مسألة:
قَالَ: "فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنتَ الأحْرَارَ أَوْ العَبِيدِ فِي حَدِّ الزِّنَى".
الفصل:
الأمة المزوجة إذا طلقها زوجها، فإن كانت حاملًا فعدتها تنقضي بوضع الحمل، ولا فرق في ذلك بين الحر والأمة، وإن كانت حائًلا، فإن كانت من ذوات الأقراء، فعدتها بقرءين، وبه قال عمر وعلي، وابن عمر ﵃، وقال داود: عدتها ثلاثة أقراء لقوله تعالى: ﴿والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ولم يفصل، وهذا غلط لما روي عن عمر ﵁ أنه قال بحضرة الصحابة: "ينكح العبد امرأتين ويطلق تطليقتين وتعتد الأمة حيضتين، فإن لم تكن تحيض فبشهرين أو شهرًا ونصفًا" والمراد بقوله حيضين أي طهرين ولكن الأطهار لا تتعدد إلا الحيض يعبر بالحيض عنه.
وروى أصحابنا عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: تطليق العبد بطلقتين، وتعتد الأمة حيضتين" والمشهور أنه لا يصح مرفوعًا.
واعلم أن الشافعي احتج في أول هذا الباب فذكر بعض ما افترق فيه الحر والعبد وبعض ما استويا فيه، فقال: "قَدْ فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ الأَحْرَارِ وَالعَبِيدِ فِي حَدَّ الزَّنَى" ثُمَّ قَالَ: "وَذَكَرَ المَوَارِيثَ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ لَقِيتُهُ أَنَّ ذَلِكَ فِي الأَحْرَارِ دُونَ العَبِيدِ وَفَرَضَ اللَّهُ العُدَّةَ بِثَلاثَةِ أَشْهُرٍ، وَفِي المَوْتِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعَشَرًا" ثُمَّ قَالَ: "وَلَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا [مِمَّنْ حَفِظْتُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ] فِي أَنَّ عِدَّةَ الأَمَةِ نِصْفُ عِدَّةِ الحُرَّةِ فِيهَا لَهُ نِصْفُ مَعْدُودٍ" الفصل إلى آخره.
قال أصحابنا: جملة الأحكام [ق ٧٣ أ] على ثلاثة أضرب:
ضرب يستوي فيها بين الأحرار والعبيد، مثل تحريم الظهار، ومدة الإيلاء، ومدة العنة، والقصاص، والقطع في السرقة؛ لأن شيئًا منها لا يحتمل التبعيض، ولا بدل له يقوم مقامه فسوى بين الأحرار والعبيد فيه، ومن ذلك فرائض الصلوات والصيام.
وضرب خص به الأحرار مثل الرجم بالزنى فإنه لا يحتمل التبعيض إلا أن له بدلًا
[ ١١ / ٢٩٢ ]
وهو الجلد، فاقتصر في العبيد على بدله وكذلك ما بني على الفضيلة والجمال كالجمعة، والشهادة، والولاية، والميراث لا مدخل للعبيد فيها.
وضرب جعل العبد فيه على النصف من الحر، وهو حد الزنى، والقذف، والشرب، والطلاق، والعدة، إلا أن الطلقة الواحدة والحيضة الواحدة لا يتبعضان فكملتا، وقو الشافعي: " وَأَمَّا الحَيْضَةُ فَلاَ يُعْرَفُ لَهَا نِصْفٌ" معناه جعلنا عليها شيء ما على الحرة من الأقراء؛ لأنها لا تنتصف الحيضة ولو تنصفت لألزمناها حيضة ونصفًا، وأقرب الأشياء من الصنف إذا لم يسقط من النصف شيء حيضتان، وهذا لأن أقرب القرءين من نصف الثلاثة بزيادة نصف قرء، وقرب القرء الواحد من نصف الثلاثة بنقصان نصف قرء، فالواحد والاثنان سواء في القرب من نصف الثلاثة، ولكن لو صرنا إلى الواحد نقصًا من نصف الثلاثة شيئًا، فكذلك صرنا إلى الاثنين، وقلنا: الإثنان أقرب الأشياء من النصف إذا لم يسقط من النصف شيء، وإن كانت من ذوات الأشهر فيه ثلاثة أقوال: [ق ٧٣ ب]
أحدها: تعتد بشهر ونصف لأنه ذو عدد مبني على الفاضل، ويمكن تنصيفه فينصف كالحد وهو المشهور، وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: تعتد بشهرين كما تعتد بقرءين، لأنه بدل كل قرء شهر كما في الصغيرة ثلاثة أشهر بدل ثلاثة أقراء.
والثالث: تعتد بثلاثة أشهر وأشار إليه في "أم الولد" إذا لم يكن ذوات الأقراء، وهذا لأن المقصود العلم ببراءة الرحم وهي أقل مدة يظهر في مثلها الحمل، فما لم يمض ذلك لا تعرف براءة رحمها، وهو اختيار جماعة من أصحابنا، وعن أحمد ثلاث روايات مثل أقوالنا سواء.
وأما قول عمر ﵁: "فإن لم تحض بشهرين أو شهرًا ونصفًا" قيل: هو شك من الراوي. وقيل: هو تعليق القول، وهو دليل على جواز تعليق القولين في المسألة وهذا هو الظاهر؛ لأنه لا يبعد أن يقع الشك للراوي بين شهرين أو شهر أو نصف شهر.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ أُعْتِقَتْ الأَمَةُ قَبْلَ مُضِيَّ العِدَّةِ أَكْمَلَتْ عِدَّةَ حُرَّة".
الفصل:
إذا تزوج بأمة، ثم دخل بها، ثم اجتمع لها العتق والطلاق نظر، فإن عتقت قبل طلاقه فعدتها عدة الحرة الأصلية؛ لأن العتق وجد وجوب العدة، وإن عتقت بعد أن اعتدت بقرءين لم تكمل ثلاثة أقراء؛ لأن الحرية طرأت بعد انقضاء العدة وإن أعتقت في
[ ١١ / ٢٩٣ ]
أثناء العدة، اختلف قول الشافعي فيه، فقال في "القديم" إن كانت بائنًا أكملت عدة أمة، وإن كانت رجعية فيه قولان هل تكمل عدة حرة أو أمة؟
وقال في الجديد: إن كانت رجعية أكملت عدة حرة، وإن كانت بائنًا، قال أصحابنا: يحصل من ذلك ثلاثة أقاويل:
أحدها: تكمل عدة أمة رجعية [ق ٧٤ أ] كانت أو بائنة، قال مالك: لأن الحرية طرأت بعد وجوب العدة عليها فلا يتغير حكمها، كما لو طرات الحرية بعد وجوب الاستبراء.
والثاني: أنها إن كانت رجعية تكمل عدة حرة، وإن كانت بائنًا أكملت عدة أمة.
وبه قال أبو حنيفة، وأحمد؛ لأن الرجعية تعتد عدة الوفاة لو مات، فوجب أن تعتد عدة حرة بخلاف الثاني والثالث أنها تكمل عدة حرة بكل حالٍ رجعية كانت أو بائنًا. وهو اختيار المزني؛ لأن سبب العدة الكاملة إذا وجد في أثناء العدة انتقلت إليه وإن كانت بائنًا، كما لو اعتدت بالشهور فرأت الدم قبل إتمامها ويفارق الاستبراء؛ لأن الحرية لو قارنت وقت الوجوب لم تكمل، وهو إذا مات السيد فعتقت أم الولد بموته يكفيها استبراء واحد، وهذا اختيار أبي إسحاق وجماعة.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَاخْتَارَتْ فِرَاقَهُ كَانَ ذَلِكَ فَسْخًا بِغَيْرِ طَلاَقٍ وَتَكْمُلُ العِدَّةُ مِنَ الطَّلاَقِ الأَوَّلِ".
صورة المسألة أن يطبق العبد زوجته الامة، ثم أعتقها سيدها وهي في العدة فلها اختيار الفراق في الحال، ولها أن تؤخر الفسخ على ما ذكرنا فيما تقدم، فإن عجلت الفسخ قال أبو إسحاق: تبني على عدتها قولًا واحدًا.
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان:
أحدهما: تبقى.
والثاني: تستأنف العدة وهذا ضعيف. فإذا قلنا: تستأنف استأنفت عدة حرة لأنها وجبت في حال الحرية.
وإذا قلنا: نبني فهل تكمل عدة أمة أو عدة حرة؟ فيه طريقتان:
إحداهما: تكمل عدة حرة قولًا واحدًا؛ لأن الفسخ سبب لابتداء العدة، فإذا وجد في حال الحرية أوجب إكمال عدة الحرة، وهو اختيار أبي إسحاق [ق ٧٤ ب].
والثانية: فيه قولان؛ لأنها مستديمة العدة والفسخ بمنزلة الطلاق البائن. وإن راجعها كان لها أن تختار الفسخ، وإذا اختارت الفسخ فيه طريقان:
أحدهما: أنه كالطلاق، ولو طلق بعد الرجعة هل تستأنف العدة أو تكمل العدة؟
[ ١١ / ٢٩٤ ]
قولان كذلك ههنا.
والثانية: أنها تستأنف قولًا واحدًا؛ لأنها فسخت النكاح وهي زوجته ومتى استأنفت أكملت العدة، وإذا أكملت فيه طريقان على ما ذكرنا.
وقال في "الحاوي": إذا فسخت بالعتق هل يكون فسخها قاطعًا لرجعة الزوج وجهان:
أحدهما: لا تقطع رجعته؛ لأنها من أحكام طلاقه. فعلى هذا إن راجع الزوج وقعت الفرقة بالفسخ دون الطلاق، فيكون ابتداء عدتها من وقت الفسخ وتعتد عدة حرة؛ لأنها بدأت بالعدة وهي حرة، وإن لم يراجع فالفرقة وقعت بالطلاق دون الفسخ فيكون أول عدتها من وقت الطلاق، وقد بدأت وهي امة، ثم صارت حرة فهل تعتد عدة أمة أو حرة؟ قولان:
والثاني: الفسخ قطع رجعة الزوج عنها لأنها غير مؤثرة في الإباحة، فمنع كما منع من رجعة المرتدة. فعلى هذا هل يغلب في الفرقة حكم الطلاق أو حكم الفسخ وجهان:
أحدهما: يغلب حكم الطلاق لتقدمه [فعلى هذا هل تعتد عدة أمة أو عدة حرة؟ على ما مضى من القولين.
والثاني: يغلب حكم الفسخ لقوته] فعلى هذا تعتد عدة حرة قولًا واحدًا لأن الفسخ ما وقع إلا بعد الحرية، ولكنها تبني على ما مضى من وقت الطلاق ولا تبتدئها من وقت الفسخ؛ لأن الفسخ قد أبطل الرجعة فلم يجز أن يطول به العدة.
وهذه طريقة حسنة ولو طلقها زوجها، ثم أعتقت في العدة، ثم طلقها ثانيًا بعد الحرية هل تبنى على عدتها أم تستأنف؟ طريقان على ما ذكرنا؛ لأن وقوع الطلاق في حال الحرية بمنزلة وقبوع الفسخ في حال الحرية لا فرق بينهما.
[ق ٧٥ أ] مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ أَحْدَثَ لَهَا رُجْعَةً، ثُمَّ طَلَّقَهَا وَلَمْ يُصِبْهَا بَنَتْ عَلَى العِدَِّةِ الأُولَى".
صورة المسألة أنه طلق امرأته الحرة فمضى لها قرء مثلًا، ثم راجعها زوجها ولم يصبها حتى طلقها، نقل المزني أنها تبني على العدة الأولى؛ لأنها مطلقة لم تمس هكذا علل الشافعي، ومعناه لم تمسس بعد استحداث التمليك، وهذا قوله القديم، وبه قال مالك. قال المزني: هذا غلط بل عدتها من الطلاق الثاني؛ لأنه لما راجعها بطلت عدتها وصارت في معناها المتقدم بالعقد الأول لا بنكاح مستقبل، فهي في معنى من ابتدأ
[ ١١ / ٢٩٥ ]
طلاقها مدخولًا، وهذا قول الشافعي في الجديد، وقد ذكره الشافعي في باب إفراد الشافعي لهذه المسألة ونص فيه على قولين، وبه قال أبو حنيفة، وهو الأصح لما ذكر المزني من الدليل.
وقال داود: سقطت العدة وحلت للأزواج؛ لأن الطلاق الأول ارتفع بالرجعة فسقطت بقية العدة، ثم طلقها ثانيًا من غير إصابة، وهذا خلاف الإجماع ويؤدي إلى اختلاط المياه وفساد الأنساب، وإن نكح المرأة في يوم واحد عشرين زوجًا ولو راجعها، ثم وطئها، ثم طلقها لا يختلف المذهب أنها تستأنف العدة من الطلاق الثاني، ولو خالفها، ثم نكحها، ثم طلقها قبل الدخول بها بنت على عدتها الأولى قولًا واحدًا، وبه قال محمد.
وقال أبو حنيفة: تستأنف العدة وتكمل مهرها، وقد مضى هذا فيما قبل وهو غلط ظاهر لأن الخلع يوقع البينونة فلا يمكن ضم الحالة الثانية إلى الأولى لتحلل البينونة بينهما ولا يمكن إيجاب عدة مستأنفة لأنه طلاق قبل الدخول فلم يبق إلا البناء على العدة الأولى [ق ٧٥ ب] وحكي عن المزني أنه قال: لا يجوز المخالع نكاح المختلعة قبل انقضاء عدتها منه كما لا يجوز لغيره، وهذا خطأ لأنه لا يصان ماءه ولو طلقها طلقة رجعية، ثم راجعها، ثم خالعها، فإن قلنا: الخلع طلاق هل تستأنف العدة أو تبنى قولان على ما ذكرنا.
وإن قلنا الخلع فسخ فيه طريقان:
أحدهما: أنه كالطلاق أيضًا.
والثانية: أن الفسخ جنس يخالف جنس الطلاق فاقتضى اختلافهما أن لا تبنى عدة أحدهما على الآخر بل تستأنف العدة بعد الخلع قولًا واحدًا ولو طلقها طلقة أخرى قبل أن يراجعها فالمذهب أنها تأتي ببقية عدتها ولا تستأنف من الطلاق الثاني قولًا واحدًا.
ومن أصحابنا من قال فيه قولان أيضًا.
أحدهما: تستأنف لأن الشافعي لما ذكر الاستئناف في أحد قوليه إذا راجعها، ثم طلقها قال: فمن قال بهذا لزمته أن يقول ارتجع ولم يرتجع سواء، وهذا غلط وليس هذا بتفريع على هذا القول بل تشنيع على من قال بهذا القول، وهو اختيار أبي إسحاق وقال القفال: الصحيح أن في هذه المسألة قولين أيضًا لأن الشافعي قال: فيمن قال لامرأته: كلما ولدت ولدًا فأنت طالق فولدت ثلاثة تطلق ثنتين بالأول وتنقضي عدتها بالثالث.
وقال في الإملاء: طلقت ثلاثًا واستأنفت العدة بالأقراء وهنا لا يخرج إلا على هذا القول وهو انه متى لحقها طلقة استانفت العدة فتقع الطلقة الثالثة بين العدتين، وإن لم يكن بينهما زمان يشار غليه كما لو قال: أنت طالق بين الليل والنهار فإذا غربت الشمس أو طلع الفجر طلقت ولا زمان بينهما ليس من أحدهما وهذا اختيار الأصطخري، وابن خيران ولو مات عنها [ق ٧٦ أ] في خلال عدتها وهي رجعية تستأنف عدة الوفاة قولًا
[ ١١ / ٢٩٦ ]
واحدًا وتسقط باقي العدة ولا يجب الإتيان به في عدة الوفاة بلا خلاف.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَانَ طَلاَقًا لاَ يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ ثُمَّ أُعتِقَتْ".
الفصل:
ذكر ههنا حكم البائنة في عدتها هل تبني على عدة أمة أو تكمل عدة حرة؟ فيه قولان، وقد ذكرنا ذلك واختار أنها تعتد عدة حرة، واحتج الشافعي به لهذا القول، وهو أن المرأة إذا كانت تعتد بالشهور فرأت الأقراء انتقلت إلى الأقراء، وأنت المسافر إذا أقام في أثناء صلاته يصلي صلاة مقيم، وهذا الذي ذكره صحيح فلا يحتاج إلى جوابه.
ثمَّ قَالَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزَ لِمَنْ دَخَلَ فِي صَوْمِ ظِهَارٍ، ثُمَّ وَجَدَ رَقَبَةً أَنْ يَصُومَ [وَهُوَ مِمَّنْ يَجِدُ وَيُكَفُرُ بِالصِّيَامِ] وَلاَ لِمَنْ دَخَلَ فِي الَصَّلاَةِ بِالتَّيَمُّم ثُمَّ يَجِدُ المْاءَ أَنْ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّم كَمَا قَالَ لاَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي عِدَّتِهَا مِمَّنْ تَحِيضُ وَتَعْتَدُّ بِالشُّهُورِ" وقد سوى الشافعي في ذلك بين ما دخل فيه المرء وبين ما لم يدخل فيه، فجعل المستقبل فيه كالمستدبر، يعني أنه جعله كالمسافر الذي نوى المقام في خلال صلاته أن يجعله كمن وجد الماء قبل الشروع في صلاته، ويلزمه أن يقول فيمن صام بعض الأيام عن الظهار، ثم وجد الرقبة أن ينتقل على الرقبة كمن وجد الرقبة قبل الشروع في الصيام. والجواب أن المسافر إذا نوى المقام في خلال صلاته فأمرناه بالإتمام لم تبطل عليه ما مضى من صلاته، ولو كلفنا المقيم الماء والظاهر العتق أبطلنا على كل واحد منهما ما مضى من العبادتين، فلا تصح هذه الموازنة والجمع. ومثل هذا الجواب في مسألة [ق ٧٦ ب] الحيض، والشهور لا تستمر مع المزني إلا على مذهب من يقول: تعتد بها بما مضى قرءًا إذا حاضت قبل إكمال الشهور، فلا يبطل عليها فيما مضى من شهورها.
ثُمَّ قَالَ: "وَالطَّلاَقُ إِلَى الرَّجَالِ وَالعِدَّةُ بِالنَّسَاءِ وَهُوَ أَشْبَهُ بِمَعْنَى القُرْآنِ مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الأَثَرِ، زَمَا عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ فِيمَا سِوَى هَذَا مِنْ أَنَّ الأَحْكَامَ تُقَامُ عَلَيْهِمَا" وهذه المسألة مضت في كتاب الرجعة، ومقصوده الرد على أبي حنيفة حيث اعتبر الطلاق بالنساء، ولا شك أن العدة بالنساء، فعدة الحرة ثلاثة أقراء سواء كان زوجها حرًا أو عبدًا، وعدة الأمة قرءان سواء كان زوجها حرًا أو عبدًا، وأراد بمعنى القرآن قوله تعالى: ﴿والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ولم يفصل بين أن
[ ١١ / ٢٩٧ ]
يكون زوجها حرًا أو عبدًا، وأراد بالأثر ما ذكرنا عن عمرو ﵁: يطلق العبد تطليقتين وتعتد الأمة حيضتين.
ثم احتج بالقياس في قوله الأحكام تقام عليها كما نقول في الحدود، فإن الحر يزني بأمة فيعتبر حد كل منهما لمحاله دون حال صاحبه؛ كذا ههنا يعتبر كمال الطلاق بكمال حاله ونقصانه بنقصان حاله؛ لأنه الفاعل وتعتبر العدة بها؛ لأنها الفاعلة لها. فأما الجلاد يباشر ضرب الحد ولا يعتبر به لأنه نائب عنه ليس أن الحكم ثبت له أو عليه ولا اعتبار بالنائب.