مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ولا يعقل الموالي المعتقون عن رجلٍ من الموالي المعتقين وله قرابةٌ تحمل العقل فإن عجزت عن بعضٍ حمل الموالي المعتقون الباقي وإن عجزوا عن بعض ولهم عواقلٌ عقلته عواقلهم فإن عجزوا ولا عوقل لهم عقل ما بقي جماعة المسلمين".
قال في الحاوي" العقل يتحمل بالولاء كما يتحمل بالنسب لقول النبي ﷺ: "الولاء لحمة كلحمة النسب".
ولأنه لما استحق الميراث بالولاء كاستحقاقه بالنسب وجب أن يتحمل به العقل كما يتحمل بالنسب، وإذا كان كذلك فالمناسبون من العصبات مقدمون في العقل على الموالي كما يتقدمون عليهم في الميراث، ويقدم أيضًا العصبات على الموالي في العقل والميراث كما يقدم أقرب العصبات على أبعدهم، فإذا وجد في أقرب العصبات من يتحمل العقل وقف تحملها عليهم، وخرج من التحمل البعداء من العصبات وشاركوا فيها الأقارب وخرج منها والموالي، وإن عجز الأقربون عنها تحملها البعداء والموالي من العصبات وشاركوا فيها الأقارب وخرج منها الموالي إذا تحملها جميع العصبات، وإن عجز جميعهم عنها شركهم فيها الموالي وكانوا أسوة العصبات في تحملها، فإن عجز عنها العصبات والموالي شركهم فيها عصبات الموالي ثم موالي الموالي، فإن عجزوا أو عدموا
[ ١٢ / ٣٣٠ ]
تحمل بيت مال المسلمين ما عجزوا عنه من بقي العقل أو من جميعه إذا عدموا؛ لأن ولاء الدين يجمع عاقلة المسلمين فكان عقل جنايته عليهم في بيت مالهم عند عدم عصبته كما ورثوه، وصار ميراثه لبيت مالهم عند عدم عصبته، فإن لم يكن في بيت مال المسلمين مال كانت الدية أو ما بقي منها دينًا، وفي محله قولان مبنيان على اختلاف قول الشافعي في دية الخطأ هل كان ابتداء وجوبها على الجاني ثم تحملها العاقلة عنه أو وجبت ابتداء على العاقلة.
فأحد القولين: إنها وجبت ابتداء على الجاني ثم تحملتها العاقلة لوجوبها بالقتل وتحملها بالمواساة، فعلى هذا تؤخذ من القاتل لعدم من يتحملها عنه فإن أعسر بها كانت دينًا عليه.
والثاني: إنها وجبت ابتداء على العاقلة، لأنها لو وجبت على غيرهم لما انتقلت إليهم إلا بعقد أو التزام وهي تلزمهم من غير عقد ولا التزام، فعلى هذا تكون دينًا في بيت المال ولا يرجع بها على الجاني، وإن كان موسرًا بها لوجوبها على غيره.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "قال ولا أحمل الموالي من أسفل عقلًا حتى لا أجد نسبًا ولا موالي من أعلى ثم يحملونه لا أنهم ورثته ولكن يعقلون عنه كما يعقل عنهم".
قال في الحاوي: اعلم أن الموالي ضربان:
مولى من أعلى وهو السيد المعتق.
ومولى من أسفل وهو العبد المعتق.
فأما المولى الأعلى فيعقل عن المولى الأسفل ويرثه وحكم عقله ما قدمناه.
وأما المولى الأسفل فلا يرث المولى الأعلى، وفي عقله عنه قولان:
أحدهما: لا يعقل عنه كما لا يرثه.
وبه قال أبو حنيفة: لأن العصبات ورثوا فعقلوا، وهذا لا يرث فلم يعقل، لأن غرم العقل مقابلًا لغنم الميراث.
والقول الثاني: إن المولى الأسفل يعقل كما يعقل المولى الأعلى لأمرين:
أحدهما: أنه لما عقل الأعلى عن الأسفل وجب أن يعقل الأسفل عن الأعلى.
والثاني: أنه لما عقل الأعلى مع إنعامه كان عقل الأسفل مع الإنعام عليه أولى فعلى هذا يقدم المولى الأعلى في العقل بميراثه، فإن عجز شركه المولى الأسفل ويكون الأسفل مع الأعلى جاريًا مجرى الأعلى مع العصبات والله أعلم.
[ ١٢ / ٣٣١ ]