مسألة: قال: ويضرب المحدود بسوط بين سوطين لا جديد ولا خلق.
قد ذكرنا أن حد الزنا وحد القذف [١٣٠/ب] يقام بالسياط، وذكرنا الخلاف في حد الشرب والمنصوص أنه بالأيدي وأطراف الثياب على طريق التنكيل للسنة وإذا كان بالسياط فالسوط بين سوطين لا جديد ولا خلق لأن الجديد يبضع اللحم وينمي الدم والخلق لا يوعه فيكون بين هذين لما روى زيد ابن أسلم مرسًلا أن رجلًا اعترف عند النبي ﷺ بالزنا فدعا بسوط فأتى بسوط مكسور فقال: "فوق هذا" فأتى بسوط جديد لم تكسر ثمرته فقال: دون هذا، وروي بين هذين فأتى بسوط قد لان فأمر فحد به، ورواه أبو هريرة أيضًا مرفوعًا ولأن الغرض الإيلام لا الجرح. وأما الضرب فإنه يكون ضربًا بين ضربين لا شديدًا فيقتل ولا ضعيفًا فلا يردع، ولا يرفع باعه كل الرفع ولا يحط بحيث لا يؤلم لما روى علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ضرب بين ضربين، وسوطًا بين سوطين" وقيل: لا يرفع باعه فيقع من عل ولا يخفض باعه فيقع من سفل بل يمده عضده ويرفع ذراعه ليقع الضرب معتدلًا قال ابن مسعود ﵁: لا يرفع يده في الضرب فيرى بياضه إبطه. [١٣١/أ]
فرع
قال أصحابنا: إذا أراد أن يعزر بالضرب بالسياط، فإن لم يكن بالسوط دون سوط الجلاد فلا يجوز أن يكون فوقه، وقال الزبيري: يجوز أن يضرب في التعزير بسوط لم
[ ١٣ / ١٤٤ ]
تكسر ثمرته فوق سوط الحد وتكون صفة الضرب فيه أعلى من صفته في الحد لأن ذنوب التعزير مختلفة فجاز أن يضرب مختلفًا وهذا خطأ لأن الحدود أغلظ فلا يجوز أن يزيد التعزير عليها.
مسألة: قال: ويضرب الرجل في الحد والتعزير قائمًا ويترك يده.
الفصل
يضرب الرجل قائمًا لأنه أمكن لتفريق الضرب على أعضائه، والسنة أن يجعل لكل عضو قسطًا من الضرب لأنه إن والى على موضع واحد يجرحه ولا يجرد من الثياب ولكن يترك عليه قميصًا واحدًا، فإن القميص الواحد لا يمنع من وصول الضرب إلى الجسم وينزع عنه الجبة والفرو، وقيل: يجوز أن يترك عليه قميصان وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يجرد إلا في حد القذف لأن سببه غير متحقق. ودليلنا أن النبي ﷺ أقام الحد ولم ينقل أنه جرد من أقامه عليه، ولو كان فعل ذلك لنقل، [١٣١/ب] وقال ابن مسعود ﵁: لا يحل في هذه الأمة تجريد ولا مد ولا غل ولا صفد وقال أيضًا: ليس في ديننا مد ولا قيد ولا غل ولا تجريد، وأما ما ذكره فلا يصح لأن حد القذف آكد لتعلقه بحق الآدمي وهتك عرضه والظاهر كذبه، ويترك له يده ليتقي بها ولا يمد ولا يربط لأن ذلك تعذيب زائد على الحد.
وتحد المرأة جالسة لأنها عورة، فإذا كانت قائمة ربما تنكشف ويضم عليها ثيابها وتربط لئلا تنكشف وذلك أستر لها قال: ويلي ذلك منها امرأة يعني تشد الثياب دون إقامة الحد فإن ذلك إلى الرجال لأنهم به أبصر ولا يكاد يقوى عليه النساء مع ضعفهن وعجزهن، وقال علي ﵁: تضرب المرأة جالسة والرجل قائما قال في (الحاوي): وقد أحدث المتقدمون من ولاة العراق ضرب النساء في قفة من خوص، أو غرارة من شعر يسترها وذلك حسن والغرارة أوجب إلينا من الخوض لأن القفة يدفع ألم الضرب بخلاف الغرارة قال: ولا يبلغ في الجلد أن ينهر الدم لأن انهيار الدم سبب التلف وإنما يراد بالحد النكال أو الكفارة فإن [١٣٢/أ] أنهر دمه فلم يتلف فلا ضمان وإن أنهر دمه ثم لم يضربه تمام الحد بعده لا ضمان لأنه قد يكون ذلك من رقة لحمه، وإن ضربه بعد انهيار دمه إتمامًا لحده فإن ضربه في غير موضع انهاره هل يضمن؟ فيه وجهان أحدهما: لا يضمن، والثاني: يضمن لتعديه بإعادة الضرب فيه ثم في قدر ضمانه وجهان أحدهما: يلزمه كل الدية، والثاني: يلزمه نصف الدية بناءً على ما تقدم من الوجهين في ضمان المختون قال المزني: ويتقي الجلاد الوجه الفرج وقد ذكرنا هذا فيما تقدم، وقد روى أبو هريرة رضي الله
[ ١٣ / ١٤٥ ]
عنه أن النبي ﷺ قال: "إذا جلد أحدكم فليتق الوجه والفرج". قال أبو إسحاق وفيه تنبيه على كل مقتل كالأذنين والخاصرة.
وقد ذكرنا هل يضرب على الرأس أو لا؟ وقد ذكر في (الحاوي) ويجتنب المواضع القاتلة كالرأس وما يشينه الضرب كالوجه، وقال الماسرجسي: يتقي وجهه وما علاه، قال: وغلط بعض أصحابنا فقال: يضرب على الرأس لأن المزني خص الوجه بالذكر وهذا خطأ لأن الوجه عبارة عن ما علاه. وقال القاضي الطبري: نص الشافعي ﵁ في "البويطي" [١٣٢/ب] في باب إملاء الشافعي قال: ويعطى كل عضو حقه ما خلا الوجه والرأس والمذاكير والبطن ولا يبقى الإشكال مع هذا النص وهذا أصح، وقد روي عن علي ﵁ أنه قال للجلاد: اتق وجهه ومذاكيره ودع له يديه يتقي بهما، وروي عن عمر ﵁ أنه أتى برجل في حد فأتى بسوط فيه شدة فقال: أريد ألين من هذا، ثم أتى بسوط فيه لين فقال: أريد أشد من هذا فأتى بسوط بين السوطين: اضرب ولا تري إبطك وأعط كل عضو حقه.
مسألة: قال: ولا يبلغ بعقوبة أربعين.
وقد ذكرنا هذه المسألة وجملته أن كل معصية لم يقدر فيها حد فللإمام أن يعزره فيها وضرب الابن ابنه، والزوج زوجته يسمى تأديبًا لا تعزيرًا وضرب التعزير يكون ضربًا بين الضربين. وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: ضرب التعزير أشد من حد الزنا ثم حد الشرب ثم حد القذف، قال سفيان الثوري: ضرب حد القذف أشد من حد الشرب وهذا لا يصح لأن التعزير أخف من الحد في عدده فلا يجوز أن يزاد عليه في إيلامه ووجعه، وقال عبد الملك بن عمير: سئل علي ﵁ عن قول الرجل للرجل يا فاسق يا خبيث فقال: هن فواحش فيها تعزير [١٣٣/أ] وليس فيهن حد. وروي أن ابن عباس لما خرج من البصرة استخلف أبا الأسود الدؤلي فأتى بلص نقبل على قوم فأخذوه في النقب فقال: مسكين أراد أن يسرق فأعجلتموه فضربه خمسة وعشرين سوطًا وخلى عنه، وقد ذكرنها أنه لا يبلغ به الحد، وروي أن النبي ﷺ قال: "من بلغ ما ليس بحد حدًا فهو من المعتدين" وروي عن عمر ﵁ أنه من كتب إلى أبي موسى الأشعري ﵁: لا يبلغ بنكال أكثر من عشرين سوطًا، وروي عنه ثلاثين
[ ١٣ / ١٤٦ ]
سوطًا، (وروي) عنه مابين الثلاثين إلى الأربعين سوطًا.
فرع
ضرب التعزير يفرق على جميع الجسد كالحد، وقال الزبيري: يجوز أن يجمعه في موضع واحد من الجسد، والفرق أنه لما لم يجز العفو عن الحد لم يجز العفو عن بعض الجسد، ولما جاز العفو عن التعزير جاز العفو عن ضرب بعض الجسد وهذا لا يصح لأن جميع الضرب يفضي إلى التف فالمنع في التعزير أولى.
فرع آخر
تجوز الشفاعة في التعزير دون الحد لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "تجافوا لذوي الهيئات عثراتهم". وفي ذوي الهيئات وجهان أحدهما: أنهم أصحاب الصغائر يردون الكبائر، والثاني: أنهم الذين إذا أتوا بالذنب ندموا عليه وتابوا منه وفي عثراتهم وجهان [١٣٣/ب] أحدهما: صغائر الذنوب التي لا توجب الحدود، والثاني أنها أول معصية زل فيها مطيع وقد روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين" وإن من الإجهار أن يعمل الرجل في الليل عملًا ثم يصبح وقد ستره ربه يبيت في ستر ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه" وروى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال في خبر طويل "ومن ستر على مسلم ستره الله يوم القيامة" وروى ابن عمر أيضًا أن النبي ﷺ قال: "أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدودا الله تعالى فمن أصاب من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر الله" وروي "اجتنبوا القاذورة التي نهى الله عنها فمن ألم فليستتر بستر الله" وروي عن أبي بكر وعمر ﵄ أنهما أمرا بالاستتار، وروي عن أبي الهيثم كاتب عقبة قال: قلت لعقبة بن عامر: إن لنا جيرانًا يشربون بالخمر وأنا داعي لهم بشرط فقال: ويحك لا تفعل فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من ستر عورة مؤمن فكأنما استحيى موءودة من قبرها" وروى عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قيل له عن رجل: هل لك في فلان تقطر لحيته خمرًا؟ قال: إن الله قد نهانا أن نتجسس فإن يظهر لنا نأخذه وأما قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ [١٣٤/أ] والْفَوَاحِشَ إلاَّ اللَّمَمَ﴾ [الشورى: ٣٧] قيل:
[ ١٣ / ١٤٧ ]
الكبائر الشرك بالله، وقيل: ما زجر الله عنه بالحد والفواحش الزنا خاصة، وقيل: إنها جميع المعاصي، واللمم قيل: ما هم به ولم يفعله، وقيل: ما تاب منه ول يعاوده، وقيل: الصغائر من الذنوب التي لا توجب حدًا ولا وعيدًا، وقيل: هي النظر الأولى دون الثانية.
مسألة: قال: ولا تقام الحدود في المساجد.
يكره إقامة الحدود في المساجد وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق، وكان ابن أبي ليلى يرى إقامة الحد في المسجد، وروي عن الشعبي أنه ضرب يهوديًا في المسجد ودليلنا ما روى حكيم بن حزام ﵁ أن النبي ﷺ نهى أن يستقاد في المساجد وأن ينشد فيها الأشعار وأن تقام فيها الحدود وأراد بالأشعار ما كان هجاء أو غزلًا أو مدحًا كذبًا فأما غيرها فلا يكره، فإن حسان بن ثابت وكعب بن زهير أنشد قصيدة مدح فيها رسول الله ﷺ في المسجد، وروي أن النبي ﷺ قال: "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وبيعكم وشرائكم ورفع أصواتكم وسل سيوفكم وضرب حدودك وجمروها في جمعكم واجعلوا على أبوابها مطاهركم". وحكم التعزير حكم الحد في أنه لا يقام في المسجد إلا التعزير بالكلام [١٣٤/ب] فلا بأس به يكون في أي موضع كان.
فرع
قال في (الحاوي): المحدود إن كان متهافتًا في ارتكاب المعاصي يظهر حده في مجامع الناس يزاد نكالًا، وإن كان من ذوي الهيئات حد في الخلوات حفظًا لصيانته.