مسألة: قال: "أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أن رجلًا لاعن من امرأته في زمن النبي ﷺ وانتفي من وردها ففرق رسول الله بينهما وألحق الولد بالمرأة، قال سهل بن سعد وابن شهاب: فكانت سنة المتلاعنين".
قال أصحابنا: يتعلق باللعان خمسة أحكام: درء الحد، ونفي الولد، والفرقة، والتحريم المؤيد، ووجوب الحد عليها. وكل ذلك يثبت بمجرد لعانه ولا يفتقر فيها إلى لعانه ولا إلى حكم الحاكم، فإن حكم به الحاكم كان تنفيذًا منه لا إيقاعًا للفرقة، وأما لعان المرأة لا يؤثر إلا في إسقاط الحد عن نفسها فقط، وحكي عن عثمان البتي أنه قال: لا يتعلق باللعان الفرقة أصلًا، وروي عنه أنه يؤمر بالطلاق بعد اللعان، واحتج بأن العجلاني طلق امرأته بعد اللعان فأنفذ رسول الله ﷺ طلاقه وهذا غلط؛ لقوله ﷺ [١٩٨/ أ] "المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا" وأما ما ذكره لا يصح لأنه لما طلق قال له: "لا سبيل لك عليها" أي بما سبق من اللعان. وقال أبو حنيفة: تتعلق الفرقة ونفي الولد بلعانهما وحكم الحاكم وهو رواية عن أحمد، وعند أبي حنيفة أحكام اللعان إثبات نفي النسب وزوال الفراش والحد لا يجب حتى يسقط به، والتحريم على التأبيد لا يثبت أيضًا حتى لو أكذب نفسه وحد تحل له بعقد جديد وعند أبي حنيفة قبل حكم الحاكم الزوجية قائمة بينهما حتى لو طلقها نفذ طلاقه ولكن لا يجوز للحاكم أن يقرهما عليه بل يلزمه أن يفرق بينهما، وقال ربيعة ومالك، وداود، وزفر: تتعلق الفرقة بلعانها معًا ولا يحتاج إلى حكم الحاكم وهو الرواية الثانية عن أحمد، واحتجوا بما روي عن النبي ﷺ قال: المتلاعنان لا يجتمعان أبدًأ بشرط لعانهما، واحتج أبو حنيفة بما روي
[ ١٠ / ٣٤٠ ]
أن النبي فرق بين المتلاعنين، فأضاف التفريق إليه وهذا غلط؛ لأن قوله: يمنع الزوجين من البقاء على النكاح فالفرقة به لا تفتقر إلى حكم الحاكم كالطلاق. وأما الخبر الذي ذكره مالك يقول به: وليس فيه دليل على أنهما يجتمعان قبل لعانهما، وأما الخبر الذي ذكره أبو حنيفة قلنا: لفظ التفريق يستعمل لإيقاع الفرقة ويستعمل لإظهار الفرقة والمراد هاهنا الإظهار لا الإيقاع أي بين رسول الله ﷺ للمتلاعنين مفترقان بدليل أنه رؤى والحق الولد بالأم والمعلوم أن الولد يلحق بالأم من غير حاجة إلى حكم الحاكم في الإلحاق ومعناه إظهار ذلك الحكم. وفسر الشافعي هذا اللفظ فقال: معنى قولهما: [١٩٨/ ب] أي قول سهل وابن شهاب: كانت تلك سنة المتلاعنين فرقة بلا طلاق الزوج وتفريق النبي ﷺ غير فرقة الزوج إنما هو تفريق حكم.
ثم اعلم أن الفرقة الواقعة به فسخ كالفسخ بالرضاع وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: هي طلقة ثانية وهذا غلط؛ لأنها فرقة لا ترتفع بعقد النكاح بحال فكانت فسخًا كفرقة الرضاع، وحكي عن الأصم أنه قال: لا ينتفي النسب باللعان وهذا خطأ فاحش لما روينا من الأخبار، ثم اعلم أن الشافعي استغل بعد هذا بتأويل ثلاثة أحاديث؛ أحدها أنه قال: وإذا قال رسول الله ﷺ: يعلم أن أحدكما كاذب فهل ونكما تائب؟ فحكم على الصادق والكاذب حكمًا وحدًا وأخرجهما من الحد وقصد بهذا أنه ﷺ لم يستعمل غلبة الظن وقضى على الصادق والكاذب قضاء واحدًا وأخرجهما من الحد بلعانهما فدل على أنه لا يجوز للحاكم الأخذ بباطن المكذب وعليه إجراء الحكم بظاهره وأن تيقن أن أحد الخصمين كاذب في خصومته لا محالة، وهذا لأنه لما لم يتيقن الصادق من الكاذب استوي حكمهما كما لو صلى باجتهاده أربع صلوات إلى أربع جهات بالاجتهاد لا يلزمه إعادة واحدة منهما، لأنه لم يتعين الخطأ في واحدة منها.
والثاني: أن النبي ﷺ قال: فإن جاءت به أديعج فلا أراه إلا قد صدق عليها فجاءت به على النعت المكروه. فقال النبي ﷺ: إن أمره أن يبين لولا ما حكم الله وأخبر أنه لم يستعمل دلالة صدقه عليها، وحكم بالظاهر بينه وبينها فمن بعده من الولاة أولى بأن لا يستعمل دلالة في مثل هذا المعنى، ولا يقضي إلا بالظاهر أبدًا لأنه ﷺ يعلم ما لا يعلم غيره، [١٩٩/ أ] وقصد بهذا أنه وجد إمارة دالة على كذبها ولم يعمل عليها، وأخبر أن الله تعالى أمر بإجراء الحكم فيها بظاهر الأيمان، وإن كان كذبهما بينا بالدلالة وقيل: قصد رسول الله ﷺ بذكر صفة الولد لزيادة الردع والزجر حتى تنزجر عن مثل صنيعها. وقيل: قصد به الرد على مالك فإنه يستعمل في بعض المسائل دلالة الصدق على غير ما ورد به الشرع، فقد قال في الخلوة: إذا طالت أو قصرت يختلف الحكم، فإن كانت الخلوة في داره فالقول قولها في وجود الإصابة طالت أو قصرت، وإن كانت الخلوة في دارها فالقول قوله في عدم الإصابة إذا قصرت المدة، والثالث:
[ ١٠ / ٣٤١ ]
أنه قال: لما نزلت آية الملاعنة قال رسول الله ﷺ: "أيما امرأة دخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء"، وقد ذكرنا هذا الخبر، قيل: "وروي أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم تأكل حرامهم، وينظر إلى عوراتهم فليست من الله في شيء"، وأراد بالحراب المواريث والنفقات، ورؤي في خبر المعراج أن النبي ﷺ قال: "رأيت نسوة معلقات بثديهن يعذبن، فسألت جبريل ﵊ عنهن فقال: هنَّ اللاتي ألحقن بأزواجهن من ليس منهم"، ثم قال ﷺ: "اشتد غضب الله على امرأة ألحقت بقوم من ليس منهم تنظر إلى عوراتهم، وتأكل حرامهم". وأما قوله في الخبر: وايما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه، لأن الرقة والرحمة عند النظر أكثر ما وعد للرجل والمرأة على حسب دينهما؛ والله أعلم [١٩٩/ ب].