مسألة: قال: "وإذا أكملَ الزوجُ الشهادةَ والالتعانَ فقدْ زالَ فراشُ امرأتهِ".
[ ١٠ / ٣٥٠ ]
الفصل
إذا أكمل الزوج اللعان تعلقت الفرقة ونفي الولد بلعانه على ما ذكرنا ولا يجتمعان أبدًا سواء أكذب نفسه وحد أو لم يكذب نفسه ولا حد، وبه قال عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس ﵃، والنخعي، والحسن، وعطاء بن أبي رباح، والزهري، والحكم، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وأبو يوسف، وإسحاق، ومحمد في رواية ﵏، وقال أبو حنيفة، ومحمد: إذا أكذب نفسه وحد زال تحريم العقد وحدت له بنكاح جديد، وقال سعيد بن جبير: إذا أكذب نفسه عادت زوجته كانت، وقال سعيد بن المسيب: إن كذب نفسه وهي في العدة حلت له وإلا فلا تحل له أبدًا، وقال الحسن: إذا أكذب نفسه لا يعود النسب كما لا يرتفع التحريم وهذا غلط؛ لما روى ابن عمر وابن عباس ﵃ أن النبي ﷺ قال: المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا، وقال سهل بن سعد ﵁: مضت السنة أن يفرق بين المتلاعنين ثم لا يجتمعان أبدًأ، وقال علي وعبد الله بن مسعود [٢٠٧/ أ] ﵄ هكذا، وقال عمر ﵁: "يفرق بينهما ولا يجتمعان أبدًا"، وروي أنه سئل ابن عمر عن المتلاعنين إذا كذب نفسها هل ينكحها؟ فقال: لا سمعت رسول الله ﷺ يقول: المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا، واحتج الشافعي فقال: قال رسول الله ﷺ للملاعن بعد اللعان لا سبيل لك عليها، ولم يقل حتى تكذب نفسك فلو كان الإكذاب غاية لهذه الحرمة لردها رسول الله ﷺ إلى هذه الغاية كما قال تعالى في المطلقة الثلاث ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. ثم عاد الشافعي إلى كلامه الأول أن الفرقة تقع بلعان الزوج وحده فقال: ولما قال رسول الله ﷺ: الولد للفراش، وكانت فراشًا لم يجز أن ينفي الولد عن الفراش إلا بأن يزول الفراش ومقصوده بهذا الكلام الاحتجاج على أن قطع الفراش يحصل بلعان الزوج قبل لعانها وقبل قضاء القاضي بالطلاق.
ووجه الاحتجاج أن رسول الله ﷺ قال: الولد للفراش ومعقول أن الزوج إذا لاعن انتفي عنه الولد قبل لعانها وصار ملحقًا بالأم كما ألحقه رسول الله ﷺ فلولا أن الفراش زائل قبل لعانها لما صار الولد منتفيًا عنه فإن ارتكب الخصم فقال: لا يصير الولد منتفيًا إلا بعد لعانها قيل له: إن نفي الولد عن الزوج بيمينه والتعانه لا بيمينها ولعانها لأن الاعتبار بقوله في الإلحاق لا بقولها، ألا ترى أنها في لعانها تلحق الولد به ونحن ننفيه عنه فيعتبر، نفي الزوج لا إلحاق المرأة وهذا إذا أكذب الزوج نفسه ألحق
[ ١٠ / ٣٥١ ]
الولد به وما دام نقرا على اللعان [٢٠٧/ ب] فالولد منفي عنه، ولهذا لو قالت الأم: ليس هو منك إنما استعرته لم يكن قولها شيئًا وهو يستلحقه والولادة على فراشه فعرفنا أن نفي الولد بلعانه لا بلعانها والولد لا ينفي عنه إلا والفراش منقطع لأن رسول الله ﷺ قال: "الولد للفراش، وللعاهر الحجر" فخرج من هذا إن ما لم يكن للعانها تأثيره في النفي لم يعتبر فيه أصلًا إذا انتفي بلعانه وحده بالدليل انقطع الفراش بلعانه وحده أيضًا ثم اعلم إذا بانت باللعان إن كان قبل الدخول لا سكنى لها ولا نفقة ولا عدة لها نصف المهر، وإن كان بعد الدخول فإن كانت حائلًا لا نفقة لها في العدة فإن كانت حاملًا، فإن لم يكن نفي الحمل هل يلزمه النفقة لها؟ قولان، وإن كان نفي الحمل لا نفقة أصلًا والسكنى قولًا واحدًا حتى تنقضي العدة والمهر بتمامه لازم، وقد روى ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال للمتلاعنين: حسابكما على الله أحدكما كاذب لا سبيل لك عليها، قال: يا رسول الله مالي قال: لا مال لك إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها وإن كنت كذبت عليها فذلك أبعد لك، وقال الحكم وحماد: إذا لاعن قبل الدخول بها لها الصداق كاملًا، وقال الزهري: إذا تلاعنا لا صداق لها وهذا غلط لما ذكرنا.
مسألة: قالَ: "وقالَ بعضُ الناسِ، إذا التعنْ ثم قالتْ: صدفتْ إنِي زنيتُ فالولدُ لاحقُ ولاَ حدَّ عليهَا ولا لعانَ".
الفصل
إذا قذف زوجته فصدقته فيما ذكر لا يخلو إما أن تكون بعد فراغه من اللعان أو قبل ذلك فإن كان بعد فراغه منه تعلق باعترافها حكم واحد وهو أنها لا تلاعن على نفي الحد عنها ويكون الحد واحدًا عنها بلعانه واعترافها به فإن أكذبت نفسها فقالت: كذبت وما زنيت [٢٠٨/ أ] سقط ما وجب عليها باعترافها وكان لها الآن أن تلاعن على إسقاط الحد عن نفسها وإن صدقته قبل فراغه من اللعان فلا فصل بين أن يكون التصديق قبل شروعه في اللعان أو بعد شروعه فيه وقبل إكماله فقد وجب الحد عليها باعترافه وسقط عنه حد القذف، وأما اللعان فإن كان هناك ول نفاه ولاعن، وإن لم يكن ولد هل يلاعن لقطع الفراش؟ قد ذكرنا، وقال أبو حنيفة: إذا صدقته واعترفت بالزنا لا حد عليها بإقرارها مرة واحدة ولا لعان وبقي الولد ثابت النسب فيتعذر اللعان منه عند أبي حنيفة بتعذره من جهة المرأة ولا ينتفي النسب من دون اللعان، واحتج الشافعي عليه فقال: دخل عليه أنه لو قذف فاسق عفيفة مسلمة والتعن كاذبًا وبقي الولد وهي عند المسلمين اصدق منه كان الولد منفيًا عنه، وإن كانت فاسقة فصدقته وقالت: زنيت كان الولد ملحقًا به فجعل أبو حنيفة ولد العفيفة لا أب له وألزمها عادة وجعل
[ ١٠ / ٣٥٢ ]
ولد الفاسقة ولدًا له أب لا ينفي عنه بحال وهذا بحال.
مسألة: قال: "وأيهما ماتَ قبلَ أن يكملَ الزوجُ اللعانَ ورثَ صاحبهُ".
الفصل
إذا مات أحد الزوجين بعد الشروع في اللعان لا يخلو إما أن يموت الزوج أو الزوجة. فإن مات الزوج فلا سبيل إلى إكمال اللعان لأن الورثة لا يقومون مقامه، وإن ماتت الزوجة نظر فإن جاء ورثتها تطالبه بالحد كان له أن يكمل اللعان لدرء الحد عن نفسه، وإن لم تطالبه بحدها، فإن كان هناك نسب يريد نفيه كان له أن يكمل اللعان، وإن لم يكن نسب لم يكن له إكماله، فإذا قلنا له: إكماله فأكمله لم ينقطع إرثه منها لأن النكاح زال بالموت لا باللعان فإن قيل أليس لو مات الولد ثم لاعن على نفيه [٢٠٨/ ب] بعد موته لا يؤثر قلنا: الفرق هناك بيننا باللعان إن لم يكن ابنًا له قط ولا يتبين إنها لم تكن زوجة له بل تنقطع الزوجية عقيب الفراغ من اللعان في الحال فافترقا، فإن قيل: فالزوج بعض الورثة فكيف تطالبه باقي الورثة؟ قلنا: لأن حد القذف لكل الورثة ولكل واحد منهم لما ذكرنا أنه لو عفي بعضهم كان للباقين الاستيفاء بخلاف القصاص، وإن ماتت المرأة ولا وارث لها هل يطالب الإمام بالحد، ويلاعن على ما ذكرنا فيما تقدم والأظهر أنه يسقط حكمه بموتها هاهنا ولو مات بعد فراغه من اللعان لا توارث خلافًا لمالك وأبي حنيفة بناءً على أصلهما حيث قالا لا ينقطع النكاح بلعانه وحده على ما ذكرنا من مذهبهم فيما تقدم.
مسألة: قال: "فإن امتنعَ أن يكملَ اللعانَ حدَّ لهَا، فإنْ طلبَ الحدَّ الذِي قذفَها بهِ لمْ يحدْ".
إذا شرع الزوج في اللعان ثم أكذب نفسه قبل إكماله حددناه لها حد القذف لأن الحد إنما يسقط بكمال اللعان، فإذا لم يكمل لا يسقط كما لو لم يكمل البينة ثم إذا حددناه لها ثم جاء المرمى به وطالبه بالحد هل يحد له؟ ذكرنا فيما تقدم والمنصوص هاهنا أنه لا يحد له وهو اختيار أبي إسحاق. فإن قيل: أليس لو عفت المرأة حددتموه لها حدًا كاملًا فدل على أن عليه حدين، قلنا: هذا يدل على أن لكل واحد منهما حقًأ في الحد ولا يدل على انفراد كل واحد منهما بحد كامل ألا ترى أن رجلًا لو سرق من رجلين فأيهما جاء يطالبه قطعنا ييده لهما جميعًا وإن عفا أحدهما ولم يطالب وجاء الآخر وطالبه قطعنا يده له [٢٠٩/ أ] فإن قيل: إذا لاعنهما ولم ييسمه في لعانه أوجبتم إعادة اللعان له ولم يسقط حقه بسقوط حقها في أحد القولين فقولوا مثله هاهنا، قلنا: البينة إذا قامت أنه سرق من اثنين فلا بد من أن يسمى البينة كل واحد من المسروق منهما والقطع لهما واحد فلذلك هاهنا لا بد من تسميتها والحق لهما واحد.
[ ١٠ / ٣٥٣ ]
قال صاحب المنهاج: وعلى ما ذكرنا لو أقر رجل بالزنا وسمي المزني بها ثم رجع عن إقراره ليس عليه حد القذف لأن الإقرار إقرار واحد وقد أسقطنا حكمه في نفسه قياسًا على ما لو حد لها سقط حد المرمى به لأن الفعل واحد، قال: وقد قيل غير ذلك وعندي هذا سهو منه، والمنصوص أنه إذا رجع عن إقراره لا يسقط حد قذفها ثم قال الشافعي: والولد للفراش ولا ينفي إلا على ما نفي به رسول الله ﷺ وأراد به أن الولد يلحقه ولا ينفي عنه إلا باللعان ولا ينفي بالشبه والاستدلال وأراد لا ينتفي إلا بكمال اللعان خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: أكثر اللعان يكفي إذا حكم به الحاكم وهذا التأويل أظهر، ولو قال: هو ولد زنا وما هو مني أو انتفيت منه أو أنا برئ منه لا يؤثر في نفيه وهذا لمراعاة الاحتياط في النسب.
مسألة: قال: "ولو أكملَ اللعانَ وامتنعتْ من اللعانِ وهي مريضةٌ أوْ في بردٍ أو حرٍ وكانتْ ثيبًا رجمتْ".
الفصل
عبّر الشافعي عن المحصنة بالثييب وعن غير المحصنة بالبكر كما عبر رسول الله ﷺ حيث قال: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم، وجملته أنه لا يخلو إما [٢٠٩/ ب] أن تكون بكرًا أو ثيبًا، فإن كانت بكرًا يجب عليها عند الامتناع من اللعان بعد لعانه حد الإبكار وهو الجلد والتغريب فإن كانت صحيحة والهواء معتدل لا شدة حر ولا شدة برد يقام عليها الحد، وإن كان الهواء غير معتدل لا يقام حتى يعتدل الهواء لأن القصد منه الزجر والردع لا الإتلاف ولا يؤمن منه السراية والتلف، وإن كانت مريضة فإن كان مرضها يرجى زواله آخر إلى أن تبرأ، وإن كان لا يرجى زواله كالزمانة والسل أقيم عليها الحد عاجلًا بأطراف الثياب وأشكال لا نخل ولا فرق بين أن يكون ثبت عليها هذا الحد بالبينة أو بامتناعها من اللعان أو بالإقرار وإن كانت ثيبًا، قال أبو إسحاق: ترجم في جميع الأحوال لأن القصد إتلافها وهو ظاهر كلام الشافعي ومن أصحابنا من قال: هذا إذا ثبت الرجم بالبينة، فإن ثبت بإقرارها أو بامتناعها من اللعان أخر لشدة الحر والبرد لأن لها مخلصًا منه بالرجوع عن الإقرار والإقدام على اللعان فلا نأمن من أن نرجمها بعض الرجم ثم ترجع فنكون قد أعنا على تلفها وليس كذلك إذا قامت عليها البينة لأن لا مخلص لها منه وهذا لا يصح لأنه يحتمل رجوع الشهود عن الشهادة كما يحتمل رجوعها، وقال بعض أصحابنا: على عكس هذا، وهو أنه أن ثبت بالبينة لا يقام الحد إلا في هواء معتدل بخلاف الإقرار والفرق أن المقر هتك حرمة نفسه وأظهر الزنا الذي كان مندوبًا إلى ستره فغلط عليه وإقامة الحد في جميع الأوقات بخلاف ما لو أقيم عليه البينة وهذا ليس بشيء، وقال
[ ١٠ / ٣٥٤ ]
القفال: نص الشافعي بالإقرار أنه يؤخر وقاس بعض أصحابنا: عليه امتناعها من اللعان [١١٠/ أ] وفرق بعض أصحابنا بينهما وهو أنه يستحب له الرجوع عن الإقرار، وإن كانت صادقة في إقرارها فنحن وإن حملنا الأمر على الصدق فالتوهم باق وهاهنا وإن كانت محقة في امتناعها من اللعان فلا يندب ولا يباح لها أن تلاعن لأنها مبطلة في اللعان فلهذا لا يؤخر عن الحر والبرد وأسباب التلف وهذا كما أن رجوع الشهود عن الشهادة موهوم غير أن الظاهر أنهم صادقون ومع الصدق لا يرجعون فلا يؤخر هناك وهذا أيضًا ضعيف بخلاف ظاهر نص الشافعي وأما قطع الطرف في القصاص من أصحابنا من قال: نص الشافعي على أنه لا يقطع في شدة الحر والبرد ويؤخر القطع في السرقة بحيث أن تكون مثله، وقال الداركي: يقطع في الحال لأن قطع الطرف يقضي إلى التلف في الغالب فإذا أذن فيه مع الخوف من التلف استوفي الأحوال كلها في استيفائه.
مسألة: قال: "وقالَ بعضُ لا يلاعنُ بحملِ لعله ربحِ".
أراد به أبا حنيفة حيث قال: لا يجوز نفي تحمل بحال على ما ذكرنا من مذهبه ودليلنا على فساده، واحتج عليه الشافعي هاهنا فقال له: أرأيت لو أحاط العلم بأن ليس حمل أم يلاعن بالقذف قال: بلى، قيل: فلم لا تلاعن مكانه وهذا إلزام مختصر ومعناه أنه لو كانت حاملًا بحيث نعلم يقينًا أن لا حمل بها وقذفها جاز له ملاعنتها وقطع فراشها فإذا بان لها حمل فلم لا تلاعنها مكانه فإن قلت: لا يلاعنها حتى تصنع فهذا محال لأنه متى جاز له اللعان ولا حمل بها لأن القذف موجود وجب أن يجوز اللعان وبه حمل لأن القذف موجود، وإن قلت له أن يلاعنها في الحال ويقطع فراشها لكان له نفي الولد [٢١٠/ ب] لأن الولد للفراش والوقت الصالح لنفي الفراش صالح لنفي الولد.
مسألة: قال: "وزعمَ يعني أبا حنيفَة لو جامعهَا وهوَ يعلمُ بحملهَا فلمَا وضعتْ تركهَا تسعًا وثلاثينَ ليلةٌ وهي في الدم معهُ في مقرِّ لهُ ثمَّ نفي الولد كان ذلكَ له".
الفصل
قد ذكرنا أنه يصح نفي الحمل باللعان خلافًا لأبي حنيفة فإن لم ينفه وتركه لم يلزمه لأن تركه محتمل أن يكون لأنه تحقق وجوده، وذكر الإمام الجوينى في "المنهاج" أنه لو أحاط عنه بالحمل فسكت ولم ينف ليس له النفي بعده خلافًا لأبي حنيفة لأن يكون سكوته دليل على رضاه به، وهذا محتمل إذا قال: اعلم أن بها حملًا وإذا أنفي الآن أو سكت، وإذا وضعت وعلم وأمكنه نفيه فلم ينف لزمه نسبه عندنا وليس له فيه بعدها لأنه على النور وفيه قول آخر للشافعي: أنه تمهل ثلاثة أيام وقال أبو حنيفة: له أن
[ ١٠ / ٣٥٥ ]
يؤخر النفي يومًا أو يومين استحبابًا، وروي عنه ثلاثة أيام كما قلنا في أحد القولين وقال أبو يوسف ومحمد: له نفيه في مدة النفاس إلى أربعين يومًا؛ لأن أيام دم إبقائه لحالة الولادة. وقال عطاء ومجاهد: له نفيه أبدًا ما لم يغربه وهذا كله غلط؛ لأنه خيار بالاحتجاج في مسألة الحمل واللعان عليه، فقال: قد ترك أبو حنيفة ما حكم به رسول الله ﷺ بين العجلاني وامرأته وهي حامل من اللعان فخالف السنة بمنع اللعان على الحمل ثم ألزمه فساد مذهبه في المسألة الأخرى فقال: ولو لم يكن كما قلنا سنة كان قد جعل السكات [٢١١/ أ] في معرفة الشيء في معنى الإقرار، فزعم في الشفعة إذا علم فسكت فهو إقرارٌ بالتسليم، وفي العبد يشتريه إذا استخدمه رضا بالعيب ولم يكلم فحيث شاء جعله رضا، ثم جاء إلى الأشبه بالرضا والإقرار وهو نسب هذا الولد فجعله رضا، ثم ذهب في ذلك إلى تقدير الأصل له، فجعل ممته إلى أربعين ليلة إقرارًا بنسبه وأباه في تسع وثلاثين ليلةً، فما الفرق بين الصمتين؟ ومقصود مناقضة قوله حيث جعل السكوت رضا في الشفعة والرد بالعيب ولم يجعله رضا فيما الأولى بالاحتياط فيه وهو النسب، ولم يقدر في الشفعة والرد بالعيب بثلاثة أيام وقدر هنا بأربعين يومًا، وهذه مناقضة ظاهرة.
واعلم أن مذهب أبى حنيفة خلاف ما ظنه الشافعي على ما ذكرنا. وقيل: علم هو مذهب أبي حنيفة وهذه المناظرة مع أبي يوسف.
مسألة: قال: "وزعم بأنهن استدل بأن الله ﷿ لما أوجب على الزوج الشهادة ليخرج بها من الحد، فإذا لم يخرج من معنى القذف لزمه الحد قيل له، وكذلك كل من أحلفته ليخرج من شيء فلم يحلف حكمت عليه بذلك الشيء إما في مال أو غضب أو جرح عمد، قال: نعم، فقلت: فلم لم تقل ذلك في المرأة أنك تحلفا لتخرج من الحذ".
الفصل
اعلم أن الشافعي رجع إلى المناظرة في مسألة سبقت في هذا الباب، وهي أن الزوج إذا لاعن ونكلت عن اللعان فعليها حد ذكرها خلافًا لأبي حنيفة، واختلفوا في الزوج إذا نكل عن اللعان، فمنهم من قال: لا يلزمه الحد [٢١١/ ب] بل يحبس ليلاعن، وهذا هو المشهور من مذهبه. ومنهم من سلم أن الزوج يحدن والشافعي حكي له هذا المذهب، واستدل عليه بما ذكر ورجح أحد المذهبين لهم، فقال: وليس في التنزيل أن الزوج يدرأ باللعان حدًا كما في التنزيل أن المرأة تدرأ باللعان حدًا، ثم حددت الزوج إذا نكل فأولى أن تحدها إذا نكلت، واحتج على بطلان الحبس فقال: "لها أن تقول:
[ ١٠ / ٣٥٦ ]
إن كان الزوج صادقًا فحدوني، وإن كان كاذبًا فخلوني فما بالي والحبس، وليس حبسي في كتاب الله تعالى ولا سنة ولا إجماع ولا قياس على أحدها"، ثم زاد الشافعي إلزامًا فقال: "فإن قلت العذاب المذكور في القرآن هو الحبس لا الحد فهذا خطأ - لأنه يكون مجهول المقدار حينئذ - فكم ذاك الحبس مائة يوم أو حتى يموت، قد قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]، أفتراه عنى الحد أو الحبس؟ قال: بل الحد وما الحبس بحد، والعذاب في الزنا الحدود، ولكن السجن قد يلزمه اسم عذاب، قلت: والسفر، والدهر، والتعليق، وكل ذلك يلزمه اسم عذاب". فإذا جاز لك أن تعذبها بالحبس تحكيمًا من جهتك وليس حبسها من الكتاب، فجوز لنفسك أن تقول بحكم آخر يعذب بالتغريب والدهن والتعليق؛ لأن كل ذلك يسمى عذابًا.
ثم رجع الشافعي إلى أول هذا الباب فتكلم في تأييد الحرمة باللعان، واحتج بما روي عن عمر، وعلي، وعبد الله بن مسعود، ﵃ أنهم قالوا: "لا يجتمع المتلاعنان أبدًا" وهم رووا عنه وخالفوهم.
[ ١٠ / ٣٥٧ ]