مسألة:
قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٤٠] الآيَةَ فَدَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهَا عَلَى الحُرَّةِ غَيْرُ ذَاتَ الحَمْلِ".
الفصل:
الأصل في عدة الوفاة الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٤٠] [ق ٧٧ أ] ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].
واعلم أن العدة كانت في أول الإسلام على المتوفي عنها زوجها حولًا كاملًا بقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أَزْوَاجًا وصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إلَى الحَوْلِ غَيْرَ إخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠] الآية، ثم نسخ ذلك واختلف أصحابنا في كيفية النسخ، فمنهم من قال: وهو اختيار الأصطخري: نسخت جميع الحول، ثم ثبت أربعة أشهر وعشر فيكون جميع آية الحول منسوخة وآية الشهور هو الموجبة لأربعة أشهر وعشر.
وروي عكرمة عن ابن عباس ﵄ انه قال: المتاع منسوخ بآية المواريث والحول منسوخ بأربعة أشهر وعشر.
ومن أصحابنا من قال: آية الشهور نسخت من آية الحول ما زاد على أربعة أشهر وعشر، وبقي من الحول أربعة أشهر وليس في هذا الاختلاف تأثير في الحكم، وهذا ظاهر كلام الشافعي ﵁.
فإن قيل: هذه متقدمة على آية الحول والناسخ لا يتقدم المنسوخ. قلنا: هذه الآية متقدمة في التلاوة متأخرة في التنزيل وهذا كثير في القرآن. قال الله تعالى: ﴿سَيَقُولُ
[ ١١ / ٢٩٨ ]
السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا ولاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢] متقدمة على قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة:١٤٤] وقيل: في تقديم الناسخة فائدة، وهو أن لا يعتقد حكم المنسوخة قبل العلم بنسخها.
فإن قيل: فليس بين الآيتين تعارض فكيف تنسخ إحداهما الأخرى؟ قلنا: المراد بهذه الآية جميع العدة بالإجماع ولهذا جعل فيها الكسر فوجد التعارض.
وأما السنة ما روى حميد بن نافع، عن زينب بنت أبي سلمة قالت: سمعت أم سلمة ﵂ [ق ٧٧ ب] تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عيناها أفنكحلها؟ فقال رسول الله ﷺ: "لا" مرتين أو ثلاثًا كل ذلك يقول "لا" ثم قال رسول الله ﷺ: "إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمى بالبعرة على رأس الحول "قال حميد: فقلت لزينب وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟ فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها قطنت حفشًا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبًا حتى تمر بها سنة، ثم تؤتي بدابة الحمار أو شاة، فتفتض به فقلما تفتض بشيء إلا مات يعني لطول أظفارها ثم تخرج فتعطي بعرة فترمى بها، ثم تراجع بعدما شاءت من طيب أو غيره.
وسئل مالك: ما تفتض؟ فقال: تمسح به جلدها، وقال القتيبي: معناه تكسر ما يبنى فيه من العدة بطائر تمسح به قبلها وتنبذه فلا يكاد يعيش، وهو من فضضت الشيء إذا كسرته أو فرقته ومنه فض خاتم الكتاب. والحفش البيت الدليل الصغير من الشعر والبناء وغيره.
وقال الأزهري: الحفش البيت الصغير القصير السمك، ومنه الخبر: ألا جلس في حفيشة أمه. الخبر ومعنى رمتها بالبعرة، أي وكأنها تقول: جلوسي في البيت وحبسي نفسي سنة كالرمية بالبعرة في حب ما كان يجب من حق الزوج أو ما لاقته في الحول من الشدة هين في عظم حقك علي كهوان هذه البعرة. وقيل: معناه اديت حقك وألقيته عني كما تلقاه هذه البعرة على قبر الزوج.
وروى الشافعي: فتقبض بالقاف والباء والصاد. قال الشافعي: [ق ٧٨ أ] والقبض أن تؤخذ من الدابة موضعًا بأطراف أصابعها، والقبض: الأخذ بالكف كلها. وقيل في رواية الشافعي فتقبض بالضاد، وهو القبض بالكف، وإنما روي يقبض لأن القبض بالكف يؤول إلى القبض الذي هو الكسر فعبر عنه عما يؤول إليه. ذكره في "الحاوي". وروي: "قد كانت إحداهن تمكث في شر أحلاسها أو شر بيتها، فإذا كان حول فمر كلب رمته ببعرة وإن لا حتى تمضي أربعة أشهر وعشر".
[ ١١ / ٢٩٩ ]
وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين فيه. فإذا تقرر هذا فعدة الوفاة بشيئين بالحمل والشهور.
فإن كان حاملًا اعتدت به فإذا وضعته حلت، وظاهر الآية يوجب عليها العدة بالأشهر، وإن كانت حاملًا، ولكن عرفنا ذلك بالسنة وهي أن سبيعة الأسلمية خرج زوجها في طلب عبيد له فكروا عليه فقتلوه، فوضعت بعد وفاته بنصف شهر، فخطبها أبو السنابل ابن بعكك فأبت عليه، فاجتاز بها يومًا وقد تصنعت للأزواج فقال لها: تصنعت للأزواج لا حتى تمضي أربعة أشهر وعشر، وإنما قال ذلك طمعًا أن تتربص حتى يرجع وليها من غيبته فيحثها على الإجابة لأبي السنابل فأتت سبيعة رسول الله ﷺ وأخبرته بما قال أبو السنابل فقال ﷺ: "كذب أبو السنابل قد حللت فأنكحي من شئت"، وإنما قال: "كذب" ولم يقل أخطأ لأنه ﷺ عرف قصده، وأنه قال ذلك عن عمد، وإنما قال الشافعي: عرفنا هذا بالسنة ولم يقل بالآية، وهي قوله تعالى: ﴿وأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ [ق ٧٨ ب] حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] لأن الآية وإن كانت عامة في نفسها فهي على أثر ذكر المطلقات فربما يقول قائل هي فيه الملقة لا في المتوفي عنها.
وروى أبو داود بإسناد خبر سبيعة على وجه آخر وهو الأصح وهو أن سبيعة تحت سعد بن خولة وتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعالت من نفاسها تجملت للخطاب فدخل عليه أبو السنابل ابن بعكك رجل من بني عبد الدار، فقال: مالي أراكي متجملة لعلكي ترجين النكاح أنكي والله ما أنتي بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر، قالت سبيعة: فلما قال ذلك جمعت على ثيابي حتى لبست فأتيت رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، فأمرني بالتزويج إن بدا لي وقوله: تعالت من نفاسها أي طهرت من دمها.
وروي عن علي ابن أبي طالب، وابن عباس ﵄ أنهما قالا: تعتد المتوفي عنها بآخر الأجلين. ومعناه أن تمكث حتى تضع حملها، فإن كانت مدة الحمل من وقت وفاة زوجها أربعة أشهر وعشر، فقد حلت، وإن وضعته قبل ذلك تربصت إلى أن تستوفي المدة.
وقال القفال: لم يصح هذا المذهب إلا عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وترك هذا المذهب عليهن وفيه نظر: وبقولنا قال عمر، وابن عمر، وابن مسعود، وأبو هريرة ﵃ ومالك، والأوزاعي، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة. والدليل على هذا ما ذكرنا من الخبر، وروي عن أبي سلمى بن عبد الرحمن أنه قال: كنت جالسًا مع أبي هريرة [ق ٧٩ أ]
[ ١١ / ٣٠٠ ]
وابن عباس ﵄، فذكروا المرأة المتوفي عنها زوجها وهي حامل، قال أبو سلمة: فقلت: إذا وضعت حملها فقد حلت، فقال ابن عباس: أجلها آخر الأجلين، فقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي - يعني أبا سلمة- فبعثوا كريبًا مولى ابن عباس إلى أم سلمة فسألها عن ذلك فقالت أم سلمة: إن سبيعة بنت الحارث الأسلمية وضعت بعد وفاة زوجها بليال فخطبها رجل من بني عبد الدار يدعى أبا السنابل وأخبرها أنها قد حلت فأراد أن تتزوج بغيره، فقال أبو السنابل: إنك لم تحلي فأتت رسول الله ﷺ فأمرها أن تتزوج.
وروى مسروق، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: من شاء لاعنته أنزلت سورة النساء القصرى بعد أربعة أشهر وعشرٌ، يعني بسورة النساء القصرى سورة الطلاق، يريد أن نزول هذه السورة إنما كان بعد نزول سورة البقرة، وقد ذكر في سورة الطلاق حكم الحامل فقال: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وفي البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] وظاهر هذا الكلام منه يدل على أنه حمله على النسخ وليس كذلك، بل إحدى الآيتين مرتبة على الأخرى فالآية في سورة البقرة في عدد الحوامل، والآية التي في سورة الطلاق في عدد الحوائل، والله أعلم.
وإن كانت حاملًا اعتدت بأربعة أشهر وعشرة أيام، وبه قال: كافة العلماء، وقال الأوزاعي: وعشر ليال فتنقضي العدة بطلوع الفجر من اليوم العاشر، وهذا غلط؛ لأن الليالي إذا أطلقت يقتضي دخول الأيام معها فحمل الظاهر عليها [ق ٧٩ ب].
فإن قيل: لما حذف الباء في قوله وعشر دل على أنه أراد وعشر ليال لأن عدد المؤنث في الآحاد محذوف الهاء، قيل: العرب تحذف الهاء في عدد المؤنث والذكور فتقول: سرنا عشرًا وهو يريد عشرة أيام كما نقول: سرنا عشرًا وهو يريد عشر ليال.
فإذا تقرر هذا لا فرق بين أن يموت عنها قبل الدخول أو بعده، ولا فرق بين أن تكون صغيرة أو كبيرة.
وروى عن ابن عباس أنه قال: لا عدة عن المتوفي عنها قبل الدخول. قياسًا على الطلاق، وقد تفرد بهذا القول، وهذا غلط لأن الآية عامة في الكل، وإنما خصصنا قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] بالمدخول بها بحكم آية أخرى منصوصة وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، ولم يرد ههنا مثل هذا ولا يمكن تخصيصها بالقياس على المطلقة؛ لأن يمكن للزوج تكذيبها ونفي الولد عن نفسه باللعان إن أتت به بخلاف المتوفي عنها، فاحتاط الشرع فيها، وأيضًا المقصود من عدة الطلاق الاستبراء والمقصود من عدة الوفاة التعبد وإظهار الحزن لانقطاع الوصلة
[ ١١ / ٣٠١ ]
بالوفاة من غير اختيار، ولهذا لزم فيها الإحداد واعتبر في عدة الطلاق الأقراء وههنا الشهور فافترقا.
فإن قيل: أليس لو دخل بها ثم جئت ذكره وأنثياه، ثم طلقت بعد ذلك بعشرين سنة يلزمها العدة والاستبراء ههنا، قيل: المغلب في عدة الطلاق والاستبراء، وإن جاز أن يجب تعبدًا في هذا الموضع فصح ما ذكرناه.
مسألة:
قَالَ: "فَتَحِلُّ إِذَا وَضَعَتْ قَبْلَ أَنْ تَظْهُرَ [ق ٨٠ أ] مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ أَوْ مَفْسُوخٍ".
إذا وضعت الحمل انقضت عدتها في الحال وإن لم تطهر من نفاسها؛ لأن النفاس لا يمكن النكاح كما لا يمنعه الحيض. وقال حماد، والأوزاعي: لا تحل ما لم تطهر من النفاس، كما يعتبر في عدة الأقراء بطهارتها من الحيض عندهما. وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] ولم يعتبر الطهارة من النفاس.
وأما قوله: "مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ أَوْ مَفْسُوخٍ": ولم يرد به أنها تعتد بالشهور عن الوفاة؛ لأن العدة في النكاح الفاسد لا تجب إلا بالدخول، وإذا دخل وحملت كانت العدة بوضع الحمل كما في الصحيح، وهذا لأن عدة الوفاة لحرمة الوصلة ولا حرمة في النكاح الفاسد.
واعلم أن الشافعي لما ذكر الآية في الأول قال: "فَدَلَّتْ سُنَّة رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهَا عَلَى الحُرَّةِ غَيْرِ ذَاتِ الحَمْلِ" ثم ذكر حديث سبيعة، ومعلوم أنه حديث سبيعة لا يدل على أن الآية وردت في الحرة دون الأمة، فكيف ادَّعى الشافعي هذا من خبرها؟ وإزالة هذا الإشكال بأن يقال: ما أراد الشافعي استفادة الحرية من حديث سبيعة، بل استفاد من حديثها حكم الحامل، فأما الحرية فإنها مستفادة عند من ظاهر الآية؛ لأن الشافعي يحمل الخطاب بظاهرة على الحرائر خاصة، وعلى هذا نص في "كتاب اليسر" حيث حمل قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، على الأحرار دون العبيد. فمعنى قوله ههنا: "فَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ" بظاهر القرآن على أنها على الحرة، وتصريح سنته على أنها على الحرة ذات الحمل؛ لأنه قضى في سبيعة الأسلمية بما قضى [ق ٨٠ ب].
مسألة:
قَالَ: "وَلَيْسَ لِلْحَامِلِ المُتَوَفي عَنْهَا نَفَقَةٌ وَإِنْ كَانَتْ حَائِلًا". لا يختلف المذهب أنه لا نفقة بحالٍ حائلًا كانت أو حاملًا، وسواء قلنا النفقة للحمل أو للحامل؛ لأنَّا إن
[ ١١ / ٣٠٢ ]
جعلناها للحامل فلا سلطان له عليها؛ وإن جعلناها للحمل فلا يلزم الميت نفقة الأقارب.
وروي عن جابر وابن عباس أنهما قالا: "لا نفقة لها حسبها الميراث". قال بعض العلماء: لها النفقة إذا كانت حاملًا، ويروى هذا عن علي وابن عمر، ذكره صاحب "الحاوي". وهذا غلط لما ذكرنا، ولأنها معتدة عن وفاةٍ فلا نفقة لها كالحائل.
قال المزني: "هَذَا خِلَافُ قَوْلِهِ فِي البَابِ الثَّانِي وَهَذَا أَصَحُّ، وَفِي البَابِ الثَّالِثِ مَشْرُوحٌ".
أراد به أن الشافعي لم يثبت لها النفقة في هذا الباب، وروي عن جابر ما ذكرنا وقال: "لأَنَّ مَالِكَهُ قَد انْقَطَعَ بِالمَوْتِ". وقال في الباب الذي بعده: "لَهَا السُّكْنَى".
وهذا يخالف؛ لأن تعليل الشافعي ههنا واحتجاجه بقول جابر يدل على أنه لا سكنى لها، وإن لم يصرح به ههنا؛ لأنه لا سكنى لها. فاختار المزني أنه لا سكنى لها، وفي المسألة قولان.
قال أصحابنا: هذا الذي قاله المزني لا يصح؛ لأن الشافعي قال في هذا الباب: "لا نفقة لها" وهذا لا يختلف مذهبه فيه، وليس في الباب الثاني ما يخالفه، وإنها أثبت في الباب الثاني السكنى على أحد قوليه والسكنى تخالف النفقة فلم يصح ما قاله.
وقوله: "وَهُوَ فِي البَابِ الثَّالِثِ مَشْرُوحٌ" غلط في النقل، وإنما هو "في الباب الثاني مشروح"؛ لأن المزني ذكر في الباب الذي بعد هذا الباب أنه لا سكنى، واختار هذا القول ونصره. وأما [ق ٨١ أ] الباب الثالث فهو باب الإحداد وليس منه لوجوب السكنى وسقوطه ذكر، ولأنه أوهم أن في النفقة قولين وليس كذلك بل قولٌ واحدٌ أنه لا نفقة لها. وقول جابر: "حسبها الميراث" لم يذكره الشافعي لإسقاط السكنى، أو نقول: لعل الشافعي نص في هذا الباب على أنه لا سكنى لها، وأجاب في باب آخر على القول الثاني فلا يجب عليه على ما ذكره المزني.
مسألة:
قَالَ: "وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا فَكَأَنَّهُ مَاتَ نِصْفُ النَّهَارِ وَقَدْ مَضَى مِنَ الهِلَالِ عَشْرُ لَيَالٍ أَحْصَتْ مَا بَقِيَ مِنَ الهِلَالِ".
الفصل:
قد ذكرنا فيما مضى نظير هذه المسألة، وجملته أنه إذا مات في نصف النهار مثلًا
[ ١١ / ٣٠٣ ]
وقد مضى من الهلال عشر ليالٍ، أحصت ما بقي من الهلال، فإن كان عشرين حفظتها ثم اعتدت بثلاثة أشهرٍ بالأهلة، ثم استقبلت الشهر الرابع فأحصت عدد أيامه، فإذا كمل لها ثلاثون يومًا بلياليها فقد أوفت أربعة أشهر واستقبلت عشرًا بلياليها، فإذا أوفت إلى الساعة التي مات فيها فقد انقضت عدتها، ويتصور أن يوافق الموت أول الهلال فتعتد بأربعة أشهر هلالية، ثم بعشرة أيام من الشهر الخامس. ويتصور أن يموت في بعض الشهر ويحصل لها أربعة أشهر بالهلال، وهو أن يكون بقي من الشهر الأول عشرة أيامٍ فما دونها.
مسألة:
قَالَ: "وَلَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تَاتِي فِيهَا بِحَيْضٍ".
الفصل:
المتوفي عنها تعتد بأربعة أشهر وعشر حاضت فيها أم لم تحض. وقال مالك: إن كانت من ذوات الأقراء ولم تجر عدتها [ق ٨١ ب] بتأخير الحيض فلم تحض لا تنقضي عدتها حتى تحيض حيضةً؛ لأن ذلك يثبت ريبةً. وإذا كانت مرتابةً لم يحكم بانقضاء عدتها. وروي عن مالك أنه إن كانت عدتها أن تحيض في كل شهرٍ مرةً فعليها في عدة الوفاة أربع حيض، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل خمسة أشهر مرة يكفيها الشهور. وهذا غلط لظاهر الآية ولم يفصل.
وأما ما ذكره لا يصح؛ لأن تأخير الحيض لا يكون ريبةً إلا أن يكون معه أمارة الحمل من انتفاخ البطن والثقل فلا يعتبر ما ذكره.
قال الشافعي: "إِلَّا أَنَّهَا إِنْ ارْتَابَتْ اسْتَبْرَأَتْ نَفْسَهَا مِنَ الرِّيبَةَ كَمَا لَوْ حَاضَتْ فِي الشُّهُورِ حَيْضَتَيْنِ ثُمَّ ارْتَابَتْ اسْتَبْرَأَتْ نَفْسَهَا مِنَ الرِّيبَةَ".
وقد ذكرنا حكم المرتابة بالحمل في العدة.
وقوله: "كَمَا لَوْ حَاضَتْ فِي الشُّهُورِ حَيْضَتَيْنِ" لفظ مشكل؛ لأنه إن أراد أن يقيس المتوفي عنها زوجها على ذات الشهور، فذات الشهور هي التي تفقد الحيض فكيف تحيض في الشهور حيضتين؟ وإن أراد أن يقيسها على ذات الأقراء فالشهور غير معتبرة فيها، ولا تنقص عدة الأقراء قط ما لم تر الحيضة، ثم ربنا ترتاب بعد الثالثة، فلعل الشافعي قال: كما لو حاضت في القرء حيضتين ثم ارتابت، فنقل المزني: أو غير الشهور بدل القرء.
[ ١١ / ٣٠٤ ]
فإن قال قائل: كيف يستقيم وضع القرء في هذا الموضع موضع الشهور وقد قلت: لا تنقضي عدة ذات القرء إلا برؤية ثلاث حيض والشافعي ذكر حيضتين؟ قلنا: ذات القرء إذا طلقت في آخر طهرها فرأت حيضةً ثم طهرًا ثم حيضة انقضت عدتها بالطعن في الحيضة الثالثة، فليس في خلال عدتها إلا حيضتان، فأما الحيضة الثالثة فبعد العدة فربما ترتاب وهي في خلال [ق ٨٢ أ] الحيضة الثالثة فنأمرها باستبراء نفسها من الريبة، ومن المحتمل أن يقال: استعمل الشافعي لفظ الشهور في ذوات القرء على معنى أن القرء يمضي عليها في ثلاثة أشهر على غالب عادات النساء فاستغنى عن التغليظ.
فإن قيل: أفلا يحتمل أن يكون مراد الشافعي بذكر هذه الشهور شهور الوفاة على قصد تصوير المسألة في المتوفي عنها، وتقدير كلامه: "إلا أنها إن ارتابت استبرأت نفسها من الريبة" كأنها حاضت في الشهور الأربعة حيضتين ثم ارتابت. قلنا: قوله: "كما لو حاضت" كلمة قياس وتشبيه لا كلمة تصوير فلا يصح هذا. وأيضًا المتوفي عنها زوجها سواء رأت في الشهور الأربعة حيضتين أو ثلاثًا أو أربعًا، فإذا ارتابت بعد العدة كان عليها الاستبراء فلا فائدة لذكر الحيضتين على هذا التأويل.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ طَلَّقَهَا مَرِيضًا ثَلَاثًا فَمَاتَ مِنْ مَرَضِهِ".
الفصل:
قد ذكرنا ميراث المبتوتة في المرض، واختار المزني أنها لا ترث، وبسط الكلام ههنا فقال: "قَدْ قِيلَ: لَا تَرِثُ مَبْتُوتَةً وَهَذَا مِمَّا أَسْتَخِيرُ اللهُ تَعَالَى فِيهِ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَهَذَا قَوْلٌ يَصِحُّ لِمَنْ قَالَ بِهِ" قَالَ المُزَني: "فَالاسْتِخَارَةُ شَكٌ وَقَوْلُهُ يَصِحُّ إِبْطَال الشَّكِّ" فقال المزني: الاستخارة ليس بشكٍّ كما أطلقت، ولكن يريد بالاستخارة تفويض العلم إلى الله تعالى، ومسألة الخيرة منه.
ثُمَّ قَالَ: "وَهَذَا أَوْلَى بِقَوْلِهِ وَبِمَعْنَى ظَاهِرِ القُرْآنِ؛ لأَنَّ اللهَ تَعَالَى وَرَّثَ الزَّوْجَةَ مِن زَوْجٍ يَرِثُها إِنْ مَاتَتْ قَبْلَهُ فَلَمَّا كَانَتْ إِنْ مَاتَتْ لَمْ يَرِثُهَا وَإِنْ مَاتَ لَمْ تَعْتَدَّ مِنْهُ عِدَّةُ مِنْ وَفَاتِهِ فَلَا تَرِثَ هِيَ مِنْهُ مِيرَاثُ الزَّوْجَاتِ؛ لأنَّ النَّاسَ يَرِثُونَ مَنْ حَيْثُ يُورَثُونَ".
ثم قال: واحتج الشافعي على أبي حنيفة [ق ٨٢ ب] في باب القافة حيث ورث أبو حنيفة أبوين من ابنٍ واحدٍ ملحق بهما جميع ماله على الشركة بينهما نصفين، وورث الابن جميع مال كل أبٍ على الخلوص إذا لم يكن له وارث غيره، فقال الشافعي: "إِنَّمَا يَرِثُ النَّاسُ مِنْ حَيْثُ يُورَثُونَ، فَإِنْ كَانَا يَرِثَانِهِ نِصْفَيْنِ بِالبُنُوَّةِ فَكَذَلِكَ يَرِثُهُمَا نِصْفَيْنِ بِالأَبُوَّةِ" فأخذ المزني هذا الاحتجاج من الشافعي واحتج به في هذه المسألة فقال: إِنَّمَا تَرِثُ
[ ١١ / ٣٠٥ ]
المَرْأَةُ الزَّوْجَ مِنْ حَيْثُ يَرِثُ الزَّوْجُ [المَرْأَةَ] بِمَعْنَى النِّكَاحِ، فَإِذا ارْتَفَعَ النِّكَاحُ بَإِجْمَاعِ ارْتَفَعَ حُكْمُهُ وَالمُوَارَثَةُ [بِهِ]، وَلَمَّا أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَرِثُهَا لأَنَّهُ لَيْسَ بِزَوْجٍ كَانَ كَذَلِكَ [أَيْضًا] لَا تَرِثُهُ لَأنَّهَا لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ".
فإن قيل: فقد ورثها عثمان ﵁؟ قيل: وقد أنكر عليه عبد الرحمن بن عوف في حياته إن مات أن يورثها منه، ولم يرد أنه قال: لا يورثوها مني، وإنما روي أنه لما طلق امرأته تماضر، دخل عليه عثمان فقال: أفررت من كتاب الله تعالى؟ فقال عبد الرحمن: ما فررت من كتاب الله تعالى ولا من سُنَّةِ رسوله ﷺ. فالمزني [أراد] أن يستنبط من هذا الكلام أنه أنكر عليه التوريث؛ لأن العلة فيه هي الفرار، ومن أنكر عليه الحكم فقد أنكر الحكم.
ويمكن أن يُجاب عن كل ما ذكره بأنه يجوز أن تورث منه ولا يرث هو، كالعمة لا ترث من ابن الأخ، وابن الأخ يرث منها. وقول عبد الرحمن ليس بصريح في الإنكار فيحتمل أنه أراد: أني لم أفر فإن الإرث لها مني باقٍ.
وقول ابن الزبير: "لو كنت أنا [لم] أر أن ترث مبتوتة" يحتمل أني ما كنت أهتدي إلى ما اهتدى إليه عثمان ﵁.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ طَلَّقَ [ق ٨٣ أ] إِحْدَى امْرَأَتَيْهِ ثَلَاثًا فَمَاتَ وَلَا تُعْرَفُ".
الفصل:
صورة المسألة أن يطلق إحدى امرأتيه بعينها ومات قبل أن يبينها، ولم يكن مضى من الأقراءِ شيءٌ وكانتا جميعًا مدخولًا بهما، وكانتا من ذوات الأقراء، وكان الطلاق بائنًا، يلزم على كل واحدة منهما أن تأتي بأقصى الأجلين من أربعة أشهر وعشر، ومن ثلاثة أقراء؛ لأن على البائن ثلاثة أقراء وعلى المتوفي عنها زوجها أربعة أشهر وعشرٌ، ولا يعلم ههنا عين المتوفي عنها من البائن، فأوجبنا الأقصى منهما احتياطًا وإن كان قد مضى فيما يجب أربعة أشهر وعشر وقرءان، وإن كان قد مضى قرءان يجب أربعة أشهر وعشر وقرء، فإذا أتت بذلك فقد حلت بيقين. هكذا ذكره جميع أصحابنا.
وقال صاحب "المنهاج": إذا أسلم المشرك عن عشرة نسوةٍ وأسلمت معه ومات قبل اختيار أربع، أوجبنا على كل واحدةٍ منهن أربعة أشهر وعشرًا فيها ثلاثة قروءٍ، فالأشهر للوفاة والقرء للفسخ الواقع بالإسلام. ثم اختلف أصحابنا في تأريخ أول القروء الثلاثة، فمنهم من قال: يحسب القرء من وقت إسلام متقدم الإسلام من الزوج والزوجة، لأن الفسخ يقع من ذلك الوقت، فعلى هذا في مسألتنا يحسب القروء الثلاثة من وقت الطلاق
[ ١١ / ٣٠٦ ]
على ما ذكرنا.
والثاني: أن القروء الثلاثة هناك محسوبة من وقت الموت؛ لأنهما كانا يشبهان الزوجين إلى وقت موته. وللشافعي في هذا الموضع نص يدل على أن القروء الثلاثة يجب أن تحسب في مسألة المشرك من وقت الموت؛ لأنه قال: ﴿وَلَوْ طَلَّقَ إِحْدَى امْرَأَتَيْهِ ثَلَاثًا فَمَاتَ وَلَا تُعْرَفُ اعْتَدَّنَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا تُكَمِّلُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِيهَا ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [ق ٨٣ ب] فقوله: "فيها": دليل على أن جميع القرء ينبغي أن يكون بعد الموت في الأربعة الأشهر، وإن وجدت فيها، وإن طال أقراءها اعتدت بأقصى الأجلين، ومثل هذا إذا فرق في النكاح الفاسد بينهما بعد الوطء هل يحسب القرء من وقت التفريق أو من آخر وطئة كانت؟ فيه وجهان.
وإن كانت إحداهما مدخولًا بها والأخرى غير مدخول بها وجبت على غير المدخول بها أربعة أشهر وعشرٌ فقط، وعلى المدخول بها أربعة أشهر وعشر وثلاثة أقراء على ما بيَّناه.
وإن كانتا غير مدخول بهما وجبت على كل واحدة منهما أربعة أشهر وعشر فقط؛ لأن المطلقة قبل الدخول لا عدة عليها، فإذا أتت بالشهور فقد حلت بيقين، وإن كان الطلاق رجعيًا وجب على كل واحدةٍ أربعة أشهر وعشرٌ؛ لأن الرجية تنتقل إلى عدة الوفاة فكانتا سواء، وإن لم يكونا من ذوات الأقراء، فإن كانتا من ذوات الشهور وجب على كل واحدة أربعة أشهرٍ وعشر؛ لأن المطلقة لم يجب عليها إلا ثلاثة أشهر، فإذا أتت بأربعة أشهر فقد حلت بيقين.
وإن كانتا حاملتين حلتا بالوضع، هذا إذا كان الطلاق معينًا ولم يتبين في إحداهما حتى مات. فأما إذا كان الطلاق مرسلًا في إحداهما بعينها فقد ذكرنا فيما تقدم أن المذهب الصحيح أنه يقع الطلاق من حين اللفظ. ومن أصحابنا من قال: يقع من حين التعين. فإن قلنا: من حين اللفظ كان حكم العلة على ما بيَّناه في المعينة. وإن قلنا: من حين التبين، فإذا مات قبل التعين فكأنه مات قبل أن يطلق، فيجب على كل واحدة منهما عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرٌ. وهكذا ذكر بعض أصحابنا.
وقال بعضهم: يلزم ههنا أقصى الأجلين أيضًا [ق ٨٤ أ] ولكن ابتداء الأقراء من حين الموت؛ لأن الموت الإياس من بيانه ولا يمكن إسقاط حكم الطلاق الموجود بموته. وهذا هو المشهور على هذا الوجه.