مسألة:
قَالَ: "النَّفَقَةُ نَفَقَتَانِ نَفَقَةُ المُوسِعِ وَنَفَقَةُ المُقْتِرِ".
الفصل:
نفقة الزوجة معتبرة بحال الزوج، فإن كان موسرًا لزمه نفقة الموسرين سواء كانت المرأة موسرة أو مقترة، وإن كانت مقترًا لزمته نفقة المعسرين سواء كانت المرأة موسرة أو
[ ١١ / ٤٤٨ ]
معسرة لقوله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧] فاعتبر حال الزوج وخالف بين نفقته موسرًا أو معسرًا.
فإذا تقرر هذا فإن كان الزوج معسرًا فنفقتها مد، وإن كان متوسطًا فنفقتها مد ونصف، وإن كان موسرًا فنفقتها مدان، وإنما قلنا هكذا لأن المد أقل ما يجب في الكفارات والمدان أكثر ما يجب وهو في فدية الأذى وجعلنا المتوسط بينهما فزدنا على ما يجب على المعسر ونقصنا مما يجب على الموسر، وقول الشافعي: والنفقة نفقتان أراد به ما ثبت بالنص وهو نفقة الموسر والمعسر.
فأما نفقة المتوسط ثبتت بالاجتهاد، وقال أبو حنيفة، ومالك: لا تتقدر النفقة هكذا بل يلزم كفايتها وللحاكم أن يزيد على المدين وينقص على المد على حسب زيادتها وزعتها في الأهل وله التسوية بين الغني والفقير.
واحتج بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] والمعروف: الكفاية ولأنه سوّى بين النفقة والكسوة، ثم الكسوة تعتبر بحالها فكذلك النفقة، وهذا غلط لما ذكرنا من الآية.
وأما ما ذكر لا يصح لأن المعروف مجمل وفسره في
وأما الكسوة فلا يقع فيها التنازع والتفاوت بخلاف النفقة فيعتذر لقطع التنازع، وقال أحمد: تعتبر بحال الزوجين فعلى الموسر للفقيرة نفقة متوسط. وأما جنس النفقة فيعتبر بغالب قوت البلد، فإن كان بخراسان أو بالعراق فمن البر وإن كان بطبرستان فمن الأرز، وإن كان بالمدينة وحواليها فمن التمرد وهو كما قلنا في زكاة الفطر والكفارات يعتبر فيها غالب قوت البلد. ومن أصحابنا من قال: بغير قوته كما يعتبر مقدارها بحاله، وهذا غلط، لن الكفارة وزكاة الفطر [ق ١٨٤ أ] تعتبر بحال المكفر والمزكي أصلهما ويعتبر جنسهما بغالب قوت البلد كذلك ههنا، فإذا ثبت هذا فالواجب أن يدفع إليها الحب نفسه، لأن ذلك سيئ على الكفارة في المقدار والجنس فكذلك يبني عليها في وجوب تمليك الحب، فإذا أرادت المرأة قيمة الحب، واجتمع الرجل أو أراد الرجل القيمة وامتنعت المرأة لم يجبر الممتنع منهما عليه، وإن تراضيا جميعًا على قيمة الحب فهل يجوز وجهان:
أحدهما: لا يجوز، لأن الذي وجب في ذمة الطعام، ومن كان له طعام في ذمة غيره لم يجز له أن يأخذ قيمته لأنه يكون مع الطعام قبل القبض ألا ترى أنه لو كان له في ذمته طعام من سلم فتراضيا على أخذ قيمته لم يجز لما ذكرنا، ولأن النفقة كالكفارة، وقد تقرر في الكفارة أنه لا يجوز إخراج قيمة الحب فكذلك ههنا.
والثاني: يجوز وهو اختيار أبي إسحاق وهو المذهب؛ لأن النفقة إنما وجبت في ذمته على طرق الرفق فجاز أخذ قيمته بالتراضي كما لو كان عليه الطعام من جهة القرض ولأن الطعام إذا وجب مستقرًا في الذمة جاز قيمته مثل القرض والميراث، وإذا لم
[ ١١ / ٤٤٩ ]
يكن مستقرًا لا يجوز مثل البيع والمسلم فيه، فإن البيع يجوز أن يتلف قبل القبض فينفسخ البيع ويجوز أن يتقطع المسلم فيه فينفسخ السلم ويسقط الطعام من الذمة وههنا الطعام مستقر في الذمة والمستحق آدمي معين فجاز أخذ العوض عنه ولا يشبه هذا الكفارة لأن الفقير الذي يستحقه غير معين وهو حق الله تعالى فلا يعمل فيه بالتراضي بينهما.
وأما إذا خلف الدقيق أو الخبز عوضًا عن الواجب لها، قال بعض أصحابنا: لا نص فيه والقياس أنه لا يجوز ذلك [ق ١٨٤ ب] لأنه يكون بيع الحنطة بجنسها متفاضلًا، وهذا صحيح عندي، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان فظاهر المذهب جوازه، وهو غلط.
وأما نفقة الخادم، فإن كان موسرًا فنفقته مد وثلث ثلثا نفقة الزوجة، وإن كان معسرًا أو متوسطًا فنفقته مد وإنما لم يزد على مد عند التوسط لأنه لم يوجد سعة كاملة يوجب للخادم زيادة.
وذكر بعض أصحابنا أنها على المتوسط مد وثلث. وهو غلط لا تحكى. فإن قيل: فقد سويتم بين امرأة المعسر وبين خادمتها فأوجبتم لكل واحد منهما مدًا واحدًا قلنا: القياس يقتضي أن يكون للخادمة عند إعساره ثلاثًا مد كما قلنا لامرأة المتوسط مد ونصف وللخادم مد واحد وهو ثلثا ما جعلناه للمرأة إلا أن المد الواحد لا يحتمل التبعيض لأنه أقل ما يقوم به البدن فكلمناه وهذا كما قلنا القياس أن تكون عدة الأمة بقرء ونصف إلا أن القرء الواحد لا يحتمل التنقيص فكملناه قرءين.
فإن قيل: فمن أين أخذتم تقدير نفقة الخادم بمدٍّ وثلث عند يساره ونفقة المرأة بمدين قيل: إنما أخذه الشافعي من الميراث وهو أن للأب على الأم فضل في الميراث كما للزوجة ههنا على الخادم فضل في النفقة، ثم هناك حالتان حالة النقصان وهو إذا كان للميت ابن وحالة التفضيل وهو إذا لم يرثه إلا أبوه ففي حالة النقصان استوى الأبوان فلكل واحد منهما السدس، وفي حالة السعة والزيادة يزيد على هذا السدس مثلًا ما زيد للأم فإنه بلغ نصيب الأب الثلثين ونصب الأم الثلث فكذلك ههنا زيد للمرأة في حال الكمال مد على ما كان في حال النقصان وزيد للخادم وثلث مد وعند [ق ١٨٥ أ] الإعسار استويا كما استوى الأبوان هناك في السدس.
ومن أصحابنا من قال: أخذ نفقة الموسر من نفقة المتوسط لأن هناك للمرأة مدًا ونصفًا وللخادم مدًا ففي حالة اليسار يجب أن يكون للخادم أيضًا ثلثا ما للزوجة وذلك مد وثلث.
فرع:
إذا أعطاها الحب على ما ذكرنا، قال القفال: يلزمه أن يعطيها مونة إصلاحه للطحن والحر أو يكفيها إصلاحه.
وقال في "الحاوي": إن كانت عادة أمثالها أن يتولوا طحن أقواتهم وخبزها بأنفسهم
[ ١١ / ٤٥٠ ]
كأهل السواد كان مباشرة طحنه وخبزه عليها دون الزوج وإن لم يكن كذلك كان الزوج بالخيار بين أن يدفع إليها أجرة الطحن والخبز وبيم أن يقيم لها من يتولي صحنه وخبزه.
مسألة:
قال: " ومَكيلَةٌ منْ آدَمَ بلِاَدِهِا زَيْتًا كَانَ أَوْ سَمْنًا".
قد ذكرنا الكلام في القوت والكلام الآن في الإدام، وهو واجب أيضًا لأن الله تعالي أمر برزقهن وكسوتهن بالمعروف، ومن المعروف أن يعطيها مع القوت إدمًا، لأنه في الخبز البحث مضرة ومشقة.
وقد قال ابن عباس في تفسير قوله تعالي: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [الماَئدة: ٨٩] الخبز والزيت.
وقال ابن عمر: الخبز والسمن والخبز والزيت، والخبز والتمر ثم الاعتبار في الإدام بغالب أدم البلد كما قلنا في القوت، فإن كانت بالشام فمن الزيت، وإن كانت بالعراق فمن الزيت والشيرج لأنهما جميعًا ما يقدم ثم الإدام فير مقدر وإنما هو علي حسب كفايتها في العادة والفرق بينه وبين القوت حيث جعلناه مقدرًا وإنما هو عاي حسب كفايتها في العادة والفرق بينه وبين القوت حيث جعلناه مقدرًا لأن للقوت أصلًا في التقدير وهو في الكفارات فحملنا وليس كذلك الإدام [ق ١٨٥ ب] لأنه لا أصل له، وقول الشافعي لها مكيلة من الإدام لم يرد به التقدير بل أراد لها مقدرًا من الإدام باجتهاد القاضي، يلزم القاضي أن يجتهد حتى يضعف ذلك القدر لامرأة الغني، فإن فرض لامرأة الفقير أو فيه من دهن وهي أربعون درهمًا فرض لامرأة الموسر وقيتين وفرض لامرأة المتوسط أوقية ونصفًا وقيل: المكيلة تقارب الأوقية.
فرع:
أدم خادمتها من أدم المخدومة وقدرة علي قدر قوتها وهل تساوي المخدومة في الجودة.
اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: يساويهما في ذلك كما يجب طعامها من جنس طعام المخدومة، ومنهم من قال: إنها دونه في الجودة، ن فإذا كان للمخدومة زيت جيد فرض للخادم زيت دون لأن هذا هو العرف في الإدام والعرف في الطعام أن يكون من جنس طعامها وهذا هو المنصوص.
قال هذا القائل: وعلي هذا إذا أعطي المخدومة حنطة جيدة كان له أن يعطي الخادم حنطة دونها في الجودة.
[ ١١ / ٤٥١ ]
مسألة:
قال: " وَيُفرْضُ لهَا فِي دُهْنٍ وَمُشْطٍ أَقَلُّ مَا يَكْفِيهَا".
جملته أن الزوجين بمنزلة المتواجدين لأن الزوج يملك الزوج منفعة المرأة بعوض كما أن المستأجر يملك منفعة الدار بعوض، وقد ثبت أن كل مونة تلزم في حفظ أصل الدار ورقبتها فإنها علي الأجر من بناء ما استهدم وإدخال جذع انكسر وبناء حائط وقع وكل ما يحتاج إليه التنظيف الدار وتزينها فهي علي المستأجر مثل كنس الدار وغسلها، فعلي هذا كل ما يحتاج إليه للتنظيف والزينة فهو علي الزوج مثل المشط والطييب والدهن [ق ١٨٦ أ] لرأسها ونحو ذلك.
فرع:
يعتبر الخرف في الدهن للرجل الشعر فمن البلاد ما يدهن أهله بالزيت كالشام فهو المستحق ومنها بالشيرج كالعراق فهو المستحق ومنها المطيب بالورد والبنفسج فهو المستحق ووقته كل أسبوع مرة، فإن النبي ﷺ قال: ادهنوا بذهب البؤس عنكم والدهن في الأسبوع بذهب البؤس.
فرع آخر:
الكحل للزينة كالإثمد علي الزوج إن طلبته وما كان للدواء علي الزوجة، وأما الحناء إن لم يطلبه الزوج لا يلزمه ولا يلزمها، وإن طلبه الزوج وعليها ووجب علي الزوج مؤنته. قال النبي ﷺ لعن السلتا والمرها. فالسلتا: التي لا تخضب. والمرها: التي تكتحل فيعل ذلك إذا كرهت زوجها فيفارقها.
فرع آخر:
الطيب إن كان مرسلًا سوله الجسد يستحق علي الزوج لها لأنه مراد للتنظيف وما كان للالتذاذ لا يلزم، وقيل الشافعي من دهن ومشط بفتح الميم وأراد بالمشط آلة المشط آلة المشط من الأفايه والغلسة إذا كان ذلك من عرف بلادهم.
فرع آخر:
لو كانت عادتها دخول الحمام مجب أجره الحمام عليه لأنه يرد للتنظيف وإن لم تجر عادتها بذلك لا يجب عليه وهو في أهل القرى وذلك في أهل المصر.
وقال في "الحاوي": يجب في المصر في كل شهر مرة ليخرجن به من دنس الحيض الذي يكون في كل شهر مرة في الغالب.
[ ١١ / ٤٥٢ ]
فرع آخر:
لو أردت أن تصرف ما قبضه من النفقة إلي ما يضرها وينقص بدنها هل له الاعتراض عليها فيه وجهان [ق ١٨٦ ب] والصحيح، عندي أن له ذلك.
مسألة:
قال: "وَلَيْسَ ذَلَكَ لخَادِمَهَا لأنَّهُ لَيْسَ بِالمعْروفِ لهَا".
أراد ليس لخادمها الدهن والمشط لأن ذلك إنما يراد للزينة والخادمة لا تزين في العادة بل يكون شعثة ولأن لها أن لا تتزين لأنها لا تحل للرجل.
وقال القفال: إنما لا يلزم لها ما يراد به التزيين واستمالة قلب الرجل فأما ما لابد منه بحيث إذا لم يكن تأذن بالوسخ والهوام يلزم الخادم أيضًا، وهذا صحيح والخادم يستحق الدواء لأنه من حقوق الملك، فإن كانت ملكًا له فعله ذلك وغن كانت ملكًا لها فعليها.
مسألة:
قال: وَقِيلَ فِي كُلَّ جُمْعةٍ رَطْلُ لحْمٍ".
جملته علي الزوج أن يطعم زوجته اللحم؛ لأن العادة جارية به ويعطيها في كل أسبوع يومًا إن شاء في كل يوم جمعة، وإن شاء في غيره ولكن الأفضل ما ذكره لأنه عرف عامة الناس.
وقال أصحابنا: وإنما قال رطل لحم علي عادة مصر؛ لأن اللحم يغريها فأمّا في الموضوع الذي يرخص فيه اللحم يفرض لها أكثر من ذلك والمراد بهذا القدر أيضًا امرأة المقتر، فأما امرأة الموسر فلها رطلان في كل جمعة ولا مرأة المتوسط رطل ونصف، لأن الشافعي قال بعد هذا ومن اللحم والأدم ضعف وما وصفت لامرأة المقتر وقيل: الموسر هو الذي يقدر علي نفقة الموسرين في حق نفسه، وفي حق كل من يلزمه نفقته من كسبه لا من أصل ماله المقتر هو الذي لا يقدر أن ينفق من كسبه علي نفسه وعلي من يلزمه نفقته [ق ١٨٧ أ] إلا نفقة المعسرين، وإن زادت عليها كانت من أصل ماله لا من مكسبه والمتوسط هو الذي يقرر أ، ينفق من كسبه علي نفسه وعلي من يلزمه نفقته نفقة المتوسطين، فإن زادت عنه كانت من أصل ماله، وإن نقص عنها من كسبه فيكون اليسار والإعسار معتبرًا بالكسب في وجوب النفقة ولا يعتبر بأصل المال كما في الكفارات. [ذكره] في الحاوي.
[ ١١ / ٤٥٣ ]
فرع:
الخادم هل يستحق اللحم، قال أبو حامد: ينبني علي الوجهين في أدامها، فإن قلنا لها منىدم الزوجة فلها اللحم أيضًا، وإن قلنا إنه دونه في الجودة فلا يعطيها اللحم.
وقال بعض أصحابنا خراسان: لأن يستحق الخادمة اللحم وجهًا واحدًا ولكن العادة جارية أن المخدومة تغترف خادمتها من مرسها إذا طبخت لحمها وتعطي لإصلاح اللحم ما يحتاج إليه من الحطب وغيره.
مسألة:
قال: "وَفُرِضَ لهَا مِنَ الكُسْوةِ مَا يُكْتَسِي مثْلهَا ببِلَدهَا".
الكسوة واجبة علي الزوج لقوله تعالي: ﴿وعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [الَبقَرةَ: ٢٣٣] لأن قوام بدنها بالكسوة كما أن قوامها بالنفقة وكانت واجبة لها، فإذا ثبت هذا فإنها معتبر بكفايتها وليست بمقدرة لأنه ليس إما أجل مقدر في الشرع فاعتبر بالكفاية.
ثم الكلام فيها ثلاثة فصول في عددها وقدرها وجنسها:
أما العدد فعليه في الصيف أربعة قمص وسراويل ومصعة وما تلبسه في الرجل من نعل أو شمشك أو غيره.
وأما الخادمة فتعطي قميصًا ومقنعة وخفًا فجعل الشافعي للخادمة خفًا [١٨٧ ب] ولم يجعله للمخدومة وجعل للمخدومة السراويل ولم يجعله للخادمة، وإنما كان كذلك لأن السراويل يراد للزينة أو لستر العودة والخادمة لا تتزين. وأما ستر العورة فإن ساقها ليس بعورة وما هو عورة منها فإن القميص يستره والخف أيضًا يستر ساقها، وأما الخف فإنها تخرج في الحوائج إلي التسوق فلا بد لها من الخف والمخدومة لا تحتاج إلي الخروج فلا حاجة بها إلي الخف.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: المعروف أن يعطي الخامة السراويل أيضًا ولعله أعرض عن ذكره اعتمادًا علي العرف والعادة في مثله، وهذا أصح عندي، وقال في " المنهاج". إنما ألزم الشافعي السراويل للمرأة في البرد ولم يلزمه ذلك في الصيف لأنه قال في المختصر ويفرض لها في الصيف قميص وملحفة ومقنعة ولم يذكر السراويل، وفي كسوة الشتاء للبرد ولذلك ألزمه لها في الشتاء خمارًا ومقنعة ولم يلزمه في الصيف سوي المقنعة للمعني الذي ذكرناه من دفع البرد.
[ ١١ / ٤٥٤ ]
وقال في "الحاوي": إن كانت عادة البلد في السراويل فالسراويل، وإن كانت العادة المئزر دون السراويل فالمئزر، وإن كانت السراويل أستر، وإن كانت من سكان القرى لا تلبس السراويل ولا المئزر، ففي تركه هتك عورة يؤخذ بها في حق الله تعالي جميع النساء فيؤمر بذلك، وقال في مدارس الرجل إن كانت في موضع يئزرون ولا يتقمصون كأهل البحر سقط القميص في حقه وكساه مئزرًا، وفي الأمة يقتصر علي المئزر [ق ١٨٨ أ] وإن ألفوه لأنه يبدي من جسدها ما يغض عنه الأبصار، وإن لم يكن عورة فيعطيها قميصًا وقناعًا، ويحتاج مع ذلك إلي ملحفة إذا خرجت في الشتاء.
قال الشافعي: تعطي في الشتاء القميص والسراويل وجبة مخمرة ومقنعة وما تلبسها في رجلها، فزادها في الشتاء الجبة وهذا فر يختلف فيه أصحابنا وأما القميص والسراويل والمقنعة فقد اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: إ، ما ذكر الشافعي ذلك إذا كان الذي أعطاها في الصيف قد أخلق فأما إذا كان القميص والسراويل والمقنعة باقيًا فلا يعطيها في الشتاء غير الجبة وهو الصحيح. ومن أصحابنا من قال: يحدد لها في الشتاء ذلك، وأما الخادمة فإنه يعطيها في الشتاء جبة صوف وكساء تلتحفه يد فيها مثله ويختلف ذلك باختلاف البلدان في حرها وبردها.
وأما قدر الكسوة فإنه علي قدر كفايتها ويختلف بطولها في حرها وبردها ويخالف النفقة فإن لها أصلًا في التعزيز وهو في الكفارة بخلاف الكسوة.
وأما جنسها قال الشافعي: يعطيها إذا كان موسرًا لبس البصري أو الكوفي أو وسط بغدادي، وإذا كان معسرًا يعطيها غليظ البصري أو الكوفي، ويعطي خادمه الموسر غليظ البصري أو الكوفي وخادمه الكرباس وهو المال يلف الغليظ.
قال أصحابنا: إنما اعتبر الشافعي هذا في ذلك الوقت قلنا، وفي وقتنا هذا يعتبر ما جرت به عادة مثلها، فإن كان مثلها يكتسي [ق ١٨٨ ب] بالخز والديباج والتوري والستري وأعطاها قيل لأبي إسحاق لم لم يفرض الشافعي لها بقصر القصب والشرب وهو عادة البلد وعرهم في الكسوة فقال: لأنه لم بفرض لها إلا قميصًا واحدًا، وذلك إذا كام سريًا يصف ما تحته، ويمنع جواز الصلاة.
وقد قال ﷺ: " لعن الله الكاسيات العاريات" فإن كان منه غليظ من مرتفع الكتان الديبقي أعطاها منه وعلي هذا يفرض لها في جبة إبريسم من الديباج والحرير وما يختص ببلدها وفرض امرأة المتوسط الوسط من ذلك ودون ذاك الزوجة المقتر.
وأما ما تتغطي به في الصيف والشتاء، قال الشافعي: تعطي الزوجة في الشتاء قطيفة أو لحافًا وتعطي الخادمة عباءة أو كساء عليها وفي الصيف ملحفة وهي الإزار أو وسادة.
[ ١١ / ٤٥٥ ]
فرع:
يلزمه أن يدفع الكسوة ثيابًا دون الثمن وعليه أن يخبط ما تحتاج إلي خياطته.
فرع آخر:
لو باعت الكسوة بعد قبضها من الزوج صح البيع وملكت الثمن، وقال ابن الحداد: لا يجوز لها بيعها ولا يجوز لها الاستبدال، وهذا لا يصح لأنه لا يجوز أن يكون في ملك الزوج، لأنه لا يسترجعها فثبت أنها ملكها فجاز لها بيعها. فإن قيل: لا يملك الكسوة كما لا يملك المسكن، وهذا لا يصح لأنه يلزمه تسليم الكسوة إليها ولا يلزمه تسليم المسكن لأنه يسكنها معه فافترقا ولأنه لو أراد أن يكتري لها ثيابًا لم يلزمها الإجابة بخلاف المسكن ويحتمل أن لا يعلم أبراه.
فرع آخر:
لو أرادت بيع الكسوة وشري ما هو أدون منها لم يكن لها بخلاف القوت الإدم.
والفرق أن للزوج حق الاستمتاع في زينة ثيابها فمنعت من يعتبرها [ق ١٨٩ أ] بخلاف قوتها.
وقال أبو إسحاق لها بيعها وشري ما هو أدون منها كما في القوت، وهذا لا يصح والفرق ظاهر.
فرع آخر:
لو لم يعتادوا في الصيف لنومهم غطاءً غير لباسهم لا يلزمه شيء آخر، وقد ألف الناس في زماننا أن يكون جهاز المنازل علي النساء ولا يصير ذلك عزفًا معتبرًا كرشوة النساء والأزواج في بعض البلاد.
فرع آخر:
قال في " الحاوي": من الناس قوم تتساوي كسوتهم وكسوة عبيدهم كفقراء البوادي فيكونوا سواء ولا يزاد.
فرع آخر:
البدوية كالخصين به في النفقة ولكنها ربما يقتات البلوط والأقط وتلبس الشعر فيعتبر ذلك.
فرع آخر:
قال: وإن كانت رغبية لا يجز بها هذا دفع ذلك إليها من ثمن أدم ولحم ما شاءت
[ ١١ / ٤٥٦ ]
في الحب، وإن كانت زهيدة زيدت فيما لا يفوتها من فضل الملكية.
أراد بالرغبية: كثيرة الأكل والزهيدة: قليلة الأكلة أو يعبر بأن الرغبية الأكولة والزهيدة المتنوعة، وجملته أنها إذا كانت كثيرة الأكل لم نوجب علي الزوج المعسر أكثر من المد الواجب ولكن عليها أن تصرف بعض إدامها إلي الخبز إذا لم يشبعها الحب المفروض لها، وإن كانت قليلة الرغبة في الخبز كثيرة الرغبة في الفواكه وأنواع الإدام لم نوجب عليه زيادة في الإدام علي ما ذكرنا ولكن عليها أن تصرف بعض الحب إلي زيادة إدام وقيل: قصد بهذا الفصل أن يبين أمرين:
أحدهما: أن نفقة الزوجة مقدرة ولا يعتبر كفايتها خلاف قول أبي حنيفة.
والثاني: أن النفقة إذا وصلت إليها فلها أن تتصرف فيها [ق ١٨٩ ب] بالبيع وغيره ولا تكون محجورة فيها.
فرع:
قال في "الحاوي": إذا نقص المدعي كفايتها كان الزوج بالخيار بين أن يتمم لها قدر شبعها وبين أن يمكنها من اكتسابه، فإن مكنها فلم تقدر عل اكتساب كفايتها صارت من أهل الصدقات تأخذ منها.
مسألة:
قال: " وَيخَشَي إنْ كَانَتْ ببَلَدٍ يحَتْاج أَهْلُهَا إليْه قَطيِفٍة".
أراد به في البلاد الباردة يلزمه أن يخشي الكسوة بالقطن لدفع البرد والواو محذوفة من القطيفة في بعض النسخ، والصحيح إثبات الواو. ثم قال: ولا أعطيها في القوت دراهم وهذا لأنها تستحق ما تستحق علي جهة النفقة فيلزمه أن يعطيها الحب واللحم والأدم بعينه كما ذكرنا، ثم إن شاءت باعت وتصرفت فيه كما شاءت.
ثم قال: واجعل خادمها حدًا وثلثًا، وقد ذكرنا ذلك، ثم قال: ولامرأته فراش ووسادة من غليظ متاع البصرة وما أشبهه ولخادمها فروة ووسادة وما أشبهه من عباءة أو كساء غليظ.
واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: أراد به أن يعطيها ما تفرشه للجلوس عليه والوسادة لتتوسدها في النوم ولم ترد بالفراش المضربة، وإنما أراد ما تفرش علي الأرض مثل الحصير أو اللبد.
ومن أصحابنا من قال: أراد به المضربة المحشوة بقطن أو صوف أو غير ذلك فيعطيها الحصير والمضربة، لأن المعروف أن يعطيها للنوم مضربة لتنام عليه، وهو أظهر لأن الشافعي قال: من غليظ متاع البصرة ولم تجر العادة يوشون الخرق بالنهار ويجلسون
[ ١١ / ٤٥٧ ]
عليها، وإنما لفراش الليل ولا يلزم الفراش للخادمة ويكفيها الوسادة والكساء علي ما ذكرنا.
مسألة:
قال: "فَإِذَا بَليَ أخَلفَهُ".
قال أكثر أصحابنا: معناه إذا مضي الزمان الذي يبلي فيه [ق ١٩٠ أ] بالاستعمال أخلفه سواء استعمله أولم تستعمله ولو أنها أتلفته بتحريق أو سرقت قبل مجيء الزمان الذي يبلي فيه مثله أو باعث فليس عليه بدلته حتى يمضي الزمان الذي يبلي فيه مثله.
ومن أصحابنا من قال: إذا كانت ترفق به في الاستعمال فمضي الزمان الذي يبلي فيه مثله، وهو باق لا يلزمه إبداله وحمل كلام الشافع علي ظاهره لأنه قال: فإذا بلي أخلفه وهذا لم يبل، وهذا اختيار القفال، وهذا لا يصح وتأويل كلامه ما ذكرنا ألا تري أنه لو استبقت النفقة ومضي الزمان الذي تنفق فيه مثله لزمه بدله، وغن كان ما أعطاها باقيًا فدل أنه لا اعتبار بما ذكره ولو بليت قبل انقضاء مدتها لرداءة الثياب يلزمه إبدالها بلا خلاف واو بقيت بعد مدتها لجودتها لم تستحق بدلها بلا خلاف لأن الجودة زيادة ومن الجبة ما يعتاد لبسها سنتين وأكثر كالديباج فلا يلزمه إبدالها في كل سنة وكذلك الفراش يبقي سنين فيعتبر العرف في إبدالها وجرت العادة بتطريتها في كل سنة والاستبدال بها في سنين فيعتبر ذلك.
فرع:
لو كساها كسوة تبقي خمسة أشهر فماتت بعد شهر أو مات أو طلقها هل يسترجع منها الكسوة اختلف أصحابنا فيه علي وجهين:
أحدهما: لا يسترجع وهو الأصح لأنها تجري مجري قوت يوم فلا تسترجع ولا يتبغض لأنه لا يمكن أن يدفع إليها بعض الكسوة ولا يجوز الرجوع بجميعها فهو كما لو دفع إليها نفقة اليوم في أول اليوم، ثم مات في نصف النهار لا يسترجع منها شيئًا.
والثاني: يسترجع كالنفقة المعجلة بشهر، وهذا اختيار القفال، قال: والكسوة تجب علي طريق الكفاية لا علي طريق التمليك حتى لو سرقت في الحال يلزمه الإبدال بخلاف الطعام وليس لها التصرف فيها إلا باستعمالها ولو لم تطالبه بها حتى [ق ١٩٠ ب] مضت مدة لا كسوة لها فيما مضي بخلاف النفقة، قال: ولو استعار كسوة وأعطاها ليس لها أن تطلب غيرها والضمان علي الزوج لو تلفت لأنه المستعير، ثم قال: وفيه وجه آخر يجب تمليك الكسوة في الحال يلزمه قيمتها له ثم عليه بدلها وأصحابنا بالعراق أنكروا هذا، وقالوا المنصوص وجوب تملكيها وهو الأصح علي ما تقدم بيانه.
[ ١١ / ٤٥٨ ]
فرع:
لو زف الرجل إلي دار امرأته وأنفق عليها الطعام والشراب وأقامت عنده سنين هكذا ولم يدفع إليها شيئًا من الحب نظر، فإن كان مطلقًا من غير شرط استقرت نفقتها عليه، وهذا تطوع، وإن كان علي شرط أنه نفقتها فهو عوض فاسد وله عليها بدل ما أنفق عليها ولها عليه جميع ما اجتمع لها من الحب.
فرع آخر:
لو كانت الزوجة أمةً قال الشافعي: لا خادم لها لأنها تكون خادمة نفسها في العادة فليس من عبادة الإماء أن يخدمن.
وقال أصحابنا هذا قال الشافعي في عرف زمانه فأما في هذا الزمان إن كانت ممن يخدم مثلها يلزم وهذا ليس بشي.
مسألة:
قال: "وَإنمَّا جَعَلْتُ أَقَلَّ الفْرضِ فِي هَذَا بالدَّلاَلةِ عَنْ رسولِ الله ﷺ".
الفصل:
بين الشافعي ههنا من أين أخذ أقل النفقة وأكثرها وهو مدان قد ذكرنا هذا فيما تقدم، فإن قيل: قد ثبت في الشرع أكثر من مدين وهو صاع في زكاة الفطر قيل: ذلك ليس كفاية واحد بل نفرق ذلك علي أهل الزكاة، ولو أعطي كل واحد منهم كفًا جاز، ثم قال: وإن كانت بدوية مما تأكل أهل البادية، وقد ذكرنا هذا أيضًا وجملته أنه يعتبر في كل موضوع بغالب القوت فيه الكسوة، ثم قال: وليس علي رجل أن يضحي لامرأته ولا يؤدي عنها أجرة طبيب ولا حجام، وجملته أن [ق ١٩١ أ] الأضحية إذا لم تجب عليه عن نفسه ففي زوجته أولي، وإنما قصد الشافعي بهذا أنها غير مسنونة عليه في حقها، وإن كانت مسنونة عليه في حقه ولذلك لو نذرت ذلك لم تجب عليه أن تتحمل عنها لأنه شيء ألتزمته بنفسها فهي لكفارة اليمين كزكاة الفطر التي وجبت عليها ابتداء من جهة الله تعالي ولا يؤدي عنها أجر طبيب لأنه ليس من جملة النفقات علي ما ذكرناه.
فرع:
للنفقة وقتان: وقت الوجوب ووقت وجوب التسليم، فأما وقت الوجوب فهل تجب بالعقد أو بالتمكين من الاستمتاع قولان، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم، وقد قال في "القديم": لو ضمها الأب عشر سنين يصح وهذا يدل علي أنها تجب بالعقد لأنه لا يجوز ضمان ما لم يجب عند الشافعي ووجهه أنها تجب لأجل النكاح وكان وجوبه بالعقد.
[ ١١ / ٤٥٩ ]
كالمهر والصحيح أنها تجب بالتمكين لأنها تجب بوجوده وتسقط بعدمه، وأما وقت وجوب التسليم فعلي القولين جميعًا يلزم أن يعطيها بالغداة لأنها تحتاج إلي الطعن والإصلاح، فلو قلنا يعطيها بالعشى لم يلحق وقت الحاجة فلو دفع إليها الغداة، ثم طلقها أو ماتت لا يسترجع شيئًا لأنه دفع ما وجب لها. وقال صاحب "الحاوي": أختلف أصحابنا في تحرير العبارة عن النفقة فقال البغداديون: تجب بالتمكين المستند إلي عقد فجعلوا الوجوب مطلقًا بالتمكين وتقدم العقد شرطًا.
وقال البصريون: يجب بالعقد والتمكين فجعلوا الوجوب معلقًا بالعقد وحدوث التمكين شرطًا فيه وتأثير هذا الاختلاف يكون في زمان التأهب للتمكين هل تستحق فيه النفقة، فمن جعل التمكين في الوجوب أصلًا وجعل العقد شرطًا لم يوجب لها النفقة في زمان التأهب للتمكين وأوجها بكمال التمكين ومن جعل العقد في الوجوب أصلًا [ق ١٩١ ب] وجعل حدوث التمكين شرطًا أوجب لها النفقة من أول زمان التأهب للتمكين إلي أقصي كمال التمكين.
واعلم أن التمكين بأمرين لا يتم إلا بهما.
أحدهما: تمكنه من الاستمتاع يها.
والثاني: تمكنه من النقلة إلي حيث يشاء إذا كانت السبيل مأمونة، فلو مكنته من نفسها ولم تمكنه من النقلة معه لم تجب النفقة، لأن التمكين لم يكمل إلا أن يستمتع بها في زمان الامتناع من النقلة فيجب لها النفقة ويصير استمتاعه بها عفوًا عن النقلة في ذلك، وعلي هذا لو كان الزوج غائبًا فبذلت نفسها وعرف الزوج وكمال التمكين بمضي زمان الاجتماع فعلي قول البغداديين تجب نفقتها حينئٍذ ولا تجب بما تقدم من بذل التسليم، وعلي قول البصريين تجب نففقتها من وقت الشروع في التسليم بناءً علي اختلافهم في التمكين هل هو في وجوب النفقة صل أو شرط.