مسألة:
قال: "واللبن للرجل والمرأة كما أن الولد لهما".
الفصل:
كل فحل لحق به النسب فلبن ذلك النسب له ولأمه والولد المرتفع منهما ولدهما. وقد ذكرنا هذا من قبل، ولو وطء زوجته فنزل لها لبن من غير إحبال فأرضعت به مولودا كان ولدها دون ولد زوجها وأصله أنه متى لم يكن ولد فلا لبن للفحل أبدأ.
مسألة:
قال: "ولو ولدت ابنا من زناها فأرضعت مولودا فهو ابنها".
إذا أتت بولد من زنى فأرضت بلبنه مولودا صار ابنها من رضاع، ولم يكن الزاني أباه من رضاع؛ لأن اللبن مانع للولد فلما كان المولود ابنها دونه كذلك المرضع بذلك اللبن ابنها دونه، ولأن النسب أقوى من الرضاع، فإذا لم يثبت هاهنا حق النسب في الولد فلان لا يثبت حق الرضاع أولى.
مسألة:
قال: "وأكره له في الورع أن ينكح بنات الذي ولده من زنى، فإن نكح لم أفسخه".
[ ١١ / ٤٢٤ ]
أراد به أن الابن الذي ولد من الزنى إذا كبر وتزوج وولد له بنت جان للزاني أن يتزوج بها لأن المولود من الزنى ليس ابن له فلا تحرم ابنته عليه فكذلك إذا ولدت للمزني بها بنتا لم تحرم عليه، وقيل: قرى بنات الذي ولده من زنى برفع الدال على الاسم فمعناه أكره للزاني في الورع أن ينكح بنات ابنه من الزنى [ق ١٦٧ أ] وقرى ولده بفتح الدال على الفعل فمعناه أكره لولد الزنى أن ينكح بنات الزاني الذي ولده.
وقال ابن أبي أحمد في المفتاح: ولا يجوز للرجل أن يتزوج بابنته من زنى كما قال أبو حنيفة قال: وقوله: " وأكره في الورع أن ينكح بنات الذي ولده من زنى " أي أكره المرضع بلبن الزنى أن تنكح بنات الذي ولد له من زنى - يعني بنات الزاني - فإن فسخ لم أفسخه لأنه ليس ابنه من الرضاع، قال: وهذا باب لبن الرجل والمرأة مقصده المرضع بلبن الزنى الموافق به.
وقال القفال: مقصوده أمر الرضع - أي إني وإن أبحث له أن ينكح ابنه ولده من الزنى فأكره ذلك فكذا أكره آن ينكح المرضعة بلبن الزنى، وإنما صور في ابنة ولده من الزنى ولو صور في ابنته من الزنى جاز، ثم ذم الحديث في أنه لا ينسب ولد الزنى إلى الزاني بقولهﷺ - في ابن وليدة زمعة: "هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر" ومعناه: لا شيء له بحال؛ لأن عادة المبالغة في قطع العلائق يقولون له: الحجر وبنية الحجر أي لا شيء له، وقول الشافعي: ابنته أو ابنه من الزنى على المجاز لا على الحقيقة لأنه لا خلاف في أنه لا ينسب إليه ولا يتشرف بشرف الرأي، وعلى هذا لو كان له ابن من الزنى وابنة صحيحة النسب جاز النكاح بينهما لأنها ليست أخته لكنه يكره.
ثم شبه الشافعي هذا الاحتياط بالاحتياط الذي أمر به رسول الله - ﷺ - سودة وهو الاحتجاب من ابن وليدة زمعة فقال: لما ألحق ذلك الغلام بزمعة لزوجته سودة بنت زمعة " احتجبي منه لا يزال فضلا" فلم يرها الغلام قط، وإنما أمرها بذلك لما رأى من شبه الغلام بعتبة الذي ألم بها في الجاهلية [ق ١٦٧ ب] كذلك هاهنا يأمر بالاجتناب من نكاح ابنته من الزنى احتياطا.
ثم قال المزني: وقد كان أنكر على من قال: بتزويج ابنته من زنى ويحتج بهذا.
وقد زعم أن رؤية ابن زمعة سودة مباح وأنه كرهه، فكذلك في القياس لا يفسخ نكاحه، وإن كرهه ولم يفسخ نكاح ابنه من زنى بناته من حلال بقطع الأخوة فكذلك من القياس، لو تزوج ابنته من زنى لم يفسخه، وإن كرهه لقطع الأبوة ولا حكم عندنا للزنى لقول رسول - ﷺ - "وللعاهر الحجر، في معنى الأجنبي في مذهبه هذا وبالله التوفيق فأوهم المزني أن الشافعي لا يجوز للزاني نكاح ابنته من زنى آنه أنكر هذا القول على من قاله.
ثم احتج على الجوار كما ترى، وأوهم أن المسألة عن قولين وليس كذلك، وهو غلط في ذلك، وذلك أن الشافعي إنما أنكر على من قال: يجوز للزاني نكاح ابنته من زنى من غير كراهية، وهذا مذهب بعض السلف وحكاه صاحب الحاوي عن المزني فقال
[ ١١ / ٤٢٥ ]
الشافعي: هو مكروه وإن كان جائزا والنسب منفي عنه على ما ذكرنا
مسألة:
قال: "ولو تزوج امرأة في عدتها فأصابها فجاءت بولد فأرضعت مولودا كان ابنها".
الفصل:
إذا طلق زوجته بعد الدخول بها فنكحت في العدة وأصابها الثاني فأتت بولد يمكن أن يكون من كل واحد منهما، ثم أرضعت مولودا بلبنها فحكم الموضع مائع بحكم النسب فيمن لحقه الولد المناسب كان المرصع تابعا له وللولد المناسب أربعة أخوال على ما تقدم بيانه وإنما قلنا كذلك، لأن اللبن تابع للولد، وإذا لم يكن قافة أو ألحقته القافة بهما أو أشكل على القافة وقف حتى يبلغ فينتسب إلى أحدهما فيلحق به ويصير المرضع ابنه، وإن بلغ فمات [ق ١٦٨ أ] قبل أن ينتسب، فإن كان له وارث قام مقامه في الانتساب على أحدهما، وكان المرضع تابعا له، وإن لم يكن له وارث.
قال الشافعي: فقد ضاع نسبه- يعني ضاع نسبه من يلحق به النسب وبطل حكمه وأما الذي نص الشافعي فيه في الأم على قولين:
أحدهما: أنه يلحق به جميعا لأن اللبن يجوز أن يكون لهما جميعا، فإن اللبن قد يحصل من الوطء ومن الولادة، وقد وطء كل واحد منهما والولادة من أحدهما فلا يصح أن يكون اللبن منهما جميعا ويخالف الولد لأنه لا يجوز أن يخلق ولد واحد إلا من ماء رجل واحد فلهذا لم يجز أن يلحق الوالد بهما وعلى هذا سأل الداركي عن المرضع، هل يحتاج أن ترضع عشر رضعات أو تكفي خمس رضعات فقال: يحتمل وجهين.
وقال القاضي الطبري: هذان الوجهان مبنيان على آن الصبي إذا ارتضع من امرأتين الرضعة الخامسة، هل يكون ذلك رضعتين أو يكون من كل واحدة منهما نصف رضعة، وفيه وجهان.
والقول الثاني: لا يلحق بهما لأن اللبن تابع للولد فلما لم يجز أن يلحق الولد بهما فلذلك اللبن والمرضع بذلك اللبن، وهذا أصح ولا يصح ما ذكره القائل الأول؛ لأن اللبن الذي ينتشر الحرمة من الواطئ إذا حملت المرآة منه وقبل ذلك لا حق له في اللبن، فإذا قلنا بهذا القول هل للمرجع أن ينتسب قولان منصوصان في الأم.
أحدهما: ليس له ذلك؛ لأن الانتساب إنما يكون بميل النفس إلى من خلق من مائه وما يدعوه طبعه إليه لا يفيد هذا المعنى ولأنه لما تدخله القافة قي تمييز الولد من الرضاع لم تدخله في الانتساب.
[ ١١ / ٤٢٦ ]
والقول الثاني: أن ينتسب؛ لأن الرضاع يؤثر في تغيير الخلق والشبه ولا ينفك اللبن عن دواعي الشفقة وموانع الرحمة كما يكون ذلك في النسب، وقد قيل من ارتضع [ق ١٦٧ ب] من سيئة الخلق ساء خلقه، ومن ارتفع من حسنة الخلق حسن خلقه، وقد قال رسول الله - ﷺ - "أنا أفصح العرب ولا فخر بيد آني من قريش ونشأت في بني سعد، وارتفعت، من بني زهرة " وكانت هذه القبائل أفصح قبائل العرب فافتخر بالرضاع كما افتخر بالنسب.
وقد ذكرنا آن النبي - ﷺ - قال: " لا تسترضعوا الحمقاء فإن اللبن يغذي في الرعونة والحمق".
وروي: "فإن اللبن شبه عليه" ويخالف هذا اعتبار القيامة في النسب دون الرضاع لأن القافة تنظر إلى المشاركة في الصورة، وهاهنا ينظر إلى المشاركة في الأخلاق فافترقا. فإذا قلنا: ينتسب على أحدهما فانتسب حرم عليه أقاربه وحلت له ابنة الآخر ومحارمه لأن نسبه انقطع منه.
وإذا قلنا: لا ينتسب ولا يكون أبيهما لا يصير محرما بنات واحد منهما، وهل يجوز له آن يتزوج بابنة كل واحد من الواطئين؟ اختلف أصحابنا فيه فقال ابن أبي هريرة له أن يتزوج بابنة كل واحد منهما على الانفراد، ولأن الأخت لم تتعين وهذا كما قلنا في رجلين، قال أحدهما: إن كان هذا الطائر غرابا فغلامي حر، وقال الآخر: إن لم يكن غرابا فغلامي حر لم يمنعا من التصرف في غلاميهما، فإن صارا جميعا لواحد منهما منعناه من التصرف فيهما وعتق أحدهما عليه لعلمنا أن أحدهما حر لا محالة كذلك هاهنا.
قال هذا القائل: وإذا تزوج بابنة أحدهما، ثم طلقها أو ماتت لم يجز له آن يتزوج بابنة الآخر؛ لأنه إذا عقد على ابنة أحدهما فقد أقر بأن ابنة الآخر أخته، كما نقول في ثلاثة أواني اثنان طاهران وواحد نجس، فأدى اجتهاد كل واحد منهم إلى طهارة إناء غير الإناء الآخر، إن كل واحد منهم يستعمل الإناء الذي أدى اجتهاده إلى طهارته، فإذا أم كل واحد صاحبيه في ثلاث صلوات [ق ١٦٩ أ] فإن صلاة الصبح جائزة للجميع، وصلاة الظهر جائزة للإمام ولإمام الصبح ولا تجوز للآخران؛ لأن كل واحد منهم أقر بطهارة نفسه وطهارة الإمام من الصبح فإنه صلى خلفه، فكان عند كل واحد منهما أن الآخر نجس فلم تجز صلاته، وصلاة العصر جائزة للإمام وحده فهذا المعنى كذلك ههنا.
وقال أبو إسحاق: لا يجوز له أن يجمع بينهما لئلا يكون مقيما على فرج محرم بيقين بابنة كل واحد منهما على الانفراد، وإذا تزوج بإحداهما، ثم مات أو طلقها يحل له آن يتزوج بالأخرى، وهذا ظاهر قول الشافعي هاهنا لأنه قال: والورع أن لا ينكح ابنة
[ ١١ / ٤٢٧ ]
واحد منهما ولا يكون محرما لهما فلم يحرمهما، وإنما قال: "الورع ترك النكاح " فدل على أن كل واحدة مباحة على الانفراد.
قال: ولأنا إذا أبحنا له أن يتزوج بالأولى، فإذا طلقها كان له أن يتزوج بالأخرى؛ لأن في كل واحدة منهما الأصل الإباحة والشك طارئ، فكان ما آمكن في الأولى فهو مثله في الثانية، فجاز له أن يتزوج بها، وهذا يبطل بمن صلى في مسألة الأواني الثلاثة بواحد منهم صلاة الصبح لم يجز له أن يصلي خلف الآخر في صلاة الظهر؛ لأنه لما صلى خلف إمام الصبح فقد قطع بأن صاحبه الذي معه خلف إمام الصبح نجس فكذلك هاهنا.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز نكاح ابنة واحد منهما؛ لأن أحدهما أبوه قطعا، وإنما تجهل عينه فصار كما لو اختلطت أخته بأجنبية، ولم يعلم عينها لا يجوز له التزويج بواحدة منهما.
قال أبو حامد: والصحيح عندي هذا، وقد أومئ إليه في "الأم"، وقال القاضي الطبري: هذا لا يصح، والصحيح: الوجه الأول، والفرق بين ما استدل به أبو حامد وبين مسألتنا أن الأخت إذا اختلطت بالأجنبية، فإن الأخت أصلها التحريم والأجنبية أصلها الإباحة فغلب التحريم، وكذلك لو اختلطت محرمة بناء محصورات [ق ١٦٧ ب] لم يجز التزوج بواحدة منهن لهذا المعنى.
وأما هاهنا أصل كل واحدة منهما الإباحة ولم تتعين المحرمة منهما؛ فكان له أن يتزوج بآيتهما شاء، يدل على هذا الفرق أن الإناءين إذا كان ماء والآخر بولا، وأشكل الماء من البول فإنه يتركهما جميعا، وإذا كان أحدهما ماء طاهرا والآخر نجسا تحرى واستعمل الطاهر؛ لأن أصل كل واحد منهما الطهارة والنجاسة طارئة، فإذا لم يتعين الذي طرأت عليه النجاسة جاز له استعماله، فإن قيل: أوجبتم التحريم في الإناءين ولم تسوغوا أن يستعمل أيهما شاء من غير اجتهاد ومسوغتهم هاهنا أن يتزوج بأيهما شاء فما الفرق بينهما؟ قلنا: ليس على الأخت ولا على الأجنبية أمارات من تغير الماء وإضراب الإناء أو انكشاف الغطاء، أو أثر الكلب أو غير ذلك فأوجبنا التحري في أماراته الدالة عليه.
وقال في والحاوي: فيه وجه رابع لا يحرم عليه بنات واحد منهما لانقطاع الأبوة، ويجوز له أن يجمع بين ابنة كل واحد منهما، وإنما يمنع من تزويجها ورعا لا تحريما وهو ظاهر كلام الشافعي وهذا غريب بعيد، وقال الإمام الجويني: صاحب المنهاج قال كثير من أصحابنا إذا استيقن الرجل أن له في سكة محصورة الأهل أختا من الرضاعة، ولم يعلم عينها لم يجز له أن يتزوج من نساء ملك السكة أحدا، ولو استيقن ذلك في بلدة كبيرة غير محصورة الأهل له أن يتزوج امرأة من نساء تلك البلدة وفرقوا
[ ١١ / ٤٢٨ ]
بالمشقة وعدمها، وفي كلام الشافعي هاهنا دليل على أنه لو نكح واحدة من نساء السكة المحصورة الأهل يجوز، وإن كان الورع أن لا يفعل ألا تراه قال في الولد المرصع: "إذا عجزني بموت الولد عن الإلحاق الورع أن لا ينكح ابنة واحد منهما، ولم يقل [ق ١١٧ أ] حرام عليه أن يفعل، والدليل على هذا ظاهر وذلك أنه لا يستيقن الحرية من واحد من نساء السكة فصار نساء السكة كنساء البلدة وهذا غريب.
مسألة:
قال: "ولو قالوا للمولود هو ابنهما أجبره إذا بلغ على الانتساب إلى أحدهما"
وإنما قلنا: إنه يجبر على ذلك لأنه يتعلق به حقوق له وعليه من وجوب النفقة وولاية التزويج والعتق بالملك وتحريم المناكحة وحرمة المحرمية، ورد الشهادة، ومنع الزكوات وغيرها.
فإن قيل: خيرهم بين الأبوين لبلوغ سبع سنين ولم يتخيروا على الانتساب إلا بعد البلوغ؟ قل؛ الاختيار ليس بلازم بخلاف الانتساب، فإنه لازم فدل على الفرق، ولأن الاختيار حق له والانتساب يتعلق به حق لغيره فاعتبر أن يكون بالغا.
مسألة:
قال: "ولو كان معتوها لم يلحق بواحد منهما حتى يموت".
أراد به المولود على فراشين إذا بلغ وهو معتوه لم يصح انتسابه؛ لأنه لا حكم لكلام المجنون ولا يقوم أحد مقامه فيه؛ لأنه غير مأيوس من صحته وانتسابه بنفسه، فإن مات وخلف وارثا قام مقامه في الانتساب على ما ذكرنا، وإن لم يكن له وارث كان ماله موقوفا؛ لأنا نعلم أنه ولد أحدهما، وإن لم يعلم عينه كما إذا طلق إحدى امرأتيه ومات ولم يمين وقفتاه ميراث زوجة.
مسألة:
قال: "ولو أرضعت بلبن مولود نفاه أبوه باللعان لم يكن أبا للمرضع".
الفصل:
إذا آتت زوجته بولد فقذفها ونفاه باللعان فأرضعت المرأة بهذا اللبن مولودا لرجل كان حكمه حكم ولدها من النسب وهو أنه لا ولد له، فإذا استلحق الملاعن ولده لحقه نسبه وإن ألحق نسبه لحق به ولده من الرضاع أيضا، ولا فصل بين أن ترضعه قبل أن يلاعن أو بعد أن يلاعن، فإن المرضع كولدها من النسب على ما فصلناه.
[ ١١ / ٤٢٩ ]
مسألة:
قال: "ولو انقضت عدتها بثلاث حيض وثبت لبنها أو انقطع [ق ١٧٠ ب] ثم تزوجت زوجا فأصابها فتاب لها لبن ولم يظهر بها حمل فهو من الأول".
الفصل:
قوله فثاب لها أي زاد، وهذا تأكيد هاهنا لا شرط، وجملته أنه إذا طلق امرأته وفيها لبن هو منها فأرضعت به مولودا نظر، فإن لم يزد هذا اللبن على ما كان عليه بحال فهو للأول سواء دخل بها الثاني أو لم يدخل، حملت أمه أو لم يحمل ما لم تضع حملها من الثاني؛ لأن اللبن للأول بيقين، ولم يوجد للثاني: أقوى منه فكان الأول أولى به، وإن زاد هذا اللبن وكثر نظر، فإن كان قبل أن يحمل من الثاني أو بعد أن حملت منه ولكن الزيادة قبل أن ينزل اللبن من الثاني في العادة فهو للأول أيضا، وقيل: أقل مدة ينزل للحمل أربعون يومأ، وإن كانت الزيادة في وقت يمكن أن تنزل للثاني فيه قولان أحدهما: هو للأول دون الثاني، وبه قال أبو حنيفة لأنه نزل قبل الولادة من الثاني فكان للأول كما لو لم يزد.
والثاني: قاله في القديم: هو لهما فيكون من يحرم به على أحدهما تحرم به على الآخر، وبه قال محمد، وزفر، وأحمد؛ لأنه: إذا زاد فالظاهر أنه لأجل الحمل لأنه نزل بسببه فكان اللبن لهما، ويخالف هذا إذا لم يزد لأنه لم يظهر هناك للحمل تأثير، هذا إذا كان لبنها قارا فيها، فأما إذا انقطع لبنها، ثم نزل نظر فإن كان نزوله قبل الوقت الذي ينزل للثاني فهو للأول قولا واحدا، وإن كان نزوله في وقت يمكن أن يكون من الثاني نظر، فإن كان الانقطاع يبرأ فيه قولان:
أحدهما: أنه للأول وحده
والثاني: قاله في "القديم" أنه لهما معا، وإن كان الانقطاع كثيرا، فقد نص على ثلاثة أقوال:
أحدهما: أنه للأول دون الثاني وبه قال أبو حنيفة لما ذكرنا.
والثاني: أنه للثاني دون الأول، وبه قال أبو يوسف لأنه لما انقطع، ثم عاد كان سبب الحمل الحادث فأشبه إذا نزل بعد الولادة.
والثالثة: [ق ١٧١ أ] أنه لها معا، وبه قال أحمد لأن اللبن قد ينقطع، ثم يتوب مثل أن يزوج المولود فيعود اللبن أو تشرب دواء فيحدد ويحتمل الاختلاط باللبن عن الثاني وأما إذا ولدت من الثاني انقطع عن الأول يكل حال، وصار المرضع فاضلا بينهما ويكون اللبن للثاني قولا واحدا، وهذا لأن سبب متيقن في إدرار اللبن فكان قاطعا لسبب الأول
[ ١١ / ٤٣٠ ]
وقال أحمد: ههنا أيضًا يكون اللبن لهما كما قبل الولادة، وهذا غلط لما ذكرنا.
وأما قول الشافعي: «ومن لم يفرق بين الولد واللبن، قال: هو للأول ومن فرق قال: منهما جميعًا له ثلاث تأويلات: قال أبو إسحاق: معناه من جعل اللبن كالولد فقال: لا يجوز أن يكون اللبن من اثنين كما لا يجوز أن يكون الولد لاثنين، وإن لم يجز أن يكون الولد لاثنين يقول: إن اللبن للأول، ومن فرق بينهما وقال: يجوز أن يكون اللبن لاثنتين وإن لم يجز أن يكون الولد، قال: ههنا اللبن لهما فأبو إسحاق رد هذه المسألة إلى مسألة قبلها وهو ما قلنا إنه إذا ضاع بسببه هل يجوز أن يكون الولد من الرضاع ابنهما فيه قولان فكانت هي مفرعة على تلك.
ومن أصحابنا من قال: معناه لا يسبق اللبن للولد قبل انفصاله عن أمه وإنما لبنه هو الموجود حين انفصاله، فإ، لبنه لم يفارق قال: هو للأول، ومن قال: يفارقه ويسبقه قبل انفصاله قال: هو لهما، ومن أصحابنا من قال: معناه من جعل اللبن للولد الظاهر دون الباطن قال: هو للأول، ومن فرق بينهما وجعل اللبن للظاهر والباطن معًا قال: هو لهما وهذ قريب من التأويل الثاني.