مسألة:
قال: "وَإِنْ طَلَّقَهَا طَلْقَةً يمَلكُ رَجعْتَهَا، ثُمَّ مَاتَ اعْتَدَّتْ عدَّةَ الوَفَاةِ".
هذه المسألة ذكرناها قبل هذا، وهي أن الرجعية إذا مات زوجها وهي في عدتها تعتد تعقيب الوفاة أربعة أشهر وعشرًا، ونورثها زوجها لأنها في معني الزوجات، ولأنها
[ ١١ / ٣٦١ ]
ما بانت بالطلاق لأنه يستبيحها من غير عقد جديد، فإذا مات فالموت أبانها فوجبت عدة ما أبانها وهي عدة الوفاة، ولأن عدة الوفاة أكد لأنها تلزم قبل الدخول وقد بيناها.
مسألة:
قال: "وَلَوْ رَاجَعَهَا، ثُم َّطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا".
الفصل:
قد ذكرنا هذه المسألة وبينا اختيار المزني أنها تستأنف العدة، قال أبو إسحاق: وهذا أقيس. وقيل: إنه قول ابن جريج وعبد الكريم، وطاووس، والحسن بن مسلم.
واحتج المزني بأن عدتها سقطت بجرعته ونحن لا نسلم علي القول الآخر ما ذكره، بل نقول: هو موقوف.
ثم قال الشافعي: "وَمَنْ قاَلَ بِهَذَا انْبغَي أَن ْيقَوُلَ رَجْعتُهُ مُخَالفَةٌ لَنِكَاحِهِ إيِّاهَا ثُمَّ يُطلَّقَها قَبْلَ أَنْ يمَسهَّا". يعني أن المطلقة لو كانت بائنة يخلع وهي في العدة فجدد الخالع نكاحها، ثم طلقها قبل أن يمسها لزممها [ق ١٢٢ ب] البناء علي ما سبق من العدة، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: يلزمها أن تستأنف العدة عن النكاح. وظاهر اللفظ يوهم أنه أراد نكاح الرجعية في العدة، ولم يرد ذلك فلا يظن عليه، وإنما لم يستقل الشافعي بتمام تصوير المسألة بأن ذلك لا يكاد يشكل عل العالم بمذهبه.
ثم قال مفرعًا علي قول الاستئناف: " وَيُشْبهُ أَنْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ: ارْتجَعَ أَوْ لمْ يَرْتَجعْ سَواَءٌ" يعني من قال إذا رجعها، ثم طلقها قبل أن يمسها يلزمه استئناف العدة لذمه أن يقول: لو اتبعها طلاقًا من غير أن يرتجعها لزممها الاستئناف ويحتج " بِأَنَّ زَوْجَهَا لَوْ مَاتَ اعْتدَّتْ منْهُ عدَّة الوَفاَة وَوَرثتْ كَمَنْ لم تُطَلقْ".
وقال بعض أصحابنا: لم يقصد الشافعي تعليق القول في مسألة الإتباع إذا اتبع طلاق طلاقًا، بل لا يختلف قوله هناك أنه يكفيها البناء علي العدة السابقة ولا يلزمها الاستئناف، وإنما قصد الشافعي بهذا الكلام تضعيف أحد القولين في المسألة السابقة وهي إذا راجعها ثم طلقها قبل أن يمسها ففيها قولان:
أحدهما: لا يلزمها استئناف العدة والشافعي قد يفعل مثل هذا التضعيف أحد القولين ألا تري أنه قال في " كتابا لبيوع" في اللحمان هل هي صنف أو أصناف؟ فيه قولان، ثم قال: ومن قال إنه صنف واحد لزمه أن يقول: الثمار صنف. فذكر أن القول به يفضي إلي ما نقول به أحد فكان باطلًا كذلك ههنا. وهذا اختيار أبي إسحاق، والمزني، فإذا طلق الرجعية ثانيًا لا تستأنف العدة بل تبني علي ما بقي؛ لأن جملة الطلاق
[ ١١ / ٣٦٢ ]
الثلاث لما أوجبت ثلاثة أقراء إذا أوقعها مجتمعًا [ق ١٢٣ أ] فكذلك إذا وقعها متفرقًا فلا نوجب أكثر منها، ويفارق هذا إذا راجعها، ثم طلقها لأنه لما راجعها سد الثلمة التي أوقعها الطلاق، فإذا طلقها بعد ذلك كان كابتداء طلاق في نكاح، قد دخل بها فيه فاستأنفت، بخلاف ما لو لم يراجعها. وعبارة المزني ههنا أنه قال: " وإنما طلق امرأته مدخولًا بها في غيره عدة فهي في معني من ابتدأ نكاحها" وقوله: في غيره عدة: احتراز عن مسألة الإتباع؛ لأن هناك الطلاق الثاني صادف العدة، وإذا راجعها ثم طلقها فالطلاق الثاني كأن لم يكن في العدة لانقطاعها بالرجعة.
وقال الإصطخري: هذا تفريع والكل علي قولين، واحتج للقول الآخر بما لو مات تستأنف العدة، والجواب أن عدة الوفاة جنس آخر لأنها تتنوع نوعين، وعدة الطلاق تتنوع ثلاثة أنواع، وعدة الوفاة أقوي فإنها تجب من غير دخول وهنا الغدتان واحدة وليست إحداهما أقوي من الأخرى، فلم يراجعها. وقيل إن قلنا إذا راجعها تبني فإذا اتبع أولي وإن قلنا: هناك تستأنف ففي الإتباع قولان.
فرع:
قال القفال: إذا قلنا في الرجعية يراجعها زوجها، ثم يطلقها تبني علي عدتها لو مضي قرء، ثم راجعها في الطهر الثاني لا يحتسب لها أول هذا الطهر الذي راجعها قرء؛ لأن جزءا من أول الطهر لا يدل علي براءة الرحم بخلاف جزء من أجزاء الطهر، فإن ذلك يدل علي براءة الرحم لإيصاله بأول الحيض، فإن طلقها بعد الرجعة في هذا الطهر بعينه احتسب بباقية قرءًا ثانيًا [ق ١٢٣ ب] وإن لم يطلقها حتى حاضت فلا تحتسب بهذا الطهر ألبته، وكذلك لو راجعها في الطهر الأول أمسكها حتى حاضت، قلنا: لم يحصل لق شأ فعليك ثلاثة أقراء، ولو احتسب ببعض الطهر من أوله قرء يحصل لها قرءان في طهر واحد، بأن يراجعها في خلال طهر، ثم يطلقها فيه وذلك محال.
فرع آخر:
قال: "ولو كانت حاملًا فراجعها فوضعت الحمل، ثم طلقها، وإن قلنا تستأنف العدة هناك فهنا أولي بأن تستأنف ولا كلام، وإن قلنا: تبني هناك فهنا وجهان:
أحدهما: تستأنف ثلاثة أقراء إذ محال أن تنقضي العدة منه وهي تحته في صلب نكاحه ووضع الحمل حصل وهي تحته فيجعل كأن الحمل لم يكن.
والثاني: لا عدة عليها ألبته بعد الطلاق، بل يحكم بأن عدتها قد انقضت بوضع الحمل، وإن كانت تحت الزوج ويجوز أن تنقض العدة بالحمل في حال لا تنقضي فيها بالإقراء، والأشهر كما لو نكحت في العدة وهي حامل فوضعت تحت الزوج الثاني انقضت عدتها من الأول، وفي هذه الحالة لا تنقضي عدتها بالإقراء والأشهر، أعني بعدما وطئها الثاني وقبل أن يفرق بينهما، وكذا إذا حبلت من الثاني فبوضع الحمل تنقضي
[ ١١ / ٣٦٣ ]
عدتها منه إذا وضعت بعدما فرق بينهما، ولولا الحبل لكانت تبدأ ببقية عدة الأول، وهذا الفصل لم يذكره أصحابنا بالعراف.