مسألة:
قال الشافعي ﵀: "ومن ارتد عن الإسلام إلي أي كفر كان مولودًا على الإسلام أو أسلم ثم ارتد قتل".
قال في الحاوي: أما الردة في اللغة فهي الرجوع عن الشيء إلي غيره، قال الله تعالى: ﴿ولا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة ٢١].
وأما الردة في الشرع: فهي الرجوع عن الإسلام إلي الكفر. وهو محظور لا يجوز الإقرار عليه.
قال الله تعالى: ﴿بِالإيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ [المائدة ٥].
وقال تعالى: ﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ﴾ [البقرة ٢١٧].
وقال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء ١٣٧].
وفيها ثلاثة أقاويل:
أحدهما: أنهم اليهود، آمنوا بموسى ثم كفروا بعبادة العجل، ثم آمنوا بموسى بعد عوده، ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفرًا بمحمد ﷺ وهذا قول قتادة.
والثاني: أنهم المنافقون، آمنوا ثم ارتدوا، ثم آمنوا ثم ارتدوا ثم ازدادوا كفرًا بموتهم على كفرهم. وهذا قول مجاهد.
والثالث: أنهم قوم من أهل الكتاب قصدوا تشكيك المؤمنين، فكانوا يظهرون الإيمان ثم الكفر مرة بعد الأخرى ثم ازدادوا كفرًا بثبوتهم عليه. وهذا قول الحسن.
فإذا ثبت حظر الردة بكتاب الله تعالى فهي موجبة للقتل بسنة رسول الله ﷺ وإجماع صحابته ﵃.
روى أيوب عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "من بدل دينه فاقتلوه".
وروى عثمان عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث:
[ ١٢ / ٤٢٠ ]
كفر بعد إيمان، أو زنًا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس".
وقال أبو بكر الصديق بعد رسول الله ﷺ أهل الردة ووضع فيهم السيف حتى أسلموا.
وروى الوليد بن مسلم عن سعيد بن عبد العزيز أن أبا بكر قتل أم قرفة الفزارية قتل مثلة، شد رجليها بفرسين، ثم صاح بهما فشقاها.
وهذا التناهي منه في نكال القتل، وإن لم يكن متبوعًا فيه فلانتشار الردة في أيامه، وتسرع الناس إليها، لتكون هذه المثلة أشد زجرًا لهم عن الردة، وأبعث لهم على التوبة.
ومثله ما روي أن قومًا غلوا في علي ﵇ وقالوا له: أنت إله، فأجج لهم نارًا، وحرقهم فيها.
فقال ابن عباس: لو كنت أنا لقتلتهم بالسيف، سمعت النبي ﷺ يقول: "لا تعذبوا بعذاب الله من بدل دينه فاقتلوه" فقال علي رضوان الله عليه:
لما رأيت الأمر أمرًا منكرا أججت نارًا ودعوت قنبرا
وروى عبد الملك بن عمير قال: شهدت عليًا ﵇ وقد أتى بالمستور بن قبيصة العجلي وقد تنصر بعد إسلامه.
فقال له علي: حدثت عنك أنك تنصرت، فقال المستورد: أنا على دين المسيح فقال له علي: وأنا أيضًا على دين الميسح. ثم قال له: ما تقول فيه فتكلم بكلام خفي علي، فقال علي رضوان الله عليه: طؤه، فوطاء حتى مات فقلت للذي يليني: ما قال؟ قال: إن المسيح ربه.
وروي أن معاذ بن جبل قدم اليمن وبها أبو موسى الأشعري، فقيل له: إن يهوديًا أسلم ثم ارتد منذ شهرين.
فقال: والله لا أجلس حتى يقتل، فضى رسول الله ﷺ بذلك، فقتل.
فصل:
فإذا ثبت وجوب القتل بردة المسلم إلي الكفر، فسواء كان المسلم مولودًا على الإسلام او كان كافرًا فأسلم أو صار مسلمًا بإسلام أبويه أو أحدهما.
قال أبو حنيفة: إن صار مسلمًا بإسلام أحد أبويه، لم يقتل بالردة لضعف إسلامه وهذا خطأ.
لأنه لما جرى عليه أحكام الإسلام في العبادات وأحكام المسلمين في المواريث
[ ١٢ / ٤٢١ ]
والشهادات، وجب أن يجري عليه حكم الإسلام في الردة كغيره من المسلمين، كما كان في غير الردة كسائر المسلمين.
ولأن الإسلام لا تبعض فيه، فلم تبعض فيه أحكام الإسلام. وبه يفسد ما ذكره من ضعفه.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وأي كفر ارتد إليه مما يظهر أو يسر من الزندقة ثم تاب لم يقتل".
قال في الحاوي: وهذا صحيح. لا يخلو حال الكفر إذا ارتد المسلم من أحد أمرين:
إما أن يتظاهر به أهله كاليهودية والنصرانية.
أو يسرونه كالزندقة والنفاق. فإن كان مما يتظاهر به أهله قبلت توبته منه إذا ارتد إليه سواء ولد على الإسلام أو كان كافرًا وأسلم.
وحكي الشافعي، عن بعض أهل المدينة وأحبسه مالكًا أن المولود على الإسلام لا تقبل توبته إذا ارتد؛ لأنه لم يجز عليه حكم الكفر بحال، فكان أغلظ حكمًا ممن جرى عليه حكم الكفر في بعض الأحوال وهذا فاسد.
ولكنه لو وقع بينهما فرق أولى، لأن توبة المولود على الإسلام أقوى، لأنه قد ألف الإسلام، وتوبة المولود على الكفر أضعف، لأنه قد ألف الكفر، فلما فسد هذا كان عكسه أفسد، ودلائل هذا تأتي فيما يليه.
وإن كان الكفر مما يسره أهله الكزندقة: قبلت توبته أيضًا عند الشافعي، تسوية بين ردة كل مسلم، وبين الردة إلي كل كفر.
وقال مالك: لا تقبل التوبة من الزنديق، إلا أن يتوب قبل العلم به، والقدرة عليه.
ففرق بين بعض الكفر وبعضه في الردة، كما فرق في الأول، إن كان قائلًا به بين بعض المسلمين وبعضهم في الردة.
والزنديق عنده: من أظهر الإسلام وأسر الكفر.
ولأبي حنيفة فيه روايتان:
إحداهما: كقولنا، والأخرى: كقول مالك.
احتجاجًا بقول الله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران ٩٠].
ولأن الزنديق يتظاهر بالإسلام ويسر الكفر، وهو بعد التوبة هكذا، فصار كما قبلها
[ ١٢ / ٤٢٢ ]
فلم تؤثر فيه التوبة مما لم يكن، فوجب أن يكون الحكم فيهما على سواء.
قال: ولأن الزندقة أعظم فسادًا في الأرض من الحرابة لجمعها بين فساد الدين والدنيا، فلما لم تقبل توبة المحاربين بعد القدرة فأولى أن لا تقبل توبة الزنديق بعد القدرة.
قال: ولأن الظاهر من توبة الزنديق أن يستدفع بها القتل، كما كان الظاهر من توبة المحارب استدفاع القتل بهما، فوجب أن تحمل توبته على الظاهر من حالها في دفع القتل بها، كما حملت توبة المحارب على الظاهر من حالها.
ودليلنا: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ولا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء ٩٤].
وقرأ أبو جعفر: لست مؤمنًا-بفتح الميم-من الأمان.
وقراءة الجمهور بالكسر من الإيمان.
وفيها على كلا القرائتين دليل لما حكاه السدي عن سبب نزولها:
"أن رجلًا يقال له: مرداس بن عمر الفدكي كانت له غنيمات لقيته سرية لرسول الله ﷺ قال لهم: السلام عليكم لا إله إلا الله محمد رسول الله فبدر إليه أسامة بن زيد فقتله، فلما أتى رسول الله ﷺ فقال له: لم قتله وقد أسلم؟ قال: إنما قالها متعوذًا قال: هلا شققت عن قلبه. ثم حمل رسول الله ﷺ ديته إلي أهله، ورد عليهم غنمه".
وروى عطاء بن زيد الليثي، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار "أن رجلًا سار رسول الله ﷺ فلم يدر ما ساره، حتى جهر رسول الله ﷺ فإذا هو يستأذنه في قتل رجل من المنافقين، فقال رسول الله ﷺ: "أليس يشهد أن لا إله إلا الله. قال: بلى، ولا شهادة له. قال: أليس يصلي. قال: بلى، ولا صلاة له.
فقال رسول الله ﷺ: "أولئك الذين نهاني الله عنهم".
وروى عبيد الله بن عدي بن الخيار أن المقداد بن عمرو الكندي قال: "يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلًا من الكافر فقاتلني، فضرب إحدى يدي فقطعها، ثم لاذ مني لشجرة، فقال: أسلمة لله أقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟
قال: لا تقتله، فإن قتلته فإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته وهو بمنزلتك قبل أن تقتله، فدلت الآية والخبر على الأخذ بالظاهر دون السرائر، ولذلك قال رسول الله ﷺ: "إنما أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر".
ولأن رسول الله ﷺ قد قبل من المنافقين ظاهر إسلامهم، وإن تحقق باطن كفرهم، بما أطلعه الله تعالى عليه من سرائرهم في قوله تعالى: ﴿إذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون ١ - ٢].
وقرئ: إيمانهم - بكسر الهمزة من الإيمان، والأول من اليمين.
[ ١٢ / ٤٢٣ ]
وقال تعالى: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهُمْ لَمِنكُمْ ومَا هُم مِّنكُمْ ولَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة ٥٦].
فلم يؤاخذهم بما أطلعه الله تعالى عليه من سرائرهم التي تحقق بما كفرهم، اعتبر ما تظاهروا به من الإسلام وإن تحقق فيه كذبهم، فوجب أن يكون أمثالهم من الزنيدقة ملحقين بهم وداخلين في حكمهم.
فإن قيل: إنما كف عنهم لنه لم يعرفهم بأعيانهم، ولو عرفهم لما كف عنهم. قيل: قد كانوا أشهر من أن يخفوا، هذا عبد الله بن أبي ابن سلول وهو رأس المنافقين، قد تظاهر بالنفاق وأبدى معتقده في مواضع منها:
قوله تعالى: ﴿وعَدَنَا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلاَّ غُرُورًا﴾ [الأحزاب ١٢].
وقوله في غزوة تبوك: ﴿لَئِن رَّجَعْنَا إلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون ٨].
فأخبر الله تعالى بذلك عنه، فلما رجع إليها من الغزاة جرد ابنه عليه سيفه، وقال والله لئن لم تقل إنك الأذل ورسول الله الأعز، لأضربنك بسيفي هذا، فقالها، ولأن إقراره بالزندقة أقوى من قيام البينة بها عليه، فلما قبلت توبته إذا أقر بها كان أولى أن تقبل في قيام البينة بها.
ولأنه لو جاز أن يختلف حكم التوبة في جهر الكفر وسره، لكان قبول توبة المساتر أولى من قبول توبة المجاهر، لأن الجهر به يدل على قوة معتقده، والاستسرار به يدل على ضعف معتقده، فلما بطل هذا كان علته أبطل، ولأنها توبة من كفر، فوجب أن تقبل كالجهر.
فأما الجواب عن قوله: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران ٩٠] فهو أنه قد تعارض فيها ما يتنافي اجتماعهما، لأن من ازداد كفرًا لم يتب، ومن تاب لم يزدد كفرًا، وإذا تنافي ظاهرهما صار تأويلها محمولًا على تقدم التوبة على ما حدث بعدها من زيادة الكفر، فيحبط حادث الكفر سابق التوبة.
وأما الجواب عن قوله: إنه بالتوبة مظهر للإسلام مستبطن للكفر، وهكذا هو قبلها.
فهو أننا ما كلفنا منه إلا الظاهر من حاله، وهو في الباطن موكول إلي ربه، ولذلك قال رسول الله ﷺ: "لا تحاسبوا العبد حساب الرب".
وقد يجوز أن تؤثر التوبة في باطنه كتأثيرها في ظاهره.
وأنا الجميع بينه وبين المحارب فلا يصح، لافتراقهما غي معنى الحكم، لأن الحرابة يقتل فيها بظاهر قوله الدال على معتقده، فجاز أن يرفعها ما جانسها من القول في توبته، ويحمل ذلك على زوال معتقده.
فأما الجواب عن قوله: إن الظاهر منها استدفاع القتل.
فهو أن هذا الظاهر لا يمنع من قبول التوب في الممرتد كما لا يمنع إسلام الحربي إذا قدم للقتل من قبول إسلامه والكف عن قتله والله أعلم.
[ ١٢ / ٤٢٤ ]
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "فإن لم يتب قتل امرأة كانت أو رجلًا عبدًا كان أو حرًا".
قال في الحاوي: وهذا كما قال يستوي في القتل بالردة الحر والعبد والرجل والمرأة، وتقتل المرتدة، كما يقتل المرتد. وبه قال من الصحابة: أبو بكر وعلي. ومن التابعين: الحسن، والزهري ومن الفقهاء: مالك والأوزاعي، والليث بن سعد، وأحمد، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: تحبس المرتدة ولا تقتل، إلا أن تكون أمة فلا تحبس عن سيدها. استدلالًا بما روي عن النبي ﷺ: "أنه نهى عن قتل النساء والوالدان". فكان على عمومه وبما روى عاصم بن أبي النجود عن أبي رزين، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وأسلم قال: "لا تقتل المرأة إذا ارتدت" وهذا نص. ولأن من لم يقتل بالكفر الأصلي لم يقتل بالردة كالصبي.
ولأن كل حر لم يكن من أهل الجزية لم يقتل بالردة كالأطفال والمجانين. ولأنها كافرة لا تقاتل فلم تقتل كالكافرة الأصلية.
ولأن المرأة محقونة الدم قبل الإسلام فلم يستبح دمها بالردة عن الإسلام، لعودها بعده إلي ما كانت عليه قبله، وبعكسها الرجل.
ودليلنا: عموم قول النبي ﷺ: "من بدل دينه فاقتلوه" فإن قيل: المراد به الرجل لقوله: من بدل دينه ولو أراد المرأة لذكره بلفظ التأنيث فقال: من بدلت دينها.
قيل: لفظة من للعموم تستغرق الجمس، فاشتملت على الرجال والنساء، كما قال تعالى: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ [النساء ١٢٤]. ولأن رجلًا لو قال: من دخل الدار فله درهم، استحقه من دخلها من ذكر أو أنثى.
وروى الزهري، عن عروة، عن عائشة رضوان الله عليها قالت: "ارتدت امرأة يوم أحد، فأمر النبي ﷺ أن تستتاب فإن تابت وإلا قتلت".
وروى الزهري، عن عروة، عن عائشة رضوان الله عليها قالت: "ارتدت امرأة يوم أحد، فأمر النبي ﷺ أن تستتاب فإن تابت وإلا قتلت".
وروى الزهري عن محمد بن المنكدر، عن جابر: "أن امرأة من أهل المدينة يقال لها أم مروان ارتدت عن الإسلام، فأمر النبي ﷺ أن يعرض عليها الإسلام، فإن رجعت وإلا قتلت".
ورواه هشام بن الغاز، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال:"فعرض عليها
[ ١٢ / ٤٢٥ ]
الإسلام فأبت أن تسلم، فقتلت" وهذا نص.
ولأنه كفر بعد إيمان فوجب أن يستحق به القتل كالرجل، وهذه علة ورد النص بها في قوله ﷺ: "لا يحل دم امراء مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان .. " فكانت أوكد من العائلة المستنبطة، هكذا استنبط من هذا النص علة أخرى، فنقول: كل من قتل بزنًا بعد إحصان قتل بكفر بعد إيمان كالرجل، ومنه علة ثالثة: أن كل من قتل بالنفس قودًا قتل بالردة حدًا كالرجل، فيكون تعليل النص في الثلاثة مستمرًا.
ولأنه حد يستباح به قتل الرجل فجاز أن يستباح به قتل المرأة كالزنى.
فأما الجواب عن نهيه عن قتل النساء والوالدان.
فهو أن خروجه على سبب، روي أن النبي ﷺ مر بامرأة مقتولة في بعض غزواته، فقال: "لم قتلت وهي لا تقاتل" ونهى عن قتل النساء والوالدان. فعلم أنه أراد به الحربيات.
فإن قيل: النهي عام فلم اقتصر به على سببه.
قيل: لما عارضه قوله: "من بدل دينه فاقتلوه" ولم يكن بد من تخصيص أحدهما بالآخر، وجب تخصيص الوارد على سببه، وحمل الآخر على عموم، لأن السبب إمارات التخصيص.
وأما الجواب عن حديث ابن عباس: فهو أنه رواية عبد الله بن عيسى عن عفان عن شعبة بن عاصم بن أبي النجود.
قال الدارقطني: وعبد الله بن عيسى هذا كذاب يضع الأحاديث على الثقات. وقد رواه سفيان، عن أبي حنيفة، عن عاصم موقوفًا على ابن عباس وأنكره أبو بكر بن عياش على أبي حنيفة فسكت وتغير. وأنكره سفيان بن عيينة وأحمد بن حنبل. وما كان بهذا الضعف لم يجز أن يجعل في الدين أصلًا.
وأما الجواب عن قياسهم على الصبي: فهو انتفاضه بالشيخ الهرم والأعمى والزمن فإنهم يقتلون بالردة، ولا يقتلون بالكفر الأصلي، والأصل غير مسلم، لأن الصبي لا تصح منه الردة.
وأما الجواب عن قياسهم على الكافرة الحربية: فمنكسر بالأعمى والزمن لا يقتلون بالكفر الأصلي ويقتلون بالردة، ثم المعنى في الحربية أنها مال مغنوم وليست المرتدة مالًا.
وأما الجواب عن استدلالهم بحقن دمها قبل الإسلام فكذلك بالردة بعد الإسلام.
فباطل الأعمى والزمن والرهبان وأصحاب الصوامع، دماؤهم محقونة قبل الإسلام ويقتلون بالردة عن الإسلام، على أن الحربية لما جاز إقرارها على كفرها لم تقتل، ولما لم يجز إقرار المرتدة على كفرها قتلت، لأن وقوع الفرق بينهما في الإقرار على الكفر
[ ١٢ / ٤٢٦ ]
يمنع من تساويهما في الحكم والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وقال في الثاني في استتابته ثلاثًا قولان: أحدهما حديث عمر يتأنى به ثلاثًا والآخر لا يؤخر لأن النبي ﷺ لم يأمر فيه بأناة وهو لو تؤني به بعد ثلاث كهيئته قبلها. وهذا ظاهر الخبر. قال لامزني: وأصله الظاهر وهو أقيس على أصله".
قال في الحاوي: يستناب المرتد قبل قتله، فإن تاب حقن دمه. وقال الحسن البصري: يقتل من غير استتابة. وقال عطاء: إن ولد في الإسلام قتل من غير استتابة وإن ولد في الكفر ثم أسلم لم يقتل إلا بعد الاستتابة.
استدلالًا: بقول النبي ﷺ: "من بدل دينه فاقتلوه" فلم يأمر فيه إلا بالقتل دون الاستتابة.
ولأن قتل الردة حد كالرجم في الزنى، فلما لم يلزم استتابة الزاني لم يلزم استتابة المرتد.
ولأن قتل الردة حد كالرجم في الزنى، فلما لم يلزم استتابة الزاني لم يلزم استتابة المرتد.
ودليلنا: ما رواه عروة، عن عائشة ﵂ قالت: "ارتدت امرأة يوم أحد فأمر النبي ﷺ أن تستتاب، فإن تابت وإلا قتلت" وهذا نص.
وروي أن رجلًا قدم على عمر بن الخطاب ﵁ من قبل أبي موسى الأشعري، فقال له عمر بن الخطاب: هل كان فيكم من مغربة خبر؟
فقال: نعم رجل كفر بعد إسلامه، فقتلناه.
فقال عمر: هلا حبستموه ثلاثًا، وأطعمتموه في كل يوم رغيفًا، واستتبتموه لعله يتوب، اللهم لم أحضر ولم أمر ولم أرض إذ بلغني، اللهم إني أبرأ إليك من دمه.
وروي: أن ابن مسعود كتب إلي عثمان ﵄ في قوم ارتدوا فكتب إليه عثمان: ادعهم إلي دين الحق وشهادة أن لا إله إلا الله، فإن أجابوا فخل سبيلهم وإن امتنعوا فاقتلهم، فأجاب بعضهم فخلا سبيله وامتنع بعضهم فقتله.
ولأن الأغلب من حدوث الردة أنه لاعتراض شبهة، فلم يجز الإقدام على القتل قبل كشفها والاستتابة منها كأهل الحرب، لا يجوز قتلهم إلا بعد بلوغ الدعوة، وإظهار المعجزة. فأما الخبر فلا يمنع من الاستتابة وأم الزنى فالتوبة لا تزيله، وهي تزيل الردة، فلذلك استتيب من الردة ولم يستتب من الزنى.
فصل:
فإذا ثبت الأمر باستتابته قبل قتله، ففيها قولان:
[ ١٢ / ٤٢٧ ]
أحدهما: وهو قول أبي حنيفة واختيار أبي علي بن أبي هريرة أنها مستحبة وليست بواجبة، لأن وجوب الاستتابة يوجب حظر دمه قبلها، وهو غير مضمون الدم لو قتل قبلها، فدل على استحبابها.
والثاني: وهو أصح أن الاستتابة واجبة لما قدمناه من الخبر والأثر، ولأن الاستتابة في حق المرتد في حكم إبلاغ الدعوة لأهل الحرب، وإبلاغ الدعوة واجبة، فكذلك الاستتابة.
ولأن المقصود بقتل المرتد إقلاعه عن ردته، والاستتابة أخص بالإقلاع عنها من القتل، فاقتضى أن تكون أوجب منه.
فصل:
فإذا تقرر حكم الاستتابة في الوجوب والاستحباب، فهل يعجل قتله عند الامتناع من التوبة أو يؤجل ثلاثة أيام؟ فيه قولان:
أحدهما: وهو اختيار المزني أنه يعجل قتله ولا يؤجل، وبه قال أبو حنيفة، إلا أن يسأل الإنظار فيؤجل ثلاثًا لقول النبي ﷺ: "من بدل دينه فاقتلوه" ولأنه حد فلم يؤجل فيه كسائر الحدود.
والثاني: يؤجل ثلاثة أيام، وبه قال أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه.
وقال سفيان الثوري: ينظر ماكان يرجو التوبة. ودليل تأجيله ثلاثًا: قول عمر ﵁ حين أخبر بقتل المرتد: هلا حبستموه ثلاثًا، اللهم لم أحضر ولم أمر .. الخبر.
ولأن الله قضى بعذاب قوم ثم أنظرهم ثلاثًا فقال: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود ٦٥].
ولأن المقصود منه استبصاره في الدين ورجوعه إلي الحق، وذلك مما يحتاج فيه إلي الارتياء والفكر، فأمهل بما يقدر في الشرع من مدة أقل الكثير، وأكثر القليل وذلك ثلاثة أيام:
فعلى هذا: في تأجيله بهذه الثلاث قولان:
أحدهما: أنها مستحبة إن قيل: إن الاستتابة مستحبة.
والثاني: أنها واجبة إن قيل: إن الاستتابة واجبة.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ويوفق ماله".
قال في الحاوي: حكم الردة مشتمل على فصلين:
أحدهما: في نفس المرتد، وهو القتل وقد مضى.
[ ١٢ / ٤٢٨ ]
والثاني: حكمها في مال المرتد، وهو مشتمل على فصلين:
أحدهما: بقاء ماله على ملكه.
والثاني: جواز تصرفه فيه.
فأما بقاؤه على ملكه، فقد ذكر الشافعي فيه قولين، وثالثًا اختلف أصحابنا في تخريجه:
أحدهما: وهو المنصوص عليه في هذا الموضع-أن ملكه موقوف مراعى فإن عاد إلي الإسلام بان أن ماله كان باقيًا على ملكه، إن قتل بالردة بان أن ماله زال عن ملكه بنفس الردة، فيصير ماله معتبرًا بنفسه.
والثاني: نص عليه في زكاة المواشي-أن ماله باقي على ملكه، إلي أن يقتل بالردة، فيزول ملكه عنه بالقتل أو بالموت، لأن المال لا ينفك عن مالك، فلما لم ينتقل إلي ملك غيره إلا بالموت، على بقاؤه على ملكه إلي وقت الموت.
والثالث: المختلف في تخريجه: ذكره في كتاب المدبر - أن تدبير المرتد باطل في أحد أقاويله الثلاثة' لأن ملكه خارج عنه. فاختلف أصحابنا في معنى تعليله بأن ملكه خارج عنه على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج وطائفة-أن أراد به خروج ماله عن تصرفه مع بقائه على ملكه، لأنه لو خرج عن ملكه بالردة ما عاد إليه إلا بتمليك مستجد، ومنعوا من تخريجه قولًا ثالثًا.
والثاني: وهو قول كثير منهم أنه أراد به زوال ملكه عن ماله، فإن عاد إلي الإسلام عاد المال إلي ملكه كالخل إذا انقلبت بنفسها خمرًا زال عن ملك صاحبه، فإن صار الخمر خلًا عاد إلي ملكه.
وخرج قائل هذا الوجه في ماله ثلاثة أقاويل:
أحدها: أن ماله باق على ملكه حتى يقتل أو يموت-وهو الأصح-وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: أن ماله قد زال عن ملكه قتل أو لم يقتل، فإن عاد إلي الإسلام عاد إلي ملكه بإسلامه وبه قال مالك بن أنس.
والثالث: أن ماله موقوف مراعى، فإن عاد إلي الإسلام فماله لم يزل باقيًا على ملكه، وإن قتل أو مات علم أن ماله زال عن ملكه بنفس الردة.
وعلى هذه الأقاويل يكون حكم ما استفاد ملكه في ردته بهبة أو صدقة أو وصية أو اصطياد أو احتشاش.
فإن قيل بالأول: إن ملكه المتقدم باق على ملكه، ملك ما استفاده في ردته، وصار مضافًا إلي قديم ملكه.
وإن قيل بالثاني: إن ماله خرج بالردة عن ملكه، لم يملك ما استفاده في ردته، لأنه
[ ١٢ / ٤٢٩ ]
لما لم يملك ما استقر عليه ملكه، فأولى أن لا يملك ما لم يستقر له عليه ملك.
وإن قيل بالثالث: إنه موقوف مراعى، كان ما استفاده في الردة موقوفًا مراعى: فإذا عاد إلي الإسلام ملكه مع قديم ملكه. وإن قتل بالردة لم يملكه فإن كان هبة أو وصية: بطلت، وعاد إلي الواهب والموصى. وإن كان اصطيادًا أو احتشاشًا: كان على أصل الإباحة.
فصل:
فأما الفصل الثاني: في جواز تصرف في ماله. فظهور الردة منه موجبة لوقوع الحجر عليه لعتلين:
أحدهما: أن تظاهره بها مع ما يفضي إليه من إباحة دمه دليل على سفه رأيه وضعف تمييزه.
والثاني: أن انتقال ماله عنه إلي من باينه في الدين يوجب حفظه عليه، لتوجه التهمة إليه، حتى لا يسرع إلي استهلاكه عليهم.
فإن حجر الحاكم عليه، صح الحجر، وفي معنى حجره وجهان:
أحدهما: أنه كحجر السفه وفي معناه إذا قيل: إن علة حجرة سفه رأيه، وضعف تميزه.
والثاني: أنه كحجر المرض وفي معناه إذا قيل: إن على حجرة توجه التهمة إليه في حقوق المسلمين في ماله.
ويكون بعد الحجر عليه ممنوعًا من التصرف في ماله، فإن تصرف فيه فضربان:
أحدهما: أن يكون في تصرفه استهلاك لما له كالعطايا والهبات والوصايا والصدقات والوقف والعتق فكل ذلك باطل مردود، سواء قيل: إن حجره حجر سفه أو حجر مرض.
فإن قيل: فهلا جازت وصاياه إذا قيل: إن حجره حجر مرضه، كما تجوز وصايا المريض.
قيل: لأن للمريض في ماله الثلث، فأمضيت وصاياه من ثلثه وليس للمرتد ثلث تجعل وصاياه منه.
والثاني من تصرفه: ما لم يكن فيه استهلاك كالبيوع والإجارات بأعواض مثلها فيكون في صحتها وجهان بناء على معنى حجره:
أحدهما: أن جميعها باطلة إذا قيل: إن حجره سفه لأن عقود السفيه باطلة.
والثاني: أن جميعها جائزة إذا قيل: إن حجره حجر مرض؛ لأن عقود المريض جائزة.
وعلى هذين الوجهين، يكون حكم إقراره بالديون والحقوق أحد الوجهين بطلان إقراره بجميعها إذا قيل: إنه حجر سفه.
[ ١٢ / ٤٣٠ ]
والثاني: صحة إقراره بجميعها إذا قيل: إنه حجر مرض.
فصل:
فإن لم يحجر الحاكم عليه، ففي صحة تصرفه وجوازه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أن تصرفه جائز ممضي سواء قتل بالردة أو عاد إلي الإسلام، لأن الكفر لا يمنع من جواز التصرف.
والثاني: أن تصرفه باطل مردود سواء قتل بالردة أو عاد إلي الإسلام لما قدمناه من العلتين في سفه رأيه وظهور تهمته.
والثالث: أن تصرفه موقوف مراعى:
فإن قتل بالردة: كان جميع تصرفه باطلًا مردودًا لتحقق العلتين فيه.
وإن عاد إلي الإسلام: كان جميع تصرف جائزًا ممضيًا، لانتفاء العلتين عنه. فعلى هذه الأقاويل تنقسم عقوده في ردته ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يصح أن يكون موقوفًا أو معلقًا بشرط كالعتق والتدبير، فيكون في صحته منه ثلاثة أقاويل:
أحدها: يكون جائزًا.
والثاني: باطلًا.
والثالث: يكون موقوفًا.
والثاني: ما لا يصح أن يكون موقوفًا أو معلقًا بشرط كالبيع والإجارة، ففيه قولان:
أحدها: باطل.
والثاني: جائز.
والثالث: ما اشتمل على أمرين يصح الوقف والشرط في أحدهما، ولا يصح في الآخر كالخلع والكتابة، لأنهما يشتملان على طلاق وعتق، ويصح فيهما الوقف والشرط، وعلى معاوضة لا يصح فيها الوقف والشرط.
فقد اختلف أصحابنا في المغلب منهما على وجهين:
أحدهما: يغلب منهما حكم العوض، فيكون على قولين كالبيع والإجارة.
أحدهما: جائز.
والثاني: باطل.
والثاني: أنه يغلب منهما حكم الطلاق والعتق، فيكون على ثلاثة أقاويل:
أحدها: جائز.
والثاني: باطل.
والثالث: موقوف، والله أعلم.
[ ١٢ / ٤٣١ ]
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وإن قتل فماله بعد قضاء دينه وجنايته ونفقة من تلزمه نفقته فيء لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم وكما لا يرث مسلمًا لا يرثه مسلم".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في حكم ماله في حياته.
فأما حكم ماله بعد قتله أو موته مرتدًا، فالكلام فيه مشتمل على فصلين:
أحدهما: فيما يتعلق به من الحقوق.
والثاني: في استحقاق باقيه.
فأما الفصل الأول: في الحقوق المتعلقة به فثلاثة:
ديون، وجنايات، ونفقات فأما الديون: فما وجب منها قبل الردة فمستحق، ما وجب منها بعد الردة فإن كان عن تصرف جائز ممضي استحق، وما كان منها عن تصرف باطل مردود لم يستحق.
وأما الجنايات على النفوس والأموال: فمستحقة سواء كانت قبل الردة أو بعدها، لأن المرتد ضامن لما أتلف.
وأما النفقات: فما وجب منها قبل الردة فمستحق إذا كان مما لا يسقط بالتأخير كنفقة الزوجات أو نفقات الأقارب، إذا حكم حاكم بالافتراض عليها وإن سقطت بالتأخير كان سقوطها مع الردة أحق.
وأما ما وجب منها في زمن الردة. فإن قيل ببقاء ماله على ملكه: وجبت. وإن قيل بزوال ملكه عن ماله، ففي وجوبها وجهان:
أحدهما: لا تجب لعدم محلها كالإعسار بها.
والثاني: تجب ويزول ملكه عما لا يستحق عليه، ولا يزول عما يستحق عليه كالموت يزول به ملك الميت إلا عما لا يستغنى عنه من كفنه ومؤونة دفنه.
وأما الثاني: وهو الموروث من باقي ماله، فقد اختلف الفقهاء في مستحقه على ستة مذاهب:
أحدهما: وهو مذهب الشافعي أنه ينتقل إلي بيت المال فيئًا، ولا يرثه مسلم ولا كافر. وبه قال من الصحابة: زيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس ﵄.
ومن التابعين: الحسن البصري. ومن الفقهاء: ربيعة، وابن أبي ليلى، وأحمد بن حنبل وأبو ثور.
والثاني: وهو مذهب أبي حنيفة أن ما كسبه قبل ردته يكون لورثته من المسلمين، وما كسبه في ردته يكون فيئًا لبيت مال المسلمين إلا أن يكون المرتد امرأة فيكون جميع ما كسبته قبل الردة وبعدها لورثتها المسلمين.
[ ١٢ / ٤٣٢ ]
والثالث: وهو مذهب أبي يوسف ومحمد، أن جميع ما كسبه قبل الردة وبعدها يكون لورثته من المسلمين رجلًا كان أو امرأة.
والرابع: وهو مذهب مالك أنه إن اتهم بردته أنه أراد بها إزواء ورثته، كان ماله لورثته المسلمين، وإن لم يتهم كان فيئًا لبيت المسلمين.
والخامس: وهو مذهب داود-أنه يكون موروثًا لمن ارتد إلي دينه من ورثته الكفار دون المسلمين.
والسادس: وهو مذهب علقمة وقتادة، وسعيد بن أبي عروبة-أن ماله فينتقل إلي جميع أهل دينه الذين ارتد إليهم.
والدليل على جميعهم: قول النبي ﷺ: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم". ولأنه لما لم يرث مسلمًا لم يرثه مسلم كالحربي. وهذه مسألة قد مضى حجاجها في كتاب الفرائض.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ويقتل الساحر إن كان ما يسحر به كفرًا إن لم يتب".
قال في الحاوي: قد مضت هذه المسألة، وذكرنا اختلاف الفقهاء في حكم الساحر على ثلاثة مذاهب:
أحدها: وهو مذهب أبي حنيفة ومالك-أن الساحر كافر يجب قتله، ولا تقبل توبته.
والثاني: وهو مذهب أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه أن الساحر يجب قتله، ولم يقطعا بكفره.
الثالث: وهو مذهب الشافعي-أن الساحر لا يكون كافرًا بالسحر، ولا يجب به قتله إلا أن يكون ما يسحر به كفرًا، فيصير باعتقاد الكفر كافرًا يجب قتله بالكفر لا بالسحر-وقد دللنا لهم وعليهم بما أجزأ.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ويقال لمن ترك الصلاة وقال أنا أطيقها ولا أصليها لا يعملها غيرك فإن فعلت وإلا قتلناك كما تترك الإيمان ولا يعمله غيرك فإن آمنت وإلا قتلناك".
قال في الحاوي: قد مضت هذه المسألة في كتاب الصلاة، وذكرنا أن تارك الصلاة ضربان: جاحد ومعترف.
[ ١٢ / ٤٣٣ ]
فأما الجاحد لوجوبها: فهو مرد تجري عليه أحكام الردة، وهو إجماع.
وأما المعترف بوجوبها التارك لفعلها: قد اختلف الفقهاء في حكمه على ثلاثة مذاهب:
أحدها: وهو مذهب أحمد بن حنبل-أنه يكفر بتركها كما يكفر بجحودها. لقول النبي ﷺ: بين الكفر والإيمان ترك الصلاة، فمن تركها فقد كفر.
والثاني: وهو مذهب أبي حنيفة ومالك أنه لا يكفر بتركها ولا يقتل، ويجبس حتى يصلي لقول النبي ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إلا إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها".
والثالث: وهو مذهب الشافعي أنه يقتل بتركها لا بكفره لقول النبي ﷺ: "ألا إني نهيت عن قتل المصلين". فدل على أن غير المصلي مباح للدم. وقد مضى من الدلائل والمعاني ما أقنع.
فصل:
وإذا كان قتله بتركها واجبًا، فليجوز قتله حتى يسأل عن تركها، واختلف أصحابنا في وقت سؤاله على وجهين:
أحدهما: يسأل عن تركها في آخر وقتها إذا لم يبق منه إلا قدر فعلها.
والثاني: لا يسأل عنها إلا بعد خروج وقتها، فإذا سئل عنها وأجاب بأنه نسي، قيل له: صل فقد ذكرت. فإن قال: أنا مريض قيل: صل كيف أضفت. وإن قال: لست أصلي كسلًا واستثقالًا.
قيل له: تب وصل، فإنه لا يصليها غيرك. فإن تاب وصلى عاد إلي حاله، وإن لم يتب ولم يصل فهو الذي اختلف الفقهاء في حكمه على ما بيناه.
ومذهبنا فيه: وجوب قتله حدًا مع بقائه على إسلامه، ويكون ماله لورثته المسلمين، ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين.
واختلف أصحابنا في صفة قتله على وجهين:
أحدهما: وهو الظاهر من مذهب الشافعي أنه يقتل ضربًا بالسيف.
والثاني: وهو قول أبي العباس بن سريج. وطائفة-أنه يضرب بما لا يوجى من الخشب، ويستدام ضربه حتى يموت.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ومن قتل مرتدًا قبل أن يستتاب أو جرحه فأسلم ثم
[ ١٢ / ٤٣٤ ]
مات من الجرح فلا قود ولا دية ويعزر القاتل لأن المتولي لقتله بعد استتابته الحاكم".
قال في الحاوي: قد مضت هذه المسألة في كتاب الجنايات، أن المرتد يختص الإمام بقتله دون غيره، لأن قتله حق من حقوق الله تعالى التي ينفرد الأئمة بإقامتها كالحدود. فإن قتله غير الإمام لم يضمنه القاتل وعزر. لأن الردة قد أباحت دمه، فصار قتله هدرًا كالحربي إذا قتله مسلم لم يضمنه لإباحة دمه، لكن يعذر قاتل المرتد ولا يعزر قاتل الحربي.
والفرق بينهما: إن قتل المرتد حد يتولاه الإمام فعزر المفتات علي. وقتل الحربي جهاد يستوي الكافة فيه، فلم يعزر المنفرد بقتله.
فأما إذا جرح مرتدًا ثم أسلم المجروح وسرى الجرح إلي نفسه في الإسلام فمات منه، فمذهب الشافعي: أن دمه هدر لا يضمن، لأنها عن جناية في الردة غير مضمونة، فكان ما حدث بعدها غير مضمون، كالقطع السرقة. قال الربيع: وفيها ثول آخر: إنه ضامن لنصف ديته.
لأنه مرتد في حال الجناية، ومسلم في حال السراية، فسقط نصف الدية بردته، ووجب نصفها بإسلامه. وهذا القول من تخريج الربيع من نفسه وليس بمحكي عن الشافعي، ولا تقتضيه أصول مذهبه. فإن كان المرتد هو القاتل فقد مضى في الجنايات.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ولا يسبى للمرتدين ذرية وإن لحقوا بدار الحرب لأن حرمة الإسلام قد ثبتت لهم ولا ذنب لهم في تبديل آبائهم".
قال في الحاوي: أما المرتدون إذا كانوا في دار الإسلام ولو يلحقوا بدار الحرب فلا خلاف نعرفه في أنه لا يجوز سبيهم ولا استرقاقهم تغليبًا لما تقدم من حرمة إسلامهم ولا يجوز أن تؤكل ذبائحهم، ولا ينكحوا تغليبًا لحكم شركهم، ولا تقبل جزيتهم، ولا يهادنوا، لأن قبول الجزية وعقد الهدنة موضوعان للإقرار على الكفر، والمرتد لا يقر على كفره.
فأما إذا لحق المرتدون بدار الحرب أو انفردوا بدار صارت لهم كدار أهل الحرب فقد اختلف الصحابة ﵃ في جواز سبيهم واسترقاقهم. فذهب علي بن أبي طالب رضوان الله عليه إلي جواز سبيهم واسترقاقهم كأهل الحرب اعتبارًا بحكم الكفر وبه قال شاذ من الفقهاء. وذهب أبو بكر ﵁ إلي تحريم سبيهم واسترقاقهم تغليبًا لحرمة ما تقدم من إسلامهم، كما يحرم سبيهم واسترقاقهم في دار الإسلام. وبه أخذ الشافعي وأكثر الفقهاء. فإن قيل: فقد سبى أبو بكر ﵁ بني حنيفة حين ارتدوا مع مسيلمة قيل: إنما سباهم سبي قهر وإذلال لتضعف بهم قوتهم، ولم يكن سبي غنيمة واسترقاق. وسواء في ذلك الرجال والنساء.
[ ١٢ / ٤٣٥ ]
وقال أبو حنيفة: يجوز استرقاق المرتدة، إذا لحقت بدار الحرب، ولا يجوز استرقاق المرتد. واستدل على ذلك: بأن علي بن أبي طالب ﵇ استرق من سبي بني حنيفة أم ابنه محمد وأولادها.
وبناه أبو حنيفة على أصله في أن المرتدة لا تقتل كالحربية فجاز استرقاقها لاستوائهما في حظر القتل عنده وهذا قد تقدم الكلام معه فيه.
ثم من الدليل عليه: أن كل دين منع من استرقاق الرجل منع من استرقاق المرأة كالإسلام طردًا والكفر الأصلي عكسًا. فأما ما حكاه من استرقاق على أم ولده محمد ابن الحنفية ففيه ثلاثة أجوبة:
أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه كان مذهبًا له، وقد خالفه في غيره، فصار خلافًا لا يقع الاحتجاج به.
والثاني: وهو قول الواقدي إنها كانت أمة سوداء سندية لبني حنيفة، وكان خالد بن الوليد قد صالحهم على إمائهم.
والثالث: وهو الأظهر أنها كانت حرة تزوجها علي ﵇ برضاها، فأولدها بالزوجية دون ملك يمين، وهو الأشبه بأفعاله رضوان الله عليه وسلامه.
فصل:
فأما ذرية المرتد: وهم صغار أولاده من ذكور، وإناث، فهم على حكم الإسلام الجاري عليهم بإسلام آبائهم، ولا يزول عنهم بردة آبائهم، لأن رده آبائهم جناية منهم فاختصوا بها دونهم، لأنه لا يؤاخذ أحد بمعصية غيره.
فإذا قيل: فإذا تعدي إليهم إسلام آبائهم فصاروا مسلمين بإسلامهم فهلا تعدى إليهم رده آبائهم فصاروا مرتدين بردتهم؟
قيل: لأن النبي ﷺ قال:"الإسلام يعلو ولا يعلى" فجاز أن يرفع الإسلام من حكم الكفر، ولم يجز أن يرفع الكفر من حكم الإسلام، ولذلك إذا كان أحد الأبوين مسلمًا والآخر كافرًا كان الولد مسلمًا ولو يكن كافرًا، تغليبًا للإسلام على الكفر.
فإذا ثبت إسلام أولادهم فلا يجوز سبيهم ولا استرقاقهم، وتجب نفقاتهم في أموال آبائهم المرتدين، لأن النفقة لا تختلف بالإسلام والكفر، فإن ماتوا: غسلوا وصلى عليه ودفنوا في مقابر المسلمين.
فصل:
وإذا لحق المرتد بدار الحرب كانت أحكام الحياة جارية عليه ما لم يمت رجلًا كان أو امرأة.
وقال أبو حنيفة: تجري على المرأة أحكام الحياة، وعلى الرجل أحكام الموت،
[ ١٢ / ٤٣٦ ]
فيقسم (ماله) بين ورثته، ويعتق عليه مدبروه وأمهات أولاده، وتحل عليه ديونه المؤجلة، فإن رجع إلي الإسلام رجع بما بقي في أيدي ورثته من تركته الباقية ولم يرجع بما استهلكوه وقد نفذ عتق أمهات أولاده ومدبريه، ولا يتأجل ما حكم بحلوله من ديونه احتجاجًا بأن الردة توجب زوال الملك، فصارت كالموت. ودليلنا: أنه حي فلم يجز أن يورث كسائر الأحياء، ولأن من جاز إسلامه من إجراء حكم الموت عليه، منعت دار الحرب من إجراء حكم الموت عليه كالمرتدة. وقياسه منقض بالردة في دار الإسلام.
فصل:
فإذا ثبت هذا كان ما خلفه في دار الإسلام باقيًا على ملكه، فإن عاد من دار الحرب وأخذ ماله سرًا أو كان قد حمله حين لحق بدار الحرب، ثم ظهر المسلمون عليه لم يجز أن يغنم ماله وكان في أمان منا.
وقال أبو حنيفة: يجوز أن يغنم ماله اعتبارًا بحكم الدار. واعتباره عندنا بالمالك أولى كالمسلم.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ومن بلغ منهم إن لم يتب قتل".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا بلغ أولاد المرتدين بعد الحكم بإسلامهم فلهم حالتان:
إحداهما: أن يقوموا بعبادات الإسلام من الصلاة والصيام وسائل حقوقه، فيحكم لهم بالإسلام فيما لهم وعليهم، ولا يكلفون التوبة، لأنه لم يجز عليهم فيما تقدم حكم الردة، ولا حرجوا فيما بعده من حكم الإسلام.
والثانية: أن يمتنعوا بعد البلوغ من عبادات الإسلام، فيسألوا عن امتناعهم، فإن اعترفوا بالإسلام، وامتنعوا من فعل عباداته كانوا على إسلامهم وأخذوا بما تركوه من العبادات بما يؤخذ به غيرهم من المسلمين.
فإن تركوا الصلاة قتلوا بها، وإن تركوا الزكاة أخذت منهم، وإن تركوا الصيام أدبوا وحبسوا. وإن أنكروا الإسلام وجحدوه: صاروا حينئذ مرتدين تجري عليهم أحكام الردة بعد البلوغ، فيستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا بالردة كآبائهم.
وحكي ابن سريج قولًا آخر: إنهم يقرون على كفرهم كغيرهم من الكفار المقرين على الكفر، لأنهم لم يعترفوا بالإسلام.
[ ١٢ / ٤٣٧ ]
وهذا القول سهو من ابن سريج في تخريجه، إلا أن يكون مذهبًا لنفسه فيفسد بما ذكرناه.
فصل:
فإذا ارتدوا قبل بلوغهم لم يكن لردتهم حكم، وكذلك لو أسلم أولاد أهل دار الحرب قبل البلوغ لم يكن لإسلامهم حكم، ولم يصح من الصبي إسلام ولا ردة. وقال أبو حنيفة: يصح إسلام الصبي وردته ولا يقتل بها.
احتجاجًا: بما روى عن النبي ﷺ أنه قال:" كل مولود يولد على الفكرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه حتى يعرب عن لسانه، فإما شاكرًا وإما كفورا".
فاقتضى أن يكون ما أعرب لسانه عنه من الإسلام أو الردة صحيحًا، ولأنه ممن يصح منه فعل العبادة، فصح منه الإسلام والردة كالبالغ. ودليلنا: قول النبي ﷺ: "رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم ". ورفعه عنه يمنع من أن يجري على اعتقاده حكم. لأنه غير مكلف، فلم يصح منه الاعتقاد لإسلام ولا ردة كالمجنون، ولأن ما لا يستحق به قتل الردة لم يثبت به حكم الردة كسائر الأقوال والأفعال لا تكون ردة.
فأما الجواب عن الخبر: فهو أن إعراب لسانه عنه يكون ببلوغه إن صحت هذه الزيادة. وإما قياسه على البالغ: فلا يصح لوقوع الفرق بينهما في القتل بالردة، فوقع الفرق بينهما في أصل الردة، كما يقع الفرق بينهما في العقود والأحكام.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ومن ولد للمرتدين في الردة لم يسب لأن آباءهم لم يسبوا".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في أولاد المرتدين قبل الردة. فأما أولادهم بعد الردة: وهم المولودون لهم بعد ستة أشهر فصاعدًا من ردتهم. فإن كان أحد أبويهم مسلمًا: فهم مسلمون لا تجري عليهم أحكام الردة، وكانوا كالمولودين قبل الإسلام على ما قدمناه.
وإن كان أبواهم مرتدين لم يجر عليهم حكم الإسلام بأنفسهم ولا بغيرهم، ففيها قولان:
أحدهما: وهو الأصح المنصوص عليه في هذا الموضع أنه يجرب عليهم حكم الردة، إلحاقًا بآبائهم فلا يجوز سبيهم ولا استرقاقهم كآبائهم.
لكن لا يقتلون إلا بعد بلوغهم وامتناعهم من التوبة فإن ماتوا قبل البلوغ لم يصل عليهم، ولو يورثوا، وكان مالهم فيئًا. فيكونوا على هذا القول موافقين للمولودين قبل
[ ١٢ / ٤٣٨ ]
الردة من وجه: وهو أنهم لا يسبون ولا يسترقون، ومخالفين لهم من وجه: وهو أنه يجري عليهم حكم الردة قبل بلوغهم، ويجري على المولودين حكم الإسلام قبل بلوغهم.
والثاني: أنهم مخالفون لآبائهم، فيكونوا كفارًا لم يثبت لهم حرمة الإسلام لأن آباءهم وصفوا الإسلام فثبتت فيهم حرمته، وهؤلاء لم يولدوا في إسلام آبائهم ولا وصفوه بأنفسهم، فانتفت عنهم حرمة الإسلام بهم وبآبائهم فعلى هذا: يجوز سبيهم واسترقاقهم كأولاد أهل الحرب، لكن لا يجوز أن يقروا بعد الاسترقاق على كفرهم، لدخولهم في الكفر بعد نزول القرآن. ومن أسر منهم بعد البلوغ كان الإمام على خياره فيهم كأهل الحرب بين أربعة أشياء:
قتل أو استرقاق أو فدا أو من. فيكونوا مخالفين للمولودين قبل الردة من وجهين:
أحدهما: أنه لا يجري عليهم حكم الإسلام قبل بلوغهم، وإن جرى حكمه على المولود قبل الردة.
والثاني: أنه يجوز سبيهم واسترقاقهم وإن لم يجز ذلك في المولود قبل الردة.
فصل:
ولا فرق في القولين معًا بين أن يولدوا في دار الإسلام أو في دار الحرب.
وفرق أبو حنيفة بينهما فقال: إن ولدوا في دار الإسلام لم يجز سبيهم ولا استرقاقهم وإن ولدوا في دار الحرب جاز سبيهم واسترقاقهم احتجاجًا: بقول النبي ﷺ: "منعت دار الإسلام ما فيها وأباحت دار الشرك ما فيها".
قال: ولأن الذمي إذا نقض عهده لم يجز أن يسترق في دار الإسلام، وجاز أن يسترق في دار الحرب كذلك ولو المرتد.
ودليلنا في التسوية بين الدارين في حكم الردة: قول النبي ﷺ:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها". ولم يفرق فيهم من الدارين. ولأن حكم الدار معتبر بأهلها فهي تابعة وليست متبوعة، ولأن من لم يجز استرقاقه إذا ولد في دار الإسلام لم يجز استرقاقهم إذا ولد في دار الحرب كالذي أحد أبويه مسلم، ومن جاز استرقاقه إذا ولد في دار الحرب جاز استرقاقه إذا ولد في دار الإسلام كولد الحربيين. فأما الخبر فمحمول على تغليب حكم العموم دون الخصوص.
وأما ناقض الذمة فلم نعتبر نحن ولا هم فيه حكم الولادة، وجاز استرقاقه وسبيه في دار الحرب ولم يجز في دار الإسلام، لأن علينا أن بلغه مأمنه إذا نقض عهده فلذلك ما افترق حكمه في دار الإسلام ودار الحرب وخالف المرتد، لأنه لا يزمنا أن نبلغه مأمنه.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وإن ارتد معاهدون ولحقوا بدار الحرب وعندنا لهم
[ ١٢ / ٤٣٩ ]
ذراري لم نسبهم وقلنا إذا بلغوا لكم العهد إن شئتم وإلا نبذنا إليكم ثم أنتم حرب".
قال في الحاوي: وصورتها: في قوم من أهل العهد أقاموا في دار الإسلام بأمان عقده الإمام لهم على نفوسهم وذراريهم وأموالهم، ثم نقضوا العهد، ولحقوا بدار الحرب، وخلفوا أموالهم وذراريهم في دار الإسلام، زال الأمان عنهم، وصاروا حربًا يقتلون إذا قدر عليهم، كان الأمان باقيًا في ذراريهم وأموالهم، لا يجوز أن تسبى الذراري ولا تغنم الأموال، وإن كانوا في عقد الأمان تبعًا. لأن الأمان قد يجوز أن يعقده الحربي لماله دون نفسه، بأن يكون في دار الحرب فيأخذ أمانًا لمال يحمله إلي دار الإسلام لتجارة أو وديعة فيكون المالك حربًا يجوز أن يقتل، ويكون ماله سلمًا لا يجوز أن يغنم.
ويجوز أن يأخذ الأمان لنفسه دون ماله، فيكون المالك سلمًا لا يجوز أن يقتل، ويكون المال سبيًا يجوز أن يغنم.
وكذلك حكمه مع ذريته يجوز أن يأخذ الأمان له دونهم ولهم دونه، فإذا اشتمل عقد أمانه على نفسه وذريته وماله، ثم نقض أمانه ولحق بدار الحرب زال أمان نفسه وبقي أمان ذريته وماله لا تسبي الذرية ولا يغنم المال.
ولو أخرج معه حين لحق بدار الحرب ذريته وماله، انتقض أمان له وذريته، وجاز غنيمته ماله واسترقاق ذريته، لأن إخراجهما معه نقض لأمانهما وأمانه. ولو خلفها لقي أمانهما مع زوال أمانه.
فصل:
فإذا تقرر أن نقض أمانه لا يكون نقضًا لأمان ما خلفه من ذريته وماله، فسواء حاربنا بعد لحوقه بدار الحرب أو كف عنا يجب علينا حفظ ذريته وماله، وتقر الذرية إلي أن يبلغوا، سواء كان المعاهد حيًا أو ميتًا. فإذا بلغوا: خيرهم الإمام بين المقام في دار الإسلام وبين العود إلي دار الحرب، فإن اختاروا العود إلي دار الحرب لزمه أن يبلغهم مأمنهم، ثم يكونوا بعد بلوغهم حربًا وإن اختاروا المقام في دار الإسلام أقرهم فيها على إحدى حالتين: إما بجزية يبذلونها أو بعهد يستأنفونه، لأن أمانهم بالعهد مقدر بعد البلوغ، وغير مقدر قبل البلوغ فيجوز أمانهم قبل البلوغ بسنين كثيرة، ولا يجوز أن يبلغ أمانهم بعد البلوغ سنة، لأنهم قبل البلوغ من غير أهل الجزية، وهم بعد البلوغ من أهلها.
وأما ماله: فمقر على ملكه ما بقي حيًا على حريته، وله إن تغيرت حاله حالتان:
إحداهما: أن يموت.
والثانية: أن يسترق.
فإن مات أو قتل: ففي ماله قولان:
أحدهما: يغنم فيئًا لبيت المال، لاختصاصه بالأمان على ماله دون ورثته.
والثاني: يكون موروثًا عنه لورثته من أهلي الحرب دون أهل الذمة، لأن أهل الذمة
[ ١٢ / ٤٤٠ ]
وأهل الحرب لا يتوارثون لارتفاع الموالاة بينهم، وإنما كان ماله باقيًا على ورثته، لأنهم يقومون فيه مقامه، فانتقل إليهم بحقوقه والأمان من حقوق المال فصار موروثًا كالمال، فإن مات الوارث انتقل إلي وارثه كذلك أبدًا.
وإن استرق مالك المال: فالاسترقاق يزيل الملك الكموت، ففي المال قولان:
أحدهما: يغنم فيئًا لبيت المال.
والثاني: يكون موقوفًا لا ينتقل إلي وارقه، لأنه حي، ولا إلي مسترقه لأنه مال له أمان، وروعيت حاله بعد الاسترقاق.
فإن عتق: دفع المال إليه بقديم ملكه. وإن مات عبدًا: ففي ماله قولان: حكاهما ابن أبي هريرة:
أحدهما: يكون مغنومًا لبيت المال فيئًا، ولا يكون موروثًا، لأن العبد لا يورث.
والثاني: يكون لورثته، لأنه ملكه في حريته، فانتقل إلي ورثته بحكم الحرية حتى جرى على بقاء ملكه حكم الحرية والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وإن ارتد سكران فمات كان ماله فيئًا ولا يقتل إن لم يتب حتى يمتنع مفيقًا، قال المزني: قلت: إن هذا دليل على طلاق السكران الذي لا يميزن أنه لا يجوز".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: تصح ردة السكران وإسلامه كما يصح عتقه وطلاقه.
وقال أبو حنيفة: لا تصح ردته ولا إسلامه، وإن صح عتقه وطلاقه.
احتجاجًا: بأن الإسلام والكفر يتعلقان بالاعتقاد المختص بالقلب، لقول الله تعالى: ﴿إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ [النحل ١٠٦].
وليس يصح من السكران اعتقاد يتعلق به كفر وإيمان، فاقتضى أن يكون باطلًا.
قال: ولأنه لا عقل له، فوجب أن لا تصح ردته ولا إسلامه كالمجنون.
ودليلنا: ما انعقد عليه إجماع الصحابة ﵃، من تكليف السكران بما روي: أن عمر بن الخطاب ﵁ شاور الصحابة في حد الخمر، وقال: أرى الناس قد تهافتوا واستهانوا بحده فماذا ترون؟
فقال علي بن أبي طالب ﵇: أرى أن يحد ثمانين، لأنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذي، وإذا هذب افترى، فيحد حد المفري.
فوافقه عمر والصحابة ﵃، على هذا، وحدوه حد المفتري ثمانين.
[ ١٢ / ٤٤١ ]
وجعلوا ما تلفظ به في السكر افتراء ما يتعلق به حد وتعزيز، وذلك من أحكام التكليف. ولو كان غير مكلف لكان كلامه لغوًا وافتراؤه مطرحًا، وإذا صح تكليفه صح إسلامه وردته. ولأن من صح عتقه وطلاقه، صحت ردته وإسلام كالصاحي، ولأن الردة والإسلام لفظ يتعلق به الفرقة فوجب ان يصح من السكران كالطلاق.
فأما الجواب عن استدلاله بأنه لا اعتقاد له: فهو أن يجري في أحكام التكليف مجرى من له اعتقاد وتمييز، ولذلك وقع طلاقه وظهاره، ولو عدم التميز ما وقعا كالمجنون. وهو الجواب عن القياس.
فصل:
وإذا ثبت أن السكران في الردة والإسلام كالصاحي، كما هو في العتق والطلاق كالصاحي فكذلك في جميع الأحكام فيما له، وما عليه وهو مذهب الشافعي وجمهور أصحابه. وذهب أبو علي بن أبي هريرة إلي أنه تجري عليه أحكام الصاحي فيما عليه من الحقوق تغليظًا، ولا تجري عليه أحكام الصاحي فيما له من الحقوق، لأنه يصير تخفيفًا، والسكران مغلظ عليه غير مخفف عنه. فعلى هذا تصلح منه الردة لأنها تغليظ، فأما الإسلام فإن كان بعد ردة لم يصح منه، لأنه تخفيف، وإن كان عن كفر يقر عليه كالذمي يصح منه؛ لأنه تغليظ. وهذا خطأ، لأن السكران سلبه حكم التميز وجب أن يعم كالمجنون، وإن لم يسلبه حكم التميز وجب أن يعم كالصاحي، ولا يصح أن يكون مميزًا في بعض الأحكام وغير مميز في بعضها لتناقضه في المعقول، وفساده على الأصول.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا وارتد سكران، جرت عليه أحكام الردة من وجوب قتله وسقوط القود عن قاتله، وتحريم زوجاته، والحجر على أمواله، وإن مات كان ماله فيئًا غير موروث. فأما استتابته من ردته فقد أمر الشافهي بتأخيرها إلي حال صحوه، فاختلف أصحابنا في تأخيرها هل هو على الإيجاب أو الاستحباب. على وجهين بناء على اختلافهم هلى تجري عليه أحكام الصاحي فيما له كما تجري عليه أحكام الصاحي فيما عليه؟
أحد الوجهين: وهو قول أبي إسحاق المروزي والظاهر من مذهب الشافعي أن تأخيرها استحباب، فإن استتابه في حال سكره صحت توبته، وإن قتله قاتل أقيد به، وإن مات كان ماله لورثته.
والثاني: أن تأخيرها إلي صحوه واجب، لأنه ربما اعترضه في الردة شبهة يستوضحها بعد إفاقته، فإن استتابه في سكره لم تصح توبته، وكان على أحكام الردة في سقوط القود عن قاتله وانتقال ماله إلي بيت المال فيئًا دون ورثته.
فأما المزني فإنه جعل تأخير توبته دليلًا على إبطال طلاقه، وغفل أن ثبوت ردته دليلًا على صحة طلاقه.
[ ١٢ / ٤٤٢ ]
فصل:
وإذا ارتد عاقل ثم جن لم يستتب في جنونه، لأن المجنون لا يصح من استلام ولا ردة، ولم يقتل حتى يفيق من جنونه. ولو جن بعد وجوب القصاص عليه: قتل قبل إفاقته.
والفرق بينهما حيث منع الجنون من قتل الردة ولم يمنع من قتل القود: أن له إسقاط قتل الردة عن نفس توبته بعد إفاقته فأخر إليها، وليس له إسقاط قتل القود عن نفسه بحال فلم يؤخر إلي إفاقته.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ولو شهد عليه شاهدان بالردة فأنكره قيل إن أقررت بأن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وتبرأ من كل دين خالف دين الإسلام يكشف عن غيره".
قال في الحاوي: إذا شهد شاهدان على رجل بالردة لم تسمع شهادتهما عليه مطلقة، حتى يصفا ما سمعاه من قوله الذي يصير به مرتدًا، وسواء كانا من أهل العلم أو لو يكونا من أهله، لاختلاف الناس فيه، كما لا تسمع شهادتهما بالجرح حتى يصفا ما يكون به مجروحًا.
فإذا ثبتت الشهادة سألناه ولم يعرض لقتله قيل سؤاله، لجاوز أن يكون قد تاب منها أو سيتوب فلو قتله قاتل قبل سؤاله عزر ولا قود عليه ولا دية، لثبوت ردته إلا أن يقيم وليه البينة أنه تاب من ردته فيحكم بإسلامخ، ويسأل القاتل، فإن علم بإسلامه، وجب عليه القود. وإن لم يعلم بإسلامه، ففي وجوب القود وجهان:
أحدهما: لا قود عليه، وعليه الدية، لأن تقدم ردته شبهة.
والثاني: عليه القود، لأنه عمد قتل نفس محظورة.
وإذا كان باقيًا بعد الشهادة عليه بالردة وسئل عنها لم يخلو جوابه من اعتراف بها أو إنكار لها.
فإن اعترف بها استتبناه، فإن تاب وإلا قتلناه وإن أنكرها قيل له: إنكارك لها مع قيام البيئة بها تكذيب لشهود عدول، لا ترد شهادتهم بالتكذيب، وليس يلزمك الإقرار بها، ولك المخرج من شهادتهم بإظهار الإسلام. فإذا أزهره: زالت عنه الردة وجرى عليه حكم الإسلام. فقد شهد شهود عند رسول الله ﷺ على قول من المنافقين بكلمة الكفر، فأحضرهم وسألهم، فمنهم من اعترف وتاب، ومنهم من أنكر وأظهر الإسلام، فكف عن الفريقين، وأجرى على جميعهم حكم الإسلام.
فإذا أظهر المشهود عليه الإسلام على ما سنذكره قال الشافعي: لم يكشف عن
[ ١٢ / ٤٤٣ ]
غيره، ويحتمل ذلك منه تأويلين:
أحدهما: لم يكشف عما شهد به الشهود من ردته.
والثاني: لم يكشف عن باطن معتقده، لأن ضمائر القلوب لا يؤاخذ بها إلا علام الغيوب.
روي أن عمر بن الخطاب ﵁ ارتاب برجل في الردة، فأظهر الإسلام، فقال له عمر: أظنك متعوذ به. فقال يا أمير المؤمنين أما لي في الإسلام معاذ. فقال له عمر: بلى إن لك في الإسلام لمعاذ.
فصل:
فأما توبة المرتد: فتتضمن ما يصير به الكافر مسلمًا؛ لأن الردة قد رفعت عنه حكم الإسلام، فيشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
قال الشافعي: ويبرأ من كل دين خالف الإسلام، فذكر مع الشهادتين البراءة من كل دين خالف الإسلام، فأما الشهادتان: فواجبتان لا يصح إسلامه إلا بهما. وأما التبري من كل دين خالف الإسلام فقد اختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه شرط في إسلام كل كافر ومرتد كالشهادتين.
والثاني: أنه استحباب في إسلام كل كافر ومرتد كالاعتراف بالبعث والجزاء.
والثالث: وقد أفصح به الشافعي في كتاب الأم، أنه إن كان من عبدة الأوثان ومنكري النوبات كالأميين من العرب كان التبري من كل دين خالف الإسلام مستحبًا.
وإن كان من أهل كتاب يعترفون بالنبوات، أن محمدًا ﷺ نبي مبعوث إلي قومه كان التبري من كل دين خالف الإسلام واجبًا لا يصح إسلامه لا بذكره.
فإذا ثبت ما ذكرنا من شروط الإسلام المعتبرة في توبة المرتد، نظر في ردته، فإن كانت بجحود الإسلام، صحت توبته بما ذكرنا من شروطه.
وإن كانت ردته بجحود عبادة من عباداته كالصلاة والصيام والزكاة والحج مع اعترافه بالشهادتين وصحة الإسلام، اعتبر في صحة توبته بعد شروط الإسلام الاعتراف بما جحده من الصلاة والصيام والزكاة، لأنه قد صار مرتدًا مع اعترافه بالشهادتين فلم تزل عنه الردة بهما حتى يعترف بما صار مرتدًا بجحوده، ولا يجزيه الاقتصار على الاعتراف بما جحده عن إعادة الشهادتين.
لأنه قد جرى عليه حكم الكفر بالردة، فلزمه إعادة الشهادتين ليزول بهما حكم الكفر، ولزمه الاعتراف بما جحده ليزول به حكم الردة.
وهكذا لو صار مرتدًا باستحلال الزنى واستباحة الخمر، كان من صحة توبته الاعتراف بتحريم الزنى وحظر الخمر.
ولكن لو صار مرتدًا بسب رسول الله ﷺ، كان الاعتراف بنوبته في الشهادتين مقنًعا في
[ ١٢ / ٤٤٤ ]
صحة توبته، ولا يفتقر إلي الاعتراف بحظر سبه، لأن في الاعتراف بنوبته اعترفًا بحظر سبه.
فصل:
فأما المكره على الكفر والردة بالقتل، فموسع له بين الإمساك عن كلمة الكفر والصبر على القتل وبين التلفظ بكلمة الكفر استدفاعًا للقتل. فقد أكرهت قريش بمكة عمار بن ياسر وأبويه على الكفر، فامتنع منه أبواه فقتلا، وتلفظ عمار بالكفر فأطلق فأخبر رسول الله ﷺ فعذر عمارًا وترحم على أبويه.
وقيل: إنه نزل فيه: ﴿إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ [النحل ١٠٦].
فإن قيل: فأي الأمرين أولى به؟
قيل: يختلف باختلاف حال المكره.
فإن كان ممن يرجى منه النكاية في العدو أو القيام بأحكام الشرع، فالأولى به أن يستدفع القتل بإظهار كلمة الكفر، وإن كان ممن يعتريه من ضعف بصيرته في الدين، أو يمتنع به من أراد الإسلام من المشركين، فالأولى به الصبر على القتل والامتناع من إظهار كلمة الكفر، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إن في الجنة لقصرًا لا يسكنه إلا نبي أو صديق أو محكم في نفسه". فقيل: إن المحكم هو الذي يخير بين الكفر والقتل، فيختار القتل على الكفر، فإن تلفظ بكلمة الكفر، فله في التلفظ بها ثلاثة أحوال:
إحداهن: أن يتلفظ بلسانه وهو معتقد للإيمان بقلبه، فهو على إسلامه، وليس لتلفظه حكم إلا استدفاع القتل، لقول الله تعالى: ﴿إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ [النحل ١٠٦] أي يسقط حكم الإكراه بالاعتقاد.
والثالثة: أن يتلفظ بلسانه مطلقًا من غير أن يقترن به اعتقاد إيمان ولا كفر، ففيه وجهان:
أحدهما: يكون على إسلامه، لأن ما حدث من الإكراه معفو عنه.
والثاني: أن يكون مرتدًا حتى يدفع حكم لفظه بمعتقده، لأنه لا عذر له في تركه.
وهكذا المكره على الطلاق، تعتبر فيه هذه الأحوال الثلاث في لفظه ومتعقده.
فصل:
وإذا تلفظ مسلم بكلمة الكفر، فإن كان في دار الإسلام حكم بردته، إلا أن يعلم أنه قالها مكرهًا، وإن كان في دار الحرب لم يحكم بردته إلا أن يعلم أنه قالها مختارًا؛ لأن الظاهر منها في دار الإسلام وهو يخاف الكفر ويأمن الإسلام، أنه قالها عياذًا واعتقادًا. والظاهر منها في دار الحرب وهو يخاف الإسلام ويأمن الكفر أنه قالها تقية واستدفاعًا.
[ ١٢ / ٤٤٥ ]
وعلى هذا: لو أظهرها ومات فادعى ورثته أنه كان مكرهًا عليها فلهم ميراثه.
فإن كان في دار الحرب القول قولهم مع إيمانهم، أنه كان مكرهًا عليها لأنه الظاهر من حاله ولهم ميراثه. وإن كان في دار الإسلام لم تقبل دعواهم وحكم وكان ماله فيئًا، لأنه الظاهر من حاله.
فصل:
وإذا شرب الخمر وأكل الخنزير لم يصر بذلك مرتدًا، سواء كان ذلك منه في دار الإسلام أو في دار الحرب.
لأنه لا يصير مرتدًا إلا باستحلاله دون أكله، فيسأل عنه إذا أكله في دار الحرب، ولا يسأل عنه إذا أكله في دار الإسلام لنه أكله في دار الحرب أقرب إلي استحلاله من أكله في دار الإسلام.
فلو مات قبل سؤاله، فقال بعض ورثته: أكله مستحلًا، فهو كافر. وقال بعضهم: أكله غير مستحل، فهو مسلم، فلمن أقر بأنه أكله غير مستحل ميراثه من استصحابًا لإسلامه فأما ميراث من أقر بأنه أكل مستحلًا ففيه قولان:
أحدهما: نص عليه في كتاب الأم، أنه يكون موقوفًا حتى يكشف عن حاله، لا يقط ميراثه منه، لأنه مقر على غيره.
والثاني: حكاه الربيع وختاره المزني أنه يسقط ميراثه منه، ولو يوقف على الكشف، لأنه مقر على غيره بالكفر، وعلى نفسه بسقوط الإرث، فنفذ إقراره على نفسه وإن لم ينفذ على غيره.
فصل:
فإذا صلى المرتد قبل ظهور توبته: قال الشافعي في كتاب الأم: إن صلى في دار الإسلام لم يحكم بإسلامه، وإن صار في دار الحرب حكم بإسلامه وفرق أصحابنا بينهم من وجهين:
أحدهما: إن الظاهر من فعلها في دار الإسلام التقية، وفي دار الحرب الاعتقاد.
والثاني: أنه يقدر في دار الإسلام على الشهادتين، فلم يصر ملسمًا بالصلاة، ولا يقدر في دار الحرب على الشهادتين فصار مسلمًا بالصلاة وفي هذا نظر لأنه لو صارت الصلاة إسلامًا للمرتد، لصارت إسلامًا للحربي.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وما جرح أو أفسد في ردته أخذ به".
[ ١٢ / ٤٤٦ ]
قال في الحاوي: لا يخلو ما أتلفه المرتد على المسلمين في حال ردته من أن يكون منفردًا أو في جماعة.
فإن كان مفردًا أو في جماعة لا يمتنع بهم فحكمه حكم المنفرد، عليه أحكامه وضمان ما أتلفه عليهم من نفس ومال لأن إسلامه قد أوجب عليه التزام أحكامه، وهو يضمنها قبل الردة، فلم يسقط عنه ضمانها بالردة، لأنها زادته تغليظًا لا تخفيفًا.
وإن كان في جماعة ممتنعة عن الإمام ولم يصل إليهم إلا بالقتال، فما أتلفوه في غير القتال ضمنوه، وما أتلفوه في القتل ففي ضمان أهلي البغي قولان:
فأما أهل الردة فقد اختلف أصحابنا فيهم:
فذهب أبو حامد الإسفراييني وأكثر البغداديين إلي أن في وجوب ضمانهم قولان كأهل البغي:
أحدهما: يضمنون كما يضمن المحاربون في قطع الطريق.
والثاني: لا يضمنون كما لا يضمن المشركون.
وذهب أبو حامد المروزي وأكثر البصريين إلي أنهم يضمنون قولًا واحدًا، وإن كان في ضمان أهلى البغي قولان، للفرق بينهما: بأن لأهل البغي إمامًا تنفذ أحكامه، وليس لأهل الردة إمام ينفذ له حكم.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وإن جرح مرتدًا ثم جرح مسلمًا فمات فعلى من جرحه مسلمًا نصف الدية".
قال في الحاوي: وهذه مسألة مضت في كتاب الجنايات.
وذكرنا أنه إذا جرحه مسلم في حال ردته ثم أسلم فجرحه آخر بعد إسلامه ومات فجرحه في الردة هدر لا يضمنه الجارح بقود ولا دية.
وجرحه في حال إسلامه مضمون بالدية دون القود، فيجب على الجارح نصف الدية، لأنه قد صار أحد القاتلين.
فلو عاد الأول فجرحه مع الثاني جرحًا ثانيًا، وجب على الثاني نصف الدية، وعلى الأول ربعها، لأن نصف فعله هدر والله أعلم.
تم الجزء الثاني عشر
ويليه إن شاء الله الجزء الثالث عشر
وأوله: كتاب الحدود
[ ١٢ / ٤٤٧ ]
بحر المذهب
في فروع المذهب الشافعي
تأليف
العلامة القاضي فخر الإسلام شيخ الشافعية
الإمام أبي المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني
المتوفى سنة ٥٠٢ هـ
تحقيق
طارق فتحي السيد
الجزء الثالث عشر
يحتوي على الكتب التالية:
الحدود - السّرقة - قُطّاع الطريّق - الأشربة - السير - الجزية
دار الكتب العلمية
DKI
[ ١٣ / ١ ]