مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "لَا يُجْزِئ العَبْدُ فِي الكَفَّارَةِ إِلَّا الصَّوْمَ لأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مَالًا".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا وجبت على العبد كفارة يمين أو إظهار أو قتل لم يجزه إذا لم يملكه السيد مالًا أن يكفر إلا بالصيام؛ لأنه لا يقدر على المال وهو أسوأ حالًا من الحر المعسر الذي يصح منه تملك المال وإن ملكه السيد مالًا لم يكن له أن يكفر به إن لم يأذن له السيد في التكفير به سواء حكم له بملك المال أو لم يحكم لأنه
[ ١٠ / ٤٣٤ ]
محجور عليه في حق السيد وإن أذن له أن يكفر بالمال فقد اختلف قول الشافعي في العبد هل يملك إذا ملك أم لا؟ على قولين:
أحدهما: يملك إذا ملك وبه قال في القديم وهو مذهب مالك والحجازيين.
والثاني: لا يملك وإن ملك قال في الجديد، وهو مذهب أبي حنيفة والعراقيين وقد مضى توجيه القولين في غير موضع.
فإن قيل: بالجديد أن لا يملك لم يكفر إلا بالصيام، ولا يجوز أن يكفر بإطعام ولا كسوة ولا عتق، وإن قيل بالقديم أنه يملك إذا ملك جاز أن يكفر بالإطعام والكسوة لقدرته عليه مع ملكه، وفي جواز تكفيره بالعتق وجهان:
أحدهما: يجوز كالإطعام والكسوة
والثاني: لا يجوز لما فيه من استحقاق الولاء الذي لا يستقر له عليه ملك ولا يثبت له به ولاية ولا إرث، وإذا قيل بجوازه على الوجه الأول ففي ولائه قولان:
أحدهما: للسيد.
والثاني: أنه موقوف على ما يفضي إليه حاله من عتق فيصير الولاء له أو يموت على رقه، فيكون لسيده، وهكذا حكم المدبر وأم الولد والمعتق بالصفة فأما المكاتب فإن قيل: إن العبد لا يملك إذا ملك لم يكن له أن يكفر إلا بالصيام وإن أذن له السيد ففي جوازه تكفيره بالمال قولان:
أحدهما: يجوز كالعبد وليس بأسوأ حالًا منه.
والثاني: لا يجوز أن يكفر إلا بالصيام، وإن كان العبد أن يكفر بالمال، لأن ملك السيد لمال مكاتبه ضعيف، فضعف إذنه معه، وملكه لما عبده قوي فقوي إذنه معه.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَصُومَ إِلَّا بِإِذْنِ مَوْلَاهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَا لَزِمَهُ بِإِذْنِهِ وَلَوْ صَامَ فِي أَيْ حَالٍ أَجْزَأَهُ".
قال في الحاوي: وصورتها: أن يجب على العبد الصيام في كفارة يمين، فلا يخلو حاله إذا أضر الصيام بخدمة السيد في عقد يمينه وحنثه من أربعة أحوال:
أحدها: أن يحلف بإذن سيده ويحنث بإذنه فللعبد أن يصوم عن الكفارة بغير إذنه، لأن موجب الكفارة عن إذنه.
والثانية: أن يحلف بغير إذنه ويحنث بغير إذنه فليس للعبد أن يصوم إلا بإذن سيده، لما فيه من التقصير في خدمته.
والثالثة: أن يحلف بغير إذنه، ويحنث بإذنه، فللعبد أن يصوم بغير إذنه،
[ ١٠ / ٤٣٥ ]
لأن وجوب الصيام بإذنه.
والرابعة: أن يحلف بإذنه ويحنث بغير إذنه ففي جواز صيامه بغير إذنه وجهان:
أحدهما: لا يجوز لأن عقد يمينه بإذنه فصار ما أفضى إليه من الحنث داخلًا في حكم إذنه، كما لو أذن لعبده في النكاح كان إذنًا له بالنفقة.
والثاني: لا يجوز أن يصوم إلا بإذنه لأن عقد اليمين مانعة من فعل الحنث، فلم يجز أن يجري عليه حكم الإذن.
فصل:
وإذا كان ممنوعًا من الصوم إلا بإذن سيده على ما فصلناه، لم يحل من أن يكون الصوم فيه مؤثرًا في الضعف كالصيف أو غير مؤثر فيه كالشتاء، فإن كان الزمان صائفًا يؤثر في ضعف الصائم، فهو الممنوع من الصيام فيه إلا بإذن سيده، وإن كان الزمان شاتيًا لا يؤثر صيامه في ضعفه ففيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يلزمه استئذان سيده في صيامه لعدم تأثيره في عمله.
والثاني: يلزمه استئذان وللسيد منعه، لأنه وإن قل تأثيره في إضعافه، فالفطر أنشط لعمله، وأبلغ في توفره، فإن خالف العبد في الموضع الذي نهى عن الصيام إلا بإذن سيده فصام بغير إذنه أجزأه لأنها عبادة لا يقف انعقادها على إذنه فصحت، وإن جاز للسيد منعه منها كالحج.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ حَنَثَ ثُمَّ أَعْتَقَ وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ حُرٍّ أَجْزَأَهُ لأَنَّه حِينَئِذٍ مَالِكٌ وَلَوْ صَامَ أَجْزَأَهُ لأَنَّ حُكْمَهُ يَوْمَ حَنَثَ حُكْمُ الصِّيَامِ قَالَ المزْنِيُّ ﵀ قَدْ مَضَتِ الحُجَّةُ أَنَّ الحُكْمَ يَوْمَ يُكَفِّرُ لَا يَوْمَ يَحْنَثُ كَمَا قَالَ إِنَّ حُكْمِهِ فِي الصَّلَاةِ حِينَ يُصَلِّي كَمَا يُمْكِنُهُ لَا حِينَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ".
قال في الحاوي: وصورتها في عبد حلف في حال رقه ثم حنث وأعتق فلا يخلو حال حنثه من أحد أمرين:
إما أن يكون في رقه أو بعد عتقه.
فإن حنث بعد عتقه، فهو في الكفارة كالحر لوجوبها عليه، وهو حر، فإن كان موسرًا كفر بالمال، وإن كان معسرًا كفر بالصيام، فإن عدل عنه إلى المال أجزأه سواء كان إطعامًا أو عتقًا، وإن حنث في حال رقه وقبل عتقه ولم يكفر حتى أعتق، فإن كان بعد عتقه معسرًا كفر بالصيام، وإن كان موسرًا فعلى قولين:
[ ١٠ / ٤٣٦ ]
أحدهما: لا يكفر إلا بالمال من إطعام أو كسوة أو عتق إذا قيل: إن المعتبر بالكفارة حال الأداء، أو أغلظ الأمرين من حال الوجوب أو حال الأداء.
والثاني: يجوز أن يكفر بالصيام إذا قيل: إن المعتبر بالكفارة حال الوجوب. فإن أراد أن يعدل عن الصيام إلى المال من إطعام أو كسوة أو عتق، فإن قيل: إن العبد يجوز أن يكفر بالمال على قوله في القديم أنه يملك إذا ملك، كان بعد عتقه أولى بالجواز، وإن قيل إنه لا يجوز للعبد أن يكفر بالمال على قوله في الجديد أنه لا يملك إذا ملك، فهل يجوز له بعد عتقه أن يكفر بالمال على وجهين:
أحدهما: يجوز، لأنه عند تكفيره حر فأشبه الحر المعسر.
والثاني: لا يجوز، لأنه لو أراد التكفير بالمال عند الوجوب لم يجزه، بخلاف الحر المعسر الذي لو كفّر بالمال أجزأه فلزمه استصحاب هذا الحكم بعد عتقه لاستقرار وجوبه في حال رقه فصار في محصول تكفيره ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يكفر إلا بالمال
والثاني: لا يكفر إلا بالصيام.
والثالث: أنه مخير بين التكفير بالمال أو الصيام.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَنِصْفِهِ عَبْدٌ وَنِصْفُهُ حُرٌّ وَكَانَ فِي يَدَيْهِ مَالٌ لِنَفْسِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ الصَّوْمُ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُكَفِّرَ مِمَّا فِي يَدَيْهِ لِنَفْسِهِ قَالَ المَزْنِيُّ ﵀ إِنَّمَا المَالُ لِنِصْفِهِ الحُرِّ لَا يَمْلِكُ مِنْهُ النِّصْفَ العَبْدُ شَيْئًا فَكَيْفَ يُكَفِّرُ بِالمَالِ نِصْفُ عَبْدٍ لَا يَمْلِكُ مِنْهُ شَيْئًا فَأَحَقُّ بِقَوْلِهِ أَنَّهُ كَرَجُلَ مُوسِرٍ بِنِصْفِ الكَفَّارَةِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا الصَّوْمَ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ".
قال في الحاوي: قال المزني: إذا حنث عن نصفه حر ونصفه عبد لم يخل حاله من أن يكون بنصفه الحر موسرًا أو معسرًا، فإن كان معسرًا ففرضه التكفير بالصيام، لأنه لما صام بالإعسار مع كمال حريته كان صيامه مع تبعيض الحرية أولى، وإن كان بنصفه الحر موسرًا فقد قال الشافعي ها هنا: كفر بالمال فقلب حكم الحرية على حكم الرق في الكفارة، وإن كان يغلب حكم الرق على حكم الحرية في النكاح والطلاق والنفقة والميراث والشهادة: فاختلف أصحابنا في كفارته على ثلاثة أوجه:
أحدها: وهو قول طائفة منهم أنه يكفر بالمال على قوله في القديم أنه يملك إذا ملك وعليه خرج الجواب فأما على قوله في الجديد: إنه لا يملك إذا ملك فلا يكفر إلا بالصيام.
والثاني: قاله المزني وساعده غيره من أصحابنا أنه لا يكفر إلا بالصيام على القولين
[ ١٠ / ٤٣٧ ]
معًا، وأن ما ذهب إليه الشافعي من تكفيره بالمال مخالف لأصوله من وجهين:
أحدهما: أنه لما غلب فيما عدا الكفارة حكم الرق على الحرية وجب أن يكون كذلك في الكفارة.
والثاني: ما ذكره المزني من أن نقصان المكفر إذا كان بعضه حرًا مملوكًا كنقصان التكفير إذا وجد بعض الإطعام وعدم بعضه، فوجب أن يكون عجزه ببعض بدنه مع قدرته على جميع الكفارة كعجزه عن بعض الكفارة مع قدرته بجميع بدنه.
والثالث: وهو ظاهر المذهب وما عليه جمهور أصحابنا أنه لا يكفر إلا بالمال على القولين معًا تغليبًا لحكم الحرية على الرق وإن غلب حكم الرق على الحرية في غير الكفارة، استدلالًا بقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ﴾ [النساء: ٩٢] وهذا واحد فلم يجزه الصيام، ولأن تكفير الحر الموسر بالمال، وتكفير العبد القن بالصوم، فلم يخل حال من تبعضت فيه الحرية والرق، من ثلاثة أحوال، إما أن يغلب حكم الحرية من تكفير المال، أو يغلب حكم الرق في تكفيره بالصيام، أو ببعض تكفيره بالمال والصيام بحسب ما فيه من حرية ورق، وقد أجمعوا على إبطال التبعيض فلم يبق إلا تغليب أحدها فكان تغليب الحرية على الرق في التكفير بالمال أولى من تغليب الرق على الحرية في التكفير بالصيام من وجهين:
أحدهما: أنه لما تغلب حرية بعضه في السراية إلى عتق جميعه تغلب حكمها في تكفيره.
والثاني: أن التكفير بالمال أصل، وبالصيام بدل، ولذلك كان لمن فرضه الصيام أن يكفر بالمال ولم يجز لمن فرضه المال أن يكفر بالصيام فكان تغليب ما أوجب الأصل من المال أولى من تغليب ما أوجب البدل من الصيام، أما تغليب الرق فيما سوى ذلك من الأحكام، فلأن تبعيض الحرية والرق موجب لتغليب أغلظ حكميه، فكان أغلظهما من الكفارة حكم الجزية، وأغلظهما فيما عداها حكم الرق. وأما الجواب عما استدل به المزني من أن نقصان المكفر كنقصان الكفارة، فهو أن نقصان الكفارة مفضٍ إلى التبعيض فسقط، ونقصان المكفر موجب لكمال الكفارة، وافترقا في النقص لافتراقهما في الموجب، والله أعلم بالصواب، وبالله التوفيق.