مسألة: قال: وإذا طلب رجل دم رجل أو ماله أو حريمه بغير حق كان له دفعة عنه.
من قصد دم رجل أو ماله أو حريمه فله أن يدفعه بأيسر ما يمكن دفعه به سواء كان
[ ١٣ / ١٥٠ ]
القاصد حرًا أو عبدًا عاقلًا أو مجنونًا بالغًا أو غير بالغ.
وقد قال الشافعي ﵁ في كتاب جراح العمد إذا قصده في مصر فيه غوث أو صحراء لا غوث فيها فالاختيار له أن يكلم من يريده وسده بالنهي والوعيد ويستغيث فإن امتنع أو منع لم يكن له قتاله، وإن أبى أن يمتنع فله أن يدفعه فإن لم يقدر على دفعه إلا بضربة بيد أو عصا أو سلاح حديد أو غير حديد فله ضربه وليس له عمد قتله، فإن أتى الضرب على نفسه فلا عقل عليه ولا قود ويدفع بالأيسر فالأيسر فإن ضربه ضربة فتولى تاركًا له لم يكن له أن يعود عليه بالضرب، فإن أراده وهو في الطريق وبينهما نهر أو خندق أو جدار أو ما لا يصل عليه بالضرب، فإن أراده وهو في الطريق وبينهما نهر أو خندق أو جدا أو ما لا يصل معه إليه لم يكن له ضربه حتى يكون بارزًا له مريدًا فحينئذ له ضربه إذا رأى أنه لا يدفع عنه إلا بالضرب فإن كان له [١٣٧/ب] مريدًا فانكسرت يده أو رجله حتى يصير ممن لا يقدر عليه لم يكن له ضربه لأن الإرادة لا تبيح الضرب إلا أن يكون مثله يطيق الضرب، وإذا أقبل الرجل بالسيف أو غيره من السلاح إلى الرجل فوقع في نفسه أنه يريد ضربه فله أن يضربه، وإن لم يضربه المقبل إليه وإن لم يقع في نفسه لم يكن له ضربه، ولو عرض له فضربه. ولو انضرب ضربة ثم ولى أو جرحه فسقط ثم عاد فضربه ضربة أخرى فمات منهما ضمن نصف الدية في ماله والكفاءة لأنه مات منهما فلورثته نصف الدية ولو جرحه أولًا وهو مباح جراحات ثم ولى فجرحه جراحات كانت جنايتين مات منهما سواء كثير الجراحة في الحالة الأولى وقليلها فعليه نصف الدية، فإن عاد فأقبل فجرحه جراحة قليلة كانت أو كثيرة فمات عليه ثلث الدية قال: وما أصاب المريد في هذه المواضع في أي حال كان فسواء لأنه ظالم بذلك كله فعليه القود فيما فيه القود والعقل فيما فيه العقل، وإن كان المريد معتوهًا كان فيما أصاب العقل، وإن كان المريد بهيمة في نهار فلا شيء على مالكها إذا لم يكن معها [١٣٨/ أ] ولو أراد منه قتل غيره أو أراد من حريمه الزنا يجب الدفع إن قدر ويأثم بترك الدفع لأن إباحة ذلك محظورة ولو أراد قتله فإن كان الطالب ممن ليسه له زاجر من نفسه كالبهيمة والمجنون يلزمه دفعه ويكون في ذلك الكف كالإذن في قتل نفسه، وإن كان الطالب ممن يزجره عن القتل عقل ودين فهل يلزمه الدفع؟ ذكرنا وجهين والأصح أنه لا يلزمه لقوله تعالى: ﴿لَئِن بَسَطتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ﴾ [المائدة ٢٨] الآية وعن النبي ﷺ "كن خير ابني آدم" يعني هابيل استسلم حتى قتله هابيل، وقال في حديث حذيفة: "كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل".
[ ١٣ / ١٥١ ]
مسألة: قال: وإن طلب الفحل رجلًا فلم يقدر عليه إلا بقتله لم يكن عليه غرم.
وإذا صال عليه فحل لغيره فقتله دفعًا عن نفسه لم يجب عليه ضمانه، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق، وقال أبو حنيفة: يجوز له قتله دفعًا عن نفسه ويجب عليه ضمانه، وكذلك إذا كان الصائل صبيًا أو مجنونًا فقتلهما دفعًا يلزمه الضمان عنده وهذا لا يصح لأنه قتله بدفع جائز فلا يجب ضمانه كما لو قتل الآدمي الصائل وهو بالغ عاقل، فإن قيل: أليس لو قتله بضرورة الجوع يلزمه الضمان؟ فكذلك هنا قلنا: الفرق أنه لم يلجئه الطعام إلى إتلافه وهنا الفحل بصوله ألجأه إلى إتلافها لفرق بينهما الأولى لو قتل المحرم صيدًا للجماعة يلزمه الجزاء، [١٣٨/ب] ولو قتله صائلًا بصوله لا يلزمه الجزاء بالإجماع.
مسألة: قال: ولو عض يده رجل فانتزع يده.
الفصل
إذا عض رجل يد رجل فانتزع يده من فيه فندرت سن العاض كان هدرًا، وروي عن مالك وابن أبي ليلى أنهما قالا: يلزمه ضمان السن وهذا غلط لما روي عن يعلى بن أمية ﵁ قال: غزوت مع رسول الله ﷺ غزوة العسرة وكانت أوثق أعمالي في نفسي وكان لي أجير فقاتل إنسانًا فعض أحدهما صاحبه فانتزع إصبعه فسقطت ثنيته فجاء إلى النبي ﷺ فأهدر ثنيته وقال "أيدع يده في فيك فتقضمهما قضم الفجل" وروي "أيدع يده في فيك تعضها كأنها في في فحل"، وروي مثله عن أبي بكر الصديق ﵁ ولأن صونه جميع البدن أعظم، ولو قتل بالدفع لا ضمان فإذا أتلف جزءًا منه بالدفع أولى أن لا يضمن ويقال للعض بالأسنان: القضم والعض بالأضراس: الخضم، وقال الحسن البصري في وعظه: تخضمون وتقضمون والحساب عند البيدر. قال الشافعي: فإن مات منها فلا عقل ولا قود ولا كفارة، سواء كان العاض ظلم أو بدئ بظلم لأن نفس العض ليس له وللمعضوض منعه من العض فإن اختلفا في إمكان العض بدون ذلك فالقول قول المعضوض مع يمينه.
مسألة: قال: ولو عضه كان له فك لحييه بيده الأخرى [١٣٩/أ] إن كان عض إحدى يديه وبيديه معًا إن كان عض رجله، قال: فإن عض قفاه فلم تنله يداه كان له نتر رأسه من فيه، فإن لم يقدر فله التحيل عليه برأسه إلى ورائه مصعدًا أو منحدرًا ويضرب فاه بيده أو بيديه حتى يرسله فإن ترك شيئًا مما وصفت له وبعج بطنه بسكين أو فقأ عينه
[ ١٣ / ١٥٢ ]
بيده أو ضربه في بعض جسده ضمن هذا كله لأن هذا ليس إليه. فإن قيل: هلا جاز له أن يضرب بعض جسده مثل ما يضرب فمه؟ قلنا: الفم موضع الجناية وضربه أقرب إلى التخلص منه فلا يجوز أن يعدل عنه.
ثم اعلم إن المزني رحمه لله ظن أن الشافعي ﵁ أوجب عليه الضمان حيث لا يقدر على التخلص منه إلا ببعج بطنه فأعرض في آخر الباب عن هذه المسألة وذلك غلط منه، والتأويل إذا قدر على دفعه بما ذكرنا، وأما إذا لم يقدر على التخلص منه إلا ببعج بطنه كان له ذلك وهذا ظاهر في كلامه، وقيل: مذهب المزني أنه لو قدر على تخليصه بلطمة فبعج لم يضمن وعندي لا تصح هذه الرواية عنه.
ثم احتج الشافعي على نفي الضمان عن الدافع إذا راعى درجات فعاله، ورفع إلى عمر ﵁ جارية كانت تحتطب فأتبعها رجل فراودها عن نفسها فرمته بفهر أو بحجر فقتلته فقال عمر: هذا قتيل الله وقتيل الله لا يؤدي أبدًا. فإن قال قائل: قال الشافعي في أول هذا الفصل إن عض قفاه فلم تنله يداه كان له نتر رأسه من فيه [١٣٩/ ب] فكيف قال في آخر المسألة: كان له ضرب فمه حتى يرسله؟ قلنا: أراد بأول المسألة إذا أمسك يديه، وأراد بالثاني: إذا كانت يداه مرسلتين وعلم منه أنه لم يتخلص إلا بالضرب.
مسألة: قال: ولو قتل رجل رجلًا فقال: وجدته على امرأتي.
إذا وجد مع امرأته رجلًا يفجر بها وهما محصنان كان له قتلهما، وكذلك لو وجده يتلوط بابنه أو بغلامه أو يزني بجاريته، نص عليه وأراد له قتل الزاني دون الجارية، وقد روى سعيد بن زيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من أصيب دون ماله فهو شهيد، ومن أصيب دون أهله فهو شهيد، ومن أصيب دون دينه فهو شهيد" وروي "من قتل دون أهله أو دون دمه أو دون دينه فهو شهيد" وإن وجده ينال منها فيما دون الفرج فله منعه ودفعه وإن أتى الدفع على نفسه ولا ينتهي إلى القتل إلا أن لا يقدر على دفعه إلا بالقتل وعلى هذا يجوز للأجانب أن يدفعوا كذلك حسبة وعليه ذلك وكلن لا يلزمه الدفع بالقتل متعينًا بخلاف ما لو كان من أهله من ابنته وأخته فإن الفرض في أهله متعين عليه وفي غير أهله الفرض على الكفاية. وروي أن النبي ﷺ "لعن الركالة" وهو الذي لا يغار على أهله [١٤٠/أ] ولو كانت مكرهة يمنعه دونها، وإن كانت مطاوعة يمنعها لأنه يلزمه صيانة محارم الله تعالى وحفظ حقوقه، وإذا رآه أوقع أو أولج جاز أن يبدأ في دفعه بالقتل وله أن يتعجل لأنه في كل لحظة تمر عليه يواقع للزنا لا يستدرك
[ ١٣ / ١٥٣ ]
بالأناة فجاز من أجلها أن يعجل بالقتل، وروي أن رجلًا قال لعلي ﵁: إني وجدت مع امرأتي رجلًا فلم أقتله فقال: أما أنه لو كان أبو عبد الله لقتله يعني الزبير بن العوام.
قال صاحب (الحاوي): وفي هذا القتل وجهان: أحدهما: أنه قتل دفع فعلى هذا يختص بالرجل دون المرأة ويستوي فيه البكر والثيب. والثاني: أنه قتل حد يجوز أن ينفرد به دون السلطان لتفرده بالمشاهدة التي لا تتعداه ولاختصاصه فيه بحق نفسه في إفساد فراشه عليه في الزنا بزوجته فعلى هذا يجوز أن يجمع فيه بين المرأة والرجل إن كانت مطاوعة إلا أن يفرق بين البكر والثيب فتقتل إن كانت ثيبًا وتجلد، إن كانت بكرًا وفي الرجل وجهان: أحدهما: يفرق فيه بين البكر والثيب أيضًا لأنه حد زنا كالمرأة. والثاني: وهو الأظهر لا يفرق ويقتل في الحالين لأمرين: أحدهما: أن قتله حدًا أغلظ من قتله دفعًا ويجوز لتغليظ حاله أن يقتل دفعًا فجاز أن يقتل حدًا. والثاني: أن السنة لم تفر في إباحته بين البكر والثيب لتغليظ حكمه في حق المستوفى. وأما في الحكم إن أقام البينة على ذلك فلا شيء عليه [١٤٠/ب] من الضمان ولكنه يعزر لتفويت القتل المفوض إلى الإمام هكذا ذكر أصحابنا، وعندي لا يعزر لأنه كان يلزمه دفعه عن ذلك على ما ذكرت فلا معنى للتعزير بعد التحقيق، وإن لم يكن لبينة فالقول قول ولي المقتول فيحلف أنه لا يعلم ذلك وله القود وهذا لما روي أن سعدًا قال: يا رسول الله أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلًا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء أأقتله؟ فقال: لا حتى تأتي بأربعة شهداء كفى بالسيف شاهدًا يعني شاهدًا عليك فترك الكلام على نصفه، وقال: لولا أن يحتج به الغيران والسكران فقال سعد: أيصبر حتى آتي بأربعة والله لأقتلنه قتلتموني أو تركتموني وولى سعد فقال رسول الله ﷺ: "أتعجبون من غيرة سعد والله إني لأغير من سعد، والله تعالى أغير مني ولغيرته حرم الفواحش" ومعنى هذا السؤال أنه سأله عن سقوط القود عنه. وروى سعيد بن المسيب أن رجلًا من أهل خيبر وجد مع امرأته رجلًا فقتله أو قتلهما فأشكل على معاوية القضاء فكتب معاوية إلى أبي موسى الأشعري يسأل له عن ذلك علي بن أبي طالب ﵁: كتب إلى في ذلك معاوية فقال علي ﵁ أنا أبو الحسن إن لم تأت بأربعة شهداء [١٤١/ أ] فليعط برمته.
فإن قيل: روي أن رجلًا خرج إلى الجهاد فتأخر فيه وكان له جار يهودي فمر ببابه مسلم فسمع اليهودي يقول مرتجزًا:
[ ١٣ / ١٥٤ ]
وأشعث غرة الإسلام من يخلوت بعرسه ليل التمام
أبيت على ترائبها وتمسي على جرداء لاحقه الخزام
كأن مواقع الريلات منها فئام ينهضون إلى فئام
فدخل المسلم فقتله فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب ﵁ فأهدر دمه ولم يطالبه بالبينة. قيل: يحتمل أن ثبت ذلك عنده بإقرار الولي فلهذا أهدره. قال الشافعي ﵁: ولو كان الرجل ثيبًا والمرأة غير ثيب، أو كانت المرأة ثيبًا والرجل غير ثيب كان عليه في غير الثيب القود ولا شيء عليه في الثيب.
فرع
قال: ولو كان للمقتول وليان فادعى الرجل عليهما العلم بوجوب القتل عليه فحلف أحدهما ما علم ونكل الآخر عن اليمين حلف القاتل أنه زنا بامرأته ووصف الزنا الذي يوجب الحد وكان ثيبًا وعليه نصف الدية حالًا في ماله الذي حلف أنه ما علم.
فرع آخر
لو كان له وليان صغير وكبير فحلف الكبير ما علم لم يقتل حتى يبلغ الصغير فيحلف أو يموت فيقوم وارثه مقامه، وإن شاء الكبير أخذ نصف الدية، فإذا أخذها أخذ الصغير ولم ينتظر به أن يحلف فإذا بلغ حلف [١٤١/ب] فإن لم يحلف وحلف القاتل رد عليه ما أخذ منه.
فرع آخر
لو أقر له أولياء المقتول فيهما أنه كان معها في الثوب يتحرك حركة المجامع وأنزل ولم يقر وإنما يوجب الحد لم يسقط عنه القود، ولو أقروا بما يوجب الحد وادعوا أنه كان بكرًا وادعى القاتل أنه كان ثيبًا فالقول قول أوليائه وعلى القاتل البينة، فإن جاء القاتل بالبينة أنه كان ثيبًا سقط عنه القود والعقل خلافًا لأبي حنيفة حيث اعتبر حكم الحاكم فيه على ما ذكرنا.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا بخراسان تفريعًا على هذا: لو أخذ رجل متاعه من حرز وطرحه خارج الحرز وهرب ليس له أن يتبعه فيضربه، فلو تبعه فقطع يده وعلم أن قطع السرقة كان واجبًا عليه لم يضمن لأن تلك اليد بعينها مستحقة الإتلاف، وكذلك لو وجب عليه القطع في قطع الطريق فقطعه رجل بغير إذن الإمام وقع الموقع بخلاف ما لو وجب حد الزنا جلدًا على رجل فجلده رجل من عرض الناس ضمن لأن الجلد مجتهد فيه إقامة ومحلًا فلا يكون من غير القاضي حدًا بحال.
[ ١٣ / ١٥٥ ]
مسألة: قال: ولو تطلع إليه رجل من ثقب فطعنه بعود.
الفصل
إذا كان في بيت الرجل شق أو نقب أو ثقبه فاطلع عليها بنهار رجل أو امرأة يحل له أن يحذف عينه بحصاة أو يطعنها بخشبة [١٤٢/أ] أو حديدة، وإذا فعل ذلك ففقأ عينه فلا ضمان، وروي ذلك عن عمر وأبي هريرة ﵃، وقال أبو حنيفة: ليس له أن يفعل ذلك فإن فعل ضمن لأنه يمكنه أن يدفعه عن النظر والاطلاع عليه بالاحتجاب عنه وسد النقب والتقدم إليه بالكلام ونحوه، فإذا لم يفعل ذلك وعمد إلى فقء عينه ضمن وليس النظر أكثر من الدخول عليه بنفسه ولو دخل هو داره ليس له فقؤ عينه وهذا لا يصح لما روى أنس ﵁ أن رجلًا اطلع في بعض حجر رسول الله ﷺ فقام إليه رسول الله ﷺ بمشقص أو مشاقص قال: فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يختله يطعنه. والمشقص نصل عريض وقوله يختله يراوده ويطلبه من حيث لا يشعر، وروى سهل بن الساعدي ﵁ قال: تطلع رجل من حجر في حجرة من حجر رسول الله ﷺ ومعه مدرى يحك به رأسه فقال: لو أعلم أنك تنظر لطعنت به عينك إنما جعل الاستئذان من أجل النظر، وقالت عائشة ﵂: لولا أن الرجل انصرف لما بالى رسول الله ﷺ أن يضرب، وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لو أن امرءًا اطلع عليك [١٤٢/ب] بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك جناح" وروي هدرت عينه، وروي أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من اطلع على قوم بغير إذنهم فرموه فأصاب عينه فلا دية له ولا قصاص" وروي "من اطلع في بيت قوم" وروي في دار قوم بغير إذنهم ففقؤا عينه فلا دية ولا قصاص، وروي "فقد هدرت عينه".
فرع آخر
قال أصحابنا: المستحب له أن لا يبادر بالرمي ويسأله بكلامه وينذره فإن امتنع وإلا رماه ولو رماه من غير سؤال لم يكن جناح وهذا اختيار الماسرجسي، وقال القاضي الطبري: وهو ظاهر كلام الشافعي وظاهر الخبر وأكثر البغداديين على هذا فعلى هذا يكون مخالفًا للأصول في الصول وموافقًا لنزع اليد المعضوضة إذا سقط بها أسنان العاض ابتداءً وقال القاضي أبو حامد وجمهور البصريين: لا يستبيح ذلك حتى يزجره
[ ١٣ / ١٥٦ ]
بالكلام فلا ينزجر فإن ابتدأ ففقأ عينه ضمن فعلى هذا يكون موافقًا للأصول في صول الفحل والآدمي وبه قال مالك، وقال أبو بكر الرازي: هذا مذهب أبي حنيفة ﵀، وقال الطحاوي: مذهب الطحاوي: مذهب أبي حنيفة ما ذكرنا أولًا وارتفع الخلاف.
فرع آخر
قال في "الأم": لو طعنه عند أول اطلاعه بحديدة [١٤٣/أ] تجرح الجرح الذي يقتل أو رماه بحجر ثقيل يقتل مثله فكان عليه القود فيما فيه القود، لأنه إنما أذن له أن يناله الشيء الخفيف الذي يردع بصره لا يقتل نفسه بالمدرى والعود الصغير ونحو ذلك، وفيه وجه آخر لأصحابنا أنه لا يضمن ذلك وهو غريب بعيد.
فرع آخر
لو ثبت متطلعًا لا يمتنع عن الرجوع بعد رميه بالشيء الخفيف استغاث عليه، فإن لم يكن في موضع أحببت أن ينشده، فإن لم يمتنع عن الاطلاع فله أن يضربه بالسلاح وأن يناله بما يردعه فإن أتى ذلك على نفسه أو جرحه فلا عقل ولا قود، وقال: ولو لم ينل هذا منه كان للسلطان أن يعاقبه.
فرع آخر
لو أخطأ في الاطلاع لم يكن للرجل أن يناله بشيء، ولو رآه متطلعًا فناله قبل أن ينزع بشيء فقال: ما عمدت ولا رأيت لم يكن شيء لأن الاطلاع ظاهر ولا يعلم ما في قلبه.
فرع آخر
لو كان الواقف أعمى فناله بشيء ضمنه لأن الأعمى لا يبصر بالاطلاع شيئًا.
فرع آخر
لو كان المطلع ذا محرم من نساء المطلع عليه لم يكن له أن يناله بشيء بحال ولم يكن له أن يطلع لأنه لا يدري لأن يرى منهم عورة ليست له رؤيتها، وإن ناله بشيء في الاطلاع هنا ضمنه عقلًا وقودًا [١٤٣/ب] إلا أن يطلع على امرأة منهم مجردة فله حينئذ ما يكون له في الأجنبي إذا تطلع، وقال في (الحاوي): هذا الحظر عام والمري خاص فيحرم التطلع على المناسبين من الآباء والأبناء، كما يحرم على الأجانب لأنه ربما كان مكشوف العورة أو كان على حاله والرمي خاص فإن كان الناظر والدية الذين لا قصاص عليهما ولا حد قذف لا يجوز له رميهما لأنه نوع حد فإن رماهما وفقأهم ضمن وهل يكون شبهة في سقوط القود عنه؟ فإن كان عند التطلع مستور العورة عنه لا شبهة له يلزمه القود، وإن مكشوف العورة فهو شبهة له في سقوط القود ويضمن الدية. وإن كان الناظر أجنبيًا أو من ليس بمحرم كبني الأعمام جاز العفو، ولا فرق بين أن
[ ١٣ / ١٥٧ ]
يكون الناظر رجلًا أو امرأة وفي الدار رجل أو امرأة، وإن كان يطلع الرجل على الرجل والمرأة على المرأة أخف حظرًا، وإن كان الناظر من ذوي المحارم الذي يجري القصاص بينهما سواء كالإماء والبنات والخالات ففيه وجهان ظاهرانك أحدهما: وهو ظاهر قول أبي حامد أنه يجوز فيهم، وروى عطاء بن يسار [١٤٤/ أ] أن رجلًا قال: يا رسول الله أستأذن على أمي؟ قال: نعم قال: إني أخدمها قال: استأذن عليها فعاوده ثلاثًا فقال: أتحب أن تراها عريانة؟ قال: لا قال: فاستأذن عليها. والثاني: وهو اختيار ابن أبي هريرة لا يجوز لهم رميهم كالآباء لقوله تعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور ٣١] الآية. فشرك بين جميعهم في إباحة النظر إلى الزينة الباطنة لأن الزينة الظاهرة لا تحرم على الأجانب.
فرع آخر
ولو كان الباب مفتوحًا أو كانت كوة واسعة فإن نظر ما رأى الإنكار عليه ولو غض بصره كان أولى، وإن وقف ناظرًا قال أبو حامد: له رميه وفقء عينه للتعدي. وقال أبو القسم الصيمري: ليسه له ويضمن إن فعل لأنه أباح النظر له بفتح بابه ويقال له: رد بابك بخلاف الكورة فإن فيها مرافق من الضوء وغيره فلم تجر العادة بسدها بحال.
فرع آخر
إذا قلنا بالوجه الثاني: فإن وقف في حريم الدار كان لصاحبها منعه من الوقوف عليه، وإن وقف في باحة الطريق لم يكن له منعه من الوقوف ويمنعه من النظر، وباحة الطريق وسطه. وروى أبو هريرة [١٤٤/ب] ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ليس للنساء باحة الطريق ولكن لهن حجزتاه" أي جانباه.
فرع آخر
لو كان التطلع على دار لا ساكن فيها لم يجز أن يوماء سواء كان فيها مال أو لم يكن لارتفاع العورة.
فرع آخر
لو كان في الدار وحده ولا حرمة له فيها له رمي عينه ذكره أصحابنا، وقال القاضي الطبري: يقتضي مذهب الشافعي ﵁ أن له رمي عينه إذا كان مكشوف العورة، فإن لم يكن مكشوف العورة فالنظر إليه مباح فلا يجوز له رميه كما قال الشافعي: إذا كانت حرمه محرمًا للناظر لم يجز رمي عينه إلا أن تكون مجردة فله رمي عينه، وقال القفال: فيه وجهان، وإن كانت مستورة العورة وكذلك إن كان فيه حرم مستورات وهذا خلاف المشهور من النص.
[ ١٣ / ١٥٨ ]
فرع آخر
قال ابن المرزبان: إذا دخل رجل المسجد فكشف عورته وأغلق الباب على نفسه أو لم يغلق فجاء ناظر فنظر إليه ففقأ عينه يلزمه الضمان لأنه ليس بموضع مختص بقوم دون قوم.
فرع آخر
قال الماسرجسي: لو قعد الرجل على الطريق فكشف العورة [١٤٥/أ] فنظر ناظر إلى عورته لم يكن له رمي عينه لأنه هو الهاتك لحرمة نفسه وهو كالحرز في السرقة إذا ضيع الرجل ماله وتركه في غير حرزه فلا قطع على سارقه فكذلك هنا.
فرع آخر
قال في "الأم": لا فرق بين أن يكون الموضع الذي يطلع منه واسعًا أو ضيقًا وبين أن يطلع من ملكه إلى ملك غيره أو من غير ملكه من الطريق أو غيره لأنه يطلع إلى ما لا يحل الاطلاع عليه.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا بخراسان: لو رماه بشيء فأصاب غير العين فإن كان بعيدًا بحيث لا يخطئ من العين إليه ضمن، وإن كان قريبًا فأخطأ من العين إليه لم يضمن.
مسألة: قال: ولو دخل بيته فأمره بالخروج فلم يخرج فله ضربه حتى يخرج.
اعلم أنه إذا دخل منزل رجل ليلًا أو نهارًا بسلاح فأمره بأن يخرج لم يخرج فله ضربه، وإن أتى الضرب على نفسه. قال أصحابنا: ليسه لو ضربه ما لم يأمره بالخروج فقوله يخالف هذا الذي تطلع عليه من بيت فإن له رمي عينه قبل أن يأمره بالانصراف لأن رمي عينه عند الاطلاع منصوص عليه مثل قطع اليد إذا سرق، فإن أراد رمي عينه لم يكن له ذلك لأنه إذا دخل بكل بدنه يسقط الحكم في تفصيل الأعضاء [١٤٥/ب] وذكر ابن أبي هريرة وصاحب "الإفصاح" وجهًا آخر أن له ذلك لأن له قتله فضرب عينه أولى ولأنه أغلظ حالًا من التطلع لأنه جني بكل بدنه وهذا ضعيف وهذا إذا لم يرجع فأنا إذا ولى راجعًا لم يكن له ضربه.
فرع آخر
لا يجوز لأحد أن يدخل دار أحد إلا بإذن صريح وإن كان الباب مفتوحًا لقوله تعالى: ﴿تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَانِسُوا وتُسَلِّمُوا﴾ [النور ٢٧] وقرأ ابن عباس "حتى تستأذنوا".
فرع آخر
وكذلك إذا دخل فسطاطه في ناديه وفيه حرمته أو لا حرمة له فيه وفيه خزانته له دفعه وإن أتى ذلك على نفسه.
[ ١٣ / ١٥٩ ]
فرع آخر
قال: وهكذا إذا أراد دخول منزله وكابره عليه فله ضربه وإن أتى ذلك على نفسه.
فرع آخر
لو علم بخمر في بيت أو طنبور وعلم بشربه وضربه له أن يهجم على صاحب البيت ببيته فيريق الخمر ويفصل الطنبور ويمنعهم عن الشرب والضرب، وإن لم ينتهوا فله قتالهم، وإن أتى القتال عليهم وهو مثاب عليه. وكذلك لو كان بيده طنبور فأراد رجل أخذه وكسره فمنعه له أن يدفعه وإن أدى إلى قتله وشق ثيابه.
فرع آخر
قال: ولو قتل رجل رجلًا وادعى القاتل أنه أراد دخول منزله مكابرة فدفعه بالضرب وأتى عليه لم يصدق القاتل عليه سواء كان معروفًا بذلك أو لا إلا ببينة يقيمها، فإن لم يقم ببينة أعطى [١٤٦/أ] منه القود.
فرع آخر
قال: ولو جاء ببينة يشهدون أنهم رأوا هذا مقبلًا إلى هذا بالسلاح شاهرًا ولم يزيدوا على هذا فضربه هذا فقتله أهدرته، لأن الظاهر أنه قصده وأن القاتل دفعه، وقال صاحب (الحاوي): هكذا قال أبو حامد وعندي أن هذه الشهادة تسقط القود للشبهة ولا توجب سقوط الدية لاحتمال دخوله على هذه الحالة أن يكون هرب من طلب وإن أكملت الشهادة بأن قالوا دخل عليه بسيف مشهور وأره فلا قود ولا دية ولا إشكال.
فرع آخر
قال: ولو أنهم رأوه داخلًا في داره ولم يذكروا معه سلاحًا أو ذكروا سلاحًا غير شاهر فقتله أقدت منه لا أطرح عنه القود إلا بمكابرته على دخول الدار وأن يشهر السلاح عليه وتقوم بذلك بينة.
فرع آخر
ولو شهدوا أنه أقبل عليه في صحراء بسلاح فضربه فقطع يد الذي أريد ثم ولى عنه فأدركه فذبحه أقدته منه وضمنت المقتول به يد القاتل وهذه من فروع حمل الرجل على الرجل الذي ذكرنا في أول الباب.
فرع آخر
قال: ولو التقى نفسان فتقاتلا ظلمًا على عصبيته وطلب كل واحد منهما نفس الآخر أو ماله فكل قاتل منهما ظالم، وكل مقتول مظلوم يقاد من قاتله ويكونان متساويين في الظلم قبل القتل لاشتراكهما في التعدي بالقتال ومختلفين بعد القتل فيصير القاتل ظالمًا
[ ١٣ / ١٦٠ ]
والمقتول مظلومًا لأن التعدي بالقتل صار متعينًا [١٤٦/ب] في القاتل دون المقتول وعلى هذا حمل قول رسول الله ﷺ: "إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار" يعني: لظلمهما بالقتال وقصده صاحبه فله دفعه الآن وإن أتى على نفسه على ما ذكرنا.
فرع آخر
لو كانت دار يسكنها ذو محرم له مع مالكها فأراد دخول الدار لا يلزمه الاستئذان ولكنه متى أراد الدخول عليه يشعر بدخوله بالنحنحة وشدة الوطء ليستتر العريان، وإن لم يكن المحرم ساكنًا فيها فإن كان الباب مغلقًا لم يجز الدخول إلا بإذن، وإن كان مفتوحًا فهل يجب الاستئذان وانتظار الإذن؟ وفيه وجهان أحدهما: يجب لجواز أن يكون رب الدار على عورة. والثاني: لا يجب ويلزم الإشعار بالدخول التنحنح والحركة لقوله تعالى: ﴿ولا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَاكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النور ٦١] الآية. ففرق الله تعالى من ذوي المحارم وغيرهم في الإباحة.