مسألة:
قال الشافعي ﵀: «ولو قال المجني عليه عمدا قد عفوت عن جنايته من قود وعقل ثم صح جاز فيما لزمه بالجناية ولم يجز فيما لزمه من الزيادة لأنها لم تكن وجبت حين عفا.
قال في الحاوي: وهذا كما قال، إذا كانت جناية العمد على طرف كإصبع فعفا المجني عليه عنها لم يخل حالها من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن تندمل.
والثاني: أن تسري إلى النفس.
فأما القسم الأول: وهو أن تندمل الجناية ولا تسري فهو مسطور المسألة، فإذا كانت على إصبع قطعها فاندملت لم يخل حال العفو عنها من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يعفو عما وجب بها من قود وعقل.
والثاني: أن يعفو عن القود وحده.
والثالث: أن يعفو عما وجب بها على الإطلاق.
فأما القسم الأول: وهو أن يعفو عما وجب بها من قود وعقل فيصح عفوه عنهما جميعا فلا يستحق بها قودا ولا دية وهو قول أبي حنيفة وجمهور الفقهاء.
وقال المزني: «يصح عفوه عن القود ولا يصح عفوه عن الدية» لأن القود وجب قبل عفوه والدية لم تجب إلا بعد عفوه، لأنه لو طلب القود قبل الاندمال استحقه ولو طلب الدية قبل الاندمال لم يستحقها، والعفو عما وجب صحيح وعما لم يجب مردود، وهذا فاسد، لأن الدية مستحقة بالجناية وإنما يتأخر استيفاؤها إلى الاندمال كالديون المؤجلة بدليل أن عبدا لو جني عليه فباعه سيده قبل اندمال جنايته ثم اندملت في يد مشتريه كان أرشها لبائعه دون مشتريه، لأن استحقها بالجناية الحديثة في ملكه ولم يستحقها المشتري وإن اندملت في ملكه فصار ذلك عفوا عما وجب له، وإن لم يستحق قبضها، وفيه انفصال عما احتج له.
وأما القسم الثاني: وهو أن يعفو عن القود فلا يكون ذلك عفوا عن الدية ويكون عفوا مقصورا على القود وحده، لأنه لما خصه بالذكر اختص بالحكم.
وأما القسم الثالث: وهو أن يعفو عما وجب بالجناية ولا يسمى قودا ولا عقلا
[ ١٢ / ١٨٣ ]
فيكون ذلك عفوا عن القود، وهل يكون عفوا عن الدية أم لا؟ على قولين: بناء على اختلاف قوليه فيما توجبه جناية العمد.
فإن قيل: إنها توجب أحد الأمرين من القود أو العقل كان ذلك عفوا عن الدية كما كان عفوا عن القود لوجوب الدية بالجناية كوجوب القود بها.
وإن قيل إنها توجب القود وحده على التعيين ولا تجب الدية إلا باختيار المجني عليه لم يصح عفوه عن الدية وإن صح عفوه عن القود، لأن القود وجب والدية لم تجب، فهذا حكم الجناية إذا اندملت.
وأما القسم الثاني: وهو أن تسري إلى ما دون النفس كسرايتها من الإصبع إلى الكف فلا قود في الكف لثلاثة معان:
أحدهما: أن سقوط القود في أصل الجناية موجب لسقوطه فيما حدث عنها.
والثاني: أن السراية إلى الأطراف لا توجب القود وإن وجب بالسراية إلى النفس لما قدمناه من الفرق بينهما.
والثالث: أن أخذ الكف مع استيفاء الإصبع غير ممكن، فأما دية ما ذهب بالسراية من الكف فواجب مستحق لا يسقط بالعفو عن دية الإصبع لثلاثة معان:
أحدهما: أنه لم يتوجب إليه عفو.
والثاني: أنه لم يجب عند العفو ولم يتوجب إليه عفو.
والثالث: أن الدية لما تبعضت لم يسر العفو عن بعضها إلى جميعها، والقود لما لم يتبعض سرى العفو عن بعضه إلى جميعه، ويلزمه أربعة أعشار الدية أربعون من الإبل، لأن في الإصبع المعفو عنها عشر الدية.
وأما القسم الثالث: وهو أن تسري جناية الإصبع إلى النفس فيموت منها فلا قود في النفس لمعنى واحد، وهو أن سقوط القود في أصل الجناية يوجب سقوط فيما حدث عنها، وعليه دية النفس إلا قدر دية الإصبع إذا صح العفو عن ديتها، لما قدمناه من المعاني الثلاثة، فيلزمه تسعة أعشار الدية، لأن دية الإصبع عشرها إلا أن يمنع من الوصية للقاتل، عل ما سنذكره فيلزمه جميعها.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: «ولو قال: قد عفوت عنها وما يحدث منها من عقل وقود ثم مات منها فلا سبيل إلى القود للعفو ونظر إلى أرش الجناية فكان فيها قولان أحدهما أنه جائز العفو عنه من ثلث مال العافي كأنها موضحة فهي نصف العشر ويؤخذ بباقي الدية. والقول الثاني أن يؤخذ بجميع الجناية لأنها صارت نفسا وهذا (قاتل) لا
[ ١٢ / ١٨٤ ]
يجوز له وصية بحال. قال المزني ﵀: هذا أولى بقوله لأن كل ذلك وصية لقاتل فلما بطل بعضها بطل جميعها».
قال في الحاوي: وهذه المسألة تخالف ما تقدمها في «صفة العفو» وإن وافقتها في الصورة، وهو أن يقول المجني عليه وقد قطعت إصبعه عمدا: قد عفوت عنها وعما يحدث عنها من قود وعقل، وكان عفوه في المسألة الأولى مقصورا على العفو عنها دون ما حث منها فينقسم حال الجناية على ما قدمناه من الأقسام الثلاثة:
أحدهما: أن تندمل، فيكون على ما مضى من صحة عفوه عن القود في الإصبع وعن ديتها.
والقسم الثاني: أن تسري الجناية إلى ما دون النفس كسرايتها إلى الكف فيسقط القود فيها بالعفو عنه، ويبرأ من دية الإصبع لعفوه عنه ويؤخذ بدية الباقي من أصابع الكف وهي أربع ذهبت بالسراية مع الكف وذلك أربعون من الإبل، ولا يبرأ منه بالعفو عنه، لأنه إبراء مما لم يجب، والإبراء من الحقوق قبل وجوبها باطل مردود.
والقسم الثالث: وهو مسألة الكتاب: أن تسري الجناية إلى النفس فيموت منهما وقد عفا عنها وعما يحدث منها من قود فيسقط القود عنه في النفس والإصبع بالعفو عنه، وأما الدية فقد صار هذا الجاني قاتلا والعفو عنه من عطايا المريض المعترة من الثلث كالوصايا، وقد اختلف قول الشافعي في الوصية للقاتل على قولين:
أحدهما: باطلة كالميراث، لقول النبي ﷺ: «ليس لقاتل شيء» فعم الميراث والوصية؛ ولأن الميراث أقوى وأثبت من الوصية لدخوله في ملك الوارث بغير قبول ولا اختيار ووقوف الوصية على القبول والاختيار، فلما منع القتل من الميراث الذي هو أقوى كان بأن يمنع من الوصية التي هي أضعف أولى.
والثاني: أن الوصية للقاتل جائزة، وإن لم يرث لتخصيص النص بردها للوارث لقول النبي ﷺ: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» فدل على عموم جوازها لغير الوارث، ولا يمنع الوصية كذلك القتل.
فإن قيل بالقول الأول: وهو أن الوصية للقاتل باطلة لزمته الدية كلها ولم يبرأ منها بالعفو عنها، وسواء ما وجبت بالجناية قبل العفو وما حدث بعده بالسراية، لأن سراية جنايته إلى النفس قد جعلته قاتلًا.
فإن قيل: فإذا أبطلتك الوصية للقاتل وأسقطتم عفوه عن الدية فهلا بطل العفو عن القود، لأن وصية لقاتل كما أبطلتم عفوه عن الدية أو أخرتم عفوه عن الدية كما أخرتم عفوه عن القود؟ قيل: لأن الدية مال والقود ليس بمال لأمرين:
أحدهما: أنه لو وصى لرجل بثلث ماله كان الموصى له شريكا في الدية ولم يكن شريكا في القود.
والثاني: أنه لو وصى لرجل بالدية صح، ولو وصى له بالقود لم يصح فلذلك صح
[ ١٢ / ١٨٥ ]
العفو عن القود ولم يصح عن الدية، فهذا حكم عفوه على القول الذي ترد فيه الوصية للقاتل.
وإن قيل بجواز الوصية للقاتل اعتبر حال عفوه، فإن خرج مخرج الوصية فقال: قد وصيت له بها وبما حدث عنها من قود وعقل، صح عفوه عن جميع الدية ما وجب منها قبل العفو من دية الإصبع وما حدث بعده من دية النفس، وإن لم تكن قد وجبت عند العفو، لأن الوصايا تصح بما وجب ربما سيجب، وبما ملك وبما سيملك، وإذا صار ذلك وصية كانت الدية معتبرة من الثلث كسائر الوصايا، فإن احتملها الثلث صح جميعها فيبرأ الجاني من الدية كلها، وإن لم يحتملها الثلث أمضى منها قدر ما احتمله الثلث ورد فيما عجز إلا أن يجيزه الورثة، وإن لم يخرجه مخرج الوصية وجعله عفوا أو إبراء محضا فقد اختلف قول الشافعي في عفوه، وإبرائه هل يجري مجرى الوصية أم لا؟ على قولين:
أحدهما: يجري مجرى الوصية لاعتباره من الثلث، فعلى هذا يكون على ما مضى من صحة جميعه إذا احتمله الثلث.
والثاني: أنه لا يصير وصية وإن اعتبر من الثلث، لأن الوصية عطية وهو العفو، والإبراء هو ترك وإسقاط، فخرج عن عطايا الوصايا، فعلى هذا يبرأ الجاني فيما وجب قبل العفو وهو دية الإصبع ولا يبرأ فيما وجب بعده من دية النفس، لأنه إبراء منه قبل وجوبه واستحقاقه ويلزمه من الدية تسعة أعشارها، واعترض المزني على هذا القول حين رأى الشافعي قد بعض عفوه فأجاز بعضه ورد بعضه اعتراضا وهم فيه فقال: إن صحت الوصية للقاتل صحت في الجميع وإن بطلت ردت في الجميع، ولم يكن لتبعيضها وتفريقها وجه، هذا وهم منه لأن الشافعي ما بعض عفوه وفرقه إذا كان وصية، والحاكم في جميعه على ما ذكره من صحته في الكل، وإن جازت الوصية له أو إبطاله في الكل وإن ردت وإنما فرقه إذا جعل إسقاطا وإبراء، لأن من حكم الإبراء على مذهبه أن يصح فيما وجب ويبطل فيما لم يجب فبطل اعتراضه.
مسألة:
قال المزني ﵁: «قال -يعني الشافعي ولأنه قطع بأنه لو عفا والقاتل عبد جاز العفو من ثلث الميت قال وإنما أجزنا ذلك لأنه وصية لسيد العبد مع أهل الوصايا».
قال في الحاوي: وهذه مسألة من إحدى ثلاث مسائل أوردها المزني ها هنا لاعتراضه الذي قدمته، وصورتها في عبد جني على حر فعفا المجني عليه عنها وعما يحدث منها من قود وعقل، ثم سرت الجناية إلى نفسه فمات عنها، فهذا العفو قد تضمن إسقاط القود وإسقاط الدية، والقود مستحق على العبد الجاني، والدية مستحقة على سيده
[ ١٢ / ١٨٦ ]
لتعلقها برقبة عبده، وإذا كان كذلك لم يخل حال العفو من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يكون مطلقا.
والثاني: أن يضاف إلى العبد.
والثالث: أن يضاف إلى السيد.
فإذا كان مطلقا بأن قال الجاني: عفوت عنها وعما يحدث عنها من عقل وقود صح العفو عن القود في حق العبد، وصح عن الدية في حق السيد، وسواء جازت الوصية للقاتل أو لم تجز، لأنها وصية للسيد والسيد غير قاتل، وإن كان العفو مضافا إلى العبد بأن قال له المجني عليه قد عفوت عنك وعما يجب لي عليك من قود وعقل صح العفو عن القود ولم يصح عفوه عن الدية لوجوب القود على العبد ووجوب الدية على السيد، وإن كان العفو مضافا إلى السيد بأن قال المجني عليه: قد عفوت عما وجب لي على سيدك من قود وعقل صح عفوه عن الدية ولم يصح عفوه عن القود لوجوب الدية على السيد ووجوب القود على العبد.
مسألة:
قال المزني ﵁: «قال -يعني الشافعي ولأنه قال في قتل الخطأ لو عفا عن أرش الجناية جاز عفوه لأنها وصية لغير فاتل».
وهذه المسألة الثانية التي أوردها المزني لحجاجه وهو أن تكون الجناية خطأ فيعفو عنها المجني عليه ثم تسري إلى نفسه فيموت منها فلا يخلو ثبوت هذه الجناية من أحد أمرين إما بأن تكون بإقرار أو بينة فإن أقر بها الجاني وعدمت فيها البينة لزمت بإقراره كما يلزم جناية العمد.
وقال مالك: لا يلزم إقراره بجناية الخطأ وإن لزم بجناية العمد، لأن دية الخطأ على العاقلة فصار مقرا بها على غيره فبطل إقراره وهذا فاسد، لقول النبي ﷺ: «لا تحمل العاقلة عبدا ولا عمدا ولا صلحا ولا اعترافا». فأثبت للاعتراف حكما ونفاه عن العاقلة فدل على لزومه، ولأن للقتل الخطأ حكمين الكفارة والدية، لقول الله تعالى:﴾ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ ﴿[النساء: ٩٢] فإذا وجبت الكفارة بإقراره وجبت به الدية، ولأن ما وجب بالبينة وجب بالإقرار كالدين، وإذا لزم إقراره بها وجبت الدية عليه دون عاقلته إذا لم يصدقوه لتوجه التهمة إليه، ولذلك أسقطها رسول الله ﷺ عنهم، وإذا لزمته الدية وقد صار قاتلا جرى على العفو عنها حكم العفو عن دية العمد في إبطاله إن أردت الوصية للقاتل وجوازه إن أمضيت.
[ ١٢ / ١٨٧ ]
فصل:
وإن ثبتت جناية الخطأ بالبينة وجبت الدية على العاقلة، وفي وجوبها قولان:
أحدهما: وجبت عليهم ابتداء من غير أن يتوجه وجوبها على الجاني.
والثاني: أنها وجبت على الجاني ثم تحملتها العاقلة عنه، وعاقلته عصبته، فإن عدموا فجميع المسلمين في بيت مالهم، لأن دين الحق قد عقد الموالاة بينهم فصار المسلم لا يعدم عصبة، وإذا كان كذلك لم يخل مخرج عفوه من أن يكون وصية أو إبراء فإن كان وصية على ما ذكرنا فلا يخلو حالها من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يجعلها للعاقلة فيقول: قد وصيت بها وبما يحدث منها لعاقلته فتصح هذه الوصية في ثلثه إذا احتملها، وتبرأ العاقلة منها، سواء أجيزت الوصية للقاتل أو ردت، لأن العاقلة غير قتلة.
والثاني: أن يجعلها للقاتل فيقول: قد وصيت بها وبما يحدث منها للجاني فإن ردت الوصية للقاتل وجبت الدية على العاقلة لورثة المقتول، فإن أجيزت الوصية للقاتل فإن له استيفاءها من عاقلته، لأنها وصية له بما عليهم، سواء قيل بوجوبها عليهم تحملا أو ابتداء، لأنهم تحملوها ساعة وجوبها عليه من غير مهلة فصارت الوصية بها بعد استحقاقها عليهم.
والثالث: أن يجعل الوصية بها مطلقة فيقول قد وصيت بها وما يحدث منها، ولا يسمى الموصى له بها، فهذه وصية باطلة، لأنها لغير مسمى، وللورثة استيفاؤها من العاقلة.
فصل:
وإن لم يخرج عفوه مخرج الوصية بل كان عفوا وإبراء محضا فالعفو والإبراء لا ينتقل من جهة من وجبت عليه الدية إلى غيره بخلاف الوصية، سواء أجرى عليه حكم الوصية أو حكم الإسقاط، إلا أنه إن جرى عليه حكم الوصية كان عفوا عن جميع الدية، وإن جرى عليه حكم الإسقاط كان عفوا عما وجب بابتداء الجناية دون ما حدث عنها، لأن الإبراء منه كان قبل وجوبه، وإذا كان كذلك لم يخل حال عفوه من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يتوجه إلى الجاني فيقول: قد عفوت عنك وعما يحدث بجنايتك، فإن قيل: إن الدية وجبت ابتداء على العاقلة لم يبرأوا منها، وكانوا مأخوذين بها، لأن العفو عن غيرهم، وإن قيل: إنها وجبت في الابتداء على الجاني ثم تحملها العاقلة عنه صح العفو عنها وبرأت العاقلة منها لتوجه العفو إلى محل الوجوب، سواء جعل هذا العفو في حكم الوصايا أو الإبراء، وسواء أجيزت الوصية للقاتل أو ردت، لأن وجوب الدية على الجاني غير مستقر لانتقالها في الحال عنه إلى عاقلته فلم يكن في الوصية بها ما يمنع القتل منها إذا لم يتقبل إليها مالها، لكن إن أجرى عليه حكم الوصية كان عفوا عن جميع
[ ١٢ / ١٨٨ ]
الدية، وإن أجرى عليه حكم الإبراء، أو الإسقاط كان عفوا عما وجب بابتداء الجناية دون ما حدث بعدها بالسراية فيلزم العاقلة ما حدث بالسراية دون ما لزم بابتداء الجناية.
والثاني: أن يتوجه العفو إلى العاقلة فيقول: قد عفوت عن عاقلتك في جنايتك وما يحدث منها فيصح العفو عنهم، سواء قيل بوجوبها عليهم ابتداء أو تحملا، لأنهم محل استقرارها، ولا مطالبة على الجاني بها لانتقالها عنه إلى من براء منها، لكن إن أجرى على العفو حكم الوصية كان عفوا عن جميع الدية، وإن أجرى عليه حكم الإبراء كان عفوا عما وجب بابتداء الجناية، وتؤخذ العاقلة بما حدث بالسراية.
والثالث: أن يكون العفو مطلقا فيقول: قد عفوت عنها وعما يحدث منها، فيصح العفو على الأحوال كلها، لتوجه العفو المطلق إلى محل الحق، لكن إن أجرى عليه حكم الوصية صح في جميع الدية، وإن أجرى عليه حكم الإبراء صح فيما وجب بالجناية وبطل فيما حدث بالسراية.
مسألة:
قال الشافعي ﵀: «ولو كان القاتل خطأ ذميا لا يجري على عاتقه الحكم أو مسلما أقر بجناية خطأ فالدية في أموالهما والعفو باطل لأنه وصية للقاتل ولو كان لهما عاقلة لم يكن عفوا عن العاقلة إلا أن يريد بقوله: عفوت عنه أرش الجناية أو ما يلزم من أرش الجناية قد عفوت ذلك عن عاقلته فيجوز ذلك لها، قال المزني ﵀: قد أثبت أنها وصية وأنها باطلة لقاتل».
قال في الحاوي: وهذه المسألة الثالثة من مسائل حجاجه، وهي مصورة في الذمي إذا لم تكن له عاقلة، وفي المسلم إذا أقر بالجناية ولم يقم بها بينة، وهما يستويان في حكم جناية الخطأ وإن افترقا فيها من وجه آخر، واستواؤهما فيها أن الذمي إذا كانت له عاقلة لا يجري عليهم حكمنا كانت جناية خطئه في ماله، فلو جرى عليهم حكمنا كانت جنايته على عاقلته، والمسلم إذا أقر بجناية الخطأ كالذمي إذا لم يجز على عاقلته حكم في وجوب الدية عليهما في أموالهما، فإذا كان كذلك فهما قاتلان، فإن ردت الوصية للقاتل، وجبت الدية عليهما سواء خرج العفو مخرج الوصية أو مخرج الإبراء، وإن أجيزت الوصية للقاتل صح العفو عن جميع الدية، وإن أجري عليه حكم الوصية، وإن أجري على العفو حكم الإبراء صح فيما وجب بالجناية وبطل فيما حدث بالسراية، وأما ما يفترق المسلم والذمي فيه من جناية الخطأ فهو أن المسلم إذا لم تكن له عاقلة كانت جنايته في ماله لأن المسلمين أولياء المسلم دون الكافر فعقلوا عن المسلم ولم يعقلوا عن الكافر، ولئن صار مالهما بالموت إلى بيت المال إذا لم يكن لهما وارث فحكمه مختلف، لأن مال المسلم ينتقل إلى بيت المال ميراثا وينتقل مال الذمي إليه فيئا، وفيما أوردناه من
[ ١٢ / ١٨٩ ]
شرح (المذهب) في هذه المسائل الثلاث التي احتج بها المزني ما يزول به احتجاج وهمه وبالله التوفيق.
مسألة:
قال الشافعي ﵀: «ولو جني عبد على حر فابتاعه بأرش الجرح فهو عفو ولم يجز البيع إلا أن يعلما أرش الجرح، لأن الأثمان لا تجوز معلومة، فإن أصاب به عيبا رده وكان له في عنقه أرش جنايته».
قال في الحاوي: وصورتها: في عبد جني على حرجناية عمد فالتمس المجني عليه أن يبتاعه من سيده، فالسيد بالخيار بين بيعه عليه أو منعه منه، سواء أراد السيد أن يفديه من جنايته أو أن يبيعه فيها، لأن البيع عقد مراضاة لا يلزم إلا بالاختيار، فإن أجاب سيده إلى بيعه على المجني عليه، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن بيعه عليه بثمن في الذمة.
والثاني: أن بيعه بأرش الجناية، فإن كان البيع بثمن في الذمة لم يكن الابتياع عفوا عن القود لاستحقاقه على العبد لو كان في ملك المجني عليه، ولم يسقط بانتقاله إليه، وإذا كان كذلك لم يخل بالقصاص من أن بكون مستحقا في طرف أو نفس، فإن كان مستحقا في طرف فالبيع جائز، وللمجني عليه أن يقتص من أطرافه إذا صار في ملكه كما كان له أن يقتص منه في ملك بائعه، ولا خيار له في نقصه بهذا القصاص، لعلمه باستحقاقه، وإن كان القصاص في نفسه لم يمنع ذلك من جواز بيعه لتردد حاله بين عفو واقتصاص، كالمريض المدمن يجوز بيعه مع خوف موته لتردد حاله بين برء وعطب، وإذا كان البيع جائزا فولى المجني عليه بعد ابتياعه على حقه من القصاص، وهو فيه بالخيار، فإن عفا عنه استقر البيع فيه، وكان له مطالبة بائعة بالدية إن كانت بقدر ثمنه فما دونه، وإن كانت أكثر منه فعلى قولين:
أحدهما: يطالبه بجميعها.
والثاني: ليس له إلا قدر ثمنه، وسيده البائع مخير بين دفع الثمن الذي قبضه بعينه وبين أن يدفع إليه غيره، ويكون الباقي من الدية بعد ثمنه هدرا، وإن اقتص منه ولي المجني عليه المشتري له فقد اختلف أصحابنا في الاقتصاص منه هل يجري مجرى مستهلكه بالغصب أو مجرى موته بالمرض؟ على وجهين:
أحدهما وهو قول أبي إسحاق المروزي أنه يجري مجرى استحقاقه بالغصب، فيعلى هذا يكون لولي المجني عليه أن يرجع على البائع بثمنه مع علمه بحاله، لأن من اشترى عبدا من غاصبه مع علمه بغصبه كان له الرجوع بثمنه.
[ ١٢ / ١٩٠ ]
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أن القصاص يجري مجرى موته بالمرض، فعلى هذا لا يرجع بثمنه لتلفه في يده ولا بأرش عينه لعلمه بجنايته.
فصل:
وإن اشتراه المجني عليه أو وليه بأرش جنايته فهي مسألة الكتاب فيكون ذلك عفوًا عن القصاص بمجرد الطلب، سواء تم البيع بينهما أم لا؛ لأنه عدول إلى الأرش، والعدول إليه عفو، ثم ينظر في أرش الجناية فإن جهلها المتبايعان كان البيع باطلًا للجهل يقدر الثمن، وإن علماها فعلى ضربين:
أحدهما: أن تكون مقدرة ورقًا أو ذهبًا، فالبيع جائز.
والثاني: أن تكون مقدرة إبلًا كالجناية على الإصبع مقدرة بعشر من الإبل أثلاثًا في العمد أخماسًا في الخطأ، فإذا ابتاعه بها فهي معلومة الجنس والسن مجهولة النوع والصفة، وفي جواز جعلها صداقًا قولان:
أحدهما: يجوز للعلم بجنسها وسنها وثبوتها في الذمة واستحقاق المطالبة بها.
والثاني: لا يجوز للجهل بنوعها وحبسها، وأن حكم العقود أضيق وأغلظ. فأما البيع فقد اختلف أصحابنا فيه، فكان أبو علي بن أبي هريرة يخرجه على قولين كالصداق، لأنهما عقدًا معارضة، وذهب أبو إسحاق المروزي إلى بطلانه قولًا واحدًا وإن كان الصداق على قولين، للفرق بينهما بأتساع حكم الصداق لثبوته بعقد وغير عقد وضيق حكم البيع الذي لا يستحق الثمن فيه إلا بعقد.
فإن قبل ببطلان البيع كان أرش الجناية في رقبة العبد يباع فيها إلا أن يفديه السيد منها.
فإن قبل بجواز البيع برئ العبد وبائعه من أرش جنايته، فإن وجد به المجني عليه أو وليه عيبًا سوى الجناية كان له أن يرده به ويعود أرش الجناية في رقبته فيباع فيها أو يفديه السيد منها.
فإن قيل: فما الفائدة في رده وليس للمجني عليه غير ثمنه معيبًا؟ قيل: لجواز أن يرغب في ابتياعه من يرضي بعيبه فيبرأ المجني عليه من ضمان دركه. وبالله التوفيق.
[ ١٢ / ١٩١ ]