مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "أَخَبَرُنَا مَالِكَ عَنْ هشامِ بُنِّ عُرْوَةِ عَنْ أَبِيه عَنْ عَائِشَةٍ أَنَّهَا قَالَتْ " لَغْوَ الْيَمِينِ قولَ الإنسان لَا وَاللهَ وبلى وَاللهَ " قَالَ الشَّافِعِيِ ﵀: وَاللَّغْوَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ الْكَلاَمِ غَيْرَ الْمَعْقُودِ وَعَلَيه جِمَاعَ اللَّغْوِ وَهُوَ الخطأ وَاللَّغْوَ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ
[ ١٠ / ٣٩١ ]
وَاللهُ أَعلمَ. وَذَلِكَ إذًا كَانَ عَلَى اللُّجَاجِ وَالْغَضَبِ وَالْعِجْلَةِ وَعَقْدَ الْيَمِّينَ أَنْ يُثَبِّتَهَا عَلَى الشَّيْءِ بِعَيْنَه".
قال في الحاوي: وأصل هذا قول الله تعالى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: (٢٢٥)] يريد بترك المؤاخذةَ باللغو في الأيمان ارتفاع المأثم وسقوط الكفارة.
واختلف الفقهاء في لغو اليمين الذي يسقط به المأثم والتكفير على مذاهب شتى
أحدها: ما قاله مالك: إن لغو اليمين هو اليمين الغموس أن يحلف على الماضي كاذبًا فلا يؤاخذ بالكفارةً وإن كان آثمًا وهي اليمين الغموس.
والثاني: ما قاله أبو حنيفة: بأن لغو اليمين بأن يحلف على ماض يعتقد أنه صادق، فيبين كاذبًا فلا يؤاخذ بمأثم ولا كفارةً.
والثالث: ما قال إبراهيم النخعي: أن لغو اليمين أن يحلف ناسيًا على ماض أو مستقبل، فلا يؤاخذ بمأثم ولا كفارةً.
والرابع: ما قال الشعبي ومسروق: هو أن يحلف على معصيةً فيتركها فيصير لاغيًا يمينه، لا يؤاخذ بمأثم ولا كفارةً.
والخامس: ما قاله سيد بن جبير آن لغو اليمين هو أن يحرم على نفسه ما أحله الله تعالى له من قول أو عمل لا يؤاخذ فيه بمأثم ولا كفارةً.
والسادس: ما قاله الشافعي: أن لغو اليمين ما يسبق به لسانه من غير قصد ولا عقد كقوله: لا والله، بلى والله، فلا يؤاخذ فيه بمأثم ولا كفارةً، وهو قول ابن عباس وعائشةً وعطاء، وأكثر التابعين استدلالًا بقول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: (٢٢٥)] فدل على آن ما لم يقصده بقلبه لم يؤاخذ به وقال: ﴿لَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: (٨٩)] فدل على أن ما لم يعقده بغرمه لم يؤاخذ به، ولما رواه الشافعي عن عائشة في صدر الباب، وقد رواه حسان بن إبراهيم عن عطاء عن عائشةَ أن رسول الله - ﷺ - قال في لغو اليمين: "هو كلام العرب، لا والله، وبلى والله".
وروى طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله "لا يمين في غضب" فأسقط اليمين في الغضب لسبق اللسان بها وعدم القصد لها؛ ولأن لغو الكلام عند العرب ما تجرد عن غرض، وعري عن قصد وكان من البوادر والملغاةً كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: (٥٥)] فكان ما ذهب إليه الشافعي تقتضيه اللغةَ فيه مع ما
قارنه من محايل الشرع.
فصل:
فإذا ثبت ما ذكرنا من لغو اليمين لم تخل اليمين من أن تكون بالله تعالى أو (بغيره)،
[ ١٠ / ٣٩٢ ]
فإن كانت بالله تعالى سبق بها لسانه وجرت بها عادته، فقال; لا والله، أو قال: بلى والله غير قاصد لعقد يمين فلا مأثم عليه ولا حنث، ولو نزه لسانه منها كان أولى، لئلا يجعل اسم الله تعالى عرضة ليمينه، وفد قال الله تعالى ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: (٢٢٤)] فأما إن قال: لا والله، بلى والله، فجمع بينهما، كان الأول لغوًا، لأنها غير مقصودةً وكانت الثانيةَ منعقدةً، لأنها استدراك فصارت مقصودةً؛ فإن كانت اليمين بغير الله من طلاق وعتاق سبق بها لسانه لغوًا من غير قصد، ولا عقد دين فيها فلم يؤاخذ بها في الباطن، وكان مؤاخذًا بها في الظاهر، بخلاف اليمين بالله في أنه لا يؤاخذ بلغوها في الظاهر ولا في الباطن؟ لأن كفارةً الحنث بالله من حقوقه المشتركة بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين، فلم يؤاخذ بها في الباطن لاختصاصه بحقوق الله، وكان مؤاخذًا بها في الظاهر لاختصاصه بحقوق الآدميين والله أعلم.