قال الشافعي ﵀:" ولا يجزئ رقبة في كفارةٍ ولا واجبٍ إلا مؤمنه".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن العتق في الكفارات لا يجزئ إلا في رقبة مؤمنة وهو قول الأكثرين، وقال أبو حنيفة: يجزئ عتق الكافرة في جميعها إلا في كفارة القتال، لأن الله تعالى شرط إيمانها فحمل الشروط علي تقييده، والمطلق علي إطلاقه، ومن أصل الشافعي أن كل مطلق قيد بعض جنسه بشرط كان جميع المطلق محمولًا علي تقييد ذلك الشرط، كما أطلق قوله تعالى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة:٢٨٢]، وقيد قوله: ﴿وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق:٢]، فحمل ذلك المطلق علي هذا المقيد في اشتراط العدالة، واختلف أصحابنا فيما ذهب إليه الشافعي من حمل المطلق علي المقيد، هل قاله لغة أو شرعًا علي وجهين:
أحدهما: انه قاله من طريق اللغة وما يقتضيه لسان العرب الذي جاء به الشرع ما لم يصرف عنه دليل.
والثاني: أنه قال من طريق الشرع وما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، واختلف من قال بهذا علي وجهين:
أحدهما: يجمع بينهما بالإطلاق إلا أن تفرقا في (المعنى).
[ ١٠ / ٤٢١ ]
والثاني: أن لا يجمع بينهما إلا بعد اشتراكهما في المعني، ثم من الدليل انه عتق في كفارة، فوجب أن لا يجزئ إلا مؤمنه، كالعتق في كفارة القتل. ولأن كل رقبة لا يجزئ عتقها في كفارة القتل لم يجز عتقها في سائر الكفارات، قياسًا علي المعيبة وقد مضت هذه المسألة في كتاب الظهار مستوفاة.
مسألة:
قال الشافعي:"وأقل ما يقع عليه اسم الإيمان علي الأعجمي أن يصف الإيمان أذا أمر بصفته ثم يكون به مؤمنًا".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا ثبت أن الإيمان شرط في عتق الكفارة فإيمانها علي ضربين:
أحدهما: إيمان فعل.
والثاني: إيمان حكم، فأما إيمان الفعل فلا يكون إلا من بالغ عاقل، تؤخذ عليه شروط الإيمان قطعًا، وشروطه أن يتلفظ بالشهادتين فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، قال الشافعي:"ويقر بالبعث والجزاء، ويبرأ من كل دين خالف الإسلام، فأما إقراره بالبعث والجزاء فمستحب، وليس يقف إيمانه علي إقراراه، لأنه من موجبات الإيمان، وأما براءته من كل دين خالف الإسلام فقد اختلف أصحابنا في وجوبه علي ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه شرط في كالشهادتين.
والثاني: أنه مستحب كالبعث
والثالث: أنه إن كان من قوم ينكرون نبوة محمد صلي الله عليه وسلم، كان إقراره بنبوته يغنى عن براءته من كل دين خالف الإسلام، ويكون اشتراط ذلك فيه مستحبًا، وإن كان من قوم يعتقدون انه مبعوث إلي قومه من العرب دون غيرهم كيهود خيبر، فإنهم كانوا يقولون: هو مبعوث إلي الأميين من العرب دوننا، وإنما ننتظر مبعوثًا إلينا من ولد إسحاق فتكون البراءة من كل دين خالف الإسلام شرطًا في صحة إيمانه، وبهذا قال أبو علي بن أبي هريرة فإذا صح ما يكون شرطًا في إيمانه نظر فإن كان عربي اللسان تلفظ به نطقًا ولا نفتنع منه بالإشارة مع سلامة لسانه وفهم كلامه، وإن كان أعجمي اللسان نظر، فإن حضر من يفهم لسانه لم يكن مؤمنًا إلا بالنطق دون الإشارة كالعربي، وإن لم يحضر من يفهم لسانه دعت الضرورة إلي أن تؤخذ عليه شروط الإسلام، بالإشارة دون النطق كالأخرس، وروي أن معاوية بن الحكم جاء إلي النبي صلي الله عليه وسلم بعبد أعجمي جليب؟ فقال: يا رسول الله: إني ندرت أن أعتق مؤمنه افيجزئ هذا فقال له النبي صلي الله عليه وسلم:"من ربك، فأشار (إلى)
[ ١٠ / ٤٢٢ ]
السماء، أي: رب السماء؟ فقال: من نبيك، فأشار إليه، فقال له النبي صلي الله عليه وسلم:" أعتقه فإنه مؤمن".
مسألة
قال الشافعي:" ويجزئ فيه الصغير إذا كان أبواه مؤمنين أو أحدهما".
قال في الحاوي: وأما إيمان الحكم، فمعتبر فيمن لا يحكم بقوله في صغير أو مجنون، فيكون الصغير مسلمًا بإسلام أبويه.
وقال مالك: لا يصير مسلمًا بإسلام أمه وحدها، وإن صار مسلمًا بإسلام أبيه وحده، اعتبارًا بلحوق نسبه بأبيه دون أمه، كذلك في الإسلام، لأن أحكامه في إتباع أبويه تنقسم قسمين:
أحدهما: ما كان فيها تابعًا لأبيه دون أمه، وهو النسب.
والثاني: ما كان فيها تابعًا لأمه دون أبيه، وهو الحرية والرق، فأما ما ينفرد به كل واحد من الأبوين، فخارج القسمين، ودليلنا قول الله تعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور:٢١]، فأخبر أن الأولاد يتبعون الآباء والأمهات في الإيمان، وقال النبي صلي الله عليه وسلم:"الإسلام يعلو، ولا يعلى" وقد خلق الولد من ماء الأبوين، فإذا اجتمع فيه إسلام أحدهما وكفر الآخر وجب أن يعلو الإسلام علي الكفر، وروي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال:"كل مولود يولد علي الفطرة، فأبوه يهودانه أو ينصرانه، أو يجسمانه" فجعل اجتماع أبويه سببًا لشهوده فخرج بإسلام أحدهما من اليهودية؟ ولأنه لو افترق حكم أبويه في إسلامه لكان اعتباره بأمه أحق، منها قطعًا، ومن أبيه ظنًا. فأما السبب فلا يلزم لأن حكمه في التحريم معتبر لكل واحد منهما فصار بالدين أشبه، وأما استدلالهم بتقسيم الحكمين فقد يقترن بهما ثالث وهو أن حرية الأب توجب حرية الولد إذا وطئها بملك اليمين، ورق الأم يوجب رق الولد إذا وطئها بعقد النكاح، فصارت الحرية والرق معتبرين بكل واحد من الأمرين فكذلك الإسلام ويصير هذا قسمًا ثالثا.
فصل
فإذا صح إسلام الصغير المجنون بإسلام كل واحد من أبويه فعتق الصغير في الكفارة مجزئ، وإن كان ناقص العمل بخلاف الزمن؟ لأن نقص الصغير يزول، ونقص الزمانة لا يزول، سواء كان الصغير مستقلًا بنفسه، مستغنيًا عن التربية كالمراهق، أو كان طفلًا يربي كالرضيع، لأنه ينشأ ويستكمل ونفقته بعد عتقه في بيت المال وفي الصدقات
[ ١٠ / ٤٢٣ ]
ولا يجب (على) معتقه ولو تبرع بها حتى يبلغ هو الاكتساب كان أولي وإن لم تجب، فأما عتق المجنون فلا يجزئ إن كان جنونه مستديمًا طبعا وكذلك المعتوه، وإن كان يجن في زمان ويفيق في زمان، فإن كان زمان جنوبه أكثر من زمان أفاقته، أو كان سواء لم يجزه عتقه، وإن كان زمان إفاقته أكثر من جنونه، ففي إجزاء عتقه وجهان:
أحدهما: يجزئ كما يجزئ عتق من قل عيبه.
والثاني: لا يجزئ، لأن قليل الجنون يصير كثيرًا، فأما عتق الأحمق فيجزئ، لأنه يستهل بتدبير غيره، وأما عتق الفاسق فمجزئ لأجزاء أحكام الإسلام عليه.
مسألة
قال الشافعي:"وولد الزنا".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، لأنه صحة الانساب في عتق الكفارات غير معتبر؟ ولأن سلامه بدنه وصحة عمله مماثل لذوي الانسباب؟ ولأنه لما لم يكن ذلك عيبًا في نقصان ثمنه، فأولي أن لايكون عيبًا في أجزاء عتقه، واحسب الشافعي قال ذلك، ونص عليه، بخلاف شذ من بعض السلف تمسكا بقول النبي صلي الله عليه وسلم:"ولد الزنا شر الثلاثة"ولا دليل فيه، لأنه غير مستهل علي ظاهرة، وفيه تأويلان:
أحدهما: انه شرهم نسبًا.
والثاني: أنه شرهم إذا زنا لأنه صار مع شر نسبه زانيًا.
مسألة:
قال الشافعي:"وكل ذي نقص بعيب لا يضر بالعمل إضرارًا بينا مثل العرج الخفيف والعور والشلل في الخنصر ونخو ذلك ولا يجزئ المقعد ولا الأعمى ولا الأشل الرجل ويجزئ الأصم والخصي والمريض الذي ليس به مرض زمانه مثل الفالج والسل".
قال في الحاوي: اعلم أن الله تعالى أطلق عتق الرقبة في الكفارة فاقتضي إطلاقها أحد أمرين: إما السلامة من جميع العيوب كالغرة في الجنين والإبل من الدية، وإما جوازها مع كل العيوب اعتبارًا بمطلق الاسم كالنذور، لكن انعقد فيها إجماع منع من اعتبار احد هذين الأصلين لأنهم أجمعوا علي أن من ذوات العيوب ما يجزئ، وهي العوراء والبرصاء والجدعاء، ومن ذوات العيوب ما لا يجزئ، وهي العمياء والقطعاء والشلل، فاعتبرنا معني ما أجاوزه، ومعني ما ردوه، فوجدناهم قد أجازوا منها ما لا يضر بالعمل إضرارًا بينا وردوا منها ما يضر بالعمل إضرارًا بينا، فصار هذا أصلًا عقده
[ ١٠ / ٤٢٤ ]
الإجماع في الكفارة خارجًا عن الأصلين في إطلاقها فاعتبروا كمال المنفعة دون كمان الصفة، لأن المقصود بالعتق تميلك الرقبة منافع نفسها، فاعتبرنا كمال ما توجه إليه التمليك من المنافع دون الصفات، فإذا صار هذا أصلًا معتبرًا انساق عليه التفريع، فقلنا: إن العوراء تجزئ بكمال منافعها؟ وإنها تدرك بإحدى العينين ما تدركه بهما، فإن قيل: فقد منع الشرع من الأضحية بالعوراء قيل: لأنه قصد به كمال اللحم واستطابته في الأضحية والعور مؤثر فيه، فمنع منه، ولم يمنع مما قصد به كمال المنفعة في العتق فأجير فيه. وإذا أجزأت العوراء في عتق الرقبة فأولي أن يجزئ عتق الحولاء والخيفاء والمقطوعة الأنف والأذنين والبرصاء، لأن كل هذه العيوب غير مضرة بالعمل، وكذلك يجزئ عتق الخرساء، وعتق الصماء، لأن عملها كامل والإشارة معها تقوم مقام النطق، فإن لم يفهما الإشارة لم يجز عتقهما، فإن الشافعي أجاز في موضع عتقهما ومنه منه في موضع آخر، وليس ذلك علي اختلاف قولين، وإنما هو علي اختلاف حالهما في فهم الإشارة، فأما إن اجتمع فيهما الخرس والصمم لم يجز، لأن اجتماعهما مؤثر من العمل ومقتضي عرفهم الإشارة ولا يجزئ عتق العمياء لأضرار العمى بالعمل، ولا يجوز عتق المقطوعة اليدين أو إحداهما ولا عتق المقطوعة الرجلين أو إحداهما، بخلاف العوراء، لأن ذهاب احدي اليدين مضر بالعمل، وكذلك إحدى الرجلين وذهاب احدي العينين غير مضر بالعمل، ويجزئ عتق العرجاء إذا كان عرجها قليلًا، ولا يجزء إذا كان كثيرًا، لأن قليلة غير مضر؟ وكثيرة مضر، وتجزئ المقطوعة الخنصر أو البنصر من احدي الأطراف، أو الخناصر والبناصر من الأطراف كلها ولا يجزئ إذا اجتمع قطع الخنصر والبنصر من طرف واحد، ويجوز إن كانا من طرفين، لأن اجتماعهما مضر وافتراقهما غير مضر، ولا تجزئ المقطوعة الإبهام أو السبابة أو الوسطي، لأن قطع كل واحدة من هذه الأصابع الثلاث مضر، فأما قطع الأنملة الواحدة فيمنع منها إن كانت في الإبهام ولا يمنع منها إن كانت في غيرها من الأصابع، لأن الباقي من أنامل غير الإبهام أكثر بخلاف الإبهام والشلل في الأطراف كالقطع فما منع من القطع منع منه الشلل، وما جاز مع القطع جاز مع الشلل، فإذا لم تجز القطعاء فأولي أن لاتجزئ المقعدة ولا ذات الزمانه، وأما المريضة فإن كان مرضها مرجوًا كالحمى والصداع أجزأت وإن ماتت، وإن كان مرضها غير مرجو كالسل والفالج لم تجز وإن صحت، وأما عتق الشيخ والعجوز، فعتقهما مجزئ، ما لم ينتهيا إلي الهرم المضر بالعمل، فلا يجزئ، وسواء في الأجزاء اعتق ذات الضعة وغير ذات الضعة، ويجزئ عتق الخصي والمجبوب لكمال عملهما، وكذلك يجزئ عتق الخنثي، فأما عتق الجذماء فإن كان الجذام في الأنف والأذن أو الشفة أجزأت، وإن كان في أطراف البدن والرجلين لم يجز، لأنه مضر بالعمل في الأطراف وغير مضر بالعمل في غير الأطراف ويجزئ عتق الأبرص والبرصاء لأنه غير مضر بالعمل، والله أعلم.
[ ١٠ / ٤٢٥ ]
مسألة:
قال الشافعي:"ولو اشترى من يعتق عليه لم يجزه ولا يعتق عليه إلا الوالد والمولودون".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أنم ملك أحدًا من والديه أو مولودية عتق عليه، ولا يعتق عليه غيرهما من ذوى الأنساب، واعتق عليه أبو حنيفة كل ذي رحم محرم وسائر الكلام معه في كتاب العتق، وإن ما مضي في كتاب الظهار، وذكرنا أن من اشترى من يعتق عليه ناويًا به العتق عن كفارته لم تجزه، وأجازه أبو حنيفة وقد مضى الكلام معه في كتاب الظهار لكن اختلف أصحابنا في تعليل ما قاله الشافعي في المنع من إجزائه علي وجهين:
أحدهما: هو أن الله تعالى أوجب عليه تحرير رقبة، وهذا يعتق عليه بغير تحرير منه، فلم يجزه لعدم ما لزمه من فعل التحرير.
والثاني: أن تعليل المنع من إجزائه أن الرقبة الواحدة لا يجزئ عتقها بسببين حتى يكون مقصورًا علي أحدهما، وهذا عتق بسببين، فكان مقصورًا علي أثبتهما.
مسألة
قال الشافعي:"ولو اشترى رقبة بشرط يعتقها لم تجز عنه"
قال في الحاوي: قد مضت هذه المسألة في كتاب البيوع إذا شتري عبدًا بشرط العتق فالشافعي في البيع والشرط ثلاثة أقاويل:
أحدها: أن البيع والشرط باطلان، وهو مذهب أبي حنيفة، فعلي هذا إن اعتقه عن كفارة لم يجزه، لأنه اعتق مالم يملك، وقال أبو حنيفة: يجزئه، ويكون مأخوذا بعتقه، لأجل الشرط حكاه أبو ثور عن الشافعي احتجاجًا بأن عائشة رضوان الله عليها اشترت بريرة بشرط العتق فأجاز رسول الله صلي الله عليه وسلم البيع وأمضى الشرط، فعلي هذا لا يجزئه عتقه عن كفارته، لأنه يصير عتقًا بسببين، ولا يجزئه عتقه عن كفارته، لأنه يصير عتقًا بسببين، ولا يجزئ في الكفارة إلا عتق رقبة يختص بسببها.
والثالث: أن البيع جائز والشرط باطل ولا يلزمه عتقها عن غير الكفارة، فعلي هذا إن اعتقها في الكفارة ففي إجزائها وجهان:
أحدهما: تجزئ، لأنه عتق بسبب واحد، وهو التكفير.
والثاني: أنها لا تجزئ لأن الشرط قد أخذ من الثمر قسطًا، فصار العتق في مقابلة عوض فجرى العتق بسببين، وخرج عما انفرد عتقه عن التكفير
مسألة:
قال الشافعي:"ويجزئ المدبر ولا يجوز المكاتب حتى يعجز فيعتق بعد العجز
[ ١٠ / ٤٢٦ ]
ويجزئ المعتق إلي سنين واحتج في كتاب اليمين مع الشاهد علي من أجاز عتق الذمي في الكفارة بأن الله ﷿ لما ذكر رقبة في كفارة فقال؛"مؤمنةٍ، ثم ذكر رقبة أخرى في كفارةٍ كانت مؤمنة لأنهما يجتمعان في أنهما كفارتان ولما رأينا ما فرض الله ﷿ علي المسلمين في أموالهم منقولًا إلي المسلمين لم يجز أن يخرج من ماله فرضًا عليه فيعتق به ذميًا مؤمنًا".
قال في الحاوي: أما المدبر فيجزئ عتقه عن الكفارة لبقائه علي الرق، وجواز بيعه، ومنع أبو حنيفة من أجزائه لمنعه من جواز بيعه وسائر الكلام معه في كتاب المدبر، وكذلك المعلق عتقه بصفه إذا عجل عتقه عن كفارة أجزأه سواء كانت الصفة معلقة بالزمان، كقوله: إذا هل شهر كذا فأنت حر كانت الصفة معلقة بالفعل، كقوله: إن دخلت الدار فأنت حر، وإنما أجزأه إلحاقًا له بالمدبر، كما أن بيعه يجوز كالمدبر، ولكن لو نوى فيه ان يصير بمجئ الصفة حرًا عن كفارته لم يجزه لأنه يصير معتقًا بسببين، وتعجيل عتقه قبل الصفة يجعله معتقًا بسبب واحد فأما عتق أم الولد فلا يجزئ عن الكفارة.
واختلف أصحابنا في تعليل هذا المنع، فقال بعضهم: التحريم بيعها، وقال آخرون: استحقاق عتقها بالولادة يجعلها معتقه بسببين وأما عتق المكاتب قبل عجزه فلا يجزئ وقال أبو حنيفة: إن لم يؤد شيئا من نجومه أجزاه، وإن أدى شيئًا منها لم يجزه، وقد ذكرناه في كتاب الظهار، فأما إن عجز عن الأداء فأعتقه بعد التعجيز أجزاه لأنه قد عاد إلي الرق في جواز البيع، وجميع الأحكام، فأما إذا اعتق شقصًا له من عبد ينوي به الكفارة، وكان موسرًا عتق عليه جمعيه، وأجزأه منه قدر حصته، وفي إجزاء حصة شريكة ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يجزئه لأنه يعتق عليه بغير التكفير فصار عتقًا بسببين:
والثاني: يجزئه، لأن عتقه تبع لعتق حصته، فجرى عليه حكمها في الأجزاء.
والثالث: أنه إن نوى عند عتق حصته عتق جميعه عن كفارته أجزأة، وإن قصر نيته علي عتق حصته وحدها لم يجزه، وإذا أكمل عتق رقبة من عبدين اعتق من كل واحد نصفه، وفي إجزائه وجهان مضيا.
وفيه رابع: أنه إن كان الباقي من كل واحد منهما حرًا أجزأه، وإن كان الباقي منهما حرًا أجزاه، وإن كان الباقي منهما مملوكًا لم يجزه، فأما إذا اعتق عبدًا مرهونًا أو جانيًا، فإن قيل ببطلان عتقهما علي ما ذكرناه من الأقاويل فيها لم يجزه، وإن قيل يجوزاه عتقهما علي ما ذكرناه من الأقاويل فيها لم يجزه، وإن قيل بجواز عتقهما أجزأه عن كفارته ثم ختم المزني الباب بالاحتجاج علي أبي حنيفة والمنع من إجزاءه عتق الكافر بما مضي وبالله التوفيق.