مسألة: قال: وإذا أسلم القوم ثم ارتدوا عن الإسلام إلى أي كفر كان في دار الإسلام أو في دار الحرب.
الفصل
قد ذكرنا معظم هذا الباب والمقصود بهذا الفصل أنه يبدأ الإمام بجهاد المرتدين قبل جهاد أهل الحرب الذين لم يسلموا قط لأن فتنتهم أعظم على المسلمين كما قال الله تعالى: ﴿وقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهَارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران ٧٢] ولأنهم أشد عداوة للمسلمين في الغالب وقد قال
[ ١٣ / ١٤٨ ]
الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الكُفَّارِ﴾ [التوبة ١٢٣]. فإن قال قائل: فما بال أبي بكر الصديق ﵁ جهز جيش أسامة بن زيد بعد موت رسول الله ﷺ حوله المرتدون قلنا: إنما فعل ذلك لمصلحة فوق المصلحة التي راعيناها وهي تنفيذ عزيمة رسول الله ﷺ التي فيها إدراك الخيرات والمصالح، [١٣٥/أ] ألا ترى أن الصحابة رضوان الله عليهم استنكروا رأيه وخافواممن ارتدوا حواليهم من العرب فحلف أبو بكر ﵁: لا أوفر تجهيز جيش هم به رسول الله ﷺ فلو اتفق للإمام مصلحة مثل ذلك وعلم أن الأهم البداية بجهاد أهل الحروب بدأ بجهادهم، ولا فرق بين أن يكونوا قاهرين أو مقهورين في موضعهم الذي هم فيه، ثم ذكر أنهم يستتابون وأنهم إذا قتلوا وأتلفوا على المسلمين كيف يكون الحكم. وقد شرحنا ذلك.
واعلم أن الشافعي ﵁ ألزم نفسه سؤالًا على وجهه الاستكشاف فقال: فإن قيل: ما فعل أبو بكر في أهل الردة؟ قيل: القوم جاؤوا تائبين تدون قتلانا ولا ندي قتلاكم فقال عمر: لا نأخذ لقتلانا دية، فإن قيل: ما معنى تدون قتلانا؟ قيل: معناه إن كانوا يصيبون غير معتمدين وهذا خلاف حكم أهل الحرب عند أبي بكر الصديق ﵁، فإن قيل: فلا نعلم أحدًا منهم أقيد بأحد. قيل: ولا يعلمون القتل ثبت على أحد بشهادة ولو ثبت [١٣٥/ب] لا نعلم أحدًا أبطل لولي دمًا طلبه والردة لا تدفع عنهم قودًا ولا عقلًا ولا تردهم خيرًا لم يرد شرًا وذكرنا أن الحكم عليهم كالحكم على المسلمين في القود والعقل ثم قال المزني: هذا بخلاف قوله في كتاب" قتال أهل البغي" وهذا عندي أقيس من قوله في كتاب "قتال أهل البغي" يطرح ذلك كله لأن حكم أهل الردة أن يردهم إلى حكم أهل الإسلام لا يرقون ولا يغنمون كأهل الحرب فلذلك يقاد منهم ويغنمون.
مسألة: وإذا قامت لمرتد بينة أنه أظهر القول بالإيمان ثم قتله رجل.
الفصل
قد ذكرنا أنه إذا قتل من عنده أنه مرتد ثم بان أنه قد أسلم هل يلزمه القود؟ فيه قولان: أحدهما: يلزمه القود وهو المنصوص هنا لأنه قال: يعلم توبته أو لا يعلمها.
والثاني: لا يجب القود وتجب الدية والكفارة ولأنه قتل من يعتقد إباحة دمه لكفره فصار شبهة في سقوط القصاص. وقال ابن أبي هريرة: نص على قولين وهما على حالين إن كانت آثار الردة باقية من حبس أو قيد أو اختفاء لا يلزم القصاص، وإن كانت آثارها غير باقية يلزم القصاص لأن له عذرًا عند ظهور العلامة والأثر، وقال صاحب
[ ١٣ / ١٤٩ ]
(الحاوي): [١٣٦/أ] قال بعض أصحابنا: وهو الصحيح أنه إن كان في منعة فلا قود، وإن لم يكن في منعة يلزم القود لأنه ممنوع من قتل غير الممتنع، وغير ممنوع من قتل الممتنع وأن يعرف منه ردة سابقة في دار الإسلام يلزمه القود قولًا واحدًا لأنه لا معنى لظنه أنه مرتد إذا لم يعرف ردته بحال فصار كما لو قتل رجلًا ظنه قاتل أبيه يلزمه القود قولًا واحدًا، ولو كان في دار الشرك ظنه مرتدًا أو حربيًا وكان قد أسلم فلا قود قولًا واحدًا لأنها دار إباحة ودار الإسلام دار حقن ولأن كل أحد مأمور بقتل الحربي فمن أخطأ في قتله عذر في درء القود عنه، ولأن الكافر الأصلي إذًا مأمور بتغيير زيه الذي يتميز به عن زي المشركين، فإذا أسلم وبقي عليه زيه كان التفريط من جهته فلا يجب القود على قاتله وتلزم الدية والكفارة لأنهما يثبتان مع الشبهة، وقيل: هل تلزم الدية؟ فيه قولان وقد ذكرنا أنه إذا قتل عبدًا ثم بان أنه كان حرًا، أو قتل ذميًا ثم بان أنه قد أسلم يلزمه القصاص قولًا واحدًا لأنه لا يحل قتلهما لأحد، وقال أبو حامد: فيه قولان أيضًا، وقال في (الحاوي): وجهان، وقال أبو القاسم بن كج [١٣٦/ب] في مسألة المرتد ثلاثة طرق أحدها: في العبد والذمي قولان، وفي المرتد قول واحد أنه لا يلزمه القصاص. والثانية: فيهما قولان. والثالثة: الفرق بين ظهور الآثار وبين عدمها ولو أكره على كلمة الكفر فقد ذكرنا أنه لا يحكم بكفره. وحكي عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنهما قالا: لا يصير كافرًا ولكن تبين منه امرأته استحسانًا وهذا غلط لأن الله تعالى أسقط عنه وزر الكفر عند الإكراه.
ولو أكره على كلمة الإسلام فأسلم فإن كان حربيًا أو مرتدًا حكم بإسلامه لأنه أكره بحق لأنه لا يترك على كفره، ولو أكره الذمي على الإسلام لا يحكم بإسلامه لأنه إكراه بظلم وقد ذكرنا إنه إذا تكرر منه الردة والإسلام يقبل منه الإسلام أيضًا، ولكنه يعزر في كل ردة ولا يحبس، وقال أبو حنيفة: لا أعزره في الثانية، وأحبسه في الثالثة وما بعدها وعنده الحبس تعزير وهذا لا يصح لأن الحبس لا يكفه عن الردة فلم يكن له تأثير وهو في الثانية متهاون بالدين كهو في الثالثة فاقتضى [١٣٧/أ] أن يعزر فيها كما يعزر في الثالثة.