قال الشافعي ﵀:" لا يملك المشركون ما أحرزوه على المسلمين بحال أباح الله لأهل دينه ملك أحرارهم ونسائهم وذراريهم وأموالهم فلا يساوون المسلمين في شيء من ذلك أبدا قد أحرزوا ناقة النبي ﷺ وأحرزتها منهم الأنصارية فلم يجعل لها النبي ﵇ شيئا وجعلها على أصل ملكه فيها وأبق لابن عمر عبد وعار له فرس فأحرزها المشركون ثم أحرزها عليهم المسلمون فردا عليه وقال أبو بكر الصديق ﵁ مالكه أحق به قبل القسم وبعده ولا أعلم أحدًا خالف في أن المشركين إذا أحرزوا عبدًا لمسلم فأدركه وقد أوجف عليه قبل القسم أنه لمالكه بلا قيمة ثم اختلفوا بعدما وقع في المقاسم فقال منهم قائل وعلى الإمام أن يعوض من صار في سهمه من خمس الخمس وهو سهم النبي ﷺ وهذا يوافق الكتاب والسنة والإجماع وقال غيرنا هو أحق به بالقيمة إن شاؤوا ولا يخلوا من أن يكون مال مسلم فلا يغنم أو مال مشرك فيغنم فلا يكون لربه فيه حق ومن زعم أنهم لا يملكون الحر ولا المكاتب ولا أم الولد ولا المدبر ويملكون ما سواهم فإنما يتحكم"
[ ١٣ / ٢٧٣ ]
قال في الحاوي: إذا أحرز المشركون أموال المسلمين بغارة، أو سرقة لم يملكوه سواء أدخلوه دار الحرب أو لم يدخلوه، فإن باعوه على مسلم كان صاحبه أحق به من مشتريه بغير ثمن وإن غنمها المسلمون استرجعه صاحبه بغير بدل، وسواء قبل القسمة وبعدها وعلى الإمام أن يعوض من حصل ذلك في سهمه بعد القسمة قيمته من سهم المصالح لما في نقص القسمة من لحوق المشقة، فإن لم تلحق منه مشقة نقصها ولم يعوض.
وقال أبو حنيفة: قد ملك المشركون ما أغار عليهم جماعتهم دون آحادهم من أموال المسلمين، إذا أدخلوه دار الحرب، فإن باعوه صح بيعه، وكان لمالكه أن يأخذه من مشتريه بثمنه وإن غنمه المسلمون منهم استرجعه صاحب قبل القسمة، بغير عوض ولم يسترجعه بعد القسمة إلا بالقيمة احتجاجًا بما روي أن النبي ﷺ قيل له يوم فتح مكة: ألا تنزل دار ل فقال:" وهل ترك لنا عقيل من ربع" فلولا زوال ملكه عنها بغلبة عقيل عليها لاستبقاها على ملكه ونزلها وروى أبو يوسف في سير الأوزاعي عن الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ في عبد وبعير أحرزهما العدو ثم ظفر بهما فقال رسول الله ﷺ في عبد أحرزهما العدو ثم ظفر بهما فقال رسول الله ﷺ لصاحبتهما أن أصبتهما قبل القسمة، فهما لك بغير شيء، وإن وجدتهما قبل القسمة فهما لك بالقيمة قالوا: وهذا نص ولأن كل سبب ملك به المسلمون على المشركين، جاز أن يملك به المشركون على المسلمين كالبيوع، ولأن كل مال أخذ قهرًا على وجه التدين ملكه أخذه كالمسلم من المشرك، ودليلنا قول الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَؤُوهَا﴾ فامتن علينا بأن جعل أموالهم لنا ولو جعل أموالنا لهم لساويناهم وبطل فيه الامتنان.
وروى أبو قلابة عن أبي المهلب عن عمران الحصين" أن المشركين غاروا على سرح المدينة وأخذوا العضباء ناقة رسول الله ﷺ وامرأة من الأنصار فانفلت ذات ليلة من الوثاق فركبت ناقة الرسول ﷺ ونجت من طلبهم حتى قدمت المدينة وكانت قد نذرت إن نجاها الله عليها أن تنحرها فأخبر بذلك رسول الله ﷺ فقال:" بئس ما جازتها لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم" وأخذ ناقته منها، فلو ملكها المشركون بالغارة لملكتها الأنصارية بالأخذ، ولما استجاز رسول الله ﷺ استرجاعها، ويدل عليه قول النبي ﷺ:" لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه" فلما لم يحل بهذا الخبر ماله لمسلم، كان أولى أن لا يحل ماله لمشرك، ويتحرر من استدلال هذا الخبر قياسان:
[ ١٣ / ٢٧٤ ]
أحدهما: إنما منع الإسلام من غصبه ما لم يملك بغصبه كالمسلم مع المسلم.
والثاني: أنه تغلب لا يملك به المسلم على المسلم، فلم يملك به المشرك على المسلم كالسبي، ولأن ما لم
يملك على المسلم قبل القسمة لم يملك عليه بعد القسمة كالمدبر، والمكاتب، وأم الولد.
فأما الجواب عن قوله:" وهل ترك لنا عقيل من ربع" فرسول الله ﷺ نشأ في دار أبي طالب حين كفله بعد موت عبد المطلب فورثها عقيل دون علي لكفر عقيل وإسلام علي وعندنا لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم فباعها عقيل بميراثه لا يغصبه. وحكي ابن شهاب الزهري قال: أخبرنا علي بن الحسين أن أبا طالب ورثه ابناه عقيل وطالب دون علي فلذلك تركنا حقنا من الشعب.
أما الجواب عن حديث ابن عباس فهو أن رواية الحسن بن عمارة وهو ضعيف كثير الوهم والغلظ، ثم لو صح لكان بدليلنا أشبه، لأنه جعله له قبل القسمة ولو زال ملكه عنه لما استحقه قبل القسمة، وإن كان له أخذه بعد القسمة بالقيمة.
فإن قيل: فقد أوجب القيمة بعد القسمة، وأنتم لا توجبوها بعد القسمة؟ قيل: نحن نوجبها بعد القسمة إذا نقض القسمة لكن من بيت المال من سهم المصالح لا على المال فصار الخبر دليلنا.
وأما الجواب عن قياسهم على البيوع فهو جواز أن يملك بها المسلم على المسلم.
وأما الجواب عن قياسهم على قهر المسلم المشرك فهو أنه قهر مباح، وذلك محظور مع انتفاضه بالمدبر والمكاتب وأم الولد، وبالسبي.
مسألة:
قال الشافعي:" وإذا دخل الحربي إلينا بأمان فأودع وترك مالا ثم قتل بدار الحرب فجميع ماله مغنوم، وقال في كتاب المكاتب: مردود إلى ورثته لأنه مال له أمان. قال المزني ﵀: هذا عندي أصح لأنه إن كان حيا لا يغنم ماله في دار الإسلام لأنه مال له أمان فوارثه فيه بمثابته".
قال في الحاوي: وصورتها في حربي دخل دار الإسلام بأمان ومعه مال وذرية فلا يخلو حال أمانة من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يشرط له في أمان نفسه الأمان على ذريته وماله فيكون أمانة عامًا في الجميع.
والثاني: أن يخص بالأمان على نفسه ويستثنى منه خروج ذريته وماله من أمانه فيكون الأمان مخصوصًا على نفسه، وتكون ذريته وماله غنيمة لأهل القيء، لأنه واصل
[ ١٣ / ٢٧٥ ]
بغير قتال ولا يمنع أمانة على نفسه من غنيمته وذريته وماله لخصوصه فيه.
والثالث: أن يكون الأمان مطلقا لم يسم فيه المال والذرية بالدخول فيه ولا بالخروج منه فيراعى لفظ الأمان. فإن قيل: فيه لك الأمان اقتضى هذا الإطلاق عموم أمانة على ذريته وماله، لأن من خاف على ذريته وماله ما لم يكن أمنًا، وإن قيل: في أمانة لك الأمان على نفسك، اقتضى ذكر نفسه أن يكون الأمان مخصوصًا فيها دون ما سواها من المال والذرية اعتبارًا بخصوص التسمية وأطلق أبو حامد الإسفراييني جوابه في دخول ذريته وماله في أمانه وحمله على هذا التفصيل أصح، وإن لم يتقدم به أحد من أصحابنا لما ذكرناه من التعليل.
فصل:
فإذا صح أمانة على نفسه وماله على التقسيم المذكور كان أانه على نفسه مقدرًا بأربعة أشهر وفيما بين الأربعة أشهر والسنة وجهان: وكان أمانه على ماله غير مقدر ويجوز أن يكون مؤبدًا وفي أمانة على ذريته وجهان:
أحدهما: يتقدر بمثل مدته اعتبارًا به، ولأنه أمان على نفس آدمي.
والثاني: يجوز أن يتأبد ولا يتقدر بمدة كالمال، لأنهما تبع فاستويا في الحكم، فإن عاد هذا المستأمن إلى دار الحرب وخلف ذريته وماله في دار الإسلام انقسم حكم عوده ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يعود إليها لتجارة أو لحاجة فيكون على أمانه في نفسه، وذريته وماله، ولا ينتقص بدخول دار الحرب كالذمي إذا دخل دار الحرب تاجرًا كان على ذمته.
والثاني: أن يعود إليها مستوطنًا فيرتفع أمانة على نفسه اعتبارًا بقصده ويكون الأمان على ذريته وماله باقيًا، لأنه يجوز أن ينفرد الأمان على ذريته وماله دون نفسه؛ لأن حربيًا لو أنقذ الى دار الإسلام ذريته وماله على أمان أخذه لهما دون نفسه صح كما يصح أن يأخذه لنفسه دون ذريته وماله، فإذا جمع في الأمان بين ذريته وماله فارتفع في نفسه لم يرتفع في ذريته وماله.
والثالث: أن يعود إلى دار الحرب ناقصًا للأمان محاربًا للمسلمين فينتقض أمانه في نفسه وماله، ولا ينتقض في ذريته، لأن حرمة المال معتبرة به وحرمة الذرية معتبرة بهم ولو كان الأمان منفردًا على ماله لم ينتقض لمحاربته وقتاله، وكان بخلاف ما لو جمعهما الأمان، لأنهما إذا اجتمعنا كان حكمهما مشتركًا وإذا انفرد بالمال كان حكمهما مختلفًا.
فصل:
فإن مات هذا الحربي وله أمان على ذريته وماله ما لم ينتقض أمان ورثته بموته كما لا ينتقض بنقض الأمان وكان ماله موروثًا لورثته من أهل الحرب دون أهل الذمة، لارتفاع التوارث بين أهل الذمة وأهل الحرب، وسواء كان موت هذا المستأمن في دار الحرب،
[ ١٣ / ٢٧٦ ]
أو دار الإسلام، وإذا صار موروثًا فلورثته حالتان:
إحداهما: أن يكونوا ممن لهم أمان على أموالهم فينقل إليهم هذا الميراث على أمانه كموت الذمي إذا كان وراثه ذميًا
والثانية: أن يكون ورثته ممن لا أمان لهم على أموالهم وهي مسألة الكتاب ففي لإبقاء الأمان على المال بعد موت مالكه قولان:
أحدهما: وهو منصوص عليه في هذا الموضع أنه يزول بموت مالكه وينتقل إلى الورثة بغير أمان فيصبر إلى بيت المال فيئًا وقول الشافعي إنه مغنوم يريد أنه فيء وإنما كان كذلك لأمرين:
أحدهما: أنه كان لمالك له أمان فصار لمالك ليس له أمان.
والثاني: أنه كان الأمان على النفس لا يورث وجب أن يكون الأمان على المال لا يورث.
والقول الثاني: نص عليه في كتاب المكاتب، واختاره المزني أن يكون الأمان على المال باقيًا ولا ينتقص
بموت مالكه وينتقل إلى ورثته بأمانة لأمرين:
أحدهما: أنه لما جاز أن ينفرد الأمان بالمال دون المالك، لم ينتقض باختلاف المالك كما لو ارتفع أمان
مالكه بعوده إلى دار الحرب مستوطن
والثاني: أن المال ينتقل إلى الوارث بحقوقه كما لو استحقت به شفعة، أو كان في ديته رهن، وأمان هذا المال من حقوقه، فوجب أن ينتقل بحق أمانه إلى وارثه، فهذا توجيه القولين، وكان أبو علي بن خيران يمنع من تخريج ذلك على قولين ويحمله على اختلاف حالين فالموضع الذي جعله مغنومًا إذا شرط أمانه مدة حياته، والموضع الذي جعله باقيًا على ورثته إذا شرط أمانة في مدة حياته وبعد موته، وليس هذا بمانع من اختلاف القولين، لأنهما من إطلاق الأمان إذا لم يتقيد بشرط وهو في تقييده بالشرط على ما حكاه، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي:" ومن خرج إلينا منهم مسلمًا أحرز ماله وصغار ولده حصر النبي ﷺ بني قريظة فأسلم ابنا شعبة فأحرز لهما إسلامهما أموالهما وأولادهما الصغار وسواء الأرض وغيرها"
قال في الحاوي: إذا أسلم الحربي عصم دمه بالإسلام، وأحرز له جميع أمواله، وصار إسلامًا لجميع أولاده الصغار من الذكور والإناث، يعصمهم الإسلام من السبي والاسترقاق، فإن كان له حمل من زوجته أجرى عليه حكم الإسلام في المنع من استرقاقه
[ ١٣ / ٢٧٧ ]
ولا يمنع ذلك من استرقاق أمه، وسواء كان إسلامه في دار الحرب أو دار الإسلام، لخوف أو غير خوف، مالم يدخل تحت القدرة، وسواء كان ماله منقولًا أو غير منقول، كانت له عليه يد أو لم تكن.
وقال مالك: قد عصم دمه وصغار أولاده بإسلامه، وملك من أمواله ما عليه يده، ولم يملك منها ما ليس عليه يده، بناء على أصله في أن المشرك لا يصح ملكه، وما كانت عليه صار قاهرًا له بإسلامه فملكه، وقال أبو حنيفة: قد ملك بإسلامه في يده ويد وكيله من منقول وغير منقول، ولا يملك ما عداه، ومنع إسلامه من استرقاق صغار أولاده، ولا يمنع من استرقاق حمله، لأنه تبع أمه، يعتق بعتقها. ودليلنا رواية عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال:" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلى الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" فكان على عمومه.
وروى الشافعي أن رسول الله ﷺ حاصر بني قريظة فأسلم ابنا شعبة اليهوديان، فأحرز لهما إسلامهما أموالهما وأولادهما، ومعلوم أنه قد زالت أيديهما عنه بخروجهما، فدل على استواء الحكم في الأمرين، ولأنه مال من قد أسلم قبل الأسر، فوجب أن لا يغنم، كما لو كانت يده عليه، ولأن من لم يغنم ماله إذا كانت يده عليه لم يغنم وإن لم تكن يده عليه كالمسلم.
والدليل على أن الحمل لا يسترق: هو أنه قد ثبت إسلامه قبل الأسر فلم يجز استرقاقه كالمولود، ولأن كل من لم يجز استرقاقه لم يجز استرقاقه حملًا كالمسلم.
وأما الجواب عن قول مالك: إن المشرك لا يصح أن يملك مالًا ولا نكاحًا، فهو أنه مجرد مذهب يدفعه النص قال الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ فأضاف ماله إليه إضافة ملك، ثم قال: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ فأضاف ماله إليه إضافة ملك، ثم قال: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾. فأضاف امرأته إليه إضافة عقد، فدل على أن المشرك لا يمنع من ملك المال والنكاح.
وأما الجواب عن قول أبي حنيفة: إن الحمل كالأعضاء التابعة، لأن العتق يسري إليه فهو وإن كان تبعًا في حال فقد تفرد بحكمه في حال، لأن عتقه لا يتعدى عنه، فتعارض الأمران في استدلاله، وسلم ما دللنا به.
[ ١٣ / ٢٧٨ ]
فصل:
فأما زوجة الحربي إذا أسلم فلا يمنع إسلامه من استرقاقهما لأنه لما لم يتعد إسلامه إليها لم يعصمها إسلامه من استرقاقهما، فإن كانت حاملًا، ففي جواز استرقاقها قبل وضعها وجهان:
أحدهما: لا يجوز، لأن حملها مسلم، فلزم حفظ حرمته فيها حتى يفارقها.
والثاني: يجوز أن يسترق لامتياز حكميهما، فإن لم تسب كان النكاح باقيًا، وإن سببت بطل نكاحها بالسبي، كما لو كان زوجها حربيًا، لأنها لما ساوت زوجة الحربي في الاسترقاق ساوتها في بطلان النكاح، ولكن لو دخل المسلم دار الحرب، فتزوج فيها حربية ففي جواز سبيها واسترقاقها وجهان:
أحدهما: يجوز أن تسبى وتسترق، ولا يعصمها إسلام الزوج منه، كما لو أسلم بعد كفره
والثاني: أنه لا يجوز سبيها، ولا استرقاقها، اعتصاما بإسلام الزوج، لأن عقد هذا في الإسلام فكان أقوى، وعقد ذلك في الشرك فكان أضعف. ولو أستأجر المسلم أرضا من دار الحرب ثم غنمت كان ملك المسلم في منافعها باقيًا، وإن غنمت بخلاف نكاح الزوجة، في أحد الوجهين، لوقوع الفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن المنافع تضمن باليد، والاستمتاع لا يضمن باليد.
والثاني: أن ملك المنافع والرقبة يجوز أن يفترقا، وملك الاستمتاع والنكاح لا يجوز أن يفترقا.
فصل:
وإذا أعتق المسلم عبدًا ذميًا ثبت عليه الولاء، فلو لحق بدار الحرب لم يجز أن يسترق لأن في استرقاق رقبته إبطال ولاء المسلم، فخالف منافع الأرض التي لا تبطل على المسلم بغنيمة رقبتها، فمنع ولاء المسلم من الاسترقاق، ولم نمنع منافع المسلم من الغنيمة والاسترقاق ولو أعتق ذمي عبدًا ذميًا ثم لحق العبد المعتق بدار الحرب، ففي جواز استرقاقه وجهان:
أحدهما: لا يجوز، لأجل ولائه، كما لو كان الولاء لمسلم؛ لأن مال الذمي لا يغنم، كما أن مال المسلم
لا يغنم.
والثاني: يجوز أن يسترق مع ولاء الذمي، ولا يجوز أن يسترق مع ولاء المسلم.
والفرق بينهما: هو أن الذمي يجوز أن يحدث عليه استرقاق، فجاز أن يسترق مولاه المسلم، ولا يجوز أن يحدث عليه رق فلم يجز أن يسترق مولاه.
[ ١٣ / ٢٧٩ ]
مسألة:
قال الشافعي:" ولو دخل مسلم فاشترى منهم دارًا أبو أرضًا أو غيرها ثم ظهر على الدار كان للمشتري وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: الأرض والدار فيء والرقيق والمتاع للمشتري".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، يجوز أن يشتري المسلم من أهل الحرب في دارهم دورًا وأموالًا فلا يغنمها المسلمون إذا فتحت.
وقال مالك: لا يصح الشراء، وتغنم إذا فتحت، إلا أن يكون المسلم مقيمًا في دار الحرب، لما ذكره من أن المشرك لا يصح ملكه.
وقال أبو حنيفة: يغنم ما لا ينقل من الأرضين، ولا يغنم ما ينقل من الأموال، لأن مالا ينقل تبع للدار، وما ينقل تبع للمالك، وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أن الملك الواحد لا يتعض في المنقول وغيره كالذي في دار الإسلام، ولو جاز أن يتبعض لكان استيفاء الملك على مالا ينقل للعجز عن نقله أشبه من استبقائه على ما ينقل مع القدرة على نقله، فلما كان فاسدًا كان ما ذهب إليه أفسد.
فصل:
وإذا أسلم العبد الحربي في دار الحرب كان باقيًا على رق سيده، ولو أسلم في دار الإسلام عتق بإسلامه، لأن أبا بكرة خرج في حصار الطائف مع ستة عشر عبدًا لثقيف، فأسلموا عند رسول الله ﷺ فحكم رسول الله ﷺ بعتقهم، وقيل له: أبو بكرة، لأنه نزل من حصن الطائف في بكرة، والفرق بين إسلامه في الدارين أنه في دار الحرب مقهور، وفي دار الإسلام قاهر.
فصل:
وإذا أهدى رجل من المشركين هدية لرجل من المسلمين فلا تخلو من أحد أمرين:
أحدهما: أن يهديها في حال القتال وقيام الحرب، فتكون الهدية غنيمة لا يملكها المهدي له؛ لأنها من خوف القتال في ظاهر الحال.
والثاني: أن يهديها بعد انقضاء الحرب، فتكون هدية للمهدي إليه خاصة، ولا تكون غنيمة، لأن انقضاء الحرب قد أزال حكم الخوف، وصار كالذي ملكه منهم بابتياع.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى:" قال الأوزاعي فتح رسول الله ﷺ مكة عنوة
[ ١٣ / ٢٨٠ ]
فخلى بين المهاجرين وأراضيهم وديارهم وقال أبو يوسف: لأنه عفا عنهم ودخلها عنوة وليس النبي ﷺ في هذا كغيره. قال الشافعي: ما دخلها رسول الله ﷺ عنوة وما دخلها إلا صلحًا والذين قاتلوا وأذن في قتلهم بنو نفاثة قتله خزاعة وليس لهم بمكة دار إنما هربوا إليها وأما غيرهم ممن دفع فادعوا أن خالدًا بدأهم بالقتال ولم ينفذ لهم الأمان وادعى خالد أنهم بدأوه ثم أسلموا قبل أن يظهر لهم على شيء ومن لم يسلم صار إلى قبول الأمان بما تقدم من قوله ﵇: "من ألقى سلاحه فهو آمن ومن دخل داره فهو آمن" فمال من يغنم ولا يقتدي إلا بما صنع ﵊ وما كان له خاصة فمبين في الكتاب والسنة وكيف يجوز قولهما بجعل بعض مال المسلم فيئًا وبعضه غير فيء أم كيف يغنم مال مسلم بحال. قال المزني ﵀: قد أحسن والله الشافعي في هذا وجود".
قال في الحاوي: اختلف العلماء في فتح مكة، هل كان عنوة أو صلحًا؟ فذهب الشافعي إلى أن مكة فتحت صلحًا بأمان علقه رسول الله ﷺ بشرط شرطه مع أبي سفيان بن حرب وحكيم بن حزام غداة يوم الفتح، قبل دخول مكة على إلقاء سلاحهم وإغلاق أبوابهم ووافق الشافعي على فتحها صلحًا أبو سلمه بن عبد الرحمن، وعكرمة، ومجاهد، والزهري وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
وقال مالك، وأبو حنيفة، وأكثر الفقهاء، وأصحاب الرأي: إن مكة فتحت عنوة، فمن رسول الله ﷺ على أهلها، فلم يسب ولم يغنم لعفوه عنهم، واختلف من قال بهذا، هل كان عفوه عنهم خاصًا أو عامًا لجميع الولاة؟ فقال أبو يوسف كان هذا خاصًا لرسول الله ﷺ، أن يعفو عما فتحه عنوة وليس ذلك لغيره من الأئمة.
وقال غيره: بل عفوه عام في الأئمة بعده، يجوز لهم أن يعفوا عما فتحوه عنوة كما جاز عفو رسول الله ﷺ عن أهل مكة وقد فتحها عنوة، وهذا هو تأثير الخلاف في فتحها عنوة أو صلحًا أن من ذهب إلى فتحها صلحًا لم يجعل للإمام أن يعفو عما فتح عنوة، ومن ذهب إلى فتحها عنوة جعل الإمام أن يعفو عما فتحه عنوة، واستدل من ذهب إلى فتحها عنوة بقول الله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ يعني مكة، والفتح المبين الأقوى، فدل على أنه العنوة وبقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ وظاهر النصر هو الغلبة والقهر، وبقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ فصرح القول بالظفر فدل على العنوة، وبقوله تعالى: ﴿أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ وهذا توبيخ على ترك القتال، ثم قال: بعده: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ وهذا أمر بالقتال، فصار حتمًا لا يجوز على الرسول خلافه، وبقوله تعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ فنهاه عن السلم مع قوته، وقد كان في دخول مكة قوبًا فكانت هذه الآيات الخمس من دلائلهم،
[ ١٣ / ٢٨١ ]
واستدلوا عليه من السنة بنقل السيرة التي نقلها الرواة، فتمسكوا بأدلة منهم، فمن ذلك، وهو سبب الفتح أن قريشًا لما نقضت صلح الحديبية بمن قتلت من خزاعة، وأتى وفد خزاعة رسول الله ﷺ مستنصرين، وهم أربعون رجلًا فيهم عمرو بن سالم، ثم قال عمرو فأنشده:
اللهم إني ناشد محمدًا حلف أبينا وأبيه الأتلدا
حتى أتى على شعره قال رسول الله ﷺ: "نصرت يا عمرو بن سالم والله لأغزون قريشًا والله لأغزون قريشًا إن شاء الله" وحقق هذه اليمين بمسيره بعد رد أبي سفيان بن حرب خائبًا، وسار في عشرة آلاف فيهم ألفا دارع، ودخل بهم مكة، وعلى رأسه مغفر، وراياته منشورة، وسيوفه مشهورة، قالوا: وهذه صفة العنوة التي حلف بها أن يغزوهم. قال: وقد روى أبي بن كعب أن رسول الله ﷺ دخل مكة يوم الفتح عنوة، وهو من أخص أصحابه وأقربهم منه، فكان ذلك نصًا.
قالوا: وقد روى أبو هريرة قال: شهدت مع رسول الله ﷺ فتح مكة فقال لي: يا أبا هريرة دع الأنصار فدعوتهم فأتوه مهر ولين فقال لهم: "إن قريشًا قد أوبشت أوباشها، فإذا لقيتموهم فاحصدوهم حصدًا، حتى تلقوني على الصفا" فكان أمره بالقتل نافيا لعقد الصلح قالوا: ولأن رسول الله ﷺ قال يوم الفتح: "من أغلق بابه فهو آمن ومن ألقى سلاحه فهو آمن" ولو كان دخوله عن صلح لكان جميع الناس آمنين بالعقد.
قالوا: ولأن رسول الله ﷺ حين دخل مكة طاف بالبيت، وفيه جماعة من أشراف قريش فقال لهم رسول الله ﷺ: ما تروني صانعًا بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم فاصنع بنا صنع أخ كريم" فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، ومثلي ومثلكم، كما قال يوسف لأخوته: ﴿قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ وهذا دليل على أنهم بالعفو آمنوا إلا بالصلح.
قالوا: ولأن أم هانئ أمنت يوم الفتح رجلين فهو علي بن أبي طالب بقتلهما، فمنعته. وأتت رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ" ولو كان صلحًا لاستحقا الأمان لا بالإجارة، ولما استجاز على أن يهم بقتلهما.
قالوا: وقد روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: كل البلاد فتحت بالسيف إلا المدينة، فإنها فتحت بالقرآن، أو قالت بلا إله إلا الله، فدل على أن مكة فتحت بالسيف عنوة.
قالوا: وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله حبس الفيل عن مكة وسلط عليها
[ ١٣ / ٢٨٢ ]
رسوله والمؤمنين، وإنها لا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لأحد قبلي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، ثم هي حرام إلى يوم القيامة" فدل تسليطه عليها ساعة من النهار على أنه كان محاربًا فيها، غير مصالح.
قالوا: وقد روي أن حماس بن قيس بن خالد أعد سلاحًا للقتال يوم الفتح فقالت له امرأته: والله ما أرى أنك تقوم بمحمد وأصحابه، فقال: لها إني لأرجو أن أخدمك بعضهم، وخرج مرتجزًا يقول:
إن يقبلوا اليوم فما لي علة هذا سلاح كامل وأله
وذو غزارين سريع السله
ولحق بصفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو، فيمن يقاتل خالد بن الوليد في قريش وعاد منهزمًا، فدخل بيته وقال لامرأته: أغلقي على الباب، فقالت له امرأته: فأين ما كانت تعدنا فقال:
إنك لو شهدت يوم الخندمه إذا فر صفوان وفر عكرمه
وأبو يزيد قائمق كالمؤتمة واستقبلهم بالسيوف ألمسامه
يقطعن كل ساعد وجمجمه ضربًا فلا تسمع إلا غمغمه
لهم نهيت خلفنا وهمهمة لم تنطقي في اللوم أدمى كلمه
فدل على دخولها بالقتال.
قالوا: ولأنه صالحهم على دخولهم لترددت بينه وبينهم الرسل، ولكتب فيه الصحف، كما فعل معهم عام الحديبية، وهو لم يلبث حتى دخولها بعسكره قهرًا، فكيف يكون صلحًا.
ودليلنا على دخولها صلحًا قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ يعني، والله أعلم، أهل مكة فدل على أنهم لم يقاتلوا ولو قاتلوا لم ينصروا، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ فأخبر بكف الفريقين، والكف يمنع من العنوة، وقوله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ يريد به الاستعلاء والدخول، وقد كان رسول الله ﷺ مستعليًا في دخوله، وقال تعالى: ﴿الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ والمحارب لا يكون آمنًا، فاقتضى أن يكون دخولها صلحًا لا عنوة، وقال تعالى في سورة الرعد: ﴿وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَاتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ﴾ الآية فأخبر بإصابة القوارع ولهم إلى أن يحل رسول الله ﷺ قريبًا منهم فصار غاية قوارعهم، وهذه حال أهل مكة إلى أن نزل رسول
[ ١٣ / ٢٨٣ ]
الله ﷺ بمر الظهران، فانتهت القوارع، فصار ما بعدها غير قارعة، والمخالف يجعل ما بعد بحلوله أعظم القوارع، وفي هذا إبطال لقوله، وفيها معجزة وهو الإخبار بالشيء قبل كونه؛ لأن سورة الرعد مكية.
ويدل عليه نقل السيرة في الدخول إليها واتفاق الرواة عليها، وهو أن رسول الله ﷺ حين تأهب للمسير إليها أخفى أمره وقال: اللهم خذ على أبصارهم حتى لا يروني إلا بغتة" وسار محثًا حتى نزل بمر الظهران، وهي على سبعة أميال من مكة وكان العباس بن عبد المطلب قد لقيه قبل ذلك بالسقيا، فسار معه وأمر كل رجل من أصحابه، أن يوقد نارًا، فأوقدت عشرة آلاف نار أضاءت بها بيوت مكة، وفعل ذلك إرهابًا لهم وإيثارًا للبقيا عليهم، لينقادوا إلى الصلح والطاعة، ولو أراد اصطلامهم لفاجأهم بالدخول، ولكنه أنذر وحذر فلما خفي عليهم من نزل بهم خرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتحسسون الأخبار، وقال العباس وأشياخ قريش: والله لئن دخلها رسول الله ﷺ عنوة إنه لهلاك قريش آخر الدهر، فركب بغلة رسول الله ﷺ الشهباء وتوجه إلى مكة؛ ليعلم قريشًا حتى يستأمنوه فينما هو بين الأراك ليلًا، إذا سمع كلام أبي سفيان، فعرف صوته، فتعارفا واستخبره عن الحال، فأخبره بنزول رسول الله ﷺ في عشرة آلاف لا طاقة لهم بها فاستشاره، فقال تأتيه في جواري فتسلم، وتستأمنه لنفسك وقومك، وأردفه على عجز البغلة، وعاد مسرعًا به إلى رسول الله ﷺ إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فقال ﵇: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" فكان عقد الأمان متعلقًا بهذا الشرط.
وهذا يخالف حكم العنوة فدل على انعقاد الصلح وجود هذا الشرط لأن رسول الله ﷺ لما آمن أبا سفيان، وعقد معه أمان قريش على الشروط المقدمة، أنفذه إلى مكان مع العباس ثم استدرك مكر أبي سفيان، وأنفذ إلى العباس أن يستوقف أبا سفيان بمضيق الوادي: ليرى جنود الله فقال أبو سفيان: أعذر يا بني هاشم، فقال له العباس بل أنت أغدر، وأفجر، ولكن لترى جنود الله في إعزاز دينه ونصرة رسوله، فلو كان دخوله عنوة لم يقل أبو سفيان: أعذرًا، ولم يجعل استيقافه غدرًا، فلما أقبل رسول الله ﷺ بعد كتائبه المتقدمة، قال أبو سفيان للعباس: لقد أوتي ابن أخيك ملكًا عظيمًا، فقال له العباس: ويحك إنها النبوة، فقال: نعم إذا، ثم أرسله العباس إلى مكة منذرًا لقومه بالأمان، فأسرع حتى دخل مكة، فصرخ في المسجد، فقال: يا معشر قريش هذا محمد قد جاء بما لا قبل لكم به، قالوا: فمه، قال: من دخل داري فهو آمن، قالوا: وما تغني عنا دارك، قال: من دخل المسجد فهو آمن من أغلق بابه فهو آمن من ألقى سلاحه فهو آمن، فحينئذ كفوا واستسلموا، وهذا من شواهد الصلح دون العنوة.
ويدل عليه أن راية الأنصار كانت مع سعد بن عبادة عند دخوله مكة، فقال سعد، وهو يريد دخولها:
اليوم يوم الملحمة اليوم تسبى الحرمة
[ ١٣ / ٢٨٤ ]
اليوم يوم يذل الله قريشًا
فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فعزله عن الراية وسلمها إلى ابنه قيس بن سعد وقال:
اليوم يوم المرحمه اليوم تستر فيه الحرمه
اليوم يعز الله قريشًا
فجعله يوم مرحمة، وأنكر أن يكون يوم ملحمة، فدل على الصلح دون العنوة، ويدل عليه أن رسول الله ﷺ قدم أمامه الزبير بن العوام، ومعه رايته وأمره أن يدخل مكة من كداء العليا، وهي أعلى مكة، وفيها دار أبي سفيان وأنفذ خالد بن الوليد، ليدخل من الليط، وهي أسفل مكة، وفيها دار حكيم بن خرام، ووصاهما أن لا يقاتلا إلا من قاتلهما على ما قرره من الشرط مع أبي سفيان، فأما الزبير فلم يقاتله أحد، ودخل حتى غرس الراية بالحجون، وأما خالد بن الوليد فإنه لقيه جمع من قريش وحلفائهم بني بكر، فيهم عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، وقاتلوه فقاتلهم حتى قتل من قريش أربعة وعشرين رجلًا، ومن هذيل أربعة رجال، ولو منهزمين، فلما رأى رسول الله ﷺ البارقة على رؤؤس الجبال، قال: "ما هذا، وقد نهيت خالدًا عن القتال" فقيل له: إن خالدًا قوتل فقاتل، فقال: "قضى الله خيرًا" وأنفذ إليه أن يرفع السيف، وهذا من دلائل الصلح دون العنوة؛ لأنه لو كان عنوة لم يذكر القتال، ولم ينه عنه، ويدل عليه أن رسول الله ﷺ في يوم الفتح حين سار لدخول مكة كان يسير أبي بكر وأسيد بن حصير على ناقته القصوى، وعليه عمامة سوداء، ولو دخلها محاربًا لركب فرسًا ثم قص على أبي بكر أنه رأى في المنام أن كلبة أقبلت من مكة، فاستقلت على ظهرها، وانفتح فرجها، ودر لبنها، فقال له أبو بكر: ذهب كلبهم، وأقبل خيرهم وسيتضرعون إليك بالرحم، ثم خرج نساء مكة فلطخن وجوه الخيل بالخلوق، وفيهم قتيلة بنت النضير بن الحارث، فاستوقفت رسول الله ﷺ فوقف لها، وكان قتل أباها النضر بن الحارث صبرًا، فأنشدته:
يا راكبًا إن الأثيل مظنة عن صبح خامسة وأنت موفق
بلغ به ميتًا فأن تحية ما إن تزال بها الركائب تخفق
مني إليه وغيره مسفوحا جادت لما نحها وأخرى تخنق
أمحمد ها أنت صنو نجيبة من قومها والفحل فحل معرق
فالنصر أقرب من قتلت قرابة وأحقهم إن كان عتقًا يعتق
ما كان ضرك لو مننت وربما من الفتى وهو المغيظ المخنق
فقال رسول الله ﷺ: "لو كنت سمعت شعرها ما قتلته" ولما رأى الخلوق على
[ ١٣ / ٢٨٥ ]
خيله، والنساء يمسحون وجوه الخيل بخمورهن، قال: "لله در حسان، كأنما ينطق عن روح القدس، فقال له العباس؛ كأنك يا رسول الله تريد قوله:
عدمنا خيلنا أن لم نروها تنير النقع موعدها كداء
تنازعنا الأعنة مسرعات يلطمهن بالخمر النساء
فإن أعرضتم عنا اعتمرنا وكان الفتح وانكشف الغطاء
وإلا فاصبروا لجلاد يوم يعز الله فيه من يشاء
فقال: نعم، ودخل مكة وابن أم مكتوم، وهو ضرير بين يديه، وهو يقول:
يا حبذا مكة من وادي أرض بها أهلي وعوادي
بها أمشي بلا هادي أرض بها ترسخ أوتادي
فدلت هذه الحال في استقبال النساء وسكون النفوس إليه والرؤيا التي قصها على الصلح دون العنوة، ويدل على ذلك أن رسول الله ﷺ استثنى يوم الفتح قتل ستة من الرجال، وأربع من النساء، وإن تعلقوا بأستار الكعبة. فأما الرجال: فعكرمة بن أبي جهل وهبار بن الأسود وعبد الله بن سعد بن أبي سرح ومقيس بن صبابة، والحويرث بن نقيذ وعبد الله بن خطل.
وأما النسوة: فهند بنت عتبة، وسارة مولاة عمرو بن هاشم، وبنتان لابن خطل، فقتل من الرجال ثلاثة ابن خطل تعلق بأستار الكعبة، فقتله سعيد بن حريث وأبو برزة الأسلمي وأما مقيس بن صبابة فقتله نميلة بن عبد الله، وأما الحويرث بن نقيذ فقتله علي بن أبي طالب وقتلت إحدى بنتي ابن خطل، واستؤمن لمن بقي منهم، فدل استثناء هؤلاء النفر على عموم الأمان، ولو لم يكن أمان لم يحتج إلى استثناء، وقد قال زهير بن أبي سلمى في هذا الصلح ما عير به قريش فقال:
وأعطينا رسول الله منا مواثيقًا على حسن التصادف
وأعطينا المقادة حين قلنا تعالوا بارزونا بالتفاف
ويدل عليه أن رسول الله ﷺ حين دخل مكة ضربت له بالحجون قبة أدم عند رأيته التي ركزها الزبير، فقيل له هلا نزلت في دورك، فقال: "وهل ترك لنا عقيل من ربع" ولو كان دخوله مكة عنوة لكان، رباع مكة كلها له، ثم بدأ بالطواف على ناقته القصوى، وكان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا، وكان أعظمها هبل، وهو تجاه الكعبة، فكان كلما مر بصنم منها أشار إليها بعود في يده، وقال: "جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقًا" فيسقط الصنم لوجهه وصلى خلف المقام ركعتين، ثم أتاه الرجل والنساء فأسلموا طوعًا وكرهًا، وبايعوه، وليس هذه حال من قاتل وقوتل، فدلت على الصلح والأمان، ويدل على ذلك ما رواه عبيد بن عمير أن رسول الله ﷺ قال "لم تحل لي غنائم مكة" والعنوة توجب إحلال غنائمها، فدل على دخولها صلحًا، وفقدت أخت أبي بكر عقدًا
[ ١٣ / ٢٨٦ ]
لها، فذكرت ذلك لأبي بكر ﵁ فقال أبو بكر: ذهبت أمانات الناس، ولو حلت الغنائم لم يكن أخذه خيانة، تذهب بها الأمانة. فإن قيل: إنما لم تحل غنائمها؛ لأنها حرم الله الذي يمنع ما فيه، فعنه ثلاث أجوبة:
أحدها: أن عموم قول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ يمنع من
تخصيص الحرم بغير دليل.
والثاني: أنه لما لم يمنع الحرم من القتل، وهو أغلظ من المال، حتى قتل رسول الله ﷺ من قتل كان أولى أن لا يمنع من غنائم الأموال، ولو منعهم الحرم من ذلك لما احتاجوا من رسول الله ﷺ إلى أمان.
والثالث: أن ما في الكعبة من المال أعظم حرمة، مما في منازل الرجال. وقد روى مجالد عن الشعبي قال: لما افتتح رسول الله ﷺ مكة وجد في الكعبة مالًا كانت العرب تهديه، فقسمه في قريش، فكان أول من دعاه للعطاء منهم سعيد بن حريث، ثم دعي حكيم بن حزام فقال: خذ كما أخذ قومك، فقال حكيم: آخذ خيرًا أو أدع قال: بل تدع قال: ومنك؟ قال: "اليد العليا خير من اليد السفلى"، فقال حكيم: لا آخذ من أحد بعدك أبدًا، فلما لم تمنع الكعبة ما فيها وحرمة الحرم بها كان الحرم أولى أن لا يمنع ما فيه لكن لما كان ما في الحرم أموال لمن قد استأمنوه حرمت عليه بالأمان، ولما لم يكن ما في الكعبة مال لمستأمن لم يحرم عليه بالأمان.
فإن قيل: إنما لم يغنمها، وإن ملك غنائمها؛ لأنه عفا عنها، كما عفا عن قتل النفوس، فهل يجوز له وللأمة بعده أن يعفو عن القتال؛ لأنه من حقوق الله تعالى المحضة المعتبرة بالمصلحة، وليس له وللأئمة بعده أن يعفو عن الغنائم، إلا بطيب أنفس الغانمين، لأن من حقوقهم، ألا تراه لما أراد العفو عن سبي هوازن استطاب نفوس الغانمين، حتى ضمن لمن لم تطب نفسه بحقه ست قلائص عن كل رأس، وما استطاب في غنائم مكة نفس أحد، فدل على أنها لم تملك لأجل الأمان الذي انعقد به الصلح، فلم يحتج فيها إلى استطابة النفوس، وقد كان رسول الله ﷺ ينفذ لسرايا من مكة إلى ما حولها من عرفات وغيرها، فيأتوه بغنائمها؛ لأنها لم يكن لهم أمان. ويدل على ذلك ما كان أبو حامد المروزي يعتمده أن نقل الموجب يغني عن نقل الموجب وموجب العنوة والغنيمة، وموجب الصلح العفو والمن، فلما عفا ومن، ولم يقتل ولم يغنم، وأنكر حين رأى خالدًا قد قتل كان هذا دليًل على الصلح، ومانعًا من العنوة وصار الصالح كالمنقول لنقل موجبه من العفو.
فأما الجواب عن قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فمن وجهين:
أحدهما: أن الفتح ينطلق على الصلح والعنوة، لقولهم: فتحت مكة صلحًا، وفتحت عنوة؛ لأن الفتح هو الظفر بالبلد بعد امتناعه وكلا الأمرين ظفر بممتنع.
[ ١٣ / ٢٨٧ ]
والثاني: أن هذه السورة نزلت بعد فتوحه كلها، فكانت خبرًا عن ماضيها، قال مقاتل: نزلت فعد فتح الطائف، والطائف آخر فتوحه قال رسول الله ﷺ:" إن آخر وطأة وطئها الله بوج" يعني آخر ما أظفر الله بالمشركين بوج ووج هي الطائف، فلما نزلت هذه السورة فرح بها أبو بكر وعمر ﵄، وبكى العباس لها فقال له رسول الله ﷺ: " ما يبكيك يا عم قال: نعيت إليك نفسك، قال: إنه لكما تقول، وسميت هذه السورة سورة التوديع.
وأما الجواب عن قوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ فمن وجهين:
أحدهما: ما حكاه الشعبي أنها نزلت في صلح الحديبية قبل فتح مكة، لأنه أصاب فيها ما لم يصب في غيرها بويع بيعه الرضوان، وأطعموا نخل خيبر، وظهرت الروم على فارس، تصديقًا لخبره، وبلغ الهدي محله.
والثاني: أنها نزلت في فتح مكة، والفتح يكون على كلا الوجهين
وأما الجواب عن قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم﴾ فهو أن الكف يمنع من القتال، وقوله: ﴿مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ فهو أنه قد أضفره بهم حين لم يقاتلوه واستسلموا عفوًا فكان أبلغ الظفر بعد المحاربة، وقد ذكر بعض أصحابنا أنها نزلت عام الحديبية، وأن قوله: ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ يعني الحرم، وحكي عن ابن عباس أن مضرب رسول الله ﷺ في الحديبية قد كان في الحل، ومصلاه في الحرم، وقد يعبر بمكة عن الحرم، وهذا تكلف في الجواب يخالف الظاهر.
فأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ فهو أنه أمر بقتالهم إن امتنعوا، وبالكف عنهم إن استسلموا لقوله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ﴾ وهو يوم الفتح استسلموا ولو يمتنعوا.
وأما الجواب عن قوله: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ فهو أن النهي توجه إلى أن يدعو المسلمون إلى الصلح، وهم ما دعوا إليه وإما دعا إليه المشركون، فخرج عن النهي.
وأما الجواب عن الاستدلال بصفة مسيرة وقسمه بالله أن يغزوهم ودخوله إليه بسيوف مشهورة ورايات منشورة فمن وجهين:
أحدهما: أن الصلح والأمان تحدد بمر الظهران، فلا اعتبار بما كان قبله، وقسمه أن يغزوهم فقال قال:" إن شاء فاستثنى على أنه قد غزاهم، لأنه قهرهم ودخل عليهم غالبًا".
والثاني: أن نشر الرايات وسل سيوف من عادات الجيوش في الصلح والعنوة، وإنما يقع بين الفرق الحالتين بالقتال والمحاربة. وأما الجواب عن حديث أبي بن كعب أنه دخلها عنوة من وجهين:
أحدهما: أنه لما دخلها على كره منهم وظهور عليهم صار موصوفًا بالعنوة.
[ ١٣ / ٢٨٨ ]
والثاني: أن العنوة الخضوع، كما قال الله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ أي: خضعت، وهم قد خضعوا حين استسلموا لأمانه.
وأما الجواب عن حديث أبي هريرة " احصدوهم حصدًا حتى تلقوني على الصفا" فمن وجهين:
أحدهما: أنه قال قبل نزوله بمر الظهران وعقد الأمان مع أبي سفيان، لأن أبا بكر ابن المنذر روى أنه قال: " احصدوهم غدًا حصدًًا حتى تلقوني على الصفا" ورواه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب " الأموال" عن حماد عن ثابت عن عبد الله بن رباح عن أبي هريرة.
والثاني: أنه أشار بذلك إلى من قاتل خالد بن الوليد أسفل مكة من قريش وبني نفاثة.
وأما الجواب عن قولهم: لو كان صلحا لأمن جميع الناس ولم يخصه بمن ألقى سلاحه وأغلق بابه فهو أنه جعل عقد الأمان معلقًا بهذا الشرط، فصار خاصًا في اللفظ عامًا في الحكم، وأما الجواب عن قوله، لقريش:" أنتم الطلقاء" فهو لأنه أمنهم بعد الخوف، وأحسن إليهم بعد إساءتهم، وصفح عنهم مع قدرته عليهم، فصاروا بترك المؤاخذة طلقاء وبالإحسان عتقاء، وأما الجواب عن قوله: قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ" فهو أن الرجلين لم يظهر منهما شرط الأمان، لأنهما كانا شاكين في سلاحهما، وقد علق شرط الأمان بإلقاء السلاح وغلق الأبواب فبقيا على حكم الأصل، فلذلك استجاز علي بن أبي طالب ﵇ أن يقتلهما حتى استجارا بأم هانئ، فأمنهما رسول الله ﷺ. وأما الجواب عن حديث عائشة ﵂:" كل البلاد فتحت بالسيف إلا المدينة" فهو أن معناه أن كل البلاد فتحت بالخوف من السيف إلا المدينة ولم ترد به العنوة والصلح، لأنه قد فتح بعض البلاد صلحًا.
وأما الجواب عن قوله:" إن الله حبس الفيل عن مكة وسلط عليها رسوله" فهو محمول على أن الفيل لم يظفر بها، ولا دخلها، وأظفر الله رسوله بها حتى دخلها.
وأما الجواب عن حديث حماس بن قيس، وما أنشده من شعره: فهو أنه كان حليف بني بكر الذين قاتلوا خالدًا، ولم يكن من قريش القابلين لأمان رسول الله ﷺ ثم قد آمن من ألقى سلاحه وأغلق بابه، فلئن دل أول أمره على العنوة، فلقد دل آخره على الصلح، وابتدأ بالقتال بجهله بعقد الأمان، ثم رجع إلى شرط الأمان حين علم به.
وأما الجواب عن استدلالهم بأن عقد الصلح ما ترددت فيه الرسل وكتب فيه الصحف كالحديبية، فهو أن ذلك صلح على الموادعة والكف، فاحتاج إلى الرسل وكتب الصحف وهذا أمان استسلام وتمكين علق بشرط، فاستغنى فيه عن تردد الرسل وكتب الصحف واقتصر فيه على أخبار أبي سفيان وحكيم بن حزام بحاله، وذكره لقريش ما تعلق بشرطه، واقتصر من قبولهم على العمل به دون الرضا والاختبار.
[ ١٣ / ٢٨٩ ]
فصل:
وإذا قد مضت دلائل الفتح في العنوة والصلح، فالذي أراه على ما يتقضيه نقل هذه السيرة وشروط الأمان فيها لمن لم يقاتل، وأنه يخرج منه من قائل: أن أسفل مكة دخله خالد بن الوليد عنوة، وأعلى مكة دخله الزبير بين العوام صلحًا، لأن رسول الله ﷺ بعد عقد الأمان بعد خالد بن الوليد أسفل مكة، وبعث الزبير من أعلاها، وأمرهما أن لا يقاتلا إلا من قاتلهما، فأما خالد بن الوليد فإنه دخل من أسفل مكة فقوتل فقاتل، فلم يوجد فيهم قبول الشرط قال الشافعي: إنما قاتله بنو بكر ولم يكن لهم بمكة دار، وقد ثبت أنه كان في مقاتله عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو، وهم من أكابر قريش وأعيان أهل مكة وهي دارهم، وأما الزبير بن العوام، فإنه دخل من أعلى مكة فلم يقاتله أحد، ولا قاتل أحدًا، فوجد شرط الأمان منهم فانعقد الصلح لهم، ودخل رسول الله ﷺ وجميع جيشه من جهة الزبير بن العوام، فصار حكم جبهته هو الأغلب، فلما استقر رسول الله ﷺ بمكة التزم أمان من لم يقاتل، واستأنف أمان من قاتل، ولذلك استجد لعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية أمانًا، وأمن من إجارته أم هانئ، ولم يغنم أسفل مكة، لأن القتال كان على جبالها، ولم يكن فيها، فهذا ما اقتضاه نقل السيرة وشواهد حالها.
فإن قيل: فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال لما قاتل خالد وقتل:" اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد" فدل على أن خالد قاتل وقتل بغير حق، ففيه وجهان:
أحدهما: أن هذا، قال لخالد في غير يوم الفتح، لأنه بعثه بعد استقرار الفتح سرية من مكة إلى بني جذيمة من كنانة، وكانوا أسفل من مكة على ليلة منها ناحية يلملم ليدعوهم إلى الإسلام، فأتاهم وقد أسلموا وصلوا فقتل من ظفر به منهم، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قال:" اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد" وأنفذ علي بن أبي طالب بديات من قتل منهم.
والثاني: أنه لو قاله يوم الفتح جاز أن يكون ذلك منه قبل علمه بأنهم قاتلوه، والله أعلم بالصواب.