة إلا ما خصه السنة من السلب.
والثاني: أنه يقدم إعطاء قبل إخراج الخمس، لأنه من جملة المصالح اعتبارًا بالسلب، ويستوي على القولين قليل الغنيمة وكثبرها سواء أخذت قهرًا بقوة أو أخذت خلسة بضعف في إخراج خمسها.
وقال أبو حنيفة: إن أخذوها قهرًا وهم ممتنعون بقوة خمسة وإن أخذوها خلسة وهم في غير متعة لم تخمس.
وقال أبو يوسف: المتعة عشرة فأكثر احتجاجًا بأن الغنيمة من أحكام الظفر الذي يعز به الإسلام، ويقال به الشرك وهذا في المأخوذ خلسة وتلصصًا.
ودليلنا عموم قول الله تعالي" ﴿واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾. فكان على عمومه ولأن الغنيمة ما غلب المشرك عليه وأخذ منه بغير اختياره، وهذا موجود في هذا المأخوذ ولأن كل ما وجب إخراج خمسه إذا وصل بالعدد الكثير وجب إخراج خمسه إذا وصل بالعدد القليل كالركاز، ولأن كل من خمسة غنيمته إذا كان في منعة خمسة، وإن كان في غير منعة كما لو أذن له الإمام، ولأن كل من خمسة غنيمته إذا أذن له الإمام خمسة، وإن لم يأذن له كما لو كانوا في منعة، ولأنه لا فرق بين التسعة والعشرة في العز والذل، فلم يقع الفرق بينهما في الغنيمة والتلصص.
فصل:
فإذا ثبت هذا كان ذلك بعد إخراج خمسه ملكًا لغانمة. وقال الحسن البصري: يؤخذ منهم لبيت المال عقوبة لهم ويعزروا عليه لتعزيزهم بأنفسهم، وهذا خطأ لعموم الآية، ولأنه ليس التعزير مع العدو محظورًا يوجب التعزير.
روى محمد بن إسحاق أن رسول الله ﷺ حرض على الجهاد يوم بدر ونفل كل امرئ ما أصاب، وقال: والذي نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر إلا دخل الجنة". فقال عمير بن حمام، وفي يده ثمرات يأكلهن:
بخ بخ، ما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن قتلني هؤلاء القوم، ثم قذف الثمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل وهو يقول:
ركضا إلي الله بغير زاد إلا التقى وعمل المعاد
والصبر في الله على الجهاد وكل زاد عرضه النفاد
غير التقى والبر والرشاد
[ ١٣ / ٢١٨ ]
مسألة:
قال الشافعي: "وتقسم أربعة أخماسه بين من حضر الوقعة دون من بعدها واحتج بأن أبا بكر وعمر ﵄ قالا: "الغنيمة لمن شهد الوقعة".
قال في الحاوي: وهذا كما ذكر إذا خرج من الغنيمة خمسها، ورضخ من لا سهم له فيها كان باقيها للغانمين الذين شهدوا الوقعة يشترك فيها من قاتل ومن لم يقاتل، لأنه كان ردًا للمقاتل قال الله تعالى: ﴿واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾ فلما أضاف الغنيمة إليهم استثنى خمسها منهم دل على أن باقيها لهم، كما قال تعالى: ﴿ووَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ فكان الباقي بعد الثلث للأب، فإن لحق بمن شهد الوقعة مدد من المسلمين عونًا لهم فعلى ثلاثة أضرب:
أحدها: أن يلحقوا بهم قبل تقضي الحرب وانكشافها، فالمدد يشركهم في غنيمتها إذا شهدوا بقية حربها.
والثاني: أن يلحقوا بهم بعد تقضي الحرب وإجازة غنائمها فلا حق لهم في غنيمتها سواء أدركوهم في دار الحرب أو بعد خروجهم منها.
والثالث: أن يلحقوا بهم بعد تفضي الحرب وإجازة غنائمها، فشهدوا معهم إجازتها ففيها قولان:
أحدهما: يشاركونهم فيها.
والثاني: لا يشاركونهم.
وهذان القولان مبنيان على اختلاف قولي الشافعي فيما تملك بع الغنيمة بعد إجازتها فأحد قوليه: إنها تملك بحضور الواقعة فعلى هذا لا حق للمدد فيها.
والثاني: إنهم ملكوا بالحضور أن يتملكوها بالإجازة، فعلى هذا يشاركهم المدد فيها ويخرج على القولين المدد بهم بعد الوقعة وإجازة الغنائم، وهو مذهب مالك والأوزاعي والليث بن سعد وأحمد وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: إن لحق بهم المدد وهم في دار الحرب أو بعد خروجهم من دار الحرب وبعد قسمة الغنائم في دار الإسلام لم يشركوهم استدلالًا بما روي أن النبي ﷺ بعث عبد الله بن عامر إلي أوطاس، فعاد وقد فتح النبي ﷺ حنينًا فأشركهم في غنائمها.
وبما روي أن عمر ﵁ كتب إلي أمراء الأجناد أن من جاءكم من الإمداد قبل أن يتفقا القتلى فأعطوه من الغنيمة.
وروى الشعبي أن عمر كتب بذلك إلي سعد بن أبي وقاص، ولأن القوة بالمدد هي المؤثرة في الظفر فصاروا فيها كالمكثر والمهيب، فوجب أن يكونوا بمثابتهم في المغنم،
[ ١٣ / ٢١٩ ]
ولأن الغنيمة لا تملك عنده إلا بالقسمة لأمرين:
أحدهما: أنه لا يجوز لواحد منهم بيع سهمه منها قبل القسمة، ويجوز بيعه بعدها.
والثاني: أنه لو استولى المسلمون على قرية من بلادهم دفعهم المشركون عنها، وفتحها آخرون من المسلمين كانت غنيمة للآخرين دون الأولين ودليلنا قوله تعالى: ﴿واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾ فأضافها إلي الغانمين فدل على أنه لا حق فيها لغيرهم.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ بعث أبان بن سعيد بن العاص من المدينة في سرية قبل نجد فقدم أبان وأصحابه على رسول الله ﷺ بحنين وقد فتحها فقال أبان: اقسم لنا يا رسول الله فقال: "اجلس يا أبان" ولو يقسم له.
وروى أبو بكر رضوان الله عليه عن النبي ﷺ أنه قال: "الغنيمة لمن شهد الوقعة".
وقد رواه الشافعي موقوفًا على أبي بكر وعمر ﵄ وهو أثبت، ووقوفه عليهما حجة؛ لأنه لم يظهر لهما مخالف؛ ولأن أبا حنيفة وافقهما في المدد لو كانوا أسرى في أيديهم فقتلوا منهم ولحقوا بالمسلمين لم يسهم لهم، فكذلك غير الأسرى ولو لحقوا بهم في الوقعة شاركوهم فكذلك غير الأسرى، ويتحرر من هذا الاستدلال قياسان:
أحدهما: أنه وصول بعد القفول فلم يشركوا في الغنيمة كالأسرى.
والثاني: أن ما لم يشاركهم فيه الأسرى لم يشاركهم فيه المدد، قياسًا على ما بعد قسمة الغنيمة.
فأما الجواب عن حديث عبد الله بن عامر فهو أنه كان في جيش رسول الله ﷺ بحنين وأنفذه إلي أوطاس، وهو واد بقرب حنين حين بلغه أن فيه قومًا من هوازن، فكان من جملة جيشه، ومستحق الغنيمة فلذلك قسم له وخالف من ليس منهم.
وأما حديث عمر فهو: إن صح مما لا يقول به أبو حنيفة؛ لأنه جعل استحقاق الغنيمة معتبرًا بفقء القتلى وفقؤهم غير معتبر فلم تكن فيه حجة.
وأما الجواب عن الظفر بالمدد فمن وجهين:
أحدهما: بطلانه بالمدد اللاحق بعد القسم.
والثاني: أن أسباب الظفر ما تقدمت أو قاربت، ولو كانت مما تأخرت لكانت بمن أقام ولم ينفر، وأما الجواب عن استدلالهم بأنها لا تملك إلا بالقسمة: فهو أن أصل لهم يخالفهم فيه كالخلاف في قرعة، واحتجاجهم فيه بأن القرى للآخرين فنحن نجعلها
[ ١٣ / ٢٢٠ ]
للأولين، وقولهم إن بيعها قبل القسمة لا يجوز، فنحن نجوزه إذا اختار الغانم تملكها ونجعل بيعها اختيارًا لتملكها فلم يسلم لهم بناء على أصل ولا استشهاد.
مسألة:
قال الشافعي: " ويسهم للبرذون كما يسهم للفرس سهمان وللفارس سهم".
قال في الحاوي: وهذا صحيح لا اختلاف أن الفارس يفضل في الغنيمة على الراجل، فضل عنائه واختلفوا في قدر تفضيله، فالذي ذهب إليه الشافعي وأهل مكة ومالك من أهل المدينة والأوزاعي في أهل الشام والليث بن سعد في أهل مصر وهو قول جمهور أهل العراق أن للفارس ثلاثة أسهم، سهم له، سهمان لفرسه، وللراجل سهم واحد.
وقال أبو حنيفة دون أصحابه ولا يعرف له موافق عليه: أن للفارس سهمين سهم له وسههم لفرصه لئلا يفضل فرسه عليه وللراجل واحد، وقد تقدم الكلام معه فيها في كتاب "قسم الفيء والغنيمة" بما أغنى عن إعادته.
وقد روى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ جعل للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم، سهمًا له وسهمين لفرسه.
وروى يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن جده أنه كان يقول: ضرب رسول الله ﷺ عام خيبر للزبير بن العوام بأربعة أسهم له، وسهمان لفرسه، وسهم لأمه صفية بنت عبد المطلب من سهم ذوي القربى.
فصل:
ولا فرق في الخيل بين عتاقها وهجانها وبين سوابقها وبراذينها في الاستحقاق، سهمين لهما، وسهمًا لفارسهما.
وقال سلمان بن ربيعة، والأوزاعي: يسهم للخيل العتاق ولا يسهم للبراذين الهجان ويعطى فارسها سهم راجل.
وقال أحمد بن حنبل: يسهم للبرذون الهجين نصف سهم العربي العتيق، فيعطى فارس البرذون سهمين ويعطى فارس العربي العتيق ثلاثة أسهم، وفرقوا بين البراذين والعتاق، بأن البرذون يثني يده إذا شرب ولا يثنيها العتيق، احتجاجًا بأن البراذين لا تعنى عناء العتاق والسوابق في طلب ولا هرب فشابهت البغال والحمير، وهذا خطأ لقول الله تعالى: ﴿ومِن رِّبَاطِ الخَيْلِ﴾ فعم الحكم في ارتباط الخيل بما يجعل من رهبة العدو بها وهذا موجود في عموم الخيل وفيه قوله: ﴿وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ فيه أربعة تأويلات:
[ ١٣ / ٢٢١ ]
أحدها: أن القوة التصافي واتفاق الكلمة.
والثاني: أن القوة الثقة بالنصر والرغبة في الثواب.
والثالث: أن القوة السلاح، قال له الكلبي.
والرابع: أن القوة في الرمي.
وروى عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: "قال الله تعالى: ﴿وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ ألا إن القوة الرمي ثلاثًا.
وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: "اربطوا الخيل فإن ظهورها عز وبطونها لكم كنز" فعم بالخيل جميع الجنس؛ ولأنه عتاق الخيل أجرى وأسبق، وبراذينها أكر وأصبر، فكان في كل واحد منهما ما ليس في الآخر فتقابلا ولأن عتاق الخيل عراب، وبراذينها أعاجم، وليس يفرق في الفرسان بين العرب والعجم، وكذلك الخيل لا يفرق بين شديد الخيل وضعيفه، فكذلك في السابق والمتأخر.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ولا يعطى إلا لفرس واحد".
قال في الحاوي: وهو كما ذكر، وقال الأوزاعي وأبو يوسف وأحمد: يسهم لفرسين ولا يسهم لأكثر منهما؛ لأنه قد يعطب الواحد فيحتاج إلي ثان، فصار معدًا للحاجة، فوجب أن يسهم له، وهذا التعليل موجود في الثالث؛ لأنه قد يعطب الثاني، ولا يوجب ذلك أن يسهم لثالث، فكذلك الثاني؛ ولأن رسول الله ﷺ قد حضر بأفراس فلم يأخذ إلا سهم فرس واحد، وكذلك حضر كثير من أصحابه فلم يعطوا إلا سهم فرس واحد، وبذلك جرت سيرة خلفائه الراشدين من بعده، ولأنه لا يقاتل إلا على فرس واحد وما عداه زينة أو عدة، فلم يقع الاستحقاق إلا في المباشر بالعمل كخدمة الزوجة لما باشرها الواحد، وكان من عداه زينة، أو عدة لم يستحق إلا نفقة خادم واحد.
فصل:
فإذا قاتل المسلم على فرس مغصوب أخذ به سهم فارس ثلاثة أسهم، ثم نظر في مالكه فإن كان مسلمًا حاضرًا كان سهم الفرس، وهو سهمان من الثلاثة ملكًا لرب الفرس، دون غاصبه لأنه إذا حضر به الوقعة استحق سهمه، وإن لم يقاتل عليه فكذلك يستحقه، وإن قاتل عليه غيره، وإن كان مالك الفرس غير حاضر كان سهمه لغاصبه دون مالكه، وللمالك على الغاصب أجره مثله، وكذلك لو كان مالكه ذميًا حاضرًا؛ لأن سهم الفرس صار مستحقًا بالقتال عليه، وذلك موجود في الغاصب دون المالك.
[ ١٣ / ٢٢٢ ]
مسألة:
قال الشافعي:" ويرضخ لمن لم يبلغ والمرأة والعبد والمشرك إذا قاتل ولمن استعين به من المشركين".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن من لم يكن من أهل الجهاد إذا حضر الوقعة رضخ له ولم يسهم، وهو الصبي والمرأة والعبد.
وقال الأوزاعي يسهم لجميع من شهد الوقعة وإن كانوا صبيانًا ونساء وعبيدًا، احتجاجًا بما رواه أن النبي ﷺ أسهم لهم، وهذا خطأ لما روي أن نجدة الحروري كتب إلي ابن عباس يسأله عن النساء هل كن يشهدن الحرب مع رسول الله ﷺ؟ وهل كان يضرب لهن سهم، فكتب إليه ابن عباس: قد كن يحضرن الحرب، ويسقي الماء، ويداوين الجرحى، فكان يرضخ لهن ولا يسهم، ولأن السهم حق يقابل فرض الجهاد فاقتضى أن يسقط من حق من لم يفترض عليه الجهاد وخالف أصحاب الأعذار من الفقراء والمرضى الذين يسهم لهم إذا حضروا، لأن فرضه يجب عليهم بالحضور، ولذلك لم يجز لأصحاب الأعذار أن يولوا عن الوقعة وجاز لمن ليس من أهل الجهاد أن يولي عنها، وما رواه الأوزاعي من السهم لهم محمول على الرضخ، لأن السهم النصيب، وهكذا من استعان به الإمام من المشركين رضخ لهم، ولم يسهم، لرواية مقسم عن ابن عباس أن النبي ﷺ استعان بقوم من يهود بني قينقاع، فرضخ لهم ولم يسهم.
فإذا ثبت أنه يرضخ لهم ولا يسهم، فإن كان مستحق الرضخ مسلمًا، كان رضخه من الغنيمة وهل يكون من أصلها؟ أو من أربعة أخماسها؟ على قولين مضيا وإن كان مشركًا فعلى قولين:
أحدهما: من سهم المصالح وهو خمس الخمس، سهم رسول الله ﷺ.
والثاني: أنه من الغنيمة وهل يكون من أًلها أو من أربعة أخماسها؟ على قولين كالمسلم.
مسألة:
قال الشافعي: "ويسهم للتاجر إذا قاتل".
قال في الحاوي: وللتاجر إذا خرج مع المجاهدين ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يقصد الجهاد بخروجه، وتكون التجارة تبعًا لجهاده، فهذا يسهم له إذا حضر الوقعة، وسواء قاتل أو لم يقاتل، يكون كغيره من المجاهدين الذين لم يتجروا، كما لو قصد الحج فاتجر كان له حجة، ولا تؤثر فيه تجارته. والثانية: أن يقصد التجارة، ويتخلف في المعسكر تشاغلًا بها، فهذا لا يسهم
[ ١٣ / ٢٢٣ ]
اعتبارًا بقصده وعدم أثره في الوقعة.
والثالثة: أن يقصد التجارة ويشهد الوقعة، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يقاتل فيسهم له، نص عليه الشافعي بلائه في الحرب.
والثاني: أن لا يقاتل ففيه قولان:
أحدهما: يسهم له لقوله: "الغنيمة لمن شهد الوقعة" ولأنه قد كثر وهيب وتجارته منفعة تعود
على المجاهدين، فلم يحرم بها سهمه معهم.
والثاني: لا يسهم له ولا يعطى رضخ كالإتباع لقول رسول الله ﷺ في مهاجر أم قيس"من كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلي ما هاجر إليه" ولأن ما قصده بالخروج من فضل التجارة قد وصل إليه، فلم يزد عليه فيصير به مفضلًا على ذوي النيات في الجهاد، وهذا لا يجوز، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "وتقسم الغنيمة في دار الحرب، قسمها رسول الله ﷺ حيث غنمها وهي دار حرب بني المصطلق وحنين وأما ما احتج به أبو يوسف بأن النبي صلى الله
عليه وسلم قسم غنائم بدر بعد قدومه المدينة وقوله: الدليل على ذلك أنه أسهم لعثمان وطلحة ولم يشهد بدرًا فإن كان كما قال فقد خالف سنة رسول الله ﷺ لا يعطي أحدًا لم يشهد الوقعة ولم يقدم مددًا عليهم في دار الحرب وليس كما قال.
قال الشافعي: ما قسم ﵇ غنائم بدر إلا بسير شعب من شعاب الصفراء قريب من بدر فلما تشاح أصحاب النبي ﷺ في غنيمتها أنزل الله ﷿ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ فقسمها وهي له تفضلًا وأدخل معهم ثمانية أنفار من المهاجرين والأنصار بالمدينة وإنما نزلت ﴿واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ بعد بدر ولم نعلمه أسهم لأحد لم يشهد الوقعة بعد نزول الآية ومن أعطى من المؤلفة وغيرهم فمن ماله أعطاهم لا من الأربعة الأخماس وأما ما احتج به من وقعة عبد الله بن جحش وابن الحضرمي فذلك قبل بدر ولذلك كانت وقعتهم في آخر الشهر الحرام فتوقفوا فيما صنعوا حتى نزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ وليس مما خالف فيه الأوزاعي في شيء".
قال في الحاوي: وهذا كما ذكر، الأولى بالإمام أن يعجل قسمة الغنيمة في دار الحرب، إذا لم يخف ضررًا، فإن أخرها إلي دار الإسلام كره له ذلك إلا من عذر.
[وقال أبو حنيفة: يؤخر قسمها إلى دار الإسلام في دار الحرب وقال]
[ ١٣ / ٢٢٤ ]
مالك: يعجل قسمة الأموال في دار الحرب ويؤخر قسم السبي إلي دار الإسلام، واستدل من منع قسمها
في دار الحرب برواية مقسم عن ابن عباس أن النبي ﷺ قسم غنائم بدر بعد مقدمه
إلي المدينة وأعطى عثمان وطلحة بن عبيد الله وعبد الرحمن بن عوف منها، ولأن عبد الله بن جحش حين غنم ابن الحضرمي بعد قتله لم يقسم غنيمته حتى قدم بها المدينة، وكانت أول ما غنمه المسلمون
قالوا: وقد روى مكحول قال: ما قسم رسول الله ﷺ غنيمته قط في دار الحرب ولا يقول مكحول هذا قطعًا وهو تابعي إلا عن اتفاق الصحابة، قالوا: ولأنها في دار الحرب تحت أيديهم، واستدامة قبضتهم، فوجب أن يمنعوا من قسمها كما منعوا من بيع ما لم يقبض، ولأنها في دار الحرب معرضة للاسترجاع فلم يجز قسمها كما لو كانت الحرب قائمة.
ودليلنا ما رواه الشافعي بإسناده أن النبي ﷺ نفل ابن مسعود سيف أبي جهل
ببدر، والنقل من القسم.
وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: خرج رسول الله ﷺ إلي بدر في
ثلاثمائة وخمسة عشر رجلًا حفاة عراة جياعًا فقال رسول الله ﷺ: "اللهم إنهم
حفاة فاحملهم وعراة فاكسهم وجياع فأشبعهم". فانقلب القوم حيث انقلبوا ومع كل واحد منهم الحمل والحملان، وقد كساهم، وأطعمهم، وانقلابهم من بدر بهذا يكون بعد القسمة، فدل على أنه قسمها ببدر.
وروي أن النبي ﷺ قسم غنائم بني المصطلق يوم المريسيع على مياههم، ووقعت جويرية في سهم ثابت بن قيس بن شماس فاشتراها منه، وأعتقها وتزوجها، وقسم غنائم خيبر لها، وعامل عليها أهلها، وقسم غنائم حنين مع السبي بأوطاس، وهو وادي حنين، وأعطى منها المؤلفة قلوبهم، وقد نقل أهل السير والمغازي أن رسول الله ﷺ ما غنم غنيمة قط إلا قسمها حيث غنمها، ولأن كل موضع صحت فيه الغنيمة لم يمنع فيه من القسمة كدار الإسلام، ولأن كل غنيمة صح قسمها في دار الإسلام لم تكره قسمتها في دار الحرب تعجيل الحقوق إلي مستحقيها، فكان أولى من تأخيرها، ولأن حفظ ما فسم أسهل والمؤونة في نقله أخف فكان أولى.
فأما الجواب عن حديث ابن عباس: أنه قسم غنائم بدر بالمدينة فمن وجهين:
أحدهما: أنا روينا خلافه، فتعارضت الروايتان.
والثاني: أن المهاجرين والأنصار تشاجروا فيها، فأخرها لتشاجرهم، حتى جعلها
[ ١٣ / ٢٢٥ ]
الله تعالى لرسوله بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ فحينئذ قسمها رسول الله ﷺ على رأيه، وأدخل فيهم ثمانية لم يشهدوا بدرًا، ثلاثة من المهاجرين، وخمسة من الأنصار.
وأما حديث مكحول مرسل، والنقل المشهور بخلافه.
وأما الجواب عن تأخير عبد الله بن جحش غنيمة ابن الحضرمي إلي المدينة فمن وجهين:
أحدهما: أنها كانت في الأشهر الحرم فشكوا في استباحتها، فأخروها حتى قدموا على رسول الله ﷺ فسألوه عنها، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾
والثاني: أن عبد الله بن جحش لم يعلم مستحق الغنيمة وكيف تقسم، فأخرها حتى استعلم رسول الله ﷺ عنها.
وأما الجواب عن قياسهم على بيع ما لم يقبض، فمن وجهين:
أحدهما: أن ما لم يقبض من المبيعات مضمون على بائعه، فمنع من بيعه قبل قبضه، وهذا غير مضمون فافتقرا.
والثاني: أن يد الغانمين أثبت، لأن يد المشركين عليه بحكم الدار ويد الغانمين عليه بالاستيلاء والمشاهدة، فصار كرجل في دار رجل وفي يده ثوب، فادعاه صاحب الدار لأن صاحب اليد أحق من صاحب الدار، لأن صاحب الدار يده من طريق الحكم ويد القابض من طريق المشاهدة فكانت أقوى وكان بالملك أحق.
فأما الجواب عن قولهم إنها معرضة للاسترجاع فهو أنها كذلك فيما اتصل من دار الإسلام بدار الحرب، ولا يمنع ذلك من جواز قسمتها، فكذلك في دار الحرب، فأما مع بقاء الحرب فلم يستقر الظفر فيستقر عليها ملك للغانمين أو يد.
مسألة:
قال الشافعي: "ولهم أن يأكلوا ويعلفوا دوابهم في دار الحرب فإن خرج أحد منهم من دار الحرب وفي يده شيء صيره إلي الأمام".
قال في الحاوي: يجوز لأهل الجهاد إذا دخلوا دار الحرب أن يأكلوا طعامهم، ويعلفوا دوابهم، ما أقاموا في دارهم، ولا يحتسب به عليهم من سهمهم، لرواية عبد الله من مغفل قال: دلى جراب من شحم يوم خيبر، قال فأتيته فالتزمته وقلت: لا أعطي اليوم منه أحدًا شيئًا ثم التفت فإذا رسول الله ﷺ يبتسم، فدل تبسمه منه وتركه عليه على إباحته له.
[ ١٣ / ٢٢٦ ]
وروى عبد الله بن أبي أوفى قال: أصبنا طعامًا يوم خيبر، قال: فكان الرجل يجيء فيأخذ منه مقدار ما يكفيه وينصرف، فدل ذلك على إباحته، ولأن أزواد المجاهدين تنفذ ويصعب نقلها من بلاد الإسلام إليهم، ولا يظفرون بمن يبيعها عليهم، فدعت الضرورة إلي إباحتها لهم.
فإذا ثبت إباحتها لهم، فقد اختلف أصحابنا هل تعتبر الحاجة في استباحتها أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: وهو قول الجمهور والظاهر من مذهب الشافعي، أن الحاجة غير معتبرة في استباحتها وأنه يجوز لهم أن يأكلوا ويعلفوا دوابهم، مع الحاجة، والغنى والوجود والعدم، واعتبارًا بطعام الولائم.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة إنهم لا يستبيحونه إلا مع الحاجة اعتبارًا بأكل المضطر من طعام غيره هو ممنوع منه إلا عند حاجته واعتباره بالمضطر خطأ من وجهين:
أحدهما: أن المضطر لا يستبيح إلا عند خوف التلف وهذا مباح، وإن لم يخف التلف.
والثاني: أن المضطر ضامن، وهذا غير ضامن فافترقنا.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا من إباحة الأكل، جاز أن يأكل ما يقتاته وما يتأدم به وتفكه من ذلك ولا يقتصد على الأقوات وحدها اتفاق من أصحابنا وهو حجة أبي علي بن أبي هريرة في اعتبار الحاجة، ويجوز أن يدخر منه، إذا اتسع قدر ما يقتاته مدة مقامه، فإن ضاق كان أسوة غيره فيه، ويجوز أن يذبح المواشي ليأكلها، ولا يذبحها لغير الأكل روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن ذبح البهائم إلا لمأكله. ولا يجوز أن يتخذ جلودها حذاء ولا سقاء لاختصاص الإباحة بالأكل، فأشبه طعام الولائم، ولا يجوز أن يعدل عن المأكول والمشروب إلي ملبوس ومركوب، فأما الأدوية فضربان: طلاء ومأكول.
فأما الطلاء من الدهن والضماد فمحسوب عليه إن استعمله، وأما المأكول ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه ممنوع منه إلا بقيمة محسوبة عليه من سهمه لخروجها عن معهود المأكول.
والثاني: أنها مباحة له وغير محسوبة عليه لأن ضرورته إليها أدعى، فكانت الإباحة أولى.
والثالث: أنها إن كانت لا تؤكل إلا تداويًا، حسبت عليه من سهمه وإن أكلت لدواء غير دواء لم تحسب عليه.
[ ١٣ / ٢٢٧ ]
فصل:
فأما علوفة دوابهم وبهائمهم فتنقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: ما لا يستغني عنه في جهاده، من فرس يقاتل عليه وبهيمة يحمل عليها رحله، فيجوز أن يعلفها من مال أهل الحرب ما تعتلفه البهائم من شعير وتبن وقت، ولا يتعدى الغرف فيه إلي غيره، لأن ضرورتها فيه كضرورته.
والثاني: ما استصحب للزينة والفرجة كالفهود والنمور والبزاة المعدة للاصطياد، فلا يجوز أن يعلفها من مال أهلي الحرب، لأنها غير مؤثرة في الجهاد، فإن أطعمها كان محسوبًا عليها.
والثالث: ما حمله للاستظهار به لحاجة ربما دعت إليه كالجنيبة التي يستظهر بها لركوبه، أو بهائم يستظهر بها لحمولته ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يجوز أن يعلفها من أموالهم، لأنه عدة يقوى بها عليهم.
والثاني: لا يجوز أن يتعدى بها مال نفسه، وإن علفها من أموالهم كان محسوبًا عليها من سهمه اعتبارًا لحاجته في الحال التي هم عليها، وكما لا يسهم إلا لفرس واحد، وإن استظهر بغيره، ولا يجوز أن يتجاوز العلوفة إلي أنعال دوابه، ولا أن يوقع حوافرها ويدهن أشاعرها من أموالهم، فإن فعل كان محسوبًا عليه.
فصل:
فأما ما عدا الطعام والعلوفة من الثياب والدواب والآلة والمتاع فجميعه غنيمة مشتركة يمنع منها، وإن احتاج إليها، فإن لبس ثوبًا منها فأخلقه، أو ركب دابة فهزلها استرجع ذلك منه ولزمه أجرة مثله وغرم نقصه كالغاصب.
روى رويفع بن ثابت الأنصاري أن رسول الله ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس ثوبًا من فيء المسلمين حتى إذا خلق رده فيه" ولأن المضطر في دار الإسلام يستبيح أكل الطعام دون الثياب، فكذلك المجاهد في دار الحرب فإن اشتدت ضرورة بعض المجاهدين إلي ثوب يلبسه استأذن فيه الإمام، وأعطاه من الثياب ما يدفع به ضرورته، ويكون محسوبًا عليه من سهمه، وإذا نفقت دابته أو قتلت في المعركة لم يستحق بدلها من المغنم، كما لو مات المجاهد أو قتل لم يلزم غرم ديته، فإن اشتدت ضرورته إلي ما يركبه لقتال أو غيره، استأذن الإمام حتى يعطيه إما من خمس الخمس نفلًا، وإما من الغنيمة سلفًا من سهمه، يفعل منها ما يؤديه اجتهاده إليه، فإن شرط لهم الإمام أن من قتل فرسه في المعركة كان له مثلها أو ثمنها، جاز ليحرضهم على الإقدام، ووفى بشرطه
[ ١٣ / ٢٢٨ ]
ودفع إليهم مثلها أو ثمنها بحسب الشرط، ولم يقتصر على حكم ضمان المستهلك في غرم قيمة الدابة، وجاز أن يعدل إلي المثل والثمن، لأن ذلك من عموم المصالح التي يتسع حكمها ويكون ما يدفعه من ذلك من خمس الخمس، سهم رسول الله ﷺ المعد للمصالح العامة.
فصل:
ويجوز أن يتابع المجاهدون في دار الحرب ما أخذوه من طعامهم رطلًا برطلين، ولا يكون إذا باعه مجاهد على مجاهد، لأنه مباح الأصل بينهم فسقط فيه حكم الربا، نص عليه الشافعي في سير الواقدي، وإن كان تحريم الربا عنده في دار المشركين كتحريمه في دار الإسلام، ولا يجوز أن يبيعه بذهب ولا ورق، ويكون مقصورًا على بيع المأكول بمأكول كما كان مقصورًا على إباحة المأكول، فإن تأخر قبض البدل فيه سقطت المطالبة به لإباحة أصله، فإن أراد المجاهد أن يبيعه على من ليس بمجاهد لم يجز بيعه بأكثر منه ولا بثمنه ولا بثمن في الذمة ويكون مبيعًا باطلًا على الأحوال كلها، وإن عقد على شروط الصحة لأن الإباحة مقصورة على الأكل دون البيع كطعام الولائم، وهكذا لو دفعه المجاهد قرضًا لغيره منع إن كان مقترضه غير مجاهد ولم يمنع إن كان مقترضه مجاهدًا ويصير مقترضه أحق به ولا يستحق استرجاع بدله، وإذا أراد المجاهد أن يبيع طعامًا له حمله من دار الإسلام على مجاهد أو غير مجاهد جاز وحرم له فيه الربا، وإن أقرضه استحق استرجاع بدله بخلاف المأخوذ من طعام أهل الحرب للفرق بينهما بإباحة هذا وحظر ذاك.
فصل:
وإذا خرج المسلمون من دار الحرب ومعهم من بقايا ما أخذوه من طعامهم ففي وجوب رده إلي المغنم قولان:
أحدهما: نص عليه هاهنا أن عليهم رده إلي المغنم لارتفاع الحاجة، فإن استهلكوه كان محسوبًا
عليه من سهامهم.
والقول الثاني: نص عليه في سير الأوزاعي لا يلزمهم رده، لأنه موضوع على الإباحة، وبه قال الأوزاعي وقد روى نافع عن ابن عمر أن جيشًا غنموا في زمن رسول الله ﷺ طعامًا وعسلًا فلم يؤخذ منهم الخمس. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: ما بقي معهم من الطعام قبل قسم الغنيمة رده في الغنائم، وما بقي بعد قسمتها باعوه وتصدقوا بثمنه وعلى مذهب الشافعي إن لم يجب رده على أحد قوليه كانوا أحق به قبل الغنم ويجوز لهم بيعه بعد خروجهم من دار الحرب، ولا يجوز لهم بيعه قبل خروجهم منها، وتكون أيديهم عليه في دار الحرب يد استباحة، وفي دار الإسلام يد ملك، وإن وجب رده على القول الثاني ردوه إلي المغنم قبل القسم، وعلى الإمام بعد القسم وليس لهم بيعه ولا التصدق
[ ١٣ / ٢٢٩ ]
بثمنه، لأنه حق للغانمين وتكون أيديهم عليه في دار الحرب يد استباحة، وفي دار الإسلام يد حظر، فيجوز أن يأكلوه في دار الحرب ولا يأكلوه في دار الإسلام، ولا يجوز لهم بيعه في دار الحرب ولا في دار الإسلام والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "وما كان من كتبهم فيه طب أو ما لا مكروه فيه بيع وما كان فيه شرك
أبطل وانتفع بأوعيته".
قال في الحاوي: كتبهم مغنومة عنهم، لأنها من أموالهم وهي ضربان:
أحدهما: ما ليس بمحظور على المسلمين وهو ما فيه طب أو حساب، أو شعر، أو أدب فتترك على حالها، وتقسم في المغنم مع سائر أموالهم.
والثاني: ما كان محظورًا على المسلمين من كتب شركهم وشبه كفرهم فلا يجوز أن تترك على حالها، وكذلك التوراة والإنجيل لأنهما قد بدلا وغيرا عما أنزلهما الله تعالى عليه فجرت في المنع من تركها على حالها مجرى كتب شركهم، فتغسل ولا تحرق بالنار، وإن اختار بعض الفقهاء إحراقها، لأنه ربما كان فيها من أسماء الله تعالى ما يصان عن الإحراق، ولأن في أوعيتها إذا غسلت منفعة لا يجوز استهلاكها على الغانمين، فإن لم يكن غسلها مزقت، حتى يخفض ما فيها من الشرك، ثم بيعت في المغنم إن كان لها قيمة.
فصل:
فأما خمورهم فتراق ولا تباع عليهم ولا تباع عليهم، ولا على غيرهم لتحريمها وتحريم أثمانها، فأما أوانيها فإن أمكن حملها إلي دار الإسلام لنفاستها وكثرة أثمانها ضمت إلي الغنائم، وإن لم يكن حملها فإن غلب المسلمون على دارهم قسمت بينهم لينتفعوا بها بعد غسلها، وإن لم يغسلوا على دارهم كسرت ولم تترك عليهم صحاحًا لئلا يعاود الانتفاع بها في حظور.
وأما خنازيرهم فتقتل سواء كانت مؤذية أو غير مؤذية، وقد قال الشافعي في سير الواقدي: تقتل إن كان فيها عدوى ولم يرد بذلك تركها إن لم يكن فيها عدوى، وإنما أراد تعجيل قتلها خوف ضررها وإن كانت عادية وإن وجب قتلها عادية وغير عادة، لأن الخمر تراق وإن لم يكن فيها عدوى، فإن تعذر عليهم قتلها تركها كما يتركهم إذا تعذر قتلهم.
وأما جوارح الصيد فما كان مباح الأثمان من الفهود والنمور والبزاة قسمت بين الغانمين مع الغنائم، فأما الكلاب فضربان:
أحدهما: ما لا منفعة فيه فلا يتعرض لأخذه، ثم ينظر فيها كان منها عقورًا
[ ١٣ / ٢٣٠ ]
مؤذيًا قتل، وترك ما عداه.
والثاني: يكون منتفعًا بها إما في صيد أو ماشية أو حرث فيجوز أخذها ليختص بها من الغانمين أهلي الانتفاع بها، فيدفع كلاب الصيد إلي أهل الصيد خاصة، وتدفع كلاب الماشية إلي أهل الماشية، وكلاب الحرث إلي أهل الحرث، ولا يعوض بقية الغانمين عنها؛ لأنه لا قيمة لها فإن لم يكن في الغانمين من ينتفع بها أعدها لأهل الخمس، لأن فيهم من ينتفع بها.
مسألة:
قال الشافعي: "وما كان مثله مباحًا في بلاد الإسلام من شجر أو حجر أو صيد في بر أو بحر لمن أخذه".
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا وجد في دار الحرب ما يكون مثله مباحًا في دار الإسلام، وذلك خمسة أنواع صيد، وأشجار، وأحجار، وثمار، ونبات، فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون عليه أثر الملك، وهو أن يكون الصيد موسومًا أو مقرطًا، أو تكون الأشجار مقطوعة، وأن تكون الأحجار مصنوعة، وأن تكون الثمار مقطوفة، وأن يكون النبات مجذودًا فهذه آثار تدل على الملك، فتكون غنيمة لا ينفرد بها واجدها لأن مثل هذه الآثار تمنع من استباحتها في دار الإسلام فخرجت عن حكم المباح في دار الشرك.
والثاني: أن يكون على خلقه الأصلي ليس فيها أثار يرد، ولا صنعة فهذا على ضربين:
أحدهما: أن تكون في أملاكهم، فهي غنيمة لا يملكها واجدها اعتبارًا بأصولها إلا الصيد، فإن كان مربوطًا فهو في حكمها غنيمة، وإن كان مرسلًا فهو على أصل الإباحة وما فيه من أحجار وأشجار وثمار ونبات وعسل ونحل وصيد مباح تبع لأصله، يأخذه واجده ولا يكون غنيمة.
وقال أبو حنيفة: يكون جميعه غنيمة يمنع واجده منه إلا الحشيش وحده لقول النبي ﷺ: "المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والنار والكلأ" وما عداه غنيمة تقسم بين الغانمين استدلالًا بأنه ذو قيمة، فوجب أن يكون مغنومًا كسائر أموالهم.
ودليلنا هو أن ما كان أصله على الإباحة في دار الإسلام كان على الإباحة في دار الحرب كالحشيش، ولأنها دار يستباح حشيشها فاستباح ما لم يجز عليه ملك من صاحبها كدار الإسلام، ولأن دار الإسلام أغلط خطرًا من دار الشرك فكان ما استبيح فيها أولى أن
[ ١٣ / ٢٣١ ]
يستباح في دار الشرك.
والجواب عن قياسه مع انتفاضة بالحشيش أن معنى أصله أنه مملوك وهذا غير مملوك.
فصل:
فأما معادن بلادهم: فإن كانت مملوكة فهي غنيمة، وإن كانت في موات مباح فهي كمعادن مواتنا، ونظر ما فيه فإن كان ظهر بعمل تقدم فهو غنيمة لا يملكه آخذه، وإن كان كامنًا فهو ملكه آخذه.
وأما الركاز فإن كان في أرض مملوكة، فهو غنيمة، وإن كان في موات مباح أو طريق سابل فعلى ثلاثة أضرب:
أحدها: أن يكون عليه طابع قريب العهد، ويجوز أن يكون أربابه أحياء فهذا غنيمة لا يملكها واجدها.
والثاني: أن يكون عليه طابع قديم، لا يحوز أن يكون أربابًا أحياء، فهذا ركاز يملكه واجده، وعليه إخراج
خمسه.
والثالث: ما استشكل واحتمل الأمرين ففيه وجهان:
أحدهم: يكون غنيمة اعتبارًا بالدار.
والثاني: يكون ركازًا اعتبار بالمال.
وأما ما وجد من عدة المحاربين، وآلة القتال، من خيم وسلاح فعلى ثلاثة أضرب:
أحدها: أنه يعلم أنه لأهل الحرب فيكون غنيمة.
والثاني: أن يعلم أنه للمسلمين فيكون لقطة.
والثالث: أن يكون مشكوكًا، فيه فينظر فإن وجد في معسكر أهل الحرب كان غنيمته، وإن وجده في معسكر المسلم كان لقطة اعتبارًا باليد.
مسألة:
قال الشافعي: "ومن أسر منهم فإن أشكل بلوغهم فمن لم ينبت فحكمه حكم طفل ومن أنبت فهو بالغ أو يسلم أهل الأوثان ويؤدي الجزية أهل الكتاب أو يمن عليهم أو يفاديهم بمال أو بأسرى من المسلمين أو يسترقهم فإن استرقهم أو أخذ منهم فسبيله سبيل الغنيمة أسر سول الله ﷺ أهل بدر فقتل عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث ومن على أبي عزة الجمحي على أن لا يقاتله فأخفره وقاتله يوم أحد فدعا عليه أن لا يفلت فما أسر غيره ثم أسر ثمامة بن أثال الحنفي فمن عليه ثم أسلم وحسن إسلامه
[ ١٣ / ٢٣٢ ]
وفدى النبي ﵇ رجلًا من المسلمين برجلين من المشركين"
قال في الحاوي: الأسرى ضربان: ذرية، ومقاتلة.
فأما الذرية فهم النساء والصبيان، فلا يجوز قتلهم لنهي النبي ﷺ عن قتل النساء والولدان، ويتسرقون على ما سيأتي حكمه، وأما المقاتلة فهم الرجال، وكل من بلغ من الذكور فهو رجل، سواء اشتد وقاتل أم لا يكون الإنبات فيهم بلوغًا، أو في حكم البلوغ، على ما مضى من القولين لما روي أن النبي ﷺ حكم سعد بن معاذ في بني قريظة فحكم أن من جرت عليه المواسي قتل ومن لم تجر عليه استرق، فقال النبي ﷺ: "هذا حكم الله من فوق سبعة أرقعه" يعني سبع سموات، والإمام في رجالهم إذا أقاموا على شركهم مخير بين أربعة أحكام يجتهد فيها رأيه، ليفعل أصلحها، فيكون خيار نظر واجتهاد لا خيار شهوة وتحكم.
وخياره في الأربعة بين أن يقتل، أو يسترق، أو يفادي على مال أو أسرى، أو يمن بغير فداء، وقال أبو يوسف: يكون مخيرًا بين ثلاثة أشياء: أن يقتل، أن يسترق، أو يفادي على مال أو أسري، ليس له أن يمن.
وقال مالك: يكون مخيرًا بين ثلاثة أشياء: أن يقتل، أو يسترق، أو يفادي على مال، ولا يجوز أن يفادي بأسرى، ولا أن يمن.
وقال أبو حنيفة: يكون مخيرًا بين شيئين: أن يقتل، أو يسترق، ولا يجوز أن يفادي، ولا أن يمن، فصار القتل والاسترقاق متفقًا عليهما، أما القتل فلقول الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدتُّمُوهُمْ﴾ وقت رسول الله ﷺ عقبة بن أبي معيط صبرًا يوم بدر، فقال يا محمد: من للصيبة، فقال: النار، وقتل النضر بن الحارث يوم بدر صبرًا.
وأما الاسترقاق فلأن رسول الله ﷺ استرق سبي بني قريظة وبني المصطلق، وهوازن يوم حنين. وأما الفداء والمن، واستدل أبو حنيفة على المنع منهما بقول الله تعالى في فداء أسرى بدر: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾، يعني العمل بما يفضي إلي ثواب الآخرة، لأن رسول الله ﷺ شاور فيهم أصحابه، فأشار أبو بكر باستبقائهم، وأخذ فدائهم لهل الله أن يهديهم، وأشار عمر بقتلهم، لأنهم أعداء الله، وأعداء رسوله، فعمل على قول أبي بكر، وفادى كل أسير بأربعة آلاف درهم، فأنكر الله تعالى على رسوله ﷺ ما فعله من الفداء، وقال: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وفيه تأويلان:
أحدهما: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ أنه سيحل المغانم لكل ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ من فداء الأسرى عذاب عظيم قال ابن عباس. والثاني: "لولا كتاب من الله سبق" أن لا يؤاخذ أحدًا بعمل أتاه على جهالة
[ ١٣ / ٢٣٣ ]
﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ من الفداء ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ قاله ابن إسحاق: قال: وإذا منع من الفداء كالمنع من المن أولى والدليل على جواز المن والفداء قول الله تعالى: ﴿فَإذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾. وفيه تأويلان:
أحدهما: أنه ضرب رقابهم صبرًا بعد القدرة. والثاني: أنه قتالهم ألمفض إلي ضرب رقابهم في المعركة ﴿حَتَّى إذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الوَثَاقَ﴾ يعني بالإثخان الجراح، وبشد الوثاق الأسر، ثم قال بعد الأسر: ﴿فَإمَّا مَنًا بَعْدُ وإمَّا فِدَاءً﴾ والمن العفو، والفداء ما فودي به الأسير من مال أو أسير، ثم قال: ﴿حَتَّى تَضَعَ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ فيه تأويلان:
أحدهما: أوزار الكفر بالإسلام.
والثاني: أثقال السلاح بالظفر فورد بإباحة المن والفداء نص القرآن الذي لا يجوز دفعه ثم جاءت به السنة، وروي أن رسول الله ﷺ من على ثمامة بن أثال بعد أن ربطه إلي سارية المسجد أسرًا، فمضى وأسلم في جماعة من قومه، وحسن إسلامه ومن على أبي عزة الجمحي يوم بدر، وشرط عليه أن لا يعود لقتاله، فلما عاد إلي مكة قال: سخرت من محمد، وعاد إلي قتاله في أحد فدعا رسول الله ﷺ أن لا يلفت فما أسر يومئذ غيره، فقال: امنن علي فقال: "هيهات، ترجع إلي قومك فتقول سخرت من محمد مرتين لا يدع المؤمن من حجر مرتين" وضرب عنقه وليس هذا القول من رسول الله ﷺ على طريق الخبر، لأن المؤمن قد يلدغ من جحر مرتين، وإنما هو على طريق التحذير.
ويدل على إباحة الفداء بالأسرى، ما رواه عمران بن الحصين أن رسول الله ﷺ فادى يوم بدر رجلًا برجلين، وعلى الفداء بالمال ما فادى به أسرى بدر.
فإن قيل: فقد أنكره الله تعالى عليه فعنه جوابان:
أحدهما: أنه أنكره عليه قبل ورود إباحته، وقد وردت الإباحة فزال الإنكار.
والثاني: أنه قيد إنكاره بشرط، وهو قوله: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ وفي إثخانه دليلان:
أحدهما: أنه كثرة القتل.
والثاني: الاستيلاء والظفر وقد أنعم الله تعالى بهما، فزال الإنكار وارتفع المنع.
فصل:
فإذا ثبت أن الإمام أو أمير الجيش مخير في الأسرى بين أربعة أشياء، يفعل منها أصلحها في كل أسير، فعليه أن يقدم عرض الإسلام عليهم، فإن لم يسلموا نظر فيمن كان منهم عظيم العداوة شديد النكاية فهو المندوب إلى قتله فيقتله صبرًا، يضرب العنق لقول
[ ١٣ / ٢٣٤ ]
الله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾.
وقوله: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ ولا يمثل به لنهي النبي ﷺ عن المثلة، وقال: "إن الله كتب عليكم الإحسان في كل شيء حتى في القتل فإذا قتلته فأحسنوا القتلة".
فإن قيل: فقد مثل رسول الله ﷺ بالعرنيين، فقطع أيديهم وأرجلهن، وسمل أعينهم، وألقاهم في حر الرمضاء، فعنه جوابان:
أحدهما: أنه فعل ذلك في متقدم الأمر ثم نهى.
والثاني: أنه فعل ذلك بهم جزاء وقصاصًا، لأنهم قتلوا راعي رسول الله ﷺ ومثلوا به فقاتلهم عليه بمثله وقد قال الله تعالى: ﴿وإنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾. ولا يجوز أن يحرقهم بالنار، لقول النبي ﷺ: "لا يعذب بعذاب الله غير الله". فإن قيل: فقد جمع خالد بن الوليد حين قاتل أهل الردة باليمامة جماعة من الأسرى وألقاهم في حفيرة وأحرقهم بالنار، وأخذ رأس زعيمهم فأوقده تحت قدره، قيل عنه جوابان:
أحدهما: أن أبا بكر وعمر ﵄ أنكرا ذلك من فعله وبرئا إلي الله من فعله.
والثاني: أنها كانت حالًا لم ينتشر فيها حكم النهي، ففعل خالد من ذلك ما اقتضاه حكم السياسة عنده، لأنه كان في متقدم الإسلام، وكانوا أول قوم تظاهر بالردة بعد قبض الرسول ﷺ وآمنوا بمسيلمة الكذاب، فأظهر لما فعل من إحراقهم بالنار أعظم العقوبات لارتكابهم أعظم الكفر ثم علم بالنهي فكف وامتنع، فإن ادعى ولحد من أمر الإمام بقتله أنه غير بالغ نظر، فإن لم ينبت شعر عانته قبل قوله، وإن نبت شعر عانته لم يقبل قوله بغير بينة، وفي قبول قوله مع البينة قولان بناء على اختلاف قوليه في الإنبات هل يكون بلوغًا أو دلالة عليه.
فإن قيل: إنه بلوغ لم تسمع بينته وقتل، وإن قيل: إنه دلالة على البلوغ سمعت بينته أنه لم يستكمل خمس عشرة سنة ولم يقتل فهذا حكم القتل.
فصل:
وأما الاسترقاق فمن علم أنه قوي البطش ذليل النفس فهو من أهل الاسترقاق وله حالتان:
إحداهما: أن يكون ممن يجوز إقراره بالجزية كأهل الكتاب من اليهود والنصارى، أو من له شبهة
كتاب كالمجوس فيجوزن أن يسترق، يقر على كفره بالرق كما يقر عليه بالجزية
والثانية: أن يكون ممن لا يقر على كفره بالجزية كعبدة الأوثان، ففي جواز إقراره
[ ١٣ / ٢٣٥ ]
على كفره بالاسترقاق وجهان:
أحدهما: وهو الظاهر من مذهب الشافعي وسنة الرسول ﷺ يجوزن أن يسترق، ويقر على كفره بالرق، وإن لم يقر عليه بالجزية، لأن كل من جاز إقراره بالأمان جاز إقراره بالاسترقاق، كالكتابي طردًا وكالمرتد عكسًا.
والثاني: وهو قول أبي سعيد الإصطخري إنه لا يجوز إقراره بالاسترقاق، كما لا يجوز إقراره بالجزية، ويبقى خيار الإمام فيه بين القتل أو الفداء أو المن، ولا فرق على كلا الوجهين بين العرب منهم والعجم.
وقال أبو حنيفة: إن كانوا عجمًا جاز استرقاقهم وإن كانوا عربًأ وجب قتلهم ولا يجوز استرقاقهم لمبالغة العرب في عداوة رسول الله ﷺ وإخراجه من بلده، فصاروا بذلك أغلظ جرمًا وصار قتلهم محتمًا، وهذا خطأ لأمرين:
أحدهما: أن الاسترقاق عقوبة تتعلق بالكفر، فوجب أن يستوي فيها العربي والعجمي كالقتل.
والثاني: أن كل كافر جاز استرقاقه إذا كان أعجميًا، جاز استرقاقه إذا كان عربيًا كأهل الكتاب
فهذا حكم الاسترقاق.
فصل:
وأما الفداء بمال، فمن علم أنه كثير المال، مأمون العاقبة وافتدى نفسه بمال، قبل منه الفداء، وأطلق عليه، وكان المال المأخوذ منه غنيمة تقسم بين الغانمين، ويكون الذي استأ سره في فدائه وغيره من الغانمين سواء كما يكون الغانم للمال وغيره فيه سواء.
فإن قيل: فقد كان فداء أسرى بدر بأخذه من استأ سرهم، ولذلك سأل رسول الله ﷺ في أبي العاص بن الربيع، وقد أسر يوم بدر، وهو زوج زينب بنت رسول الله ﷺ، وأنفذت في جملة فدائه قلادة كانت لها جهزتها بها خديجة، فلما أبصرها رسول الله ﷺ عرفها ورق لها، وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها مالها فافعلوا فلولا حقهم فيه لتفرد بالرد ولما سألهم فعنه ثلاثة أجوبة:
أحدهما: أنه قال: ذلك استطابة لقلوبهم وإن كان أمره فيه نافذًا.
والثاني: أنه كان قبل أن يستقر حكم الأسري والغنائم.
والثالث: أنه حق لجميعهم لا لواحد منهم فاستطاب نفوسهم فيه. وأما الفداء والأسرى: فهو لمن كان في أيدي قومه أسرى من المسلمين، وهو مشفقون عليه من الأسرى ومفتدون له بمن في أيديهم فيفادي به من قدر عليه من أسرى المسلمين والأولى أن يأخذ به أكثر منه، فإن رسول الله ﷺ فادى كل رجل من المشركين برجلين من المسلمين، فإن لم يقدر أن يفادي كل رجل إلابرجل جاز ولو دعته الضرورة أن يفادي رجلين من المشركين برجل من المسلمين فعل، فهذا حكم الفداء.
[ ١٣ / ٢٣٦ ]
فصل:
وأما المن بغير الفداء، فهو فيمن علم منه ميلًا إلي الإسلام، أو طاعة في قومه يتألفهم به فهو الذي يمن عليه كما من رسول الله ﷺ على ثمامة بن أثار فعاد مسلمًا في عدد من قومه، وينبغي أن يستظهر عليه بأن يشترط بأن لا يعود إلي قتله، كما شرط رسول الله ﷺ على أبي عزة الجحيمي، فلم يف به وعاد لقتاله، وظفر به فضرب رقبته. فأما إن كان في الأسرى عبد لم يجز أن يمن عليه، لأنه مال كما لا يجوز أن يرد عليها غنائمهم ولم يحتج إلي استرقاقه؛ لأنه مسترق، وكان الإمام فيه بالخيار بين أن يقسمه بين الغنائم مع الأموال، وبين أن يقتله إن خالف عاقبته، ويعوض الغانمين عنه، لأنه مال بخلاف من قتله من الأحرار، وبين أن يفتدي به أسرى من المسلمين، ويعوض عنه الغانمين وسنذكر من أسلم.
فصل:
فإن قتل مسلم هذا الأسير فلا يخلو حال قتله من أحد أمرين. إما أن يكون بعد نفوذ حكم الإمام فيه أو يكون قبله فإن قتله بعد نفوذ حكم الإمام فيه، فلا يخل حكمه من أحد أربعة أحكام:
أحدها: أن يكون قد حكم بقتله، فلا ضمان على قاتله، لكن يعزر لافتيانه على الإمام في قتل من لم يأمره بقتله وأن كان قتله مباحًا.
والثاني: أن يكون الإمام استرقه فيضمنه قاتله بقيمته عبدًا، وتكون القيمة من الغنيمة تقسم
بين الغانمين.
والثالث: أن يكون الإمام قد فادى به على مال أو أسرى فهذا على ثلاثة أضرب:
أحدها: أن يقتله قيل فرض الإمام فدا، فيضمن ديته من مال الغنيمة، لأنه صار له بالفداء
أمان فضمن ديته وصار بقاء الفداء موجبًا لصرف الدية إلي الغنيمة.
والثاني: أن يقتله بعد فرض الإمام فداء وقبل إطلاقه فيضمنه بالدية لورثته دون الغانمين
لاستيفاء فدائه.
والثالث: أن يقتله بعد قبض فدائه، وإطلاقه إلي مأمنه فلا ضمان عليه لعوده إلي ما كان عليه
قبل أسره.
والقسم الرابع: من أقسام الأصل أن يكون الإمام قد من عليه فقتله بعد المن، فهذا على
ضربين:
أحدهما: أن يقتله قبل حصوله في مأمنه فيضمنه بالدية لورثته.
والثاني: أن يقتله بعد حصوله في مأمنه فلا يضمن ويكون دمه هدرًا. وأما إذا قتله قبل أن يقضي الإمام فيه بأحد هذه الأحكام الأربعة فلا ضمان عليه لكن يعزر أدبًا، وقال الأوزاعي: يضمنه بالدية للغانمين لافتياته عليهم، وهذا خطأ لأمرين:
[ ١٣ / ٢٣٧ ]
أحدهما: أنه على أصل الإباحة ما لم يحدث خطر فأشبه المرتد.
والثاني: أن قتل الإمام لما لم يوجب ضمانًا لو يوجب قتل غيره كالحربي.
مسألة:
قال الشافعي: "وإن أسلموا بعد الأسر رقوا وإن أسلموا قبل الأسر فهم أحرار".
قال في الحاوي: وجملة إسلامهم ضربان.
أحدهما: أن يكون قبل أسرهم، فيسقط خيار الإمام فيهم، فلا يجوز أن يقتل، ولا يسترق ولا يفادي، وهم كمن أسلم قبل القتال في جميع أحكام المسلمين، وسواء أسلموا وهم قادرون على الهرب أو كانوا في حصار أو مضيق قد أحيط بهم، ولو في بئر، لأنهم قبل الإسار يجوز أن يتخلصوا فجرى على إسلامهم دماءهما وأموالهما، وهكذا من بدل الجزية قبل الإسار حقن بها دمه، وحرم بها استرقاقه، وصارت له بها ذمة كسائر أهل الذمة، فإن أقام في دار الإسلام منعنا عنه نفوسنا وغيرنا، وإن أقام في دار الحرب منعنا عنه نفوسنا ولم يلزم أن نمنع عنه غيرنا.
فصل:
والضرب الثاني: أن يسلموا بعد الإسار وحصولهم في أدي المسلمين فيسقط القتل عنهم بإسلامهم، ويحقنوا به دماءهم، لقول النبي ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم" فثبت أن الإسلام موجب لحقن دمائهم، فإن بذلوا الجزية بعد الإسراء ولم يسلموا نظر فيهم، فإن كانوا من عبدة الأوثان لم تقبل جزيتهم، ولم تحقن بها دماؤهم، وإن كان من أهل الكتاب ففي حقن دمائهم وقبول الجزية بعد الإسار وجهان حكاهما ابن أبي هريرة:
أحدهما: تحقن بها دماؤهم بعد الإسار كما تحقن بها دماؤهم قبل الإسار كالإسلام.
والثاني: لا تحقن بها دماؤهم بعد الإسار وإن حقنت بها قبله لقول الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ﴾ وليس لهم بعد الإسار يد.
فصل:
فإذا سقط قتلهم بعد الإسار بالإسلام، فقد قال الشافعي هاهنا، فإن أسلموا بعد الإسرا رقوا، وإن أسلموا قبل الإسار فهم أحرار، وظاهر هذا الكلام أنهم قد صاروا رقيقًا بالإسلام، من غير استرقاق،
وقال في موضع آخر: إنهم لا يصيرون رقيقًا حتى
[ ١٣ / ٢٣٨ ]
يسترقوا، فخرجه أصحابنا على قولين:
أحدهما: أنهم قد رقوا بالإسلام، لأن كل أسير حرم قتله رق كالنساء والصبيان فعلى هذا يسقط خيار الإمام في الفداء والمن.
والقول الثاني: وهو أصح إنهم لا يرقوا إلا بالاسترقاق؛ لأن سقوط الخيار من القتل لا يوجب سقوطه في الباقي كالكفارة إذا سقط خياره في العتق لعدمه لم يسقط خياره فيما عداه، فعلى هذا يكون الإمام على خياره فيه بين الاسترقاق أو الفداء أو المن، لما روي أن العقيلي أسر وأوثق في الحرة، فمر به رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله بم أخذت وأخذت سابقة الحاج، فقال: بجريرتك وجريرة حلفائك من ثقيف، فقال: إني جائع فأطعمني، وعطشان فأسقني، فأطعمه وسقاه، فقال له: أسلم، فأسلم، فقال: لو قلتها قبل هذا لأفلحت كل الفلاح، وفاداه برجلين من المسلمين. فدل هذا الخبر على أنه لا يرق بالإسلام يسترق وأنه لا يسقط خياره في الفداء والمن.
وقوله: وأخذت سابقة الحاج يعني بها ناقة كانت لرسول الله ﷺ سابقة الحاج، أخذها المشركون، وصارت إلي العقيلي، فأخذت منه بعد أسره، فأراد بذلك أن سابقة الحاج قد أخذت مني ففيم أو خذ بعدها، فقال له: "بجريرتك وجريرة قومك" يعني بجنايتك جناية قومك، لأنهم نقصوا عهد رسول الله ﷺ.
فإن قيل: كيف يؤخذ بجناية غيره، من قومه.
قيل: لما كان منهم ومشاركًا لهم في أفعالهم صار مشاركًا لهم في الأخذ بجنايتهم، فأما إن سقط عنه القتل به الإسار ببذل الجزية على ما ذكرناه من الوجهين لم يرق ببذلها قولًا واحدًا، حتى يسترق وكان الإمام فيه على خياره بين استرقاقه مفاداته والمن عليه بخلاف الإسلام في أحد القولين لأن بقاء كفره يوجب إبقاء أحكامه.
مسألة:
قال الشافعي: "وإذا التقوا والعدو فلا يولوهم الأدبار قال ابن عباس: "من فر من ثلاثة فلم يقر ومن فر من اثنين فقد فر" قال الشافعي: هذا على معنى التنزيل فإذا فر الواحد من الاثنين فأقل إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا غلي فئة من المسلمين قلت أو كثرت بحضرته أو مبينة عنه فسواء ونيته في التحريف والتحيز ليعود للقتال المستثنى المخرج من سقط الله فإن كان هربه على غير هذا المعنى خفت عليه إلا أن يعفو الله أن يكون قد باء بسخط من الله".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن الجهاد من فروض الكفايات قبل التقاء الزحفين، ومن فروض الأعيان إذا التقى الزحفان لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ
[ ١٣ / ٢٣٩ ]
فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾. فأمر بمسايرة بعد لقائه، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصَابِرُوا ورَابِطُوا﴾. وفيه تأويلان:
أحدهما: اصبروا على طاعة الله، وصابرو أعداء الله، ورابطوا في سبيل الله، وهذا قول الحسن وقتادة.
والثاني: اصبروا على دينكم، وصابرو الوعد الذي وعدكم، ورابطوا عدوي وعدوكم وهذا قول محمد بن كعب.
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. أي لتفلحوا وفيه تأويلان:
أحدهما: لتؤدوا فرضكم.
والثاني: لتنتصروا على عدوكم
وأصل هذا أن الله تعالى أوجب في ابتداء فرض الجهاد على كل مسلم أن يصابر في القتال عشرة من المشركين بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلَى القِتَالِ إن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ وفيه تأويلان:
أحدهما: لا يعلمون ما فرض الله عليكم من الإسلام.
والثاني: لا يعلمون ما فرض الله عليكم من القتال، ثم إن الله تعالى نسخ ذلك عنهم، عند كثرتهم، واشتدت شوكتهم لعلمه بدخول المشقة عليهم، فأوجب على كل مسلم لاقى المشركين محاربًا أن يقف بإزاء عشرة تخفيفًا ورخصة بقوله تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ وفيه تأويلان:
أحدهما: بمعونة الله.
والثاني: بمشيئة الله ﴿واللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ وفيه تأويلان:
أحدهما: مع الصابرين على القتال في معونتهم على عدوهم.
والثاني: مع الصابرين على الطاعة في قبول عملهم وإجزال توابهم، فصار فرضًا على كل رجل مسلم لاقى عدوه زحفًا في القتال أن يقاتل رجلين مصابرًا لقتالهما ولا يلزمه مصابرة أكثر من رجلين، وليس المراد به الواحد إذا انفرد أن يصابر قتال رجلين وإنما المراد به الجماعة من المسلمين إذا لاقوا عدوهم أن يصابروا قتال مثلي عددهم هذا مذهب الشافعي، وبه قال عبد الله بن عباس.
وقال أبو حنيفة: هذا إخبار من الله تعالى عن حالهم، موعد منه إذا صابروا مثلي عددهم أن يغلبواوليس بأمر مفروض اعتبار بلفظ القرآن، وأنه خارج مخرج الخبر دون الأمر. وقال الحسن البصري، وقتادة: هو خارج مخرج الأمر، لكنه خاص في أهل بدر
[ ١٣ / ٢٤٠ ]
دون غيرهم، وكلا القولين فاسد، لأنه لو خرج مخرج للخبر لم يجز أن يكون بخلاف مخبره، وقد يوجد أحيانًا خلافه، ولم يجز أن يختص بأهل بدر لنزول الآية، بعد بدر، وأن من قاتل ببدر إن لم نخفف عنهم لم يغلظ عليهم، فثبت أنه أمر من الله تعالى محمول على العموم.
فصل:
فإذا تقرر أن فرض المصابرة في تقال المشركين أن يقفوا مصابرين لقتالهم مثلهم، ولا يلزمهم مصابرة أكثر من مثلهم فلهم في القتال حالتان:
إحداهما: أن يرجوا الظفر بهم إن سابروهم فواجب عليهم مصابرة عدوهم حتى يظفروا بهم، سواء قلوا أو كثروا، وهذا أكثر مراد الآية.
والثاني: أن لا يرجوا الظفر بهم، فهاهنا يعتبر المشركون، فان كانوا أكثر من مثلي المسلمين جاز أن يولوا المسلمين عنهم، ويرجعوا عن قتالهم فلن أقاموا على المصابرة والقتال كان مقامهم أفضل إن لم يتحققوا التلف وفي جوازه إن تحقق وجهان:
أحدهما: يجب عليهم أن يولوا ولا يجوز أن يصابروا
والثاني: يجوز لهم أن يصابروا، ولا يجب عليهم أن يولوا، وهذا الوجهان بناء على الاختلاف الوجهين فيمن أريدت نفسه، هل يجب عليه المنع عنهما أم لا؟ على وجهين، وإن كانوا مثلي المسلمين فأقل حرم على المسلمين أن يولوا عنها وينهزموا منهم إلا في حالتين:
إحداهما: أن ينحرفوا لقتال.
والثانية: أن يتحيزوا إلى فئة لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ (١٥) ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ومَاوَاهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ فدل هذا الوعيد على أن الهزيمة لغير هذين من كبائر المعاصي، وقد ذكر رسول الله ﷺ الكبائر فذكر فيها الفرار من الزحف.
وروي عن ابن عباس أنه قال: "من فر من ثلاثة لم يفر، ومن فر من اثنين فقد فر".
فأما التحرف للقتال فهو أن يعدل عن القتال إلى موجع هو أصلح للقتال، بأن ينتقل من مضيق إلى سعة، ومن حزن إلى سهولة، ومن معطشة إلى ماء، ومن استقبال الريح والشمس إلى استدبارهما، ومن موضع كمين إلى حرز أو يولي هاربة ليعود طالبًا، لأن الحرب هرب وطلب وكر وفنا فهذا وما شاكلة هو التحرف لقتال.
وأما التحيز إلى فئة فهو أن يولي لينضم إلى طائفة من المسلمين ليعود معهم محاربًا وسواء كانت الطائفة قريبة أو بعيدة.
قال الشافعي: "قريبة أو مبينة" يعني متأخرة، حتى لو انهزم من الروم إلى طائفة من
[ ١٣ / ٢٤١ ]
الحجاز، كان متحيزًا إلى فئة.
روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال يوم القادسية: أنا فئة كل مسلم، فإن انهزم المسلمون من مثلي عددهم غير منحرفين لقتال أو متحيزين إلى فئة فهم عصاه الله تعالى فسقه في دينهم، إلا أن يتوبوا.
وهل يكون من شروط التوبة معاودة القتال استدراكا لتفريطه أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: أن من شرط صحتها ومعاودة القتال استدراكًا لتفريطه.
والثاني: ليس من صحتها العود وليكن ينوي أنه متى عاد لم ينهزم إلا متحرفًا لقتال أو متحيزا إلى فئة، وسواء كان المسلمون فرسانا والمشركون رجالة، في جواز انهزامهم من أكثر من مثلي عددهم، أو كان المسلمون رجالة والمشركون فرسانا في تحريم انهزامهم من مثل عددهم.
فصل:
فأما الرجل الواحد من المسلمين إذا لقي رجلين من المشركين فإن طلباه ولم يطلبها جاز له أن ينهزم عنهما، لأنه غير متأهب لقتالهما، وإن طلبهما ولم يطلباه ففي جواز انهزامهم عنهما وجهان:
أحدهما: وهو الظاهر من مذهب الشافعي يجوز أن ينهزم عنهما بخلاف الجماعة مع الجماعة، لأن فرض الجهاد في الجماعة دون الانفراد.
والثاني: يحرم عليه أن ينهزم عنهما إلا منحرفًا لقتال، أو متحيزًا إلى فئة كالجماعة، لأن طلبه لهما قد فرض عليه حكم الجماعة.
فصل:
فإن تحققت الجماعة المقاتلة لمثلي عدوهم أنهم إن صابروهم هلكوا، ففي جواز هزيمتهم منهم غير متحرفين لقتال أو متحيزين إلى فئة وجهان:
أحدهما: يجوز لهم أن ينهزموا ٢ صش لقول الله تعالى: ﴿ولا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
والثاني: لا يجوز لهم أن ينهزموا، لأن في التعرض للجهاد أن يكون قاتلًا أو مقتولا؛ ولأنهم يقدرون على
استدراك المآثم في هزيمتهم أن ينووا التحرف لقتال، أو التحيز إلى فئة، والله أعلم.
مسألة
قال الشافعي: "ونصب رسول الله ﷺ على أهل الطائف منجنيقًا أو عراة ونحن
[ ١٣ / ٢٤٢ ]
نعلم أن فيهم النساء والوالدان وقطع أموال بني النضير وحرقها وشن الغارة على بني المصطلق غارين وأمر بالبيات والتحريق".
قال في الحاوي: وهذا كما ذكر ويجوز للإمام أن يقاتل المشركين بكل ما علم أنه يفضي إلى الظفر بهم من نصب المنجنيق والعراقة عليهم، وقد نصب رسول الله ﷺ على الطائف حين حاصرها بعد فتح مكة منجنيقًا أو عرادة، ويجوز أن يشن عليهم الغارة وهم غارون لا يعلمون، قد شن رسول الله ﷺ الغارة على بني المصطلق عارين، ويجوز أن يقمع عليهم البيات ليلًا، ويحرق عليهم ديارهم ويلقي عليهم النيران والحيات والعقارب، ويهدم عليهم البيوت، ويجري عليهم السبل ويقطع عنهم الماء، ويفعل بهم جميع ما يفضي إلى هلاكهم، ولا يمنع من فيهم من النساء والولدان أن يفعل ذلك بهم، وإن أفضى إلى هلاك نسائهم وأطفالهن، لأن رسول الله ﷺ لم يمنعه من فيء بني المصطلق منهم من شن الغارات عليهم، ولا من ثقيف من نصب المنجنيق عليهم، ولأن نهي رسول الله ﷺ عن قتل النساء والولدان إنما كان في السبي المغنوم أن يقتلوا صبرًا، ولأنهم غنيمة، فأما وهم في دار الحرب، فهي دار إباحة يصبرون فيها تبعًا لرجالهم.
روى الصعب بن جثامة أن رسول الله ﷺ سئل عن دار الشرك فيصاب من نسائهم وأبنائهم، فقال: "هم منهم" يعني في حكمهم، فأما إن كان فيهم أساري مسلمين، فلا يخلو جيش المسلمين من أن يخافوا اصطدام العدو، أو يأمنوه، فإن خافوا اصطدامه جاز أن يفعل يهم ما يفضي إلى هلاكهم، وإن هلك معهم من بينهم من للمسلمين، لأن سلامة الأكثر مع تلف الأقل أولى.
وإن أمنوا اصطدامهم نظر في عدد المسلمين من الأسرى، فإن كثر وعلم أنهم لا يسلمون إن رموا كف عن رميهم وتحريقهم، وإن قلوا وأمكن أن يسلموا إن رموا جاز رميهم، وقد توفي المسلمين منهم، لأن إباحة الدار يجري عليها حكم الإباحة، وإن كان فيها حظر كما أن حظر دار الإسلام يجري عليها حكم الحظر وإن جاز أن يكون فيها مباح الدم، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "منعت دار الإسلام ما فيها، وأباحت دار الشرك ما فيها".
مسألة:
قال الشافعي: "وقطع بخيبر وهي بعد النضير والطائف وهي آخر غزوة غزاها ﵇ لقي فيها قتالًا فبهذا كله أقول وما أصيب بذلك من النساء والوالدان فلا بأس لأنه على غير عمد فإن كان في دارهم أساري مسلمون أو مستأمنون كرت النصب عليهم بما ينعم التحريق والتفريق احتياطيًا غير محرم له تحريمًا بينًا وذلك أن الدار إذا كانت مباحة فلا تبين أن يحرم بأن يكون فيها مسلم يحرم دمه".
[ ١٣ / ٢٤٣ ]
قال في الحاوي: وهو كما ذكر يجوز أن يقطع على أمل الحرب نخلهم وشجرهم ويستهلك عليهم زرعهم وثمرهم، إذا علم أنه يفضي إلى الظفر بهم، ومع أبو حنيفة من ذلك استدلالا بقول الله تعالى: ﴿ولا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، وهذا فساد، ولما روي أن أبا بكر بعث جيشًا إلى الشام ونهاهم عن قطع شجرها ولأنها قد تصير دار الإسلام، فيصير ذلك غنيمة للمسلمين.
ودليلنا ما روي أن النبي ﷺ حاصر بني النضير في حصونهم بالبويرة حين نقضوا عهدهم
فقطع المسلمون عليهم عددا من نخلهم ورسول الله ﷺ يراهم إما بأمره وإما لإقراره.
واختلف في سبب قطعها فقيل لإضرارهم بها، وقيل: لتوسعة موضعها لقتالهم فيه، فقالوا وهم يهود أهل الكتاب: يا محمد ألست تزعم أنك نبي تريد الصلاح، فمن الصلاح عقر الشجر وقطع النخل وقال شاعرهم سماك اليهودي:
ألسنا ورئنا كتاب الحكيم على عهد موسى ولم يصدف
وأنت رعاة لشاة عجاف يسهل تهامة والأخيف
ترون الرعاية مجدا لكم لدى كل دهر لكم مجحفا
فيا أيها الشاهدون انتهوا عن الظلم والمنطق المؤنف
لعل الليالي وصرف الدهور يدركن عن العادل المنصف
بقتل النضير وإجلالها وعقر النخيل ولم تخطف
فقال حسان بن ثابت:
هم أوتوا الكتاب فضيعوه وهم عمي عن التوراة نور
كفرتم بالقرآن وقد أتيتم بتصديق الذي قال النذير
فهان على سراة بني لؤي حريق بالبويرة مستطير
فقال المسلمون: يا رسول الله: هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ أو هل علينا فيما قطعنا من وزر؟ وحينا انزل الله قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيُخْزِيَ
الفَاسِقِينَ﴾ وفي اللينة ثلاثة أقاويل:
أحدهما: أنها العجوة من النخل، لأنها أم الإناث، كما أن العتق أم النحول، وكانتا مع نوح في السفينة،
ولذلك شق عليهم قطعها.
والثاني: أنها الفسيلة، لأنها ألين من النخلة.
والثالث: أنها جمع النخل والشجر للينها بالحياة.
فإن قيل: فهذا منسوخ يقوله تعالى: ﴿ولا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إصْلاحِهَا﴾. فعنه جوابان:
أحدهما: أنه يقضي إلى الظفر بالمشركين وقوة الدين كان (صلاحًا)، ولم يكن
[ ١٣ / ٢٤٤ ]
فسادًا، وفي الآية تأويلان: أحدهما: ولا تفسدوا في الأرض بالكفر بعد إصلاحها بالإيمان.
والثاني: لا تفسدوا في الأرض بالجور بعد إصلاحها بالعدل.
والجواب الثاني: أن رسول الله ﷺ قد فعل بعد بني النضير مثل ما فعل بهم، فقطع على أهل خيبر نخلًا، وقطع على أهل الطائف وهي آخر غزواته التي قاتل فيها لزوما على بقاء الحكم في قطعها وأنه غير منسوخ، ولأن حرمة النفوس أعظم وقتلها أغلظ، فلما جاز قتل نفوسهم على الكفر كان قمع نخلهم وشجرهم عليهم أولى، فأما استدلالهم بجوابه ما ذكرنا.
فصل:
فإذا ثبت ما ذكرنا لم يخل حال نخلهم وشجرهم في محاربتهم من أربعة أقسام:
أحدها: أن نعلم أن لا تصل إلى الظفر بهم إلا بقطعها، فقطعها واجبه لأن ما أدى إلى الظفر
بهم واجب.
والثاني: أن تقدر على الظفر بهم وبها من غير قطعها، فقطعها محظور، لأنها مغنم، واستهلاك الغنائم محظور وعلى هذا حمل نهي أبي بكر ﵁ عن قطع الشجر بالشام.
والثالث: أن لا ينفعهم قطعها وينفعنا قطعها فقطعها مباح وليس بواجبه.
والرابع: لا ينفعهم قطعها ولا ينفعنا قطعها فقطعها مكروه، وليس بمحظور، وكذلك الحكم في هدم منازلهم عليهم، على هذه الأقسام قال الله تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾ وفيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: بأيديهم في نقض الموادعة، وأيدي المزمن بالمقابلة. وهذا قول الزهري.
والثاني: بأيديهم في أخراب دواخلها، حتى لا يأخذها المسلمون منهم، وبأيدي المؤمنين في أخراب ظواهرها، حتى يصلوا إليها، وهذا قول عكرمة.
والثالث: بأيديهم في تركها وبأيدي المؤمنين بإجلائهم عنها، وهذا قول أبي عمرو ابن العلاء.
مسألة
قال الشافعي: "ولكن لو التحموا فكان يتكامل التحامهم أن يفعلوا ذلك رأيت لهم أن يفعلوا وكانوا مأجورين لأمرين: أحدهما الدفع عن النفس والآخر نكاية عدوهم ولو
[ ١٣ / ٢٤٥ ]
كانوا غير ملتحمين فترسوا بأطفالهم فقد قيل يضرب المتترس منهم ولا يعمد الطفل وقد قبل يكف".
قال في الحاوي: وهذا كما ذكر إذا تترس المشركون بأطفالهم لعلمهم أن شرعنا يمنع من تعمد قتلهم فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يفعلوا ذلك في التحام القتال مع إقبالهم على حربنا فلا يمنع ذلك من قتالهم ولا حرج فيما أفضى عنه إلى قتل أطفالهم لأمرين:
أحدهما: أن ترك قتالهم بهذا مفض إلى ترك جهادهم.
والثاني: إنهم مقبلون على حربنا فحرم أن نولي عنهم.
والضرب الثاني: أن يتترسوا بهم في غير التحام القتال عند متاركهم لنا، وقد بدأنا بقتالهم وهم
في حصارنا، فخافونا فيه ففعلوا ذلك، لتمتع من رميهم، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يفعلوا ذلك مكرًا منهم، فلا يوجب ذلك ترك حصارهم، ولا الامتناع من رميهم
ولو أفضى إلى قتل أطفالهم.
والثاني: أن يفعلوه دفعًا عنهم فلا يمنع ذلك من حصارهم، وفي المنع من رميهم وضربهم قولان:
أحدهما: أنه لا يمنع من رميهم كالمقاتلين تغليبا لفرض الجهاد.
والثاني: أن يمنع من رميهم، ويؤخر الكف عنهم بخلاف المقاتلين. لأن جهادهم ندب وجهاد للمقاتلين فرض، وإذا قابل الندب حظر كان حكمة الحظر أغلب.
مسألة
قال الشافعي: "ولو تترسوا بمسلم رأيت أن يكف إلا أن يكونوا ملتحين فيضرب المشرك ويتوقي المسلم جهده فإن أصاب في هذه الحال مسلمًا. قال في كتاب "حكم أهل الكتاب" أعتق رقبة وقال في موضع آخر من هذا الكتاب: إن كان علمه مسلمًا فالدية مع الرقبة. قال المزني ﵀: ليس هذا عندي بمختلف ولكنه يقول إن كان قتله مع العلم بأنه محرم الدم مع الرقبة فإذا ارتفع العلم فالرقبة دون الدية".
قال في الحاوي: وصورتها أن يتترس المشركون بمن في أيديهم من المسلمين. إما ليدفعونا عنهم، وإما ليقتدوا بهم نفوسهم، فالكلام فيها يشتعل على فصلين:
أحدهما: في الكف عنهم.
والثاني: في ضمان من قتل من المسلمين فيهم.
فأما الفصل الأول: في الكف عنهم فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون في غير التحام الحرب، فواجب أن يكف عن رميهم قولًا
[ ١٣ / ٢٤٦ ]
واحدًا، بخلاف ما لو تترسوا بأطفالهم في جواز رميهم على أحد القولين، لأن نفس المسلم محظورة لحرمة دينه، ونفوس أطفالهم محظورة لحرمة المغنم، ولو كان في دارهم مسلم، ولم يتترسوا به جاز رميهم بخلاف لو تترسوا به، لأنهم إذا تترسوا به كان مقصودا، وإذا لم يمسوا به فهو غير مقصود، فهذا حكمه في وجوب الكف عن رميهم، فأما الكف عن حصارهم فعلى ضربين:
أحدهما: أن يأمن على ما في أيديهم من أسرى المسلمين أن يقتلونهم، فيجوز حصارهم والمقام على قتالهم.
والثاني: أن لا يأمن عليهم، ويغلب في الظن أنهم يقتلونهم، إن أقمنا على قتالهم فهذا على
ضربين:
أحدهما: أن لا يكون علينا في الكف عنهم ضرر، فالواجب أن يكف عن حصارهم استبقاءًا
لنفوس المسلمين لئلا يتعجل بقتلهم ضررًا وليس في متاركهم ضرر.
والثاني: أن يكون علينا في الكف عن المشركين ضرر لخوفنا منهم على حريم المسلمين. وحرمهم، فلا يجب الكف عنهم ولا الامتناع عن قتالهم، فإن قتلوهم استدفاعًا لأكثر الضررين بأقلهما وكان وجوب المقام على قتالهم معتبرا بالضرر المخوف منهم، فلن كان معجلًا وجب المقام عليهم، وإن كان مؤجلًا لم يجز للمقام إلا عند تجدده وحدوثه، فهذا حكم الضرب الأول إذا تترسوا بهم قبل التحام القتال.
فصل:
والثاني: أن يتترسوا بهم بعد التحام القتال، فلا يجوز أن يولي المسلمون عنهم لأجل الأسرى، لأن فرض قتالهم قد تعين بالتقاء الزحفين، ويجوز أن يرميهم المسلمون ما أقاموا على حربهم، ويتعمدون بالرمي ويتوقوا رمي من تترسوا بهم من المسلمين فإن ولوا عن الحرب فعلى ضربين:
أحدهما: أنه يمكن استنقاذ الأسرى منهم إن اتبعوا، فواجب أن يتبعوا حتى يستنقذ الأسرى منهم، لما يلزم من حراسة الإسلام وأهله، لقول الله تعالى: ﴿ومَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾
والثاني: أنه لا يمكن استنقاذ الأسرى منهم، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يخاف المسلمون من أتباعهم، فلا يجوز لهم أن يتبعوهم وعليهم أن يكفوا عنهم إذا
انهزموا لتحريم التغرير بالمسلمين.
والثاني: أن لا يخلفهم المسلمون إلا كخوفهم في المعركة، فلا يجب إتباعهم ولا يجب الكف
عنهم، وأمير الجيش فيهم بخير النظرين في اعتماد الأصلح من إتباعهم، أو الكف عنهم.
[ ١٣ / ٢٤٧ ]
فصل:
وأما الفصل الثاني في ضمان من قتل منهم من للمسلمين فهذا على أربعة أقسام:
أحدها: أن يعمد قتله ويعلم أنه مسلم فهو على ضربين:
أحدهما: أن يقتله لغير ضرورة دعته إلى قتله، فهذا يجب عليه القوه كما لو قتله في دار الإسلام، لأن دار الشرك لا تبيح دم مسلم.
والثاني: أن تدعوه الضرورة إلى قتله، ليتوصل به إلى دفع الشرك عن نفسه ففي وجوب القرد
عليه وجهان حكاهما ابن أبي هريرة تخريجًا من اختلاف قول الشافعي في وجوب القرد على
المكره إذا قتل:
أحدهما: عليه القرد إذا قتل كوجوب القرد على المكره لاشتراكهما في الضرورة.
والثاني: لا قود عليه إذا قتل، لأنه لا قود على المكره، ويكون عليه الدية والكفارة وتكون هذه
فدية في ماله مع الكفارة، لأنها دية عمد سقط القرد فيه بشبهة.
والثاني: أن لا يعمد قتله ولا يعلم أنه ومسلم فلا قود عليه ولا دية وعليه الكفارة لقول الله تعالى: ﴿فَإن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ فاقتصر قول الله تعالى به على وجوب الكفارة دون الدين لأن دار الكفر موضوعة على الإباحة.
والثالث: أن يعمد قتله، ولا يعلم أنه مسلم فلا قود عليه، لأنه يمهل بحاله مع الغالب من
حكم الدار شبهة في سقوط القود، وعليه الدية والكفارة، وتكون دية عمد يتحملها في ماله.
وقال أبو إبراهيم المزني: عليه الكفارة دون الدية لجهله بإسلامه.
والرابع: أن لا يعمد قتله ويعلم أنه مسلم، فلا قود عليه، وعليه الكفارة، وفي وجوب الدية
قولان:
أحدهما: لا دية عليه تغليبًا لإباحة الدار.
والثاني: عليه الدية تغليبًا لحرمة الإسلام، ونكون دية خطأ تتحملها العاقلة.
مسألة:
قال الشافعي: "لو رمى في دار الحرب فأصاب مستأمنا ولم يقصده فليس عليه إلا رقبة
ولو كان علم بمكانه ثم رماه غير مضطرا إلى الرمي فعليه رقبة ودية".
قال في الحاوي: وجملته أن حكم المستأمن والذمي في دار الحرب في تحريم دمائهما كالمسلم إن تترسوا بهم يجب توقيهم، كما يجب توقي المسلم فإن أصيب أحدهم قتيلًا كان في حكم المسلم على ما ذكرناه من الأقسام الأربعة لقول الله تعالى: ﴿وإن
[ ١٣ / ٢٤٨ ]
كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾. وتستوي أحكامها إلا في شيئين:
أحدهما: القود لسقوطه بين المسلم والذمي.
والثاني: قدر الدية لاختلافهما بالإسلام والكفر وهما قيما عداهن سواء، فإن وجب في قتل المسلم الدين والكفارة وجبا في قتل الذمي، وإن وجب في قتل المسلم القود والكفارة، وجب في دية الذمي الدية والكفارة، فلن وجب في قتل المسلم الكفارة دون الدية كان الذمي بمثابته يجب في قتله الكفارة، دون الدية، ويستوي المستأمن والذي في ضمانهما بالدية أو بالكفارة ويفترقان في شيء واحد وهم أن الناس يلزمنا دفع أهل الحرب عنه، والمستأمن لا يلزمنا دفع أهل الحرب عنه، وبالله التوفيق.
مسألة
قال الشافعي: " ولو أدركونا وفي أيدينا خيلهم أو ماشيتهم لم يحل قتل شيء منها ولا عقره إلا أن يذبح لمأكله ولو جاز ذلك لغيظهم بقتلهم طلبنا غيظهم بقتل أطفالهم".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا غنمنا خيلهم ومواشيهم بم أدركونا ولم نقدر على دفعهم عنها جاز تركها عليهم ولم يجز قتلهم وعقرها طلبا لغيظهم، أو قصدا لإضعافهم.
وقال أبو حنيفة: يجوز قتلها وعقرها لإحدى حالتين، إما لغيظهم، وإما لإضعافهم احتجاجا بأمرين:
أحدهما: أن ما أفضى إلى إضعافهم جاز استهلاكه عليهم كالأموال.
والثاني: أن نماء الحيوان لا يمنع من إتلافه عليهم كالأشجار.
ودليلنا ما روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن ذبح الحيوان إلا لمأكله.
وروي عنه ﷺ: أنه نهى أن تصبر البهائم أو تتخذ غرضًا".
وروى عبد الله بن عمرو بن العاشر كن النبي ﷺ أنه قال: "من قتل عصفورا بغير حقها سأله الله عن قتلها، قيل يا رسول الله وما حقها؟ قال: "أن يذبحها فيأكلها ولا يقطع رأسها ويرمي بها". وهذه أخبار تمنع من عقرها وقتلها، ولأن كل حيوان لا يحل قتله إذا قدر على استنقاذه لم يحل قتله، إذا عجز عن استنقاذه كالنساء والولدان، ولأنه لو جاز قتلها لغيظهم بها كان غيظهم بقتل نسائهم أكثر وذلك محظور ولو قتله لإضعافهم كان إضعافهم بقتل أولادهم وذلك محرم فبطل المعنيان في قتل البهائم.
وأما الجواب عن استهلاك الأموال، وقمع الأشجار، فأبو حنيفة يمنع من قطع
[ ١٣ / ٢٤٩ ]
الأشجار ويبيح قتل الحيوان والشافعي يبيح قمع الأشجار ويمنع من قتل الحيوان فصارا مجمعين على الفرق بين الأشجار والحيوان وإن كانا مختلفين في المباح منهما والمحظور، فصار الجمع بينهما ممتنعا وإباحة الأشجار، وحظر الحيوان أولى من عكسه، لأن للحيوان حرمتين:
إحداهما: لمالكه، والأخرى لخالقه، فإذا سقطت حرمة المالك لكفره، بقيت حرمة الخالق في بقائه على حظره، ولذلك منع مالك الحيوان من تعطيشه وإجاعته، لأنه إن اسقط حرمة ملكه بقيت حرمة خالقه، وحرمته اكبر من حرمة الأموال، وأكثر من حق المالك وحده، فلذا سقطت حرمة مالكه لكفره جاز استهلاكه لزوال حرمته، ولذلك لم يحرم على مالك المال والشجر استهلاكه، وإن حرم عليه استهلاك حيوانه.
مسألة
قال الشافعي: "لو قاتلونا على خيلهم فوجدنا السبيل إلى قتلهم بأن نعقر بهم فعلنا لأنها تحتهم أداة لقتلنا وقد عقر حنظلة بن الراهب بأبي سفيان بن حرب يوم أحد فانعكست به فرسه فسقط عنها فجلس على صدره ليقتله فرآه ابن شعوب فرجع إليه فقتله واستنفذ أبا سفيان من تحته".
قال في الحاوي: وهذا كما ذكر إذا قاتلونا على خيلهم جاز لنا أن نعقرها عليهم، لنصل بعقرها إلى قتلهم والظفر بهم، لأنهم ممتنعون بها في الطلب والهرب أكثر من امتناعهم بحصونهم وسلاحهم، فصارت أذى لنا فجاز استهلاكها لأجل الأذى، كما جاز استهلاك ما صال من البهائم، وإن لم يجز استهلاك ما لم يصل، وقد عقر حنظلة بن الراهب فرس أبي سفيان ين حرب يوم أحد، واستعلى عليه ليقتله فرآه ابن شعوب فبدر إلى حنظلة وهو يقول:
لأحمين صاحبي ونفسي بطعنه مثل شعاع الشمس
ثم طعن حنظلة فقتله، واستنقذ أبا سفيان منه ف خلهم أبو سفيان وهو يقول:
فما زال مهري مزجر الكلب منهم لدى غدوة حتى دانت لغروب
أقاتلهم وأدعى يأل غالب وأدفعهم عني بركن صليب
ولو شئت نحتني كميت لحمرة ولم أحمل النغماء لابن شعوب
فبلغ ذلك ابن شعوب فقال مجيبا له حين لم يشكره:
ولو دفاعي يا ابن حرب ومشهدي لألفيت يوم النعف غير مجيب
ولولا مكري المهر بالنعف قرقرت ضباع عليه أو ضراء كليب
وموضع الدليل من هذا اج لخببه أن رسول الله ﷺ رأى حنظلة وقد عقر فرس أبي
[ ١٣ / ٢٥٠ ]
سفيان فأقره عليه ولم ينكره.
فصل:
وإذا كان راكب الفرس منهم امرأة أو صبيًا كانا يقاتلان عليها، جاز عقرها من تحتهما كما لو
كان راكبها رجلًا مقاتلًا، وإن كانا لا يقاتلان عليها لم يجز مقرها كما لو كانت غير مركوبة.
فصل:
ولو أدركونا ومعنا خيلهم وهم رجالة إن أطلقت عليهم وركبوها قهرونا بها جاز عقرها لاستدفاع
الأذى بها، كما لو كانوا ركبانًا عليها.
مسألة:
قال الشافعي: "في كتاب "حكم أهل الكتاب" وإنما تركنا قتل الرهبان إتباعًا لأبي بكر الصديق ﵁، وقال في كتاب السير: ويقتل الشيوخ والأجراء والرهبان قتل دريد بن الصمة ابن خمسين ومائة سنة في شجار لا يستطيع الجلوس فذكر ذلك لنبي ﷺ فلم ينكر قتله. قال: ورهبان الديات والصوامع والمساكن سواء ولو ثبت عن أبي بكر الصديق ﵁ خلاف هذا لأشبه أن يكون أمرهم بالجد على قتال من يقاتلهم ولا يتشاغلون بالمقام على الصوامع على الحرب كالحصون لا يشغلون بالمقام بها عما يستحق النكاية بالعدو وليس أن قتال أهل الحصون حرام وكما روى عنه أنه نهى عن قطع الشجر المثمر ولعله لأنه قد حضر رسول الله ﷺ يقطع على بني النضير وحضره يترك وعليم أن النبي ﷺ وعدهم بفتح الشام فترك قطعة لتبقى لهم منفعته إذا كان واسعًا لهم ترك قطعة. قال المزني ﵀: هذا أولى القولين عندي بالحق لأن كفر جميعهم واحد وكذلك سفك دمائهم بالكفر في القياس واحد".
قال في الحاوي: وجملة المشركين بعد الظفر بهم ينقسم أربعة أقسام:
أحدها: المقاتلة أو من كان من أهل القتال وإن لم يقاتل فهو من المقاتلة ويجوز قتلهم على ما
قدمناه من خيار الإمام فيهم.
والثاني: وهم أهل الرأي والتدبير منهم دون القتال، فيجوز قتلهم أيضًا شبانًا كانوا أو شيوخا،
قدروا على
القتال أو لم يقدروا، لأن التدبير علم بالحرب والقتال عمل والعلم أصل للعمل، وقد أفصح
المتنبي حيث قال:
الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أول وهي المحل الثاني
ولأن التدبير أنكى وأضر وهو من الشك أقوى وأصح، هذا دريد بن الصمة أشار
[ ١٣ / ٢٥١ ]
على هوازن يوم حنين أن يتمردوا للقتال، ولا يخرجوا معهم الذراري، فخالفه مالك بن عوف ألنضري وخرج بهم فهزموا فقال دريد في ذلك:
وأمرتهم أمري بمنعرج اللوى فلم يستنبينوا إلا ضحى الغد
وظفر بدريد وكان في شجار وهو أبى مائة وخمسين سنة، وقيل: مائة وخمس وستين، فقتل، وقيل: ذبح ورسول الله ﷺ يراه فلم ينه عنه فدل على إباحة قتل ذوي الآراء وإن كانوا شيوخا.
والثالث: من الذراري من النساء والأطفال، فلا يجوز أن يقتلوا في المعركة إلا أن يقاتلوا فيقتلوا دفعًا
لآذاهم، فأما بعد الأسر فلا يجوز أن يقتلوا، سواء قتلوا أو لم يقاتلوا لنهي النبي ﷺ عن
قتل النساء والذراري والولدان ولأنهم سبايا مسترقون قد ملكهم الغانم كالأموال.
والرابع: من اعتزل القتال والتدبير من رجالهم، إما لعجز كالزمني وذوي الهرم من الشيوخ، وإما لتدين
كالرهبان، وأصحاب الصوامع والديارات شبابًا كانوا أو شيوخا، ففي إباحة قتلهم قولان:
أحدهما: قاله في كتاب حكم أهل الكتاب لا يجوز قتلهم، وهو مذهب أبي حنيفة لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "اقتلوا الشرخ واتركوا الشيخ" الشرخ الشباب ومنه قول الشاعر:
على شرخ الشباب تحية فإن لقيت ددًا فقط من دد
والدد اللهو واللعب ومنه قول النبي ﷺ: "لست من دد ولا دد مني". وروى أنس ابن مالك أن النبي ﷺ قال: انطلقوا بسم الله وعلى ملة رسول الله لا تقتلوا شيخًا فانيًا ولا طفلًا ولا صغيرًا ولا امرأة ولا تغلوا وخيموا غنائمكم وأحسنوا إن الله يحب المحسنين".
وروي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال لزياد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وشرحبيل ابن حسنة لما بعثهم إلى الشام: أوصيكم بتقوى الله، اغزوا في سبيل الله، وقاتلوا من كفر بالله، ولا تقتلوا ولا تغدروا، ولا تفسدوا في الأرض، ولا تعصوا ما تؤمرون، ولا تقتلوا الولدان، ولا النساء، ولا الشيوخ، وستجدون أقوال حبسوا أنفسهم على الصوامع فدعوهم، وما حبسوا له أنفسهم، وستجدون أقوامًا اتخذ الشيطان في أوساط رؤوسهم أفحاصًا فإذا وجدتموهم فاضربوا أعناقهم، والأفحاص أن يحلقوا
[ ١٣ / ٢٥٢ ]
أوساط رؤوسهم يقال لهم الشماسة، ذكره أبو عبيدة، ولأن من لم يقاتل في الغزو لم يقتل في الأسر كالذراري.
والثاني: نص عليه في سير الواقدي واختاره المزني، يجوز أن يقتلوا لعموم قول الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدتُّمُوهُمْ﴾.
وروى الحسن البصري عن سمرة أن النبي ﷺ قال: "اقتلوا شيوخ أهل الكتاب واستحييوا شرخهم" يعني استبقوا شبابهم أحياء ومنه قوله تعالى: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ ويَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾. فأمر بقتل الشيوخ واستبقاء الشباب لأمرين:
أحدهما: أنه لا نفع في قتل الشيوع وفي الشباب نفع.
والثاني: أن رجوع الشباب عن كفره أقرب من رجوع الشيخ ويحتمل أن يريد بالشرخ غير البالغين وهو أشبه، لأن من كان من أهل القتال جاز قتله، وإن قعد عن القتال كالمقاتل، ولأن من استحق سهمًاإذا كان مسلمًا جاز قتله، وإذا كان كافرًا كالمقاتل.
فصل:
فإذا تقرر توجيه القولين فإن قيل بالأول إنهم لا يقتلون كانوا كالأسير إذا أسلم، فهل يرقون أو يكون الإمام فيهم على خياره؟ بين ثلاثة أحكام: أن يسترقهم، أو يفادي بهم، أو يمن عليهم على ما ذكرناه من القولين، وإن قيل بالقول للثاني إنهم يقتلون كانوا كالأسرى إذا لم يسلموا، فيكون الإمام فيهم على خياره بين أربعة أحكام: أن يقتل، أو يسترق، أو يفادي، أو يمن، فأما الأجراء فإنهم يقولون قولًا واحدًا، ويكون الإمام فيهم على خياره بين الأحكام الأربعة، لأنهم أعوان علينا أو مقاتلة لنا.
فإن قيل: فقد روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن قتل الحسناء والوصفاء والعسفاء الأجزاء والوصفاء جمع وصيف، قيل إنما نهى عن قتلهم لئلا يقع التشاغل بهم عن قتل المقاتلة، لأنهم أذل نفوسًا، وأقل نكاية، وأنهم لا يفوتون إن هربوا ولا يمتنعون إن طلبوا، وعلى مثل هذا حمل نهي أبي بكر ﵁ عن قتل أصحاب الصوامع.
مسألة:
قال الشافعي: "وإذا أمنهم مسلم بالغ أو عبد يقاتل أو لا يقاتل أو امرأة فالأمان جائز قال ﷺ: "المسلمون يد على من سواهم يسعى بذمتهم أذناهم".
قال في الحاوي: أما أمان المشركين فجائز لقول الله تعالى: ﴿وإنْ أَحَدٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ
فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ فيه تأويلان:
أحدهما: إن استغاثك فأغثه.
الثاني: وهو أصح إن استأمنك فأمنه، حتى يسمع كلام الله فيه تأويلان:
[ ١٣ / ٢٥٣ ]
أحدهما: يعني سورة براءة خاصة ليعلم ما في حكم الناقض للعهد وحكم المقيم عليه والسيرة في المشركين
والفرق بينهم وبين المنافقين.
والثاني: يعني جميع القرآن ليهتدى به من ضلاله، ويرجع به عن كفره. ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ﴾ يعني بعد انقضاء مدة الأمان إن أقام على الشرك ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ فيه تأويلان:
أحدهما: لا يعلمون الرشد من الغي.
والثاني: لا يعلمون استباحة دمائهم عند انقضاء مدة أمانهم فدلت هذه الآية على جواز أمانهم، ودلت عليه السنة في عقد رسول الله ﷺ الهدنة مع قريش بالحديبية سنة ست على أن يأمنوا المسلمين ويأمنهم المسلمون.
فإذا صح بالكتاب والسنة جواز الأمان فهو ضربان: عام وخاص، فأما العام فهو الهدنة التي تعقد أمانة للكافة من المشركين، وهذه لا يجوز أن يتولاها إلا ولاة الأمر، فإن كانت لكافة المشركين في جمع الأقاليم لم يصح عقدها، إلا من الإمام الوالي على جميع المسلمين، وإن كانت لأهل إقليم صح عقدها من الإمام، أو من والي ذلك الإقليم لقيامه فيه مقام الإمام، ولا يصح من غيرهما من المسلمين بحال، وسيأتي الكلام في عقد الهدنة ومدتها.
وأما الأمان الخاص: فهو أن يؤمن من الكفار آحاد لا يتعطل بهم جهاد ناحيتهم كالواحد والعشرة إلى المائة وأمل قافلة، فان كثروا حتى تعطل بهم جهادهم صار عامًا، وهذا الأمان الخاص يجوز أن يعقده الواحد من المسلمين الأحرار البالغين العقلاء، سواء كان مريضًا أو مشروفًا، عالمًا كان أو جاهلًا، قويًا كان أو ضعيفًا، لرواية محمد بن مسلمة أن رجلًا من المسلمين أمن كافرًا فقال عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد: لا يخير أمانه فقال أبو عبيدة الجراح ليس ذلك لكما سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يجير على المسلمين بعضهم" فإن أمنته امرأة من المسلمين كان أمانها جائزا كالرجل.
روى محمد بن السائب عن أبي صالح عن أم هانئ بنت أبي طالب أنها قالت: قلت يا رسول الله: إني
أجرت حموين لي" وزعم ابن أمي أنه قاتلهما، يعني أخاها علي بن أبي طالب عام الفتح فقال رسول الله
ﷺ: "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ".
وروى الزهري عن أنس قال: لما أسر أبو العاص بن الربيع قالت زينب ﵍: إني أجرت أبا العاص فقال النبي ﷺ: "قد أجرنا من أجارت زينب" واحتمل أمان زينب له أمرين:
أحدهما: أن يكون قبل أسره فيكون آمنًا بأمانها.
والثاني: أن يكون قد أمنته بعد أسره، فيكون آمنًا بإجارة رسول الله ﷺ لا بأمانها
[ ١٣ / ٢٥٤ ]
لأن أمان الأسير من عليه، وليس السن إلا لولاة الأمر وجعل رسول الله ﷺ سبب منه عليه أمان بنته له رعاية لحقها فيه.
فصل:
وأما أمان العبد فجائز كالحر، سواء كان مأذونًا له في القتال أو غير مأذون له، وأجاز أبو حنيفة رحمه
الله أمانه إذا كان مأذونًا في القتال، وأبطله إذا كان غير مأذون له في القتال احتجاجًا بأمرين:
أحدهما: أن الأمان أحد حالتي القتال فلم يملكه العبد بغير إذن كالقتال.
والثاني: أن الأمان عقد فلم يسلكه العبد بغير إذن كالنكاح.
ودليلنا ما رواه الحسن عن قيس بن عبادة عن علي ﵇ أن النبي ﷺ قال: "المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسهم بذمتهم أدناهم" أي عبيدهم، لأنهم أدنى من الأحرار بدًا وحكمًا، فسوى في الأمان بين من علا من الأحرار أو دنا من العبيد.
فإن قيل: المراد به أدناهم من الكفار جوارًا، قيل: لا يصح حمله على الجار القريب الدار، لأن العبد يساويه فيه وكان جعله على العبد أولى من وجهين:
أحدهما: لدخوله في الجملة من غير إضمار.
والثاني: أن يعلم به ما يستفاد من مساواته للحر فيه وإن خالفه فيما عداه.
وروى فضيل بن زيد الرقاشي قال: جهز عمر بن للخطاب ﵁ جيشًا كنت فيه، فحضرت موضعا يقال له صرياج قرية من قرى رامهرمز، فرأينا أنا سنفتحها اليوم فرجعنا حتى نقيل فبقي عبد منا فواطأهم وواطؤوه، فكتب لهم أمانا في صحيفة وشدها مع سهم رماه إليهم، فأخذوها وخرجوا بأمانه، فكتب بذلك إلى عمر، فقال: العبد المسلم رجل من المسلمين ذمته ذمتهم.
وهذا نص لم يخالف فيه فكان إجماعًا، ولأنه مكلف من المسلمين فصح أمانه كالمرأة، ولأن كل من صح أمانه إذا كان مأذونا له في القتال صح أمانه وإن كان غير مأذون له، كأمان الولد مع إذن للوالدين وأمان من عليه الدين بإذن صاحب الدين، يستوي في أمانه وجود الإذن في القتال وعدمه، ولأن القتال ضد الأمان فإذا صح أمان المأذون له في للقتال وهو ضد حاله فلأنه يجوز أمان غير المأذون له وهو موافق لحاله الأولى.
وأما الجواب عن قياسه على القتال فهو أن في القتال تغرير يفوت به منافع سيده وليس في ذلك الأمان.
وأما الجواب عن قياسه على النكاح: فهو أن عقد النكاح لا يدخل فيه غير عاقده،
[ ١٣ / ٢٥٥ ]
فوقف على إذن سيده، وعقد الأمان يدخل فيه غير العاقد، فاستوي فيه العبد والسيد.
مسألة:
قال الشافعي: " ولو خرجوا إلينا بأمان صبي أو معتوه كان علينا ردهم إلى مأمنهم لأنهم لا يعرفون من يجوز أمانه لهم ومن لا يجوز".
قال في الحاوي: وهذا صحيح لأن الصبي والمعتوه لا حكم لقولهما لارتفاع القلم عنهما، فلم يصح عقد أمانهما كما لم يصح سائر عقودهما، فإن دخل بأمانهما كافر نظرت حاله، فإن علم بطلان أمانهما في شرعنا فهو والداخل بغير أمان، فيجوز قتله واسترقاقه، وإن لم يعلم بطلان أمانهما في شرعنا لم يجز إقراره في دار الإسلام، ووجب على الإمام رده إلى مأمنه لأنه قد تمكن من شبهة توجب حقن دمه.
فصل:
فأما إذا كان في يد المشركين أسير من المسلمين فأمن في حال أسره رجلًا من المشركين نظر، فإن أكره على الأمان لم يصح، لأن عقود المكره باطلة، وإن كان غير مكره، قال أبو حامد الإسفراييني: صح أمانه وأطلق جوابه بهذا، وعندي أنه نعتبر أمانه بحال من أمنه، فإن كان في أمان من المشرك صح أمانه لذلك المشرك، وإن لم يكن في أمان منه لم يصح أمانه له لآن الأمان ما اقتضى التساوي فيه، فإذا صح أمانه فيه كان في أمان المسلمين ما كان مقيمة في دار الحرب، إن دخل دار الإسلام روعي عقد أمانه، فإن شرط فيه أمانه في دار الإسلام وكان أمنا فيها، وإن كان مطلقا لم يكن له فيها أمان وكان مقصورًا على أمانه منهم في دار الحرب، لأن إطلاق العقد يتوجه إلى دار العقد لاختلاف الدارين في الحكم.
فصل:
فإذا تقرر من يصح منه الأمان فالحكم فيه يشتمل على خمسة فصول:
أحدها: ما ينعقد به الأمان وهو ضربان: لفظ وإشارة.
فأما اللفظ: فينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: ما كان صريحًا وذلك مثل قوله: أنت آمن، أو في أمان، أو قد أمنتك، أو يقول: أنت مجار، أو قد أجرتك، أو يقولن لا بأس عليك، فهذا وما شاكله صريح في عقد الأمان، لا يرجع فيه إلى نية، ولو قال: لا خوف عليك كان صريحًا، ولو قال: لا تخف لم يكن صريحًا، لأن قوله: لا خوف عليك نفى للخوف فكان صريحًا، وقوله: لا تخف نهي عن الخوف فلم يكن صريحًا.
[ ١٣ / ٢٥٦ ]
والثاني: ما كان كناية يرجع فيه إلى الإرادة فمثل قوله ن أنت على ما تحب، أو كن كيف شئت، لاحتمال أن يكون على ما أحبه من الكفر أو على ما تحبه من الأمان، فلذلك صار كناية إلى ما شاكل ذلك من الألفاظ المحتملة.
والثالث: ما لم يكن صريحا ولا كناية، وذلك مثل قوله: ستذوق وبال أمك، وسترى عاقبة كفرك، أو سينتقم الله منك، فهذا وما شاكله وعيد وتهديد لا ينعقد به الأمان.
وأما الإشارة فضربان: مفهومة، وغير مفهومة. فإن كانت غير مفهومة لم يصح بها الأمان لا صريحًا ولا كناية، وإن كانت مفهومة انعقد بها الأمان إن أراد المثير ولا ينعقد بها إن لم يرده، لكن يجب أن يرد بها إلى مأمنه، ويكون كناية يرجع إلى قوله فيما أراد فان قيلا. لو أشار بالعتق والطلاق ارتفعا مع الإرادة، فكيف صح بهما عقد الأمان مع الإرادة.
قيل: لأن الأمان ينتقص بالقول والإشارة، فصح عقده بالقول والإشارة، وبذلك خالف ما عدله من العتق والطلاق ولا يتم الأمان بعد بذله إلا أن يكون من المبذول له ما يدل على قبوله وذلك بأحد أمرين إما أن يبتدئ بالطلب والاستجارة فيبذله له بعد طلبه. وإما أن يعقب البذل الممتدة بالقبول أو بالدعاء والشكر أو بالإشارة الدالة عليه فيما يقدم ذلك مقام للقبول الصريح، لأن حقوق الأمان مشتركة فلم تلزم إلا باجتماعها عليه، ولأنه عقد فروعي فيه أحكام البذل والقبول.
والفصل الثاني: من ينعقد معه الآمان، وهو من لم يحصل في الأسر من رجل أو امرأة، ويمنع الأمان من أسره واسترقاقه وندائه استصحابًا لحاله قبل أمانه. فأما الأسير فله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يصير في قبضة الإمام، فلا يصح أن يؤمنه غير الإمام، لما أوجبه الأسر من اجتهاد الإمام، فلم يصح الافتيات عليه، فإن أمنه الإمام صح أمانه، ومنع الإمام من قتله ولم يمني من استرقاقه وفدائه، لأن ما أوجبه إسلامه من أمينه أوكد من بذل الأمان له، فلما لم يمنع الإسلام من استرقاقه وفدائه كان أولى لا يمنع منهما عقد أمانه.
والثانية: أن يصير في قبضة أمير الثغر، فلا يصح أن يؤمنه إلا الإمام لعموم ولايته، أو أمير الثغر لأنه في ولايته فأيهما سبق بأمانه لم يكن للآخر نقضه.
والثالثة: أن يكون باقيا في يد من أسره، ولم يصر في قبضة الإمام فلا يخلو حال من أمنه من أربعة أقسام:
أحدها: أن يؤمنه الذي هو في أسره فيصح أمانه، وإن لم يصح منه أمان من صار في قبضة الإمام، لأنه لما جاز له أن يقتل أسيره، صح أن يؤمنه، ولما لم يصح أن يقتل من في أسر الإمام لم يصح أن يؤمنه، ويمني الأمان من قتله، فأما استرقاقه ونداؤه فلا يرتفع به ما كان باقيا في أسره، فإن فك أسره امتنع استرقاقه وفداؤه، فيكون القتل مرتفعًا
[ ١٣ / ٢٥٧ ]
بلفظ الأمان والاسترقاق والفداء مرتفعان بزوال اليد.
والثاني: أن يؤمنه الإمام فيصح أمانه ويرتفع بالأمان قتله، لأن أمان الإمام أعم، ولا يرتفع به
استرقاقه
وفداءه، ولأن فك أسره بخلاف أمان الذي أسره، لأن يد الإمام في حق جميع المسلمين، ويد
الذي أسره في حق نفسه.
والثالث: أن يؤمنه أمير الثغر فإن كان الأسير من ثغره صح أمانه، وإن كان من غير ثغره لم
يصح أمانه لخروجه عن ولايته.
والرابع: أن يؤمنه غيرهم، ممن لا يد له ولا ولأية فلا يصح أمانه، ولا يرتفع به قتل ولا استرقاق
ولا فداء، لأن الأسر قد أثبت فيه حقًا لغيره، فلم يملك إسقاطه بأمانه، وصار كأمانه لمن في
أسر الإمام. والفصل الثالث: دخوله ماله في عقد الأمان وهو ضربان:
أحدهما: أن يكون الأمان مطلقًا لم يشترط فيه دخول المال، فيقول: قد أمنتك على نفسك، فيدخل في ماله في الأمان على نفسه ما يلبسه من ثيابه التي لا يستغني عنها وما يستعمله من آلته التي لا بد له منها، وما ينفقه في مدة أمانه اعتبارا بضرورته والعرف الجاري، فمن لم ينسب إلى يسار وإعسار، ولا يدخل فيه ما عداه من أمواله، فأما مركوبه فإن كان ممن لا يستغنى عنه دخل في أمانه، وإن استغنى عنه لم يدخل فيه، وكان ما سوى ذلك من أمواله غنيمة، وكذلك ذراريه وسواء كان الباذل لهذا الأمان الإمام أو غيره من المسلمين.
والثاني: أن يبذل له الأمان على نفسه وماله، فيشترط له دخول ماله في أمانه فهذا على
ضربين: أحدهما: أن يكون ماله حاضرًا، فيصح أن يؤمنه عليه الإمام، وغيره من المسلمين، لأن المال تبع، فإذا صح الأمان للأصل كان في التبع أصلح.
والثاني: أن يكون المال غائبًا، فلا يصح بذل الأمان له إلا من الإمام بحق الولاية العامة، ولا يصح من غيره من المسلمين للذين لا ولاية لهم، وكذلك ذراريه إن كانوا حضورًا معه صح أن يبذل الأمان لهم وغيره، وإن كانوا غيبة لم يصح بذل الأمان لهم إلا من الإمام أو من قام مقامه من ولاة الثغور، ولا يصح ممن لا ولاية له من المسلمين لأنه اجتهاد في نظر.
والفصل الرابع: الموضع الذي ينعقد عليه الأمان وهو على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يبذل له الأمام في بلاد الإسلام كلها، فيصح ويلزم أن يكون أمنًا في جميعها، سواء كان الباذل له واليًا أو غير والي لقول النبي ﷺ: "يسعى بذمتهم أدناهم".
والثاني: أن يبذل له الأمان في بلد خاص، فيلزم أن يكون آمنًا في ملك البلد، وفي الطريق إليه في دار الحرب ولا أمان له فيما سوى ذلك من البلاد اعتبارًا بالشرط، وإن الطريق إليه مستحق.
[ ١٣ / ٢٥٨ ]
والثالث: أن يكون موضع الأمان مطلقة غير عام، ولا معين فيكون حكمه معتبرًا بحال الباذل للأمان ولا يخلو حاله من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون هو الإمام، فيقتضي إطلاق أمانه أن يكون آمنًا في جميع بلاد الإسلام لدخول جميعها في نظره.
والثاني: أن يكون الباذل له وإلى الإقليم، فيكون إطلاق الأمان موجبًا لأمانه في بلاد عمله، ولا يكون له أمان في غيرها من بلاد الإسلام لقصور نظره عليها، فإن عزل عن بعضها لم يزل أمانه منها، وإن قلد غيرها لم يدخل أمانه فيها اعتبارًا بعمله وقت أمانه.
والثالث: أن يكون الباذل له أحد المسلمين، فيكون إطلاق أمانه مقصورًا على البلد الذي يسكنه بازل الأمان، فإن كان مضرًا لم يتجاوز إلى قراه، وإن كان قرية لم يتجاوزها إلى مصيرها اعتبارًا بما يضاف إليه، ويكون طريقه منها إلى دار الحرب داخلًا في أمانه مجتازًا لا مقيمًا اعتبارًا بقدر الحاجة.
والفصل الخامس: مدة الأمان وهي مقدرة الأكثر بالشرخ ومقدرة الأقل بالعقد، فأما أكثرها ففيه نص واجتهاد، فأما النص بأربعة أشهر لقول الله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أربعة أَشْهُرٍ﴾.هذا أمان من الله تعالى للمشركين وفي قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ تأويلان:
أحدهما: تصرفوا فيها كيف شئتم.
والثاني: سافروا فيها حيث شئتم، وأما الاجتهاد فلا يجوز أن يبلغ به سنة إلا بجزية إن كان من أهلها، فيصير يبذلها من أهل الذمة، وقيما بين أربعة أشهر وسنة وجهان:
أحدهما: لا يجوز أمانه فيها لمجاوزتها النص كالسنة.
والثاني: يجوز أمانه فيها لقصورها عن مدة الجزية كالنص في الأربعة، فإذا استقر أكثر مدته بالشرع لم يخل حال من الأمان من أن بكون مطلقًا أو مقيدًا، فإن كان مطلقا لم يقيل بمدة حمل على أكثر المدة المشروعة نصًا، ولا يحمل على المقدرة اجتهادًا، لأنه لم يتقدر به وقت الأمان حكم مجتهد، فانعقدت على مدة النص دون الاجتهاد وليس له فيما بعدها أمان يمنع الشرع منه، لكن لا ينتقض أمانه إلا بعد إعلامه انقضاء المدة الشرعية، ويجب أن يرد يعدها إلى مأمنه، وإن كان الأمان مقيدًا بمدة فعلى ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يقدر بالمدة المشروعة نصًا واجتهادًا، فيجب أن يستوفيها بمقامه، فإن كان أمانه في بلد بعينه جاز أن يستوفي المدة بمقامه فيه، وله بعد انقضائها الأمان في مدة عوده إلى بلده، وإن كان الأمان عاما في بلاد الإسلام كلها انتقض أمانه بمضي المدة، ولم يكن له أمان في قدر مسافة لاتصال دار الإسلام بدار الحرب، فصار ما اتصل بدار الحرب من بلاد أمانه، فلم يحتج إلى مدة مسافة الانتقال منها بخلاف للبلد المعين، ولا يجوز إذا تجاوزها أن يسين حتى يرد إلى مأمنه.
[ ١٣ / ٢٥٩ ]
والثاني: أن تقدر مدة أمانه بأقل من المدة المشروعة. كإعطائه أمان شهر فلا نتجاوز مدة الشرط إلى
مدة الشرع اعتبار بموجب العقد، ويكون بعد انقضائها على ما مضى.
والثالث: أن تقدر مدة أمانه بأكثر من المدة المشروعة كإعطائه أمان سنة أو أمان الأبد فيبطل الأمان قيما زاد على المدة المشروعة نصًا واجتهادًا ويصير مقصورًا على المدة المشروعة نصًا واجتهادًا، ويصح فيها قولًا واحدًا، وخرج بعض أصحابنا فيه قولًا ثانيًا من تفريق الصفقة إذا جمعت سحبة وفاسدًا تعليلًا بتفريقها بأن اللفظة تعمها ولا وجه لهذا التخريج لأنه من عقود المصالح العامة التي هي أوسع من أحكام العقود الخاصة ويجب إعلامه يحكمنا وهو على أمانه ما لم يعلم فإذا علم زال الأمان ووجب رده إلى مأمنه.
فصل:
وإذا دخل مشرك دار الإسلام وادعى دخولها بأمان رجل من أهلها، فإن كان قبل أسره قبل فيه إقرار من ادعى أمانه، وإن كان بعد أسره لم يقبل إقراره إلا ببينة تشهد بالأمان، لأنه قبل الآسر يملك أن يستأنف أمانه فملك الإقرار به، ولا يملك أن يستأنف أمانه بعد الأسر، فلم يملك الإقرار به كالحاكم يقبل قوله فيما حكم به في ولايته، ولا يقبل قوله فيه بعد عزله إلا ببينة تشهد به، والبينة على أمانه شاهدان عدلان، ولا يقبل منه شاهد وامرأتان لأنه يسقط بها القتل عنه نفسه، وبينة القتل شاهدان، ولو كان هذا في أسير قد أسلم فادعى تقدم إسلامه قبل أسره طولب بالبينة، ويجوز أن يقبل في بينته شاهد وامرأتان، لأنها بينة لنفي الاسترقاق والفداء دون القتلى وذلك من حقوق الأموال الثابتة بشاهد وامرأتين فلذلك، ما افترق حكم البينتين، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "ولو أن علجًا دل مسلمين على قلعة على أن له جارية سماها فلما انتهوا إليها صالح صاحب القلعة على أن يفتحها لهم ويخلوا بينه وبين أهله ففعل فإذا أهله تلك الجارية فأرى أن يقال للدليل إن رضيت العوض عوضناك بقيمتها وإن أبيت قيل لصاحب القلعة أعطيناك ما صالحنا عليه غيرك بجهالة فإن سلمها عوضناك وإن لم تفعل نبذنا إليك وقتلناك فإن كانت أسلكن قبل الظفر أو مات تعوض ولا يبين ذلك في الموت كما يبين إذا أسلكت".
قال في الحاوي: وأصل هذا أنه يجوز للإمام ووالي الجهاد أن يبذل في مصالح المسلمين وما يفضي إلى ظفرهم بالمشركين ما يراه من أموالهم وأموال المشركين، لقيامه
[ ١٣ / ٢٦٠ ]
بوجوه المصالح، وذلك بأن يقول: من دلنا على أقرب الطرق، أو من أوصلنا إلى القلعة، أو أرشدنا إلى مغنم، أو أظفرنا بأسباب الفتح من احتلال مضيق، وشعب حصون، أو كان عينًا لنا عليهم ونقل أخبارهم، فله كذا وكذا، فهذه جعالة يصح عقدها لمن أجاب إليها من مسلم، ومشرك، لعودها بنفع للجاعل والمستعجل، ويجوز أن يكون العوض فيها من أموال المسلمين، ومن أموال المشركين، فإن كانت من أموال المسلمين لم يصح إلا أن يكون العوض معلومًا، إما معينًا، أو في الذمة فالمعين أن يقول: فله هذا العبد، وفي الذمة أن يقول: فله مائة دينار، فإن كان مجهولًا لم يصح، لأن ما أمكن نفي الجعالة عنه منعت الجهالة من صحته كسائر العقود، وإن كان العوض من أموال المشركين، صحت الجهالة، وإن كان العوض فيها مجهولًا وبما ليس في الحال مملوكًا فتكون الجعالة بأموالهم مخالفة للجعالة بأموال المسلمين من وجهين:
أحدهما: جوازها مجهول
والثاني: جوازها بغير مملوك.
ودليله ما روي أن رسول الله ﷺ صالح بني النضير على أن يأخذوا ما تستوقره الإبل إلا المال والسلاح وهذا مجهول وغير مملوك. وروي أن النبي ﷺ جعل في البدأة الربع، وفي الرجعة الثلث، وذلك من غنيمة مجهولة وغير مملوكة.
وروى عدي بن حاتم عن النبي ﷺ أنه قال: مثلت لي الحيرة كأنياب الكلاب وأنتم ستفتحونها فقام رجل فقال يا رسول الله هب لي بنت بقيلة، فقال: هي لك، فلما فتحها أصحابه أعطوه الجارية، فقال أبوها: أتبيعها، فقال: نعم بألف فأعطاه الألف فقيل له لو طلبت ثلاثين ألفًا أعطاك، فقال: وهل عدد أكثر من ألف.
وروي أن أبا موسى الأشعري حاصر مدينة السوس، فصالحه دهقانها على أن يفتح له المدينة، ويؤمن مائة رجل من أهلها، فقال أبو موسى: إني لأرجو أن يخدعه الله عن نفسه فلما عزلهم قال له أبو موسى: أفزعت قال: نعم فأمنهم أبو موسى، وقال: الله أكبر، وأمر بقتل الدهقان قال: أتغدر بي وقد أمنتي قال: أمنت العدة التي سميت، ولم تسم نفسك فنادي بالويل وبذل مالًا كثيرًا، فلم يقبل منه وقتله.
فصل
فإذا صح ما ذكرنا فصورة مسألتنا في علج اشترط أن يدل المسلمين على قلعة على أن يعطوه جارية منها سماها فدلهم عليها، فهذا شرط صحيح تصح به الجعالة مع الجهالة لما قدمناه، ولا يخلو حال القلعة بعد الوصول إليها من أن يظفر المسلمون بفتحها، أو لا يظفروا، فإن لم يظفروا بفتحها فلا شيء للدليل لأنه لما شرط جارية منها صارت جعالته مستحقة بشرطين: الدلالة، والفتح، فلم يستحقها بأحد الشرطين، ولو جعل شرطه في
[ ١٣ / ٢٦١ ]
الجعالة شيئا في غير القلعة استحقه بالدلالة وإن تعذر فتحها، لأنها معلقة بشرط واحد وهو الدلالة وقد وجدت وإن ظفروا بالقلعة وفتحوها فعلى ضربين:
أحدهما: أن يظفروا بفتحها عنوة حال الجارية فيها من أحد أربعة أقسام:
أحدها: أن لا تكون من أهل القلعة، ولا فيها فلا شيء للدليل لاشتراط معدوم ويستحب لو أعطى رضخًا، وإن لم يستحقه، فلو وجدت الجارية في غير القلعة نظر، فإن كانت من أهل القلعة كان كوجودها في القلعة فيستحقها الدليل على ما سنذكره، وإن كانت من غير أهل القلعة، فلا حق للدليل فيها، لأنه اشترط جارية من القلعة، وليست هذه منها ولا من أهلها.
والثاني: أن تكون الجارية موجودة في القلعة باقية على شركها، فيستحقها الدليل ولا حق فيه للغانمين، ولا يعاوضهم الإمام عنها لاستحقاقها قبل الفتح، فصارت كأموال من أسلم قبل الفتح.
والثالث: أن تكون الجارية موجودة في القلعة، وقد أسلمت فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون إسلامها قبل القدرة عليها فهي حرة، ولا يجوز استرقاقها فلا يستحقها الدليل، لمنع الشرع منها ويستحق قيمتها، لأن شرعنا منعه منها، فلذلك وجب أن يعاوض عنها بقيمتها، وسواء كان الدليل مسلم أو كافرًا.
والثاني: أن يكون إسلامها بعد القدرة عليها، فهي مسترقة لا يرتفع رقها بالإسلام وللدليل حالتان: إحداهما: أن يكون مسلمًا فيستحق الجارية.
والثانية: أن يكون كافرًا ففيه قولان، بناء على اختلاف قوليه في الكافر إذا ابتاع عبدًا مسلمًا.
فأحد قوليه: إن البيع باطل فعلى هذا لا يستحق الجارية وتدفع إليه قيمتها، فإن أسلم من بعد
لم يستحقها لانتقال حقه منها إلى قيمتها.
والثاني: إن البيع صحيح، ويمنع من إقراره على ملكه، فعلى هذا يستحق الدليل الجارية وإن كان كافرًا، ويمنع منها حتى يبيعها، أو يسلم فيستحقها، فإن لم يفعل أحد هذه الثلاث بيعت عليه جبرًا ودفع إليه ثمنها.
والرابع: أن توجد الجارية في القلعة ميتة فقد ذكر الشافعي ها هنا كلامًا محتملًا في غرام القيمة
له خرجه أصحابنا على قولين:
أحدهما: له قيمتها كما لو أسلمت، لأنه ممنوع منها في الحالين.
والثاني: لا قيمة له، لأن الميتة غير مقدور عليها فصار كما لو لم تكن فيها، وخالفت التي أسلمت لمنع الشرع منها مع القدرة على تسليمها، وعندي أن الأولى من إطلاق هذين القولين أن ينظر فإن كان موتها بعد القدرة على تسليمها استحق قيمتها، وإن كان قبل القدرة على تسلمها فلا قيمة له ويجوز أن يكون إطلاق الشافعي محمولًا على
[ ١٣ / ٢٦٢ ]
هذا التفصيل فهذا حكم فتحا القلعة عنوة.
فصل:
والضرب الثاني: أن تفتح صلحا فهذا على ضربين:
أحدهما: أن لا تدخل الجارية في الصلح، فيكون الحكم فيها على ما مضى من فتحها عنوة.
والثاني: أن تدخل في الصلح، وهو أن يصالحنا على فتحها على أن يخلي بينه وبين أهله، وتكون هي
من أهله وهي مسألة الكتاب فقد تعلق بها حقان:
أحدهما: للدليل في عقد جعالته.
والثاني: لصاحب القلعة في عقد صلحه وكلا العقدين محمول على الصحة. وقال أبو إسحاق المروزي الأول صحيح، والثاني باطل اعتبارًا بعقدي النكاح وعقدي البيع، لأنه لا يمكن الجمع بينهما فصح أسبقهما وهذا القول فاسد من وجهين:
أحدهما: أن حكم هذا العقد أوسع من حكم العقود الخاصة، لجواز بمجهول وغير مملوك.
والثاني: أن الأول لو كفى أمضينا صلح الثاني، ولو فسد لم يمض إلا بعقد مستجد وإذا كانا صحيحين والجمع بينهما غير ممكن لتنافيهما، والاشتراك بينهما غير جائز لامتناعه فيبدأ بخطاب الدليل لتقدم عقده فيقال له جعلنا لك جارية وصالحنا غيرك عليها عن جهالة بها، وليس يجوز أن سينزلك عنها جبرًا، لتقدم حقك فيها افتراض أن تعدل عنها إلى غيرها من جواري القلعة أو إلى قيمتها، فإن رضي بذلك فعلناه، وأمضينا صلح القلعة عليها، وإن امتنع الدليل أن يعدل عنها قلت لصاحب القلعة: قد صالحناك عليها بعد أن جعلناها لغيرك على جهالة افترض بأخذ غيرها في صلحك أو ثمنها، فإن رضي بذلك فعلناه ودفعناها إلى الدليل وإن امتنع أن يعدل عنها إلى غيرها لم يجبر على انتزاعها من يده لما عقدناه من صلحه، وقيل: قد تقدم فيها حق الدليل على حقك وعلينا بعقد صلحك الذي لا تقدر على إمضائه أن نعيدك إلى مأمنك، ثم تكون من بعده لك حربًا، فإذا رد إلى مأمنه مكن من التحصن والاحتراز على مثل ما كان عليه قبل صلحه من غير من زيادة عليه، ولا نقصان منه، وكنا له بعد التحصن حربًا، وإن فتحت القلعة عنوة كان حكم الجارية في تسليمها إلى الدليل مستحقًا على ما مضى، وإن لم نفتحها عنوة وعدنا عنها فلا سيء للدليل لما ذكرنا ويستحب أن لو رضخ له من سهم المصالح وإن لم يجب فلو عدنا إلى القلعة بعد الانصراف عنها وفتحناها عنوة فعل يستحق الدليل الجارية أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا يستحقها، لأنها لم تفتح بدلالته.
والثاني: يستحقها، لأن الوصول إلى فتحها بدلالته.
[ ١٣ / ٢٦٣ ]
مسألة:
قال الشافعي:" وإن غزت طائفة بغير أمر الإمام كرهته لما في إذن الإمام من معرفته بغزوهم ومعرفتهم ويأتيه الخبر عنهم فيعينهم حيث يخاف هلاكهم فيقتلون ضيعة. قال الشافعي ﵀: ولا أعلم ذلك يحرم عليهم وذلك أن النبي ﷺ ذكر الجنة فقال له رجل من الأنصار: إن قتلت يا رسول الله صابرًا محتسبًا؟ قال:" فلك الجنة" قال فانغمس في العدو فقتلوه وألقى رجل من الأنصار درعا كان عليه، حين ذكر النبي ﷺ الجنة، ثم انغمس في العدو فقتلوه بين يدي النبي ﷺ قال: فإذا حل للمنفرد أن يتقدم على أن الأغلب أنهم يقتلونه كان هذا أكثر مما في الانفراد من الرجل والرجال بغير إذن الإمام وبعث رسول الله عمرو بن أمية الضمري ورجلًا من الأنصار سرية وحدهما وبعث عبد الله بن أنيس سرية وحدة فإذا سن رسول الله ﷺ أن يتسرى واحد ليصيب غرة ويسلم بالحيلة أو يقتل في سبيل الله فحكم الله تعالى أن ما أوجف المسلمون غنيمة".
قال في الحاوي: وهو كما ذكر يكره أن يغزو قوم بغير إذن الإمام لأمرين:
أحدهما: أنه أعرف بجهاد العدو منهم.
والثاني: أنه إذا علم أعانهم وأمدهم فعلى التعليل الأول يكره لهم ذلك في حق الله تعالى، وعلى
التعليل الثاني يكره لهم ذلك في حقوق أنفسهم، وإن غزوا بغير إذنه لم يحرم عليهم وسواء كانوا
في منعة أو غير منعة.
وقال أبو حنيفة ﵀: يحرم عليهم إلا أن يكونوا في منعه قال أبو يوسف: المنعة عشرة، وهذا
فاسد لأمرين:
أحدهما: أن العدد ليس بشرط في الإباحة فقد أنفذ رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري ورجلًا من الأنصار سرية وحدهما، وأنفذ عبد الله بن أنيس سرية وحده لقتل خالد بن سفيان الهذلي وهو في العدة والعدد، وأنفذ محمد بن مسلمة لقتل كعب بن الأشرف، فقتله، وأنفذ نفرًا لقتل ابن أبي الحقيق فقتلوه.
والثاني: أنه ليس في القلة أكثر من بذل النفس، وجهاد العدو، وهذا غير محظور قد حث رسول الله ﷺ على القتال وذكر الجنة فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله إن قتلت صابرًا محتسبًا ما الذي له. قال: الجنة فانغمس في العدو حتى قتل.
فصل:
فإذا تقرر أنه لا يحرم عليهم لم يخل حال ما أخذوه من المال من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يأخذوه عنوة بقتال فهذا غنيمة يخمسه الإمام ويقتسموا أربعة أخماسه
[ ١٣ / ٢٦٤ ]
بينهم.
وقال أبو حنيفة: يتركه الإمام عليهم ولا يخمسه.
وقال الأوزاعي: الإمام مخير في أخذ خمسه منهم، أو ترك جميعه عليهم، أو تخميسه، وقسم أربعة أخماسه بينهم.
وقد دللنا على وجوب تخميسه بما مضى، ولا تأديب عليهم.
وقال الأوزاعي: يؤدبهم الإمام عقوبة لهم وهذا خطأ، لأنه ليس في الانتقام من أعداء الله تأديب.
والثاني: أن يأخذوا المال صلحًا بغير قتال، فهذا المال فيء لا يستحقونه يكون أربعة أخماسه لأهل الفيء
وخمسه لأهل الخمس.
والثالث: أن يأخذوا المال اختلاسًا بغير قتال، ولا صلح.
قال أبو إسحاق المروزي: يكون ذلك فيئًا لا حق لهم فيه، لوصوله بغير إيجاف خيل ولا ركاب، وعندي أن يكون غنيمة يملكون أربعة أخماسه، لأنهم ما وصلوا إليه عفوًا حتى غرروا بأنفسهم فصار كتغريرهم بها إذا قاتلوا.
مسألة:
قال الشافعي:" ومن سرق من الغنيمة من حر أو عبد حضر الغنيمة لم يقطع لأن للحر سهما ويرضخ للعبد ومن سرق من الغنيمة وفي أهلها أبوه أو أبنه لم يقطع وإن كان أخوه أو امرأته قطع. قال المزني ﵀: وفي كتاب السرقة: إن سرق من امرأته لم يقطع".
قال في الحاوي: وجملة ذلك أن الغنائم إذا أحرزت بعد إجازتها لم يجز لأحد من الغانمين وغيرهم أن يتعرض لها قبل قسمها، ولمستحقها مطالبة الإمام بقسمها فيهم فإن هتك حرزها من سرق منها نصاب القطع فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون خمسها باقيًا فيها لم يخرج منها فلا قطع على السارق منها، سواء كان من الغانمين أو من غيرهم، لأنه إن كان من الغانمين فله في أربعة أخماسها سهم وفي خمسها من سهم المصالح حق وهي شبهة واحدة يسقط بها عنه القطع.
والثاني: أن يخرج خمسها منها فتصير أربعة أخماسها مفردًا للغانمين، وخمسها مفردًا لأهل الخمس فهذا على ضربين:
أحدهما: أن تكون السرقة من أربعة أخماس الغنيمة فلا يخلو حال السارق من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون ممن حضر الوقعة من ذي سهم، كالرجل الحر، وذي رضخ
[ ١٣ / ٢٦٥ ]
كالمرأة والعبد فيهما سواء، لأن الرضخ يستحق وإن نقص عن السهم كنقصان سهم الراجل عن سهم الفارس فكانا حقين واجبين فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يسرق منها ما يجوز أن يكون بقدر حقه، فلا قطع عليه نص عليه الشافعي وأجمع عليه أصحابه، لهم في تعليله وجهان:
أحدهما: أنها شبهة في هتك حرزها. والثاني: أنها شبهة في أخذ حقه منها
والضرب الثاني: أن يسرق منها ما يعلم أنه قطعا أكثر من حقه ففي وجوب قطعه في الزيادة،
إذا بلغت نصابًا وجهان أشار إليهما أبو إسحاق المروزي في شرحه:
أحدهما: لا يقطع وهو مقتضى قول من علل بالشبهة في هتك الحرز، لأن المال صار بها في
غير حرز.
والوجه الثاني: يقطع وهو مقتضى قول من علل بالشبهة في أخذ الحق، لأن الزيادة ليس فيها حق، ويتفرع على هذين الوجهين أن يكون له رجل دين فيتوصل إلى هتك حرزه ويأخذ الزيادة على قدر دينه فيكون قطعه في الزيادة على وجهين.
والقسم الثاني: أن يكون السارق ممن لم يحضر الوقعة، ولا يتصل بمن حضرها فيجب قطعه فيها لارتفاع شبهته، وعلى قول أبي حنيفة لا يقطع، لأنها عن أصل مباح.
والقسم الثالث: أن يكون السارق ممن لم يحضر الوقعة لكن له اتصال بمن حضرها فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون اتصالهما لا يمنع من وجوب القطع بينهما كالأخ يقطع إذا سرق من أخيه كذلك إذا سرق من غنيمة حضرها أخوه قطع.
والثاني: أن يكون اتصالهما يمنع من وجوب القطع بينهما كالولد مع الأبوين لا يقطع أحدهما في مال الآخر وكالعبد مع سيده لا يقطع في ماله، كذلك إذا سرق من غنيمة حضرها واحد من والديه، أو مولوديه لم يقطع وكذلك لو حضرها عبده، أو سيده لم يقطع فأما الزوج والزوجة ففي كل واحد منهما في مال صاحبه قولان: أحدهما: لا يقطع وهو قول أبي حنيفة فعلى هذا لا يقطع في الغنيمة إذا حضرها زوج، أو زوجة، ولا إذا حضرها عبد أو زوجة.
والثاني: يقطع وهو قول مالك، فعلى هذا يقطع في الغنيمة وإن حضرها هؤلاء فهذا حكم السرقة من أربعة أخماس الغنيمة.
فصل:
والضرب الثاني: أن يسرق من خمس الغنيمة فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون خمس الخمس وهو سهم المصالح منها باقيًا فيها فلا قطع على سارقها، لأن فيها من سهم المصالح حقا فصار شبهة في سقوط القطع عنه (سواء) كان
[ ١٣ / ٢٦٦ ]
ممن حضر الوقعة أو لم يحضرها، لأن سهم المصالح عام.
والثاني: أن يكون سهم المصالح، وهو خمس الخمس أفرد فسرق من أربعة أخماس الخمس فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون من أهل ذلك، ومستحقيه كذوي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، فلا قطع عليه ويكون كالغانم إذا سرق من أربعة أخماس الغنيمة
والثاني: أن لا يكون من أهل ذلك، ولا مستحقيه ففي وجوب قطعة وجهان:
أحدهما: يقطع كأربعة أخماس الغنيمة إذا سرق منها غير مستحقيها.
والثاني: لا يقطع، لأنه قد يجوز أن يصير من مستحقيه في ثاني حال بخلاف الغنيمة التي لا يجوز أن يصير من مستحقيها في ثاني حال.
روى إبراهيم ألنخعي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: ادرؤوا الحدود فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة فإذا وجدتم لمسلم مخرجًا فادرؤوا عنه الحد ما استطعتم.
مسألة:
قال الشافعي:" وما افتتح من أرض موات لمن أحياها من المسلمين"
قال في الحاوي: فتح بلاد المشركين ضربان: عنوة وصلح، فأما بلاد العنوة فضربان: عامر، وموات. فأما العامر فملك للغانمين لا يشركهم فيه غيرهم، وأما الموات فضربان:
أحدهما: أن يذبوا عنه، ويمنعوا منه فيكون كالذب في حكم العامر يختص به الغانمون دون غيرهم لأن الذب عنه كالتحجير عليه والمتحجر على الموات أحق به من غيره كذلك حكم هذا الموات.
والثاني: أن لا يذبوا عنه فيكون في حكم موات بلاد المسلمين، من أحياه منهم ملكه ولا يختص بالغانمين، وأما بلاد الصلح فضربان:
أحدهما: أن يصالحهم على الأرضين لنا ويقرها معهم بخراج يؤدونه إلينا فيكون مواتها كمواتنا يملكه من أحياه من المسلمين لاستوائهم فيه، وتصير الأرض بهذا الصلح دار الإسلام ولا يملكون ما أحيوه من هذا الموات كما لا يملكوه أهل الذمة إذا أحيوه من دار الإسلام.
والثاني: أن يصالحهم على أن الأرض لهم ويقرون عليها بخراج يؤدونه عنها فتكون الأرض باقية على ملكهم، ولا تصير بهذا الصلح دار إسلام ويكون مواتها كموات دار الحرب إن أحيوه ملكوه، وإن أحياه المسلمون لم يملكوه، لأن اليد مرتفعة عن دارهم
[ ١٣ / ٢٦٧ ]
والصلح إنما أوجب الكف عنهم وأخذ الخراج منهم.
مسألة:
قال الشافعي:" وما فعل المسلمون بعضهم ببعض في دار الحرب لزمهم حكمه حيث كانوا إذا جعل ذلك لإمامهم لا تضع الدار عنهم حد الله ولا حقا لمسلم. وقال في كتاب السير: يؤخر الحكم عليهم حتى يرجعوا من دار الحرب".
قال في الحاوي: وهذا كما قال كل معصية وجب بها الحد في دار الحرب على المسلم أو الذمي سواء كان فيها الإمام أو لم يكن.
وقال أبو حنيفة: يجب بها الحد إن كان الإمام فيها ولا يجب إن لم يكن فيها احتجاجًا يقول النبي ﷺ:" منعت دار الإسلام ما فيها، وأباحت دار الشرك ما فيها" وفرق بين الدارين في الإباحة والحظر كما فرق بينهما في السبي والقتل فأوجب ذلك وقوع الفرق بينهما في وجوب الحد.
ودليلنا عموم الآيات في الحدود الموجبة للتسوية بين دار الإسلام ودار الحرب قول النبي ﷺ:" من أتى من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله فإنه من بيد لنا صفحته نقم حد الله عليه" فعم ولم يخص، ولأنها حدود تجب في دار الإسلام فاقتضى أن تجب بغيبة الإمام كدار الإسلام ولأنه لما استوت الداران في تحريم المعاصي وجب أن تستويا في لزوم الحدود، ولأنه لما لم تختلف أحكام العبادات من الصلاة والزكاة، والصيام باختلاف الدارين وجب أن لا تختلف أحكام المعاصي باختلاف الدارين.
فأما الخبر فمحمول على إباحة ما تصح استباحته من الأموال والدماء وليس بمحمول على ما لا يجوز
استباحته من الكبائر والمعاصي.
فصل:
فإذا ثبت وجود الحدود، فيها نظر، فإن لم يكن في دار الحرب من يستحق إقامتها أخرت إلى دار الإسلام حتى يقيمها الإمام، وإن كان في دار الحرب من يقيمها وهو الإمام، أو من ولاه الإمام إقامتها من ولاة الثغور والأقاليم نظر، فإن كان له عذر يمنعه من إقامتها لتشاغله بتدبير الحرب، أو لحاجته إلى قتال المحدود أخر حده إلى دار الإسلام وإن لم يكن له عذر قدم حده في دار الحرب، وليس ما ذكره المزني عن الشافعي من اختلاف جوابه فيه محمولًا على اختلاف قولين وإنما هو على ما ذكرناه من اختلاف حالين.
وقال أبو حنيفة: لا تجوز إقامة الحدود في دار الحرب، وعلى الإمام تأخيرها
[ ١٣ / ٢٦٨ ]
احتجاجًا بما روي أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى أمراء الأجناد أن لا يقيموا الحدود في دار الشرك حتى يعودوا إلى دار الإسلام، ولا يؤمن أن يتداخله من الأنفة والحمية ما يبعثه على الردة اعتصامًا بأهل الحرب ودليلنا قول النبي ﷺ:" فإنه من يبد لنا صفحته نقم حد الله عليه" ولم يفرق، ولأن لله تعالى عليهم حقوقًا من عبادات، وحدود في معاص، فإذا لم تمنع دار الشرك من استيفاء حقوقه لم تمنع من إقامة حدوده.
فأما الجواب عن خبر عمر إن صح فهو أنه أمر بذلك لئلا يقع التشاغل بإقامتها عن تدبير الحرب وجهاد العدو.
وقوله: إنه ربما بعثته الحمية على الردة، فلو كان لهذا المعنى لا تقام عليهم الحدود لما أقيمت على أهل الثغور، ولما استوفيت منهم الحقوق، ولأفضى إلى تعطيل الحدود وإسقاط الحقوق وهذا مدفوع.
فصل:
فأما حقوق الآدميين المستهلكة عليهم في دار الحرب، فإن كانت لأهل الحرب فهي مباحة بالكفر والمحاربة لا تضمن أموالهم، ولا نفوسهم، وإن كانت للمسلمين فضربان: أموال، ونفوس. فأما الأموال فيأتي ضمانها. وأما النفوس كمسلم قتل مسلمًا في دار الحرب، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون في حرب، وقد مضى حكمه وذكرنا أقسامه.
والثاني: يكون في غير حرب فضربان:
أحدهما: أن لا يعلم بإسلامه فينظر في قتله، فإن قتله خطأ ضمنه بالكفارة دون الدية، لقول الله تعالى: ﴿فَأن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾. وإن قتله عمدًا فلا قود عليه
للشبهة وعليه الكفارة وفي وجوب الدية قولان:
أحدهما: وهو اختيار المزني- لا دية عليه- لأن الجهل بإسلامه يغلب حكم الدار في سقوط ديته كما غلب حكمها في سقوط القود.
والوجه الثاني: وهو اختيار أبي إسحاق المروزي- ضمن ديته تغليبًا لحكم قصده ولا يؤثر سقوط القود الذي يسقط بالشبهة في سقوط الدية التي لا تسقط بالشبهة.
والضرب الثاني: أن يقتله عالمًا بإسلامه فيلزمه يقتله في دار الحرب ما كان لازمًا له بقتله في دار الإسلام إن كان بعمد محض وجب عليه القود، والكفارة وإن كان بعمد الخطأ وجبت عليه الدية مغلظة والكفارة وإن كان بخطأ وجبت عليه الدية مخففة والكفارة ولا فرق بين من دخل دار الحرب مسلمًا أو أسلم فيها سواء هاجر أو لم يهاجر. وقال أبو حنيفة: لا قود في قتل المسلم في دار الحرب، إذا لم يكن فيها إمام، فأما الدية فإن
[ ١٣ / ٢٦٩ ]
دخلها وهو مسلم غير مأسور ضمن عمده بالدية دون الكفارة وضمن خطة بالدية والكفارة، وإن كان مأسورا لم يضمن ديته في عمد ولا خطأ وضمن بالكفارة في الخطأ دون العمد، لأن الأسير قد صار في أيديهم كالمملوك لهم، وإن أسلم في دار الحرب وهاجر إلى دار الإسلام كان كالداخل إليها مسلما وإن لم يهاجر إليها كانت نفسه هدرًا لا يضمن بقود ولا دية وتلزم الكفارة في الخطأ دون لا العمد احتجاجا بقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ وبما روي عن النبي ﷺ أنه قال:" أنا بريء من كل مسلم مع مشرك" وهذا موجب لإهدار دمه قال: ولأنه دم لم يحقن في دار الإسلام فلم يضمن في دار الحرب كالحربي.
ودليلنا قول الله ﷿: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانا﴾ وهذا مظلوم بالقتل فوجب أن يكون لوليه سلطانًا في القوة والدية، ولأنه إسلام صار الدم به محقونًا، فوجب أن يصير به مضمونا كالمهاجر،' ولأنه كل دار ينهدم الدم فيها بالردة، يضمن الدم فيها بالإسلام كدار الإسلام فأما الجواب عن الآية فهو ورودها في الميراث: لأنهم كانوا في صدر الإسلام يتوارثون بالإسلام والهجرة، ثم نسخت حين توارثوا بالإسلام دون الهجرة.
وأما الجواب عن الخبر فهو إنما تبرأ من أفعاله ولا يوجب ذلك هدر دمه كما قال: " من غشنا فليس منا"
وأما الجواب عن قياسه فهو أن هذا دم محقون فلم يكن لاختلاف الدار تأثير ودم الحربي مباح فلا يكن
لاختلاف الدار تأثير، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي:" ولا أعلم أحدًا من المشركين لم تبلغه الدعوة إلا أن يكون خلف الذين يقاتلون أمة من المشركين خلف الترك والخزر لم تبلغهم الدعوة فلا يقاتلون حتى يدعوا إلى الإيمان فإن قتل منهم أحد قبل ذلك فعلى من قتله الدية"
قال في الحاوي: وهذا صحيح والكفارة ضربان:
أحدهما: من بلغتهم دعوة الإسلام، وهم من نعرفهم اليوم كالروم والترك، والهند، ومن في أقطار الأرض من الكفارة ودعوة الإسلام أن يبلغهم أن الله تعالى بعث محمدًا ﷺ بالحجاز نبيًا أرسله إلى كافة الخلق بمعجزة دلت على صدقة يدعوهم إلى توحيده وتصديق رسوله، وطاعته في العمل بما يأمره به ويناهم عنه، وأنه يقاتل من خالفه حتى يؤمن به أو يعطي الجزية إن كان كتابيًا، فإن لم يفعل أحد هذين، أو كان غير كتابي فلم يؤمن استباح قتله فهذه صفة دعوة الإسلام، فإذا كانوا ممن قد بلغتهم هذه الدعوة، لم يجب أن يدعوا
[ ١٣ / ٢٧٠ ]
إليها ثانية إلا على وجه الاستظهار، والإنذار وجاز أن يبدأ بقتالهم زحفًا ومصافة وجاز أن يبدأ به غرة وبياتًا قد شن رسول الله ﷺ الغارة على بني المصطلق وهم غارون في نعمهم بالمريسيع فقتل المقاتلة وسبى الذرية، وقال حين سار إلى فتح مكة اللهم أطوا خبرنا عنهم حتى لا يعلموا بنا إلا فجأة لما قدمه من استدعائهم فلم يعلموا به حتى نزل عليهم.
والثاني: من الكفار من لم يبلغهم دعوة الإسلام، قال الشافعي:" ولا اعلم أحدًا اليوم من المشركين، من لم يبلغه الدعوة إلا أن يكن خلف الذين يقاتلوه أمة من المشركين خلف الترك والخزر لم تبلغهم الدعوة". وهذا وإن كان بعيدًا في وقت الشافعي فهو الآن أبعد، لأن الإسلام في زيادة تحقيقًا لقول الله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ فإن جاز أن يكون الآن قوم لم تبلغهم الدعوة لم يجزا الابتداء بقتالهم إلا بعد إظهار الدعوة لهم واستدعائهم بها إلى الإسلام ودمائهم قبل ذلك محقونة وأموالهم محظورة قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. وقال الله تعالى: ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ وعلى هذا كانت سيرة رسول الله ﷺ في المشركين.
روى سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعثت أميرًا على جيش، أو سرية وأمره بتقوى الله تعالى في خاص نفسه ومن معه من المسلمين وقال:" إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، وإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، وإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم"
فصل:
فإذا ثبت وجوب إنذارهم بالدعوة قبل قتالهم أنفسهم ما تضمنته دعوتهم ثلاثة أقسام:
أحدها: ما هم فيه محجوبون بعقولهم دون السمع، وهو معجزات الرسل وجججهم الدالة على صدقهم في الرسالة.
والثاني: ما هم فيه محجوبون بالسمع دون العقل، وهو ما تضمنه التكليف من أمر ونهي.
والثالث: ما اختلف فيه وهو التوحيد هل هم فيه محجوبون بالعقل، أو بالسمع على وجهين لأصحابنا مع تقدم خلاف المتكلمين فيه:
أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة، وزعم أنه من الظاهر من مذهب
[ ١٣ / ٢٧١ ]
الشافعي أنهم محجوبون فيه بالعقل دون السمع كالقسم الأول.
والثاني: وهو قول أبي حامد الإسفرايينبي، وزعم أنه الظاهر من مذهب الشافعي أنهم محجوبون فيه بالسمع وإن وصلوا إلى معرفته بالعقل، وبالوجه الأول قال أكثر البصريين وبالوجه الثاني قال أكثر البغداديين. وهذا الوجهان مبنيان على اختلاف وجهي أصحابنا في التكليف هل اقترن بالعقل، أو تعقبه، فمن زعم أنه اقترن بالعقل جعلهم محجوبين بالسمع دون العقل.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا من حقن دمائهم قبل بلوغ الدعوة إليهم ضمنت دماؤهم بالدية إن قتلوا ولم تكن هدرًا.
وقال أبو حنيفة: ى تضمن دماؤهم وتكون هدرًا احتجاجًا بأمرين:
أحدهما: من لم يثبت له إيمان ولا أمان كان دمه هدرًا كالحربي، وليس لهؤلاء إيمان ولا أمان.
والثاني: أن الدية أحد موجبي القتل فوجب أن يسقط في حقهم كالقود. ودليلنا شيئان:
أحدهما: أن من لم يظهر عناده في الدين مع تكليفه لم ينهدر دمه كالمسلم.
والثاني: أن حرمة النفوس أعلم من حرمة الأموال، فلما وجب رد أموالهم عليهم وجب ضمان نفوسهم. فأما الجواب عند استدلالهم بأن لا إيمان لهم ولا أمان هو أن لهم أمان ولذلك حرم قتلهم وأما الجواب عن القود فهو أنه يسقط بالشبهة، ولا تسقط الدية بالشبهة فافترقا.
فصل:
فإذا ثبت ضمان دياتهم، فقد أطلق الشافعي هاهنا ذكر الدية واختلف أصحابنا في مقدارها على ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها الدية الكاملة دية المسلم تمسكًا بالظاهر من إطلاق الشافعي، واحتجاجًا بنفي الكفر عنهم قبل بلاغ الدعوة إليهم.
والثاني: وقد نص عليه الشافعي في كتاب "الأم" أنها دية كافر إن كان يهوديًا، أو نصرانيًا، كانت ثلث دية المسلم، وإن كان مجوسيًا أو وثنيًا، فثلثا دية المسلم ثمانمائة درهم لأن قصور الدعوة عنهم موجب لحقن دمائهم وليس بمثبت لإيمانهم.
والثالث: وهو قول أبي إسحاق المروزي إن يتمسكوا بدين أصله باطل، كعبدة الأوثان فدية كافر ليس له كتاب كدية المجوسي، وإن تمسكوا بدين أصله حق كاليهودية والنصرانية فدية مسلم، لأن فيه على أصل الإيمان قبل علمهم بالنسخ.
[ ١٣ / ٢٧٢ ]
فصل:
فأما قتلنا من لا نعلم هل بلغتهم الدعوة، أو لم تبلغهم ففي ضمان دمائهم وجهان بناء على اختلاف الوجهين هل كان الناس قبل ورود الشرع على أصل الإيمان حتى كفروا بالرسول أو كانوا على أصل الكفر حتى آمنوا بالرسل.
فأحد الوجهين: أنهم كانوا على أصل الإيمان حتى كفروا بالرسل، وهذا قول من زعم أنهم محجوبون في التوحيد بالعقل دون السمع، فعلى هذا يكون دماء من جهلت حالهم مضمونة بدمائهم.
والثاني: أنهم كانوا قبل ورود الشرع على أصل الكفر حتى آمنوا بالرسل وهذا قول من زعم أنهم محجوبون في التوحيد بالسمع دون العقل، فعلى هذا تكون دماء من جهلت حالهم هدرًا لا تضمن بقود ولا دية، ومن هذين الوجهين اختلف المفسرون في تأويل قول الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ على قولين:
أحدهما: أنهم كانوا على الكفر حتى أمن منهم من أمن وهذا قول ابن عباس والحسن.
والثاني: أنهم كانوا على الحق، حتى كفر منهم من كفر، وهذا قول قتادة والضحاك والأكثرين، والله أعلم.