وحكم ما يوقفه الإمام من الأرض للمسلمين.
[ ١٣ / ٣٠٨ ]
قال الشافعي ﵀: " ولا أعرف ما أقول في أرض السواد إلا بظن مقرون إلى علم وذلك أني وجدت أصح حديث يرويه الكوفيون عندهم في السواد ليس فيه بيان ووجدت أحاديث من أحاديثهم تخالفه منها أنهم يقولون إن السواد صلح ويقولون إن السواد عنوة ويقولون إن بعض السواد صلح وبعضه عنوة، ويقولون إن جرير بن عبد الله البجلي وهذا أثبت حديث عندهم فيه. قال الشافعي: أخبرنا الثقة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير قال: كانت بجيلة ربع الناس فقسم لهم ربع السواد فاستغلوه ثلاث أو أربع سنين. شك الشافعي ثم قدمت على عمر بن الخطاب ﵁ ومعي بنت فلان امرأة منهم قد سماها ولم يحضرني ذكر اسمها. قال عمر: لولا أني قاسم مسئول لتركتكم على ما قسم لكم ولكني أرى أن تردوا على الناس. قال الشافعي: وكان في حديثه وعاضني من حقي فيه نيفًا وثمانين دينارا وكان في حديثه فقالت فلانة قد شهد أبي القادسية وثبت سهمه ولا أسلم حتى تعطيني كذا وكذا فأعطاها إياه. قال الشافعي ﵀: ففي هذا لحديث دلالة إذا أعطى جريرًا عوضًا من سهمه والمرأة عوضًا من سهم أبيها على أنه استطاب أنفس الذين أوجفوا عليه فتركوا حقوقهم منه فجعله وقفًا للمسلمين وقد سبى النبي صلي الله عليه وسلم هوازن وقسم الأربعة الأخماس بين الموجفين ثم جاءته وفود هوازن مسلمين فسألوه أن يمن عليهم وأن يرد عليهم ما أخذ منهم فخيرهم النبي صلي الله عليه وسلم بين الأموال والسبي فقالوا: خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا فنختار أحسابنا فترك النبي صلي الله عليه وسلم حقه وحق أهل بيته فسمع بذلك المهاجرون فتركوا لهم حقوقهم وسمع بذلك الأنصار فتركوا لهم حقوقهم ثم بقي قوم من المهاجرين والأنصار فأمر فعرف على كل عشرة واحدًا ثم قال ائتوني بطيب أنفس من بقي فمن كره فله علي كذا وكذا من الغبل إلى وقت ذكره. قال: فجاؤوه بطيب أنفسهم إلا الأقرع بن حابس وعيينة بن بدر فإنهما أتيا ليعيرا هوازن فلم يكرههما صلي الله عليه وسلم على ذلك حتى كانا هما تركا بعد بأن خدع عيينة عن حقه وسلم لهم ﵇ حق من طاب نفسًا عن حقه. قال: وهذا أولى الأمرين بعمر عندنا في السواد وفتوحه إن كان عنوة لا ينبغي أن يكون قسم إلا عن أمر عمر لكبر قدره ولو يفوت عليه ما انبغى أن يغيب عنه قسمه ثلاث سنين ولو كان القسم ليس لمن قسم له ما كان له منه عوض ولكان عليهم أن يردوا الغلة والله أعلم كيف كان وهكذا صنع صلي الله عليه وسلم في خيبر وبني قريظة لمن أوجف عليها أربعة أخماس والخمس لأهله فمن طاب نفسًا عن حقه فجائز للإمام نظرًا للمسلمين أن يجعلها وقفًا عليهم تقسم غلته على أهل الفيء والصدقة وحيث يرى الإمام ومن يطب نفسًا فهو أحق بماله".
قال في الحاوي: أما أرض السواد فهو سواد كسرى ملك الفرس الذي فتحه
[ ١٣ / ٣٠٩ ]
المسلمون، وملكوه عنوة في أيام عمر بن الخطاب ﵁ بعد أن فتحت أطرافه في أيام أبي بكر ﵁. وحده طولًا من حريثة الموصل إلى عبادان، وعرضًا من عذيب القادسية إلى حلوان، يكون طوله مائة وستين فرسخًا، وعرضه ثمانين فرسخًا، وليست البصرة، وإن دخلت في هذا الحد من أرض السواد؛ لأنها مما أحياه المسلمون من الموات إلا مواضع من شرقي دجلتها يسميه أهل البصرة الفرات. ومن غربي دجلتها لنهر المعروف بنهر المرأة، ويسمى بالفهرج.
وحضرت الشيخ أبا حامد الإسفراييني، وهو يدرس تحديد السواد في كتاب "الرهن" وأدخل فيه البصرة، ثم أقبل علي، وقال: هكذا تقول قلت: لا، قال: ولم؟ قلت: لأنها كانت مواتًا أحياه المسلمون، فأقبل على أصحابه، وقال علقوا ما يقول: فإن أهل البصرة أعرف بالبصرة وفي تسميته سوادا ثلاثة أقاويل:
أحدها: لكثرته مأخوذ من سواد القوم: إذا كثروا، وهذا قول الأصمعي.
والثاني: لسواده بالزروع والأشجار، لأن الخضرة ترى من البعد سوادًا، ثم تظهر الخضرة بالدنو منها فقال المسلمون حين أقبلوا من بياض الفلاة: ما هذا السواد، فسموه: سوادًا.
والثالث: لأن العرب تجمع بين الخضرة والسواد في الاسم، قال أبو عبيدة: ومنه قول الشاعر:
وراحت رواحًا من زرود فصادفت زبالة جلبابًا من الليل أخضرا
يعني: أسود، وسواد كسرى أزيد من العراق بخمسة وثلاثين فرسخًا، فيكون العراق أقصر من السواد بخمسه والسواد أطول من العراق بربعه؛ لأن أول العراق من شرقي دجلة العلث، ومن غربيها جربى، وطوله مائة وخمسة وعشرون فرسخًا، وعرضه مستوعب لعرض السواد.
وسمي عراقًا لاستواء أرضه حين خلت من جبال تعلو، وأودية تنخفض، والعراق في كلام العرب: الاستواء، كما قال الشاعر:
سقتم إلى الحق معًا وساقوا سياق من ليس له عراق
أي ليس له استواء.
وقال قدامة بن جعفر: تكون مساحة العراق مكسرًا من ضرب طوله في عرضه عشرة آلاف فرسخ، يصير تكسير مساحة السواد مكسرًا بزيادة الربع مساحة العراق اثنا عشر ألف فرسخ وخمسمائة فرسخ، ومساحة تكسير فرسخ في فرسخ اثنان وعشرون ألف جريب وخمسمائة جريب؛ لأن طول الفرسخ اثنا عشر ألف ذراع بالمرسلة، ويكون بذراع المساحة، وهي الذراع الهاشمية تسعة آلاف ذراع، فتكون مساحة أرض العراق، وهي عشرة آلا فرسخ مكسرة مائتا ألف ألف جريب، وخمسة وعشرين ألف ألف جريب، يزيد عليها في مساحة السواد ربعها، فتصير مساحة السواد مائتا ألف ألف جريب وثمانين
[ ١٣ / ٣١٠ ]
ألف ألف جريب، يسقط منها مجاري الأنهار، والآجام والسباخ والآكام ومواضع المدن والقرى ومدارس الطرق نحو ثلثها، ويبقي مائتا ألف ألف جريب يراح نصفها، ويزرع نصفها، إذا تكاملت مصالحنا، وعمارتها، وذلك نحو مائة ألف ألف جريب، ينقص عنها في مساحة العراق خمسها، وقد كانت مساحة المرزوع في أيام عمر بن الخطاب ﵁ اثنين وثلاثين ألف ألف جريب إلي ستة وثلاثين ألف ألف جريب، لأن البطائح تعطلت بالماء ونواحي تعطلت بالتبوق وفي المتقدرات تتكامل جميع العبارات حتى تستوعب من زرعها؛ لأن العوارض والحوادث لا يخلو الزمان منها خصوصا وعموما.
فصل:
فإذا استقر ما ذكرنا من حدود السواد، ومساحة أراضيه وقدر مزدرعه وفضل ما بينه وبين العراق، فقد اختلف العلماء في فتحه هل كان عنوه أو صلحا؛ فقدم الشافعي من الحجاز إلي العراق، وأهل العراق أعلم بفتوح سوادهم من أهل الحجاز، فسألهم عنه فاختلفوا عليه، فروي بعضهم أن السواد فتح صلحا.
وروي له بعضهم أن السواد فتح عنوه.
وروي له آخرون أن بعض السواد فتح صلحا، وبعضه فتح عنوه. فلما اختلفوا عليه في النقل والرواية نظرا ثبت ما رووه من الأحاديث، وأصحها، فكان حديث جرير بن عبد الله البجلي.
قال الشافعي: أخبرنا الثقة يعني: أبا أسامة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله البجلي قال: كانت بجيلة ربع الناس، فقسم لهم ربع السواد، فاستغلوه ثلاثا، أربع سنين شك الشافعي فقدمت علي عمر، ومعي فلانة بنت فلان امرأة منهم قد سماها، ولم يحضرني ذكر اسمها، فقال عمر: "لولا أني قاسم مسئول لتركتكم علي ما قسم لكم، ولكن أري أن تردوا علي الناس". قال الشافعي: "وكان في حديثه وعافني من حقه نيفا وثمانين دينارا وفي الحديث: فقالت فلانة: قد شهد أبي القادسية، وثبت سهمه، ولا أسلم حتى تعطيني كذا وكذا، فأعطاها إياه.
وروي غير الشافعي فقالت أم كرز: لا أنزل عن حقي حتى تحملني علي ناقة ذلول عليها قطيفة حمراء وتملأ كفي ذهبا، ففعل ذلك بها، فكان ما أعطاها من العين ثمانين دينارا فمن ذهب إلي أن السواد فتح صلحا، فقد أشار الشافعي إليه في كتاب قسم الفئ واستدل بهذا الحديث من وجهين:
أحدهما: أن عمر انتزعه من أيدي الغانمين حين علم بحصوله معهم، ولو كان عنوه لكان غنيمة لهم، ولم يجز انتزاعه منهم.
والثاني: قول عمر: لولا أني قاسم مسئول لتركتكم علي ما قسم لكم، فدل علي أنه انتزعه منهم بحق لم يستجز تركه معهم، وهذا حكم الصلح دون العنوة.
[ ١٣ / ٣١١ ]
وذهب الشافعي إلي أن فتح السواد عنوة، وهو الذي نص عليه في هذا الموضع المنقول عنه في أكثر كتبه.
والدليل عليه من هذا الحديث خمسه أوجه:
أحدهما: أنه أقر السواد في أيدي الغانمين ثلاث سنين، أو ربع يستغلونه، ولم ينتزعه منهم، ولو لم يكن لهم فيه حق الغنيمة لم يستجز تركه عليهم هذه المدة.
والثاني: أنهم اقتسموه قسمة الغنائم حتى صار لبجيلة، وهم ربع الناس ربع السواد، وما اقتسموه إلا بأمر عمر، وعن علمه؛ لأنه من الأمور العامة، والفتوح العظيمة التي لا يستبد الجيش فيها بآرائهم إلا بمطالعته وأمره.
والثاني: أنهم لو تصرفوا فيه بغير حق لاسترد منهم ما استغلوه؛ لأنه يكون لكافة المسلمين دونهم.
والثالث: أنه عاوض من لم يطب نفسا بالنزول عن سهمه بعوض دفعه إليهم، جري عليه حكم الثمن حتى أعطي جريرا، وأم كرز ما أعطي، وهو لا يبذل من مال المسلمين إلا في حق.
والرابع: أنه استطاب نفوسهم عنه، ولو كانت أيديهم فيه بغير حق لأخذه منهم جبرا.
فدلت هذه الوجوه علي أنه كان عنوه مغنوما اقتداء في استطابه نفوسهم عنه برسول الله صلي الله عليه وسلم في سبي هوازن حين سألوه بعد إسلامهم المن عليهم، فخيرهم بين أموالهم وأهليهم، فاختاروا الأهل والأولاد، فمن عليهم، وعرف العرفاء عن استنزال الناس عنوا، وجعل لمن لم يطب نفسا بالنزول عن كل رأس من السبي ست قلائص حتى نزل جميعهم، إلا عيينة والأقرع إلي أن جدع عيينة، ونزل الأقرع، فلما استنزلهم رسول الله صلي الله عليه وسلم للمن والتكريم كان استنزال عمر للغانمين في عموم المصالح للمسلمين أولي وأوكد، واختلف في السبب الذي استنزلهم عمر لأجله علي قولين:
أحدهما: أنه رأي إن أقاموا فيه علي عمارته، واتغلاله، وألفوا ريف العراق، وخصبه تعطل الجهاد، وإن انهضم عنه مع بقائه على ملكهم خرب مع جلالة قدره، وكثرة استغلاله، فعلي أن الأصلح إقرار في أيدي الدهاقين والأكرة الذين هم بعمارته أعرف، وزراعته أقوم بخراج يضربه عليهم يعود نفعه علي المسلمين، ويتوفروا به علي جهاد المشركين.
والثاني: أنه فعل ذلك لنظره في المتعقب؛ لأنه جعل مصري العراق البصرة والكوفة وطنا للمجاهدين؛ ليحضوا بجهاد من بإزائهم من المشركين، ويستمدوا بسواد عراقهم في أرزاقهم، ونفقاتهم في جهادهم، وعلم أنه إن أقره علي ملكهم مع سعته، وكثرة ارتفاعه بقي من بعدهم لا يجدون ما يستمدونه، وقد قاموا مقامهم، وسدوا مسدهم فرأي أن الأعم في صلاح أهل كل عصر أن يكون وقفا عاما علي جميع المسلمين؛ ليكون لأهل
[ ١٣ / ٣١٢ ]
كل عصر فيه حظ يقوم بكفايتهم فاستنزلهم عن أصل ملكه، وأمدهم بارتفاعه، ليكون يأتي بعدهم فيه بمثابتهم.
وقد روي زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب أنه قال: لولا أخشي أن يبقي آخر الناس لا شئ لهم لتركتكم، وما قسم لكم، لكن أحب أن يلحق آخرهم أولهم، وتلا قوله تعالي: ﴿والَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠].
فصل:
فإذا ثبت أن فتح أرض السواد عنوة انتقل الكلام إلي فصلين:
أحدهما: حكم أرض العنوة.
والثاني: ما استقر عليه حكم أرض السواد بعد الاستنزال.
فأما الفصل الأول في حكم كل أرض إذا فتحت عنوة، فقد اختلف فيه الفقهاء علي مذاهب شتي.
فذهب الشافعي إلي أنها تكون غنيمة كسائر الأموال، يخرج خمسها لأهل الخمس، وتقسم باقيها بين الغانمين كقسمة الأموال المنقولة إلا أن يري إمام العصر أن يستنزلهم عنه بطيب أنفسهم، أو بعوض يبذله لهم ليفضها علي كافة المسلمين، فيمضي وإلا فهي غنيمة مقسومة لعموم قول الله تعالي: ﴿واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١]، فدل علي أن ما سوي الخمس للغانمين، كما قال: ﴿ووَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] فدل علي أن ما سوي الثلث للأب.
وقال مالك والأوزاعي: الأرض غير مغنومة، وتصير بالفتح وقفا علي كافة المسلمين، لا يجوز لهم بيعها.
وقال أبو حنيفة: يكون الإمام فيها مخيرا بين ثلاثة أشياء بين أن يقسمها علي الغانمين كالذي قاله الشافعي وبين أن يقرها علي مالك أربابها، ويضرب عليهم جزيتين:
إحداهما: علي رؤوسهم، والأخرى علي أرضهم.
فإذا أسلموا سقطت جزية رؤوسهم، وبقيت جزية أرضهم تؤخذ باسم الخراج، ويجوز لهم بيعها.
بين أن يقفها علي كافة المسلمين، فلا يجوز لهم بيعها.
وأما الفصل الثاني: فيما استقر عليه حكم أرض السواد بعد الاستنزال عنها: فالذي نص عليه الشافعي في سير الواقدي أن عمر وقفها علي كافة المسلمين، فلا تباع، ولا توهب، ولا تورث كسائر الوقوف، وقال فيه مثله من كتاب الرهن: إنه لو رهن أرضا من أرض الخراج كان الرهن باطلا ثم إن عمر بعد وقفها أجرها للدهاقين والأكره بالخراج الذي ضربه عليها يؤدية كل سنه أجره عن رقابها، فيكونوا أحق بالتصرف فيها لأصل
[ ١٣ / ٣١٣ ]
الإجازة، وإن لم تكن ملكا لهم وإذا مات أحدهم انتقل إلي وارثه يدا لا ملكا كالموروث، وبه قال أبو سعيد الإصظخري وأكثر البصريين، واختلف من قال بهذا فيما توجه الوقف إليه علي وجهين:
أحدهما: إلي جميع الأرض من مزارع ومنازل.
والثاني: إلي المزارع دون المنازل، لأن وقف المنازل مفض إلي خرابها، فهذا قول من جعلها وقفا.
وقال أبو العباس بن سريج وأبو إسحاق المروزي: لم يقفها، وإنما باعها علي أربابها بثمن يؤدي في كل سنة علي الأبد بالخراج المضروب عليها لينتفع بها الآخرون كما انتفع بها الأولون، ويكون الخراج ثمنا ويجوز أن تباع، وتوهب، وتورث، قالوا: إنما كانت مبيعه، ولم يكن وقفا لأمرين:
أحدهما: أن عمر قصد بما فعله فيها حفظ عمارتها، ولو كانت وقفا لا يملكها المتصرف، ويري أنها ليست ملكا مبيعا موروثا لم يشرع أهلها في تأبيد عمارتها، وراعوا ما يتعجلون به استغلالها، فأفضي ذلك إلي خرابها، وزوال الغرض المقصود بها.
والثاني: انه لما يزل أهلها علي قديم الوقت وحديثه، يتبايعونها ويتوارثونها، ولا ينكره عليهم احد من أثمة الامصار، ولا يبطله أحد من القضاة والحكام، ولا يمتنع احد من العلماء من اعل الديات أن يتبايعوها، ويتوارثوها، دل علي انعقاد الإجماع علي خروجها ما أحكام الوقف إلي أحكام الأملاك.
قالوا: وإنما استجاز عمر بيعها بهذا الثمن المجهول المؤبد لأمرين:
أحدهما: لوصولها من جهة المشركين المعفو عن الجهالة فيما صار منهم، كما بذل رسول الله صلي الله عليه وسلم في البدأة والرجعة، الثلث والربع في الغنيمة، وإن كان قدرها مجهولا، وكما يجوز أن يبذل لمن دل علي القلعة في بلاد الشرك جارية من أهلها، وإن جهلت.
والثاني: أن ما تعلق بالمالح العامة يخفف حكم الجهالة فيه، للجهالة بأحكام العموم.
وإطلاق هذين المذهبين في وقفها وبيعها عندي معلول، لأن ما فعله عمر فيها لا يثبت بالاجتهاد حتى يكون نقلا مرويا، وقولا محكيا عن عقد صريح يستوثق فيه بالكتاب والشهادات في الأغلب، وهذا معدوم فيه، فلم يصح القطع بوفقها لما عليه الناس من تبايعها، ولا القطع ببيعها بالخراج المضروب عليها لأمرين:
أحدهما: أن الخراج مخالف للأثمان بالجهالة، وأنه مقدر بالزراعة.
والثاني: أن مشتريها يدفع خراجها دون بائعها، فيصير دافعا لثمنين، وليس للمبيع إلا ثمن واحد، ويكون ما قيل من وقفها محمولا علي أنه وقفها علي قسمة الغانمين، ووقف خراجا علي كافة المسلمين فيكون ملكها مطلقا لمن أقرت عليه استصحابا لقديم ملكهم، لما علم من عموم المصلحة فيه، ودوام الانتفاع به، فتصير مخالفًا للأرض
[ ١٣ / ٣١٤ ]
الصلح من وجهين، موافقة لها من وجهين.
فأما الوجهان من المخالفة، فأحدهما: أن أرض الصلح لا حق للغانمين في رقابها، فيمنعون منها جبرا، وأرض السواد كانت للغانمين، فاستنزلوا عنها عفوا، وعوض منهن من أبي.
والثاني: أن خراج أرض الصلح لأهل الفئ خاصة، وفيه الخمس لأهل الخمس وخراج أرض السواد لكافة المسلمين، ولا خمس فيه لأهل الخمس لأن الخمس أخرج عنه عند قسمته.
وأما الوجهان في الموافقة، فأحدهما: وضع الخراج علي رقابها.
والثاني: جواز بيعها.
فإن قيل: فقد روى عن فرقد السبخي أنه قال: اشتريت شيئا من أرض السواد، فأتيت عمر، فأخبرته بذلك، فقال: ممن اشتريتها؟ فقلت من أربابها، فقال هؤلاء أربابها يعني الصحابة، فدل علي أن بيعها لا يجوز.
فعنه جوابان:
أحدهما: أنه أنكر البائع، ولم ينكر البيع.
والثاني: أنه محمول علي ما قبل استنزالهم عنها أن ابتياعها لا يجوز إلا من الغانمين.
فصل:
فأما بيع العمارة واليد المتصرفة، فقد اختلف الفقهاء في جوازه.
فقال مالك: يجوز بيعها سواء كان فيها إثارة أو لم يكن.
وقال أبو حنيفة: إن كان فيها إثارة جاز بيعها، وإن لم يكن فيها إثارة لم يحز بيعها.
وقال الشافعي: إن كان أعيان كالزرع والشجر جاز بيعها، وإن كانت آثارا كالأثارة، لم يجز بيعها، لأنها منافع، والبيع إنما يصح في الأعيان دون منافع كما أن الإجارة تصح في المنافع دون الأعيان لأن لكل واحد من العقدين حكمًا.
فصل:
فأما قدر الخراج المطلوب علي الأرض السواد، فقد روى قتادة عن أبي مجلز أن عثمان بن جنيف جعل كل جريب من الكرم عشرة دراهم، وقيل علي كل جريب من النخل ثمانية دراهم، وعلي كل جريب من قصب السكر سته دراهم، وعلي كل جريب من الرطبة خمسة دراهم، وعلي كل جريب من البر أربعة دراهم، وعلي كل جريب من الشعير درهمين.
وحكي الشعبي أن عثمان بن جنيف مسح السواد، فوجده ستة وثلاثين ألف ألف
[ ١٣ / ٣١٥ ]
جريب، فوضع علي كل جريب درهما وقفيزا.
قال يحيي بن آدم وهو المختوم الحجابي: قيل إن ثمانية أرطال، فكان خراجها سوي البر والشعير متفقا علي قدره في الروايات كلها. واختلف في خراج البر والشعير، فذهب أهل العراق إلي تقديره بقفيز ودرهم وهو المأخوذ منهم في الأيام العادلة من ممالك الفرس، وقد ذكره زهير في شعره فقال:
فتغلل لكم ما تغل لأهلها قري بالعراق من قفيز ودرهم
وذهب أبو حامد الإسفراييني، وطائفة من أصحاب الشافعي إلي خراج البر أربعة دراهم، وخراج الشعير درهمان، تعويلا علي رواية أبي مجلز. وكلا القولين علي إطلاقه معلول عندي، لأن كل واحد منهما إسقاط للآخر، والصحيح أن كلا الروايتين صحيحتين، وإنما اختلفا لاختلاف النواحي، فوضع علي بعضها قفيز ودرهم، وعلي بعضها أربعة دراهم علي البر ودرهمان علي الشعير، فأخذ الدرهم والقفيز فما كان غالب زراعة برا او شعيرا، لأن ما قل من ناحيته غلا، وما كثر فيها رخص، فزيد من خراج المال ن ونقص من خراج الرخيص، والله أعلم.
فكانت ذراع عثمان بن حنيف في مساحته ذراع اليد وقبضة ممدودة، وكان مبلغ ارتفاع السواد في أيام عمر بن الخطاب مائة ألف ألف درهم، وعشرين ألف ألف درهم وحياة زيادة مائة ألف ألف وخمسة وعشرين ألف ألف، وحياة عبيد الله بن زياد مائة ألف ألف، وخمسة وثلاثين ألف ألف، وحياة الحجاج ثمانيه عشر ألف ألف، لغشمه وإخرابه، وحياة عمر بن عبد العزيز ثمانين ألف ألف، ثم بلغ في آخر أيامه مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف، لعدله وعمارته.
فصل:
ولا يسقط عشر الزروع بخراج الأرض، ويجمع بينهما الشافعي لأن الخراج إما أن يكون أجرة علي قوله، أو ثمنا علي قول من خالفه من أصحابه، والعشر يسقط بواحد منهما.
ومنع أبو حنيفة من الجمع بينهما، وأسقط العشر بالخراج، وقد تقدم الكلام معه في كتاب الزكاة. فأما عشر زروعه فمصروف في أهل الصدقات كسائر الزكوات.
وخالف فيه أبو حنيفة، فجعل مصرف الغنيمة والفئ مشتركا، وقد مضي الكلام معه في كتاب قسم الصدقات.
وأما خراج السواد، فمصرفه في كل مصلحه عاد علي المسلمين نفعها من أرزاق الجيش وتحصين الثغور، وابتياع الكراع والسلاح، وبناء المساجد، والقناطر وأرزاق القضاة والأئمة، ومن انتفع به المسلمون الفقهاء، والقراء، والمؤذنين.
[ ١٣ / ٣١٦ ]
فصل:
ولا يجوز للإمام، ولا لوال من قبله يضمن العشر والخراج لأحد من العمال، فإن عقد علي واحد منهما ضمانا كان عقده باطلا لا يتعلق به في الشرع حكم، لأن العامل مؤتمن يستوفي ما وجب، ويؤدي ما حصل لا يضمن نقصانا، ولا يملك زيادة، وضمان الأموال بمقدر معلوم يقتضي الاقتصار عليه، ويملك ما زاد، ويغرم ما نقص، وهذا مناف لوضع العمالة وحكم الأمانة فبطل.
حكي أن رجلا أتي ابن عباس يتقبل منه الأبلة بمائة درهم، فضربه مائة سوط، وصلبه حيا تعزيرا وأدبا.
ولا يجوز تضمين الأرض لأربابها في عشر ولا خراج، لأن العشر مستحق أن زرع، وساقط إلي قطع، والخراج مقدر علي المساحة لا يجوز أن يزاد فيه، ولا ينقص منه، وما هذه سبيله لا يصح تضمينه. فأما إجارتها، فيصح أن يؤجرها أربابها، ولا يصح أن يؤجرها غيرها، لأن حق السلطان فيها قد سقط بخراجها.
فصل:
فأما تفسير كلام الشافعي في أول باب، وهو قوله "لا أعرف ما أقوله في أرض السواد، إلا بظن مقرون إلى علم، فقد أنكر هذا الكلام على الشافعي من وجهين:
أحدهما: قوله: لا أعرف ما أقول في ارض السواد، ما أحد بدأ في كتاب في علم بمثل هذا اللفظ، لأن من لم يعرف شيئا لم يجز أن يتعرض لإثبات حكمه.
والثاني: قوله: إلا بظن مقرون إلي علم، والظن شك والعلم يقين، وهما ضدان فكيف يصح الجمع بينهما، وهو ممتنع؟
قيل: أما قوله: لا أعرف ما أقول في أرض السواد، فلأن الطريق إلي العلم يفتحها النقل المروى، وقد اختلفت الرواية عنه، فروى بعضهم أنها فتحت صلحا، وروى بعضهم أنها فتحت عنوة، وروى آخرون أن بعضها فتح صلحا، وبعضها فتح عنوة.
وهذا الاختلاف في النقل يمنع من الأخذ بأحدها إلا بدليل، فحسن أن يقول: لا أعرف إثبات أحدهما، وإن كنت أعرف نقل جميعها.
وأما قوله "إلا بظن القرون إلي علم"، فقد اختلف أصحابنا في مراده به علي ما هو محمول علي فتحها أو علي حكمها علي وجهين:
أحدهما: أنه محمول علي فتحتها أنه عنوة لا صلحا، وهو المشهور من قوله.
والثاني: أنه محمول علي حكمها أنها وقف لا يجوز بيعها، وهو الظاهر من مذهبه.
فإن قيل: إن المراد فتحها، ففي تأويل قوله: "إلا بظن مقرون إلي علم" وجهان:
أحدهما: أنه أراد بالظن هنا الاجتهاد الذي هو غلبة الظن وأراد بالعلم الخبر، لأن
[ ١٣ / ٣١٧ ]
جنس الأخبار قد يفضي إلي العلم، فكأنه توصل باجتهاده وغلبة ظنه إلي إثبات خبر جرير، وعلم من خبر جرير أنها فتحت عنوة.
والثاني: أن الاجتهاد ذو غلبة الظن هو فيما خفي واشتبه من سبب فتحها والعلم هو فيما ظهر وانتشر من قسمها، فاستدل بظاهر القسمة علي باطن العنوة.
وإن قيل: إن المراد به حكمها، لأنها وقف، ففي تأويل قوله: إلا بظن المقرون إلي علم وجهان:
أحدهما: أن العلم ما فعله عمر من استنزالهم عنها، وغلبة الظن فيما حكم به من وقفها.
والثاني أن العلم وضع للخراج عليها، وغلبة الظن في المنع من بيعها، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "وأي أرض فتحت صلحا علي أن أرضها لأهلها يؤدون فيها خراجا فليس لأحد أخذها من أيديهم وما أخذ من خراجها فهو لأهل الفئ دون أهل الصدقات لأنه فئ من مال مشرك وإنما فرق بين هذه المسألة والمسألة قبلها أن ذلك وإن كان من مشرك فقد ملك المسلمون رقبة الأرض أفليس بحرام أن يأخذ منه صاحب صدقة ولا صاحب فئ ولا غني ولا فقير لأنه كالصدقة المؤقوفة يأخذها من وقفت عليه".
قال في الحاوي: اعلم أن ما استولي عليه من أرض بلاد الترك ينقسم علي خمسة أقسام:
أحدهما: ما فتحوه عنوة، واستولوا عليه قهرا ن فهي ملك للغانمين تقسم بينهم قسمة الأموال بعد أخذ خمسها لأهل الخمس، وللغانمين أن يتصرفوا فيما قسم لهم تصرف المالكين بالبيع والرهن والهبة، إن خالف فيها مالك وأبو حنيفة خلافا قدمناه، وتكون أرض عشر لا خراج عليها إلا أن يستنزلهم الإمام عنها كالذي فعله عمر فيكون حكرا علي ما قدمناه في أرض السواد.
والثاني: ما أسلم عليه أهله، فقد صارت تلك الأرض بإسلام أهلها دار الإسلام وأرضها معشورة ولا يجوز أن يوضع عليها خراج.
وقال أبو حنيفة: الإمام مخير فيها بين أن يجعلها عشرا أو خراجا فإن جعلها لم يجز أن ينقلها إلي العشر،،وإن جعلها عشرا جاز أن ينقلها إلي الخراج، وهذا فاسد من وجهين: نص وتعليل:
[ ١٣ / ٣١٨ ]
أحدهما: أن أهل الطائف أسلموا، فأقرهم رسول الله صلي الله عليه وسلم علي أملاكهم في أرضهم، فكانت أرض عشر لم يضرب عليها خراجا.
والثاني أن الخراج أحد الجزيتين، فلم يجز أن يؤخذ من مسلم كالجزيه علي الرؤوس.
والثالث: ما جلا عنه أهله من البلاد خوفا حتى استولي عليه المسلمون، فأرضهم في مخموس توقف رقابها، ويصرف ارتفاعها مصرف الفئ، فإن ضرب الإمام عليها خراجا جاز، وكان الخراج أجرة يصرف مصرف الفئ، في أحد القولين بعد الخمس مصروفا إلي الجيش خاصة، وفي القول الثاني في جميع المصالح التي منع أرزاق الجيش، وفيما يصير به وفقا وجهان:
أحدهما: يصير وفقا بالاستيلاء عليها، ولا يراعي فيها لفظ الإمام بوقفها.
والثاني: لا تصير وقفا إلا أن يتلفظ الإمام بوقفها.
والرابع: ما صولح عليه المشركون من أرضهم علي أن يكون ملكا للمسلمين بخراج يؤديه أهلها إلي الإمام، فهذه الأرض في ذلك الاستيلاء عليها بغير إيجاف خيل ولا ركاب وتصير وقفا علي ما ذكرنا من الوجهين:
أحدهما: بأن يتلفظ الإمام أو من استنابة فيها بوقفها، وتصير الأرض من بلاد الإسلام ولا يجوز بيعها كسائر الوقوف، ولا يقر فيها أهلها من المشركين إلا بالجزية المؤداة عن رؤوسهم جزيتهم بخراج أرضهم، لأن خراجها أجرة لا جزية.
فإن انتقلت إلي يد مسلم لم يسقط عنه خراجها، وكذلك لو أسلم أهلها.
والخامس: وهو مسألة الكتاب أن يصالحوا علي الأرضين لهم بخراج يؤدونه عنها، فيجوز ويكون هذا الخراج جزية، والأملاك طلق يجوز بيعها، وينظر في بلادها، فإن لم يستوطنها المسلمون، فهي دار عهد، وليست دار الإسلام، ولا دار حرب، ويجوز أن يقر أهلها بالخارج من غير جزية رؤوسهم ولا يجري عليها من أحكامنا إلا ما يجري علي المعاهدين دون أهل الذمة والمسلمين، وإن استوطنها المسلمون بالاستيلاء عليها صارت دار إسلام، وصار المشركون فيها أهل ذمة يجب عليهم جزية أرضهم وحدها جاز إذا بلغ ما يؤخذ من كل واحد من أهلها دينارا فصاعدا.
وقال أبو حنيفة: يجب أن يجمع عليهم بين جزية رؤوسهم وجزية أرضهم، ولا يجوز الاقتصار علي جزية الأرض وحدها، وهذا فساد، لأن الجزية واحدة لا يجوز مضاعفتها علي ذي مال ولا غيره كسائر أهل الذمة، فإن أسلموا سقطت عنهم جزية رؤوسهم وجزية أرضهم.
وقال أبو حنيفة: لا تسقط عنهم جزية أرضهم بالإسلام احتجاجا لا خراج عن أرض، فلم يسقط بالإسلام كالخراج علي سواد العراق.
ودليلنا: ما روى النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: "لا ينبغي لمسلم أن يؤدي الخراج، ولا
[ ١٣ / ٣١٩ ]
لمشرك أن يدخل المسجد الحرام" ولأنه مال حقنت به دماؤهم فوجب أن يسقط بإسلامهم كالجزية علي الرؤوس. فأما خراج أرض السواد فليس بجزية وهو أجرة أحد الوجهين، وثمن في الوجه الثاني علي ما قدمناه من اختلاف أصحابنا فيه، فافترقا، وهكذا لو باعوا أرضهم علي مسلم سقط خراجها عنه كما يسقط عنه بإسلامهم.
مسألة:
قال الشافعي: "ولا بأس أن يكتري المسلم من أرض الصلح كما يكتري دوابهم والحديث الذي جاز عن النبي صلي الله عليه وسلم "لا ينبغي لمسلم أن يؤدي الخراج ولا لمشرك يدخل المسجد الحرام إنما هو خراج الجزية وهذا كراء".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: "إذا كانت أرض الصلح ملكا للمشركين، وعليها خراج للمسلمين جاز للمسلم أن يستأجرها، ولا يكره له ذلك، وكرهه الإسلام لقول النبي صلي الله عليه وسلم "لا ينبغي لمسلم أن يؤدي الخراج، ولا لمشرك أن يدخل المسجد الحرام".
ودليلنا علي إباحته وعدم كراهته: ما روى أن الحسن بن علي ﵉ استأجر قطعة كبيرة من أرض الخراج، وكذلك روى ابن مسعود ومعاذ بن جبل ﵄ وليس يعرف لهم مخالف، ولأنه لما يكره أن يستأجر منهم غير الأرضين من الدواب والآلات لم يكره أن يستأجر منهم الأرضين.
فأما الخبر فلا دليل فيه، لأن الخراج يؤخذ من مؤجرها، والأجرة تؤخذ من مستأجرها، فإن شروط الخراج علي مستأجرها صح إن كان معلوما، وكان أجرة في حق المستأجر وخراجا في حق المؤجر.
فصل:
فإن باع المشرك أرضه هذه علي مشرك صح، كان خراجها باقيا، وإن باعها علي مسلم صح البيع، وسقط الخراج بانتقالها إلي ملك المسلم كما لو كان مالكها من المشركين قد أسلم.
وقال: بيعها علي مسلم باطل، لأنه مفض إلي سقوطه ما استحقه المسلمون عليها من الخراج، وهذا باطل لقول الله تعالي ﴿وَأَحَلَّ الله اُلْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
ولأن كل ما صح بيعه من مشرك كسائر الأموال، ولأن المسلم لو باع أرضه علي مسلم صح، إن أفضي إلي إسقاط العشر، فلأن يجوز بيع أرض المشرك علي المسلم وإن أفضي إلي إسقاط الخراج أولي، وفيه انفصال، فإذا ثبت خراجها علي أهل الصلح، فإن بذلوه وإلا نبذ إليهم عهده، وهذا خطأ من وجهين:
[ ١٣ / ٣٢٠ ]
أحدهما: أن المستحق عليهم خارج أملاكهم، فلم يجز أن يؤخذ منهم خراج ما خرج عن أملاكهم.
والثاني: أنه لما كان سقوط خراجها بإسلام مالكها لا يقتضي الرجوع عليها بخراجها كان بإسلام غيره أولى، والله أعلم.