قال: أخبرنا الثقة عن معمر بن الزهري عن عبد الرحمن بن الأزهر ﵁ قال: أتى النبي ﷺ بشارب فقال: "اضربوه" فضربوه بالأيدي والنعال وأطراف الثياب وحثوا عليه من التراب ثم قال: نكتوه فنكتوه ثم أرسله.
اعلم أن حد الخمر أربعون جلدة فإن رأى الإمام أن يبلغ به ثمانين جلدة جاز وكان ما زاد على الأربعين تعزيزًا، وقال أبو حنيفة ومالك والثوري: حد الخمر ثمانون جلدة واختار ابن المنذر، واحتجوا بما روى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: جلد على عهد رسول الله ﷺ في الخمر بنعلين أربعين فلما كان زمن عمر جلد بكل نعل سوطًا، وروى أنس ﵁ أن النبي ﷺ أتى برجل شرب الخمر فضربه بجريدتين نحوًا من أربعين ثم صنع أبو بكر مثل ذلك فلما كان عمر استشار الناس فيه فقال له عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون ففعل.
ودليلنا [١١٦/أ] الخبر الذي ذكرنا وفيه أنه لما آل الأمر إلى أبي بكر ﵁ سأل من حضر ذلك الضرب فقومه أربعين فضرب أبو بكر ﵁ في الخمر أربعين حياته، ثم عمر ﵁ ضرب أربعين ثم تتابع الناس في الخمر فاستشار الصحابة ﵃ قال عبد الرحمن بن عوف: ما ذكرنا فقال علي ﵁: نراه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون فجلد عمر ثمانين وهذا نص صريح على أن الزيادة على الأربعين باجتهاد الصحابة رضوان الله عليهم على وجه التعزيز لا على جهة الحد، وروي أن خالد بن الوليد ﵁ أرسل إلى عمر ﵁ وقال: وإن الناس قد انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة فيه فقال عمر: هم هؤلاء عندك وكان هناك عثمان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير فاستشارهم فقالوا ما ذكرناه، وكان عمر إذا أتي بالضعيف الذي كانت منه الزلة ضربه أربعين، وإذا أتى بالرجل القوي المنهمك في الشرب حد ثمانين رواه أبو وبرة الكلبي وجلد عثمان ﵁ ثمانين وأربعين، وروى حصين بن أبي ساسان قال: ركب نفر منهم فأتوا عثمان بن عفان فأخبروه بما صنع الوليد بن عقبة من شرب الخمر فقال عثمان لعلي: دونك [١١٦/ب] ابن عمك فاجلده فقال علي للحسن: ثم فاجلده فقال الحسن: فما أنت وهذا ولهذا غيرك فقال: بل عجزت ووهنت وضعفت، يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده فجعل يجلده وعلي يعد حتى بلغ أربعين فقال: أمسك، جلد رسول الله ﷺ أربعين وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين وكل سنة، وروي أن الحسن قال لعلي: ولى حارها من تولى قارها قال الاصمعي: معناه ول شديدها من تولى هينها، وقيل: معناه ول العقوبة والضرب من توليه العمل والمنع، والقارة الباردة وكلاهما قريب، وقال علي: وجلد عمر صدرًا من خلافته أربعين ثم أتمها عمر ثمانين وهذا أحب إلى يعني أربعين، وروى قتادة عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى برجل قد سكر فأمر قريبًا من عشرين رجلًا فجلده كل واحد منهما جلدتين بالجريد والنعال،
[ ١٣ / ١٣٠ ]
وروى عمر بن سعيد عن عليّ رضي الله عنهأنه قال: ما من صاحب حد أقيم عليه فيموت فأجد في نفسي منه شيئا الحق إلا شارب الخمر فإنه شئ رأيناه بعد رسول الله صلي الله عليه وسلم فمن مات منه فديته إما قال: في بيت المال، وإما على عاقلة الإمام الشك من الشافعي، وروى أنه قال: إلا حد شارب الخمر فإن النبي صلي الله عليه وسلم لم يسنه زائدا [١١٧/أ] على أربعين أو لم يسنه بالسياط وأما الخبر الذي ذكروا نحمله على أنه ضرب بالنعلين عشرين مرة بدليل ما ذكرنا. فإن قيل: كيف يجوز أن يبلغ بالتعزيز أربعين سوطا وعندكم لا يبلغ به أدني الحدود؟ قيل: اجتمع هنا أسباب التعزيز من الهذيان وإزالة العقل وغير ذلك فلهذا بلغوا ثمانين.
فإن قيل: لم أمر رسول الله صلي الله عليه وسلم بالتبكيت؟ وقد روى أبو هريرة أن النبي صلي الله عليه وسلم أتي بشارب فأمر أصحابه أن يضربوه فمنهم من ضربه بنعله ومنهم بيده ومنهم بثوبه ثم قال: (ارجعوا) ثم قال (بكتوه) فبكتوه فقالوا: ألا تستحي من رسول الله صلي الله عليه وسلم تصنع هذا، وروى أنه قال: (وحثوا عليه التراب) فحثي في وجهه التراب وروى وحثي عليه رسول الله صلي الله عليه وسلم التراب، وروى: فلما أدبر وقع القوم يدعون عليه ويسبونه ويقول القائل: اللهم اخزه اللهم العنه فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم (لا تقولوا هذا ولكن قولوا: اللهم ارحمه، وروى أن رجلا كان يلقب بحمار جلده رسول الله صلي الله عليه وسلم في الشراب فلما كان في زمن عمر أتي به فجلده فقال رجل من القوم: اللهم العنه ما أكثر ما يؤتي به فقال: لا تلعنه أما علمت أنه يحب الله ورسوله. وقيل: التبكيت وحثو التراب زيادةً في التعزيز وليس بشرط [١١٧/ب] في الحدود وهو إلى الاجتهاد.
مسألة: قال: وإذا ضرب الإمام في خمر أو ما يسكر بتعلين أو طرف ثوب.
الفصل
اعلم أنه لا يقام الحد عليه إلا بعد الصحو لأنه للردع ولا يرتدع في حالة السكر، وإذا أقام الإمام حد الشرب بنعلين أو طرف ثوب أو رداء أو نحو ذلك ضربًا يحيط العلم أنه لم يجاوز أربعين فمات من ذلك فالحق قتله لأن هذا المقدار من الحد الذي ضربه رسول الله صلي الله عليه وسلم ولو اقتصر اليوم الإمام على مثل هذا الضرب كان حقا واحدا لأن رسول الله صلي الله عليه وسلم هكذا ضرب، وإن ضربه بالسياط فمات ذكره صاحب (الإفصاح) عن بعض أصحابنا أنه قال: يحتمل وجهين أحدهما: لا يضمن لأن السياط الأصل في الحدود، والثاني: يضمن كما لو ضرب المقعد بالسياط وعدل عن عثكال النخل كذلك ها هنا، وقال (الحاوى): قال ابن سريج وأبو إسحاق: ضرب رسول الله صلي الله عليه وسلم بالنعال والثياب لعذر في الشارب من مرض أو كان نضو الخلق فعلى هذا يكون حد الصحابة بالسياط في الخمر، وعثمان ﵁ جلد الوليد بالسياط، وقال
[ ١٣ / ١٣١ ]
الجمهور: حده بالثياب كان شرعا خفف به الخمر كما خففه في العدد فعلى هذا عدل الصحابة بالاجتهاد عنه إلى السياط كما بلغوا ثمانين.
[١١٨/أ] وقال القاضي أبو حامد: الشافعي ﵁ في جراح العمد في باب جناية السلطان: إذا ضربه بالسوط أربعين أو أقل فمات ضمن، وقال في (المختصر) و(الأم) مثل هذا، والقول الآخر لأصحابنا لا عن الشافعي فإذا قلنا بهذا فكم يضمن؟ وجهان: أحدهما: يضمن كل الدية لأنه عدل من جنس إلى غيره فكان الضمان كله عليه. والثاني: لا يضمن كله بل يضمن قدر ما زاد على ألم غير السياط هكذا ذكره أبو حامد، وقال ابن المرزبان: يلزم نصف الضمان في هذا الوجه، والثاني. ثم قال الشافعي ك فإن ضربه أكثر من أربعين فمات ضمن، قال أصحابنا: إنما ضمن لأن ما زاد على الأربعين تعزيز أضافته الصحابة إلى الحد ويجوز للإمام تركه كما يجوز ترك التعزيز، وقد روينا عن علي ﵁ ذلك فإذا تقرر هذا فكم يضمن؟ فيه قولا: أحداهما: نصف ديته لأنه مات من مضمون وغير مضمون فصار كما لو جرحه وآخر جراحة فديته بهما سواء. والثاني: يضمن بقسط الزائد في الجملة فإذا ضرب أحدا وأربعين فمات يلزمه جزءمن أحد وأربعين جزءا من الدية ويسقط الباقي لأن آثار الجرح غير متقاوتة في الغالب فيجب بالحصه كما لو استأجر [١١٨/ب] دابة تحمل عشرة مكاكيك فحمل أحد عشر فمات يلزم الضمان بالحصة لا نصف القيمة.
ثم هذا الضمان يجب على الإمام دون الجلاد لأنه أمر بالضرب وهل يكون ذلك على عاقلته أو في بيت المال؟ فيه قولان والأصح أنه يجب على عاقلته وقد قطع به هنا أنه على عاقله الإمام دون بيت المال، وإن الجلاد فعل ذلك بأن أمره الإمام بأن يحد في الخمر أربعين أو يحد في القذف ثمانين فزاد على ذلك واحدا فعلى الجلاد الضمان وكم يضمن؟ قولان على ما ذكرنا اللهم إلا أن يكون الجلاد يضرب والإمام يعد فزاد بعد الإمام خطأ فيضمن هو دون الجلاد إذا تقرر هذا وقد قال المزني: وقوله فديته على عاقلة الإمام غلط بليجب بعض ديته لأنه من حق وزيادة فكيف تكون الدية بكمالها على عاقلته والموت حصل من مباح وغير مباح؟ الأول أنه لو ضرب في القذف أحدا وثمانين جزءا من الدية، ألا تري أنه قال: لو جرح رجلا فخيط المجروح في لحم حي فعلى الجارح نصف الدية لأنه مات من جرحه والجرح [١١٩/أ] الذي أحدثه في نفسه؟ فكذلك هنا بهما مات فلا تكون الدية كلها على الإمام قلنا: الشافعي ﵁ قائل في هذه المسألة بالتقسيط به كما قلت به أيها المزني ولكن قصد به بيان محل الدية وهي أنها على العاقلة فلم يهذب عبارته في المقدار فتجوز فيها، فقال: فديته على
[ ١٣ / ١٣٢ ]
عاقلة الإمام ومعناه الواجب من ديته على عاقلة الإمام وقد بين المقدار في غير هذا فوجب أن يحمل مطلق كلامه على ما فسره في موضعه، وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال الشافعي في هذه الصورة: فإن ضربه أكثر من أربعين بالنعال أو غير ذلك فمات فديته على عاقلة الإمام وأراد بقوله أو غير ذلك بالسياط ويجب فيه كل الضمان في أحد القولين فقوله: فديته يعني كل الدية يرجع إلى هذا قوله: أكثر من أربعين بالنعال وهذا ضعيف.
فرع آخر
لو أمر الإمام أن يضرب شارب الخمر ثمانين ضربة فضربه أحدا وثمانين فمات فإن قلنا: يعتبر بعدد الضربات كان أربعين جزءا من أحد وثمانين جزءا من الدية مقدرا، ووجب أربعون جزءا من أحد وأربعين جزءا من الدية على الضارب، وإذا قلنا: يقسم على المضمون وغير المضمون اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: من فعل غير [١١٩/ب] مضمون وفعل منسوب إلى الأمام مضمون وفعل الضارب مضمون فتكون الدية منسوبة أثلاثا فسقط ثلثها ووجب على الإمام ثلثها وعلى الضارب ثلثها، ومنهم من قال: يجب أن يقسم على مضمون وغير مضمون فيسقط نصف الدية ويجب نصفها بين الإمام والضارب نصفين فحصل في هذه المسألة ثلاثة أوجه وهذا الوجه الأخير اختيار صاحب "الإفصاح".
مسألة: قال: ولو ضربت امرأة حدا فأجهضت لم يضمنها وضمن ما في بطنها.
قد ذكرنا أنه لا يجوز إقامة الحد على الحامل، فلو أقام وماتت لم يضمنها لأن الحق قتلها. ويضمن ما في بطنها فإن كان عالما بأنها حبلي فهذا تعد منه فتكون دية الجنين على عاقلته، وإن لم يعلم أنها حبلي فهو خطأ من جهته فيكون في دية الجنين قولان: هل هي على عاقلته أو في بيت المال؟ وذكر ابن أبي هريرة وجها آخر في ضمان الإمام أنه إن ضمن فيها تعود منفته على كافة المسلمين كتعزيز المتعرض للزنا والأذى فديته على عاقلته، وإن كان غير ذلك ففي بيت المال، وقال أبو إسحاق وابن أبي هريرة وصاحب "الإفصاح": إنما لا يضمنها إذا ماتت من الضرب دون الإجهاض، أما إذا ماتت من الإجهاض ضمن كما يضمن [١٢٠/أ] الجنين وكما لو ضربها في شدة حر أو برد مفرط فماتت وقد قال القاضي الطبري: هذا لا يصح لأنها إذا ضربت وأجهضت وماتت فالموت يكون حادثا عن الإجهاض والضرب جميعا، فلو كان التأويل ما ذكروه لوجب أن يضمن نصف الدية لأنه يكون حادثا عن مضمون وغير مضمون، وقال بعض أصحابنا: وهو الصحيح المشروح إن كان موتها للحد لا يضمن، وإن كان من الإجهاض فقط يضمن الدية، وإن كان من الإجهاض والحد معا يضمن نصف
[ ١٣ / ١٣٣ ]
الدية، ومن أصحابنا من قال: إذا ماتت هنا لا يضمنها وقال: إذا أمر السلطان بالختان لا يضمن إلا أن يكون في حر شديد أو برد مفرط ففيه ثلاثة طرق: أحدهما: أراد في الحد إذا كان الغالب السلامة وأراد في الختان إذا كان الغالب الهلاك وقد صرح به في الختان.
والثانية: فيهما قولان أحدهما: لا ضمان لأن كليهما واجب. والثاني: يضمن لأنه تعدي فيهما.
والثالثة: هما على ظاهرهما لأن الختان جرح فالغالب عنه التلف والحد ضرب في ظاهر البدن والغالب السلامة، وأيضا وجوب الحد مجمع عليه والختان مختلف فيه وأيضا الحد [١٢٠/ب] يختص بنظر الإمام واستيفائه، والختان يجب على الإنسان ولا يختص بالإمام فإذا تولاه ضمنه، وأما إذا أقامه في شدة الحر قال في باب جناية السلطان: كرهت ذلك فلو مات من الضرب فلا عقل ولا قود ولا كفارة، وذكر في مواضع أنه لا ينبغي أن يقام الحد في هذه الحالة ولم يتعرض للحكم الذي يكون إذا فعل ذلك ومات، وقال في رجل أغلف أو امرأة لم تخفض: إذا أمر السلطان بهما فعزرا فماتا لم يضمن السلطان إلا أن يعززهما في حر شديد أو برد شديد يكون الأغلب أنه لا يسلم من عزر في مثله فيضمن عاقلته ديتهما ففيه ثلاثة طرق على ما ذكرنا.
مسألة: قال: ولو حدة بشهادة عبدين.
الفصل
إذا ضرب الإمام حدا بشهادة عبدين ظاهرين الحرية ثم بان أنهما عبدان أو كافران أو فاسقان يلزمه الضمان لأن البحث عن أحوال الشهود إليه، فإذا لم يفعل كان من خطئه فيكون على القولين. فإذا قيل: هلا قلتم: يجب الضمان على الشاهدين كما لو شهدا بالقتل فقتل ثم قالا: أخطأنا يلزمهما الضمان؟ قيل: الفرق أن التفريط من جهة الإمام هنا حين لم يفحص [١٢١/أ] عن أحوال الشهود وسرائرهم وهناك التفريط كان من الشاهدين فكان الضمان عليهما، ولو شهدا بالقذف فحد المشهود عليه ثم بان رقهما أو فسقهما وقد مات المحدود كان الضمان على الإمام ولا يرجع به على الشهود.
فإذا قيل: فإن حد القذف حق الآدمي عندكم وقد استوفاه فكان ينبغي أن يكون الضمان عليه كما لو شهدوا له بمال وقبضه ثم بان فسقهما يلزمه الضمان دون الإمام. قيل: الفرق أن المشهود له قبض المال فإذا لم يطلب البينة بان أن مال المشهود عليه وحصل في يده فكان عليه ضمانه وهنا لم يحصل في يده شيء وكان الفعل بخطأ الإمام وتسليطه فافترقا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان معلن الفسق فالحكم ما ذكرنا، وإن كانا فاسقين وفسقهما مجتهد فيه فلا ضمان بالشك والاجتهاد. ثم حيث
[ ١٣ / ١٣٤ ]
يغرم فلا رجوع على الشاهدين الفاسقين لأنهما شهدا وعندهما أنه يقبل قولهما ربما أدى الأمر في قبول شهادة الفاسق إلى اجتهاد الحاكم، وأما العبدان والكافران والمرأتان فوجهان: أحدهما: يثبت الرجوع لأن رد شهادتهما يقين. والثاني: لا يثبت الرجوع لأنهما ما كذبا أنفسهما بالرجوع عن الشهادة وكان من حقه أن يفحص عن حالهما ولا يقبل شهادتهما وهذا أصح. وقال في جراح العمد: [١٢١/ب] فإن أقر عنده صبي أو معتوه بإقراره بالسرقة ضمن يده وإنما قال ذلك لأن هذا الخطأ منه لأن إقراره لا يصح.
مسألة: قال: ولو قال الإمام للجلاد: أنما أضرب هذا ظلما وعلم أنه ظالم له، فضربه وتلفف الضمان على الجلاد دون الإمام؛ ضمن الإمام والجلاد معا.
في هذا ثلاث مسائل:
إحداهما: أن يأمره بجلد رجل ظلمًا وعلم أنه ظالم له، فضربه وتلف فالضمان على الجلاد دون الإمام؛ لأنه ما أكرهه عليه بل فعله باختياره ولا يجب عليه طاعته في المعصية.
والثانية: أن لا يعلم ظلمه فجلده فمات فالضمان على الإمام لأنه تلزمه طاعة الإمام ما لم يعلم أنه ظلم فصار كأنه ألزمه.
والثالثة: أن يلزمه على ضربه فضربه يلزم الضمان عليهما نصفين لأن الإمام ضارب بالإكراه والضارب آثم فيما فعله فإنه لا يجوز له ضربه وإن أكرهه عليه، وهذا تأويل قوله: ضمن الإمام والجلاد معا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: يجب كل الضمان على المكره ولا شيء على المكره في أحد القولين وهذا النص يدل على أن هذا الخطأ من القائل، وقال صاحب (الإفصاح): هذا تأويل باطل لأن الشافعي ذكر هذه المسألة في باب جناية السلطان من باب جراح العمد ولم يذكر مسألة الإكراه فصح التأويل، وقال صاحب (المنهاج): فإن قال قائل: هذا الجلاد إما أن يكون [١٢٢/أ] مختارا فيضمن وحده، أو يكون مكرها فيجب على السلطان دون الجلاد كالمكره والمكره قلنا: الجلاد في صوره المكره لأن أمر الإمام بمجرده إكراه فإن أخبره بأنه ظالم والمكره والمكره شريكان في ضمان النفوس قودًا ومالًا وإنما ينفرد المكره بالضمان في الأموال المستهلكة كما ينفرد فيها بالمأثم وفائدة إخباره إياه بالظلم أنه لو لم يخبره ما كان على الجلاد شيء وكان خطأ الحاكم لا يلتزم فيه الجلاد ضمانا ولا عاقلته لأنه حينئذ كالآلة وهو لا يعلم أن الفعل الذي يباشره ظلم منه وقد ذكرنا قبل هذا شرح ما قيل فيه وهذا الذي قاله غريب.
مسألة: قال: ولو قال الجلاد: ضربته وأنا أرى الإمام مخطئا وعلمت أن ذلك رأي بعض الفقهاء.
[ ١٣ / ١٣٥ ]
الفصل
إذا أمر الإمام بضرب رجل فضربه ثم قال: ضربته وعلمت أن الإمام مخطئ في ذلك وعلمت أن ذلك رأي بعض الفقهاء فترك الإمام مذهبه أو خالف نص السنة بتأويل واجتهاد مثل أن أمره بقتل حر بعبد فرجع إلى قول أبي حنيفة والجلاد يعتقد أنه لا يجوز والجلاد يعتقد ذلك أيضا يلزم الجلاد الضمان، لأنه لا يجوز له قتله ويلزم القود في هذه المسألة وتمام الدية: وقال صاحب (الإفصاح): [١٢٢/ب] ويحتمل في الضمان وجهان: أحداهما: يلزمه كل الدية. والثاني: يلزمه نصف الدية لأنه من الإمام أمرا، ومن المأمور مباشرة فالضمان عليهما وهكذا ذكره ابن أبي هريرة وأشار إليه القاضي أبو حامد.
وقال في (الحاوى): إن لم يكن فيه نص لحد القذف بالتعريض يلزمه الدية، وإن كان فيه كقتل الحر بالعبد والمسلم بالكافر ففيه وجهان قال ابن أبي هريرة: يلزمه القود للنص، والثاني لا قود لشبهة الاختلاف، ومن أصحابنا من قال: المسألة بعكس هذا وهو أن الجلاد يعتقد أن قتله جائز والإمام يعتقد أنه لا يجوز فيجب القود على الجلاد اعتبارا بنية الإمام والاجتهاد ليس إليه، إن كان هو من أهل الاجتهاد وإنما هو إلى الإمام لأن الإمام لم يوله القضاء ولم يستخلفه حتى يجتهد وهو مباشر عالم بالحال فيلزمه الضمان ن ولا يلزم الإمام المسبب المخطئ شيء.
فرع
لو اعتقد الإمام والجلاد وجوبه فلا ضمان فيما ذكرنا، وإن كان يعتقد الإمام وجوبه دون الجلاد فإن أكرهه فلا ضمان، وإن لم يكرهه فلا ضمان على الإمام وهل يجب على الجلاد؟ فيه وجهان أحدهما لا ضمان لأنه منفذ لحكم نفذ بالاجتهاد، والثاني يضمن لإقدامه مختارا على إتلاف ما يعتقد وجوب ضمانه، وقيل: هل يجوز له الإقدام عليه؟ [١٢٣/أ] فيه وجهان: أحدهما: يجوز اعتبارا باجتهاد الإمام. والثاني: لا يجوز لأنه يخالف نص قوله صلي الله عليه وسلم (لا يقتل حر بعبد) وقيل: إن مسألة الكتاب هذا _وأراد الشافعي - عليه ضمان جميع الدية يعني على الجلاد إن لم يكرهه، وإن كان الإمام يعتقد حظره والجلاد يعتقد وجوبه فإن رده الإمام إلى اجتهاد الجلاد فلا ضمان على أحد وإن أمره الإمام به ولم يرده إلى اجتهاده فلا ضمان على الجلاد لأنه استوفي بإذن مطاع ما يراه مشرعا في الاجتهاد، وأما الإمام إن لم يكرهه فلا ضمان عليه وإن أكرهه ضمن لأنه ألجأه إلى ما لا يسوغ في اجتهاده.
مسألة: قال: ولول قال: أضربه ثمانين فزاد سوطا.
[ ١٣ / ١٣٦ ]
الفصل
هذا في حد القذف إذا أمره أن يضربه ثمانين فضربه أحدًا وثمانين لأنه في القول الثاني أوجب سهما من أحد وثمانين سهما وهذا يختص به حد القذف، فاما في حد الشرب فما زاد على الأربعين فمضمون على ما ذكرنا فوجه القولين قد نص وإذا تقرر هذا فهنا إشكال في اللفظ وهو أنه قال: فلا يجوز فيه إلا واحد من القولين: أحدهما: أنه عليهما نصفين فظاهر هذا اللفظ أن نصف الدية على الإمام ونصفها على الجلاد وليس المراد هذا لأن نصف الدية هدر [١٢٣/ب] وهو ما على مقابلة الحق والنصف الثاني مضمون وهو ما على مقابلة الظلم فمعني قوله: عليهما أي: على الحق والظلم ألا تراه أنه قال في القول الثاني: أو سهما من أحد وثمانين سهما أي: يسقط سهم من أحد وثمانين سهما لأنه سوط من أد وثمانين سوطا. ولم يشتغل بإيجاب الضمان في الأجزاء الثمانين، قال الشافعي: ولو قال له: اجلده ما شئت أو ما رأيت أو ما أحببت أو ما لزمه عندك فتعدي عليه ضمن الجالد العدوان دون الإمام وليس كالذي يأمره بضربه إمامه ولا يسم له عددا وهو يحصي عليه على ما ذكرنا.
فرع
إذا أمر الإمام رجلا بصعود نخلة أو نزول بئر استحببنا له أن يطيعه فإن فعل فوقع من ذلك فهلك كان الضمان على الإمام لأنه أمره به وهو مندوب إلى طاعة الإمام، ثم ينظر فإن كان ذلك لخاص نفسه كانت الدية على عاقلته، وإن كان لأمر المسلمين ففي محل الدية القولان. وإن أمره الإمام أن يسعي في حاجة فسعي فيها فتعثر فسقط فمات فلا ضمان على الإمام لأن السعي ليس بسبب الإتلاف ولا العثار بخلاف صعود النخلة ونزول البئر وإن أمره بعض الرعية بذلك فلا ضمان على الآمر لأنه لم يؤمر بطاعته.
مسألة: قال: وإذا خاف نشوز امرأة فضربها.
الفصل
إذا ضرب امرأة للنشوز [١٢٤/أ] فماتت قد ذكرنا أنه تجب الدية على العاقلة لأنه غير مقدر ويفارق التلف المتولد من دفع الصائل، وإن كان غير مقدر ولا يتعين لأن قتل الصائل مباح إذا كان لا يندفع إلا بالقتل فليس كالتأديب المقصور على الاستصلاح، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال مثله، في معلم الكتاب خالفنا وقال: لا يضمن وقد ذكرنا أن الإمام لو أرسل إلى امرأة في سوء بلغه عنها فأجهضت ذا بطنها فضمن دية جنينها قال أصحابنا: ولو ماتت من الإجهاض ضمن أيضا لأنه متولد عن مضمون.
مسألة: ولو عزر الإمام رجلا فمات فالدية على عاقلته.
[ ١٣ / ١٣٧ ]
الفصل
قد ذكرنا فيما تقدم هذه المسألة واعلم أن التعزيز بترتب باختلاف الذنوب واختلاف فاعليها على أربع مراتب فالمرتبة الأولي: التعزير بالكلام وغايته الاستخفاف الذي لا قذف فيه ولا نفي نسب. والمرتبة الثانية: الحبس فينزلون على منازلهم بحسب ذنوبهم فمنهم من يحبس يوما، ومنهم من يحبس أكثر إلى غاية مقدرة بحسب الاجتهاد في المصلحة، وقال أبو عبد الله الزبيري: تقدر غايته بشهر للاستبراء والكشف، وبستة أشهر للتأديب والتقويم.
والمرتبة الثالثة: النفي والإبعاد فظاهر مذهب الشافعي أنه يتقدر الأكثر بما دون السنة، وظاهر [١٢٤/ب] مذهب مالك أنه يجوز أن يزاد فيه على السنة وقد ذكرنا.
والمرتبة الرابعة: الضرب فكل من أتي معصية فإن سرق دون النصاب من حرز، أو سرق نصابا من غير حرز أو وطئ دون الفرج، أو قذف بالتعريض فللإمام أن يعزره بالضرب لما روي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال:"وإن كان ثمنه دون ثمن المجن فقد غرم مثليه وجلدات نكال" ولا يبلغ به أدني الحدود بل ينقص عن ذلك فلا يزاد في الحر على تسعة وثلاثين سوطا، وفي العبد على تسعة عشر. وقال القاضي أبو حامد: قد قيل فيه قول آخر: إنه لا يبلغ بالتعزير في الحر عشرين سوطا لأنه حد العبد في الخمر والأصح أنه يبلغ به أدني الحدود الكاملة والعشرون بعض الحدود. وقال ابن أبي هريرة: لا يجلد احد فوق عشر جلدات في التعزير لقوله صلي الله عليه وسلم:"لا يجلد فوق عشر جلدات في غير حد من حدود الله تعالى" رواه أبو بردة ابن نيار وهذا خبر صحيح لم يقع للشافعي، ولو سمعه لقال به وهكذا قال صاحب "الإفصاح" وصاحب "التقريب". وحكي عن ابن سريج أنه قال: يجب العمل بهذا الخبر وهذا مذهب الشافعي لأن كل ما قاله وثبت عن الرسول صلي الله عليه وسلم خلافه فهو راجع عنه. وقال بعض أصحابنا: لا يزاد على العشرة بالسياط ولكن يجوز أن يزاد بالضرب بالأيدي والنعال والثياب [١٢٥/أ] ونحوها على ما يراه الإمام كما روي في حديث عبد الرحمن بن الأزهر وذلك أنه قال: كأني أنظر إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم الآن وهو جالس في الرحال يلتمس رحل خالد بن الوليد فبينما هو كذلك إذ أتي برجل قد شرب الخمر فقال للناس: ألا اضربوه فمنهم من ضربه بالنعال، ومنهم من ضربه بالميتحه بالياء قبل التاء، وقال ابن وهب: هي الجريدة الرطبة، وقيل: هي العصا الصغيرة، وقال أحمد وإسحاق: للرجل أن يضرب عبده على ترك الصلاة وعلى المعصية ولا يضرب فوق عشر جلدات، وقال أبو حنيفة: أكثره تسعة وثلاثون سوطا في الحر والعبد، وقال أبو يوسف: التعزير على قدر عظم الذنب وصغره
[ ١٣ / ١٣٨ ]
على قدر ما يري الحاكم من احتمال المضروب فيما بينه وبين أقل من ثمانين، وحكي عنه أنه قال: أكثر التعزير في جميع الذنوب خمسة وسبعون من غير تفصيل وبه قال ابن أبي ليلي، وقال الشعبي: التعزير ما بين سوط إلى ثلاثين سوطا، وقال مالك والأوزاعي يجوز أن يريد الإمام فيه على أكثر الحدود إن رأي ذلك، ومن أصحابنا من قال: ينقص في التعزير عن حد تلك الجناية فإن وطئ وطئا حراما لا يوجب الحد فلا يبلغ بالتعزير مائة، ويجوز أن يضرب ثمانين وفي تعزير القذف يبلغ سبعين وخمسة وسبعين [١٢٥/ب].
ولو أدار كاس الماء على هيئة إدارة الخمر يعزر دون الأربعين لأنه آثم بهذه الإدارة والتشبيه بشاربي الخمر ذكره القفال وجماعة، وقال الزهري مثل ذلك وزاد فيه فقال: لو وجده ينال منها دون الفرج ضربا بأكثر التعزير وهو خمسة وسبعون لأن حد القذف ثمانون، وإن وجدا عريانين في إزار تضامت أبدانهما من غير حائل ضربا ستين، وإن كانا عريانين غير متضامين ضربا خمسين، وإن وجدا في بيت مبذلين قد كشفا سوأتهما ضربا أربعين فإن كانا مستوري السوأة ضربا ثلاثين، وإن وجدا في طريق يتجاريان ضربا عشرين وإن وجدا يشير كل واحد منهما الآخر بالريبة ضربا عشرة أسواط، وإن وجدا مع صاحبة ضربا خفقات، واحتجوا بأن معن بن زائدة عمل خاتما على نقش خاتم بيت المال ثم جاء به إلى صاحب بيت المال فأخذ منه مالا فبلغ ذلك عمر رضي اله عنه فضربه مائة وحبسه ثم كلم في أمره فضربه مائة أخري فكلم فيه فضربه مائة أخري ونفاه، وعن علي ﵁ أنه ضرب في التعزير خمسة وسبعين سوطا.
ودليلنا أن العقوبات على قدر الإجرام ومعاصي الله تعالى التي نص على حدودها أعظم إثما من غيرها فلا يجوز أن يسوي بين الأهون والأعظم ويؤدي إلى أن من قبل امرأة حراما يضرب حد الزنا [١٢٦/أ] وهذا لا يجوز لأن القطع لا يجوز في سرقة ما دون النصاب على سبيل التعزير فكذلك لا يجوز في سائر الحدود وأما ما روي عن عمر ﵁ قلنا: العلة اجتمع أسباب التعزير من وجوه، وقد روي أنه كتب إلى أبي موسي الأشعري ﵁ أنه لا يبلغ بالتعزير إلى أدني الدود، وحكي عن أبي ثور أنه قال: التعزير على قدر الجناية وإذا كان الجرم عظيما ويجوز أن يزيد على الحد مثل أن يقتل الرجل عبده على ما يري الإمام إذا كان مأمونا عدلا، وحكي عن الشافعي ﵁ أنه قال: إن رأي أن يزيد مع ضربه حبسا فعل، وإن رأي الاقتصار على الحبس لم يضربه، وأما تشهير المعزر فجائز إذا أدي اجتهاد الإمام إليه ليكون زيادة في نكال في التعزير. وأن يجرد من ثيابه إلا قدر ستر العورة. وينادي عليه بذنبه إذا تكرر منه ولا يقلع عنه ويجوزه ويجوز أن يحلق شعر رأسه، ولا يجوز أن يحلق شعر لحيته.
واختلف أصحابنا في جواز تسويد وجهه على وجهين: أحدهما: يجوز. والثاني: لا يجوز. ويجوز أن يصلب حيا وقد صلب رسول الله صلي الله عليه وسلم على جبل يقال له أبو ثاب، ولا
[ ١٣ / ١٣٩ ]
يمنع إذا صلب من طعام وشراب ولا يمنع من الوضوء ويصلي مومئا ويعيد إذا أرسل ولا يجاوز عليه ثلاثة أيام وكره في (الحاوي). ثم اعلم إذا كان التعزيز لحق الله تعالى [١٢٦/ب] فللإمام أن ينفرد بالعفو عنه إذا رأي ذلك صلاحا خلافا لأبي حنيفة حيث قال: إنه واجب إن علم أنه لا يرتدع إلا به وإن تعلق بالآدمي كالمشاتمة ففيه حق المشتوم وحق الإمام في التقويم والتهذيب فلا يصلح العفو عن التعزيز فيه إلا باجتماعهما عليه فإن عفا الإمام عنه لم يسقط حق المضروب منه وكان المطالبة به، وإن عفا عنه المضروب والمشتوم نظر في عفوه فإن كان بعد الترافع إلى الإمام ففي سقوط حق الإمام منه وجهان أحدهما: قال الزبيري: سقط حقه منه وليس له التعزيز كما لو عفا عن حد القذف. والثاني وهو الأظهر له أن يسقط لأن التقويم من المصالح العامة ويضمن الإمام عندنا سواء استوفاه في حقوق الله تعالى أو في حقوق العباد خلافا لأبي حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى.
فإن قيل: ما معني ما روى ابن عباس ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يفت في الخمر حدا؟ وقال ابن عباس: شرب رجل فسكر فلقي يميل في الفج فانطلق به إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم فلما حاذا دار العباس انفلت فدخل على العباس فالتزمه فذكر ذلك للنبي صلي الله عليه وسلم فضحك وقال: «أفعلها" ولم يأمر فيه بشيء والفج الطريق وقوله: لم يفت أي لم يوقت. قيل: في هذا دليل على أن الخمر أخف الحدود وقد ثبت أن الصحابة ﵃ قدروا ما فعل رسول الله صلي الله عليه وسلم [١٢٧/أ] بأربعين فلا يجوز النقصان عنه بحال ويحتمل أنه لم يتعرض له بعد دخوله دار العباس من أجل أنه لم يكن ثبت عليه الحد بإقرار أو بشهادة عدول وإنما لقي في الطريق يميل فظن به السكر فلم يكشف عنه صلي الله عليه وسلم وتركه على ذلك والله أعلم.
فرع
لو تشاتم وتوائب والد مع ولده سقط تعزيز الوالد في حق ولده، ولم يسقط تعزيز الولد في حق والده لأن الوالد لا يحد في قذف ولده ويحد الولد في قذف والده ولا يسقط حق الإمام في تعزيز كل واحد منهما فيكون تعزيز الوالد مختصا بالإمام وتعزيز الولد مشتركا بين الوالد والإمام.
مسألة: قال: وإذا ظهر برجل سلعة.
الفصل
إذا كانت برجل سلعة وهي شيء يخرج بالرأس أو غيره من لحم وعصب مجتمع كالعقدة والمعروف بفتح السين، وقيل: هو الغدد تكون بين اللحم والجلد كالجوزة،
[ ١٣ / ١٤٠ ]
وسمعت بعض علمائنا يقول: الصحيح سلعة بكسر السين والسلعة بفتح السين: الشجة الداخلة في الرأس وهكذا ذكر صاحب (الحاوي) فأمر السلطان بقطع ذلك فالمقطوع لا يخلو إن أن يكون جائز الأمر أو لا فإن كان جائز الأمر فلا يجوز للسلطان ولا لغيره قطعها، وكذلك إن احتيج إلى القطع للآكلة فإن قطعها فإن كان بأمره لا يضمن لأن قطعها بإذن من له الإذن في ذلك، وإن كان بغير أمره مكرهًا أو ساكتًا فمات يلزمه القود لأنه تعدى بقطعها. [١٢٧/ ب] وإن لم يكن جائز الأمر مثل أن يكون صغيرًا أو مجنونًا فإن قطعها أبوه أو جده فلا قصاص عليه لأن القصاص لا يجب بقتل ولده ولا ولد ولده وتلزم الدية مغلظة في ماله لأنه جرح لا يؤمن منه الهلاك ولم يجز له قطعها، وإن كان القاطع أجنبيًا يلزمه القود بلا إشكال، وإن كان القاطع أمًا أو حاكمًا أو أمين الحاكم أو وصيًا قال الشافعي: قد قيل: عليه القود، وقيل: لا قود عليه وعليه الدية في ماله فحصل قولان: أحدهما: يلزمه القصاص لأنه قطع منه ما لا يجوز له قطعه وهو مخيف. وهو الثاني: لا يلزم القصاص أنه قصد مصلحته وله النظر في مصالحه فكان شبهة في سقوط القصاص وتجب الدية مغلظة في ماله.
وقال صاحب "الإفصاح": من أصحابنا من قال: هذا إذا كان للمقطوع أب أو جد فافتات السلطان عليهما في ذلك، فأما إذا لم يكن من أولي السلطان فلا قود عليه قولًا واحدًا لأنه له النظر في طلب مصلحته وتكون الدية في ماله، قال القاضي الطبري: ويحتمل غير هذا لأن الشافعي قال: فأما غير السبطان ففعل يكون منه الموت فعليه القود إلا أن يكون أبا صبي أو معتوه لا يعقل أو وليه فيضمن الدية ويدرأ عنه القصاص للشبهة فدرأ القود عن الأب والولي فإذا كان السلطان وليًا كيف يجب عليه القود؟ وقال بعض أصحابنا: إن فعله الأب والجد فلا ضمان عليه أصلًا قولًا واحدًا لأن للأب معالجته [١٢٨/أ] بالفصد والحجامة وغير ذلك فولايته أقوى.
وإن فعله أجنبي يلزمه القود، وإن كان وليًا في ماله وإن فعله السلطان أو قيم من جهته ولاه هذا الأمر ففيه قولان: أحدهما: لا ضمان أصلًا. والثاني: يضمن وبماذا يضمن؟ قولان: أحدهما: بالقصاص. والثاني: بالدية في ماله وهذا غلط بخلاف النص الذي ذكرنا، وقال أبو حامد: إذا قلنا لا قود على الإمام فهل يلزم الدية في ماله أو في بيت المال؟ قولان وفي هذا نظر. وقال صاحب (الحاوي): إن كان قطعها أخوف من تركها يجب القود على السلطان قولان فإن كان إمامًا ففيه وجهان: أحدهما: أنه كالسلطان والمراد بالسلطان الأمير والقاضي. والثاني: أشار إليه أبو إسحاق لا قود عليه لأنه من التهمة أبعد ولأنه أعم فإذا قلنا: يلزم القود فالدية دية عمد مغلظة حالة في ماله، وإذا قلنا: لا قود كانت دية شبه عمد وفيه قولان أحدهما: على عاقلته ولم يذكر في "الشامل" غيره، والثاني في بيت المال لأنه غلط في فعله مخطئ في قصده، وإن
[ ١٣ / ١٤١ ]
كان الولي أبًا أو جدًا فإن كان تركها أخوف من قطعها فلا ضمان بخلاف السلطان لأنه من التهمة أبعد، وإن كان قطعها أخوف من تركها فهل يضمن الدية؟ وجهان وهل تكون دية عمد بتعجل من ماله أو دية شبه عمد تؤجل على عاقلته؟ [١٢٨/ب] فيه وجهان، وإن كان الولي مستنابًا كوصي الأب وأمين الحاكم فوجهان أحدهما: يلزمه القود لاختصاص ولايتهما بماله دون بدنه. والثاني: يجري عليها حكم من استنابهما لقيامهما بالاستنابة مقامه فإن كان وصي الأب أجري مجرى الأب، وإن كان أمين الحاكم أجري عليه حكم الحاكم إذا قطعها وهذا حسن والصحيح عندي ما ذكرت أولًا أنه عمد محض فلا معنى لوجوب ضمانه على العاقلة.
مسألة: قال: ولو كان رجلًا أغلف أو امرأة لم تخفض.
الفصل
الختان واجب في الرجال والنساء، وقال أبو حنيفة: لا يجب وإنما هو سنة، وروي عن أبي حنيفة أنه قال: واجب لا فرض الكوتر واحتجوا بما روي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "الختان سنة في الرجال مكرمة في النساء" ودليلنا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل ١٢٣] وهذا كان واجبًا في ملة إبراهيم بدليل قوله ﷺ: "عشرة من الفطرة" وذكر منها الختان وقوله تعالى: ﴿وإذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة ١٢٤] الآية. وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "اختتن إبراهيم حين بلغ ثمانين سنة، وروى موسى بن علي عن أبيه أن إبراهيم ﷺ [١٢٩/أ] أمر أن يختتن وهو ابن ثمانين سنة فجعل فاختتن بقدوم فاشتد عليه الوجع فدعا ربه فأوحى إليه إنك عجلت قبل أن نأمرك بالآلة قال: يا رب كرهت إن أؤخر أمرك. قال: وختن إسماعيل ﷺ وهو ابن ثلاثة عشر سنة، وختن إسحاق ﷺ وهو ابن سبعة أيام، وقال رسول الله ﷺ لرجل "ألق عنك شعر الكفر واختتن". وأما خبرهم فلم يصح رفعه إلى النبي ﷺ فإن صح أراد به سنة واجبة والواجب يسمى سنة وحد السنة ما رسم لتحتذى، وقد روى ابن عباس أنه قال: "لا تقبل صلاة رجل لم يختتن" وقيل: أراد به إظهاره سنة في الرجال وإخفاؤه مكرمة في النساء وهذا تأويل بديع.
[ ١٣ / ١٤٢ ]
فرع
الختان في الرجل يسمى أعذارًا، وفي النساء يسمى خفضًا ويسمى غير المختون أغلف وأقلف. وعن النبي ﷺ أنه قال:" يا أم عطية إذا خفضت فأشمي ولا تنهكي فإنه أسرى وأحظى عند الزوج" وروي "اخفضي ولا تنهكي فإن ذلك أحظى للمرأة وأحب إلى البعل" معنى لا تنهكي لا تبالغي في الخفض والنهك: المبالغة في الضرب والقطع والشتم وقوله: "أسرى للوجه" قيل: أي: أصفى للونه وأحظى أراد به ما يحصل لها في نفس الزوج من الحظوة بها. وقال الشافعي [١٢٩/ب] ﵁: فعلى الرجل والمرأة أن يفعلا ذلك بأنفسهما وأولادهما يعني يجب ذلك عليهما بعد البلوغ، فإن فعل وإلا كان للسلطان أن يجبره عليه كسائر الواجبات، ومن أصحابنا من قال في وجوبه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يجب أصلًا. والثاني: يجب عليهما. والثالث: يجب على الرجال دون النساء وهذا ليس بشيء.
فرع
السنة أن يختتن في اليوم السابع، إن لم يكن ضعيفًا لا يحتمل لأن النبي ﷺ ختن الحسن والحسين ﵄ اليوم السابع من الولادة ..
فرع آخر
هل يحتسب فيهما يوم الولادة؟ فيه وجهان: أحدهما: يحتسب وهو اختيار ابن أبي هريرة. والثاني: وهو قول الأكثرين أنه لا يحتسب، وقد روي أن ختان الحسن والحسين ﵄ كان في اليوم السابع بعد يوم الولادة.
فرع آخر
لو ختن قبل السابع كره لضعف المولود عن احتماله ولا فرق بين الغلام والجارية فإن أخر عن اليوم السابع فالمستحب ان يختن في الأربعين يومًا، فإن أخرها فالمستحب بعده أن يختن في السنة السابعة لأنه الوقت الذي يؤمر فيه بالطهارة والصلاة.
فرع آخر
لو بلغ نضو الخلق وعلم من حاله إن ختن تلف سقط فرض الختان عنه. [١٣٠/أ]
فرع آخر
الواجب على الرجل أن يقطع الجلدة التي على الحشفة حتى تنكشف جميعها فإذا قطعت يقال له: مختون، ويقال لهذه الجلدة الحوق، ويقال: معذور، وللمرأة عذرتان
[ ١٣ / ١٤٣ ]
أحداهما: البكارة، والثانية: هي التي يجب قطعها وهي عرف في أعلى الفرج بين الشفرتين فإذا قطعت يبقى أصلها كالنواة ويقال لها إذا قطعت هي مخفوضة.
فرع آخر
قال ذكرنا أنه إذا بلغ يلزمه الختان إلا أن يكون شدة حر أو برد فإن ختنه السلطان عند الامتناع لا يضمن إذا لم يكن في شدة حر أو برد، وإن كان في شدة حر أو برد قد ذكرنا فيه وفيما لو أقام الحد في شدة حر أو برد ثلاثة طرق، وقال بعض أصحابنا بخراسان: وإن لم يكن ممتنعًا فختنه السلطان كان الحكم هكذا. فإن قلنا: يضمن فظاهر مذهب الشافعي ﵁ أن يضمن كل الدية لأنها جناية، وحكي أبو حامد عن بعض أصحابنا: أنه يضمن نصف الدية لأنه تلف عن واجب ومحظور وإذا ختنه السلطان فهل يكون على عاقلته أو في بيت المال. فيه قولان.