مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ وَلَدَتْ امْرَأَتُهُ وَلَدًا فَقَالَ: لَيْسَ بِابْنِي فَلَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ".
الفصل:
إذا أظهرت امرأة الرجل ولدًا فقالت: هذا ولدته وهو منك فقال: هذا الولد ليس مني أو ليس بابني لم يكن قاذفًا بهذا القول ولا نافيًا نسب الولد، لأنه يحتمل القذف وغيره فلم يكن صريحًا فيه، فرجع إليه فيه وقلنا له: ما أردت بذلك فإن قال: أردت به القذف فهو كما قال ابتداءً هذا لولد من زنا وليس مني وقد مضى حكمه، وإن قال: أردت أن لا يشبهني خُلقًا وخَلقًا نُظر، فإن صدقته المرأة لم يلزمه شيء، وإن كذبته وقالت: أردت القذف فالقول قول الزوج مع يمينه، فإن حلف سقطت دعواها، وإن نكل عن اليمين ردت اليمين عليها، فإن حلفت حكم بأنه قاذف ولزمه الجد إلا أن يقيم البينة على أنها زنت أو يلاعن، وإن قال: أردت أن الولد من زوج آخر، فإن لم يعرف لها زوج قبله والولد لاحق به إلا أن ينفيه باللعان؛ لأنه اعترف بأن الولد منها فلحقه بالفراش، وإن عرف لها زوج قبله لا يخلو إما أن يعرف وقت الطلاق وقت انقضاء العدة وقت النكاح الثاني أو لا يعرف ذلك، فإن عرف ذلك فإن كان دون سنة أشهر من حين تزوج بها فالولد للأول، وإن كان لستة أشهر فصاعدًا فهو لاحق بالثاني إلا أن ينفيه باللعان، وإن لم يعرف ذلك وأشكل الأمر فلا يلحق به الولد، والقول قوله مع اليمين إلا أن يقيم البينة على أنها أتت به وهي زوجته لوقت يمكن أن يكون منه ويقبل فيه أربع نسوة [ق ٢ ب] أو شاهدان أو شاهدٌ وامرأتان، فإذا قامت على ذلك لحق به إلا أن ينفيه باللعان وفي صفة يمينه وجهان:
أحدهما: يقول: والله ما هذا الولد مني.
والثاني: يقول: والله لقد ولدته لزمان يستحيل أن يكون مني. والحلف على أنه من الزوج الأول بلا خلاف؛ لأن يمينه للنفي عنه لا للحوقه بغيره، فإن حلف كان منفيًا عنه باللعان، فإن نكل ردت على الزوجة ويمينها أن يحلف أن هذا الولد منه ما هو من غيره وجهًا واحدًا؛ لأنها في ذلك على يقين، فإذا حلفت لحق الزوج وله نفيه باللعان، وإن نكلت هل يوقف حتى يبلغ الولد فيحلف؟ وجهان بناءً على القولين في رد اليمين على
[ ١١ / ١٩٦ ]
الجارية المرهونة إذا ادعى الراهن أنه وطئها بإذن المرتهن وأنكره المرتهن ونكلا عن اليمين هل تحلف الجارية؟ قولان:
فإذا قلنا: يوقف فبلغ، فإن حلف يلحق به إلا أن ينفيه باللعان، وإن لم يحلف كان منفيًا عنه بلا لعان، وإن عرف لها زوج وأتت به لوقت يمكن أن يكون من الأول ويمكن أن يكون من الثاني بأن تضعه لأربع سنين فما دونه من طلاق الأول ولستة أشهر فصاعدًا من عقد الثاني ولم تقر باقتضاء العدة يرى القافة فإن ألحقه بالأول انتفي عن الثاني بلا لعان. وإن ألحقوه بالثاني لحق به ولا ينتفي عنه إلا باللعان، وإن لم يكن قافة وقف إلى زمان الانتساب وفيه قولان:
أحدهما: إلى استكمال سبع سنين اعتبارًا لحالة التخيير بين الأبوين.
والثاني: إلى البلوغ اعتبارًا بأن يكون لقوله حكم. فإن انتسب إلى الثاني لم ينتف عنه إلا باللعان، وإن قال: أردت أنها لم تلده وإنما التقطته أو استعادته فإن صدقته أو كذبته، كان الحكم على ما ذكرناه من أن القول قوله مع يمينه وعليها البينة أنها ولدته، فإن لم يكن بينة [ق ٣ أ] حلف ولم يلحق به الولد، وليس للولد بعد بلوغه تحديد الخصومة والاستلحاق.
قال أصحابنا: وصورة يمينه أنها ما ولدته. وقيل: قياس المذهب أن يحلف أنه لا يعلم أنها ولدته لأنه يمين على نفي فعل الغير، وإن نكل عن اليمين حلفت أنها ولدته ولا يحتاج أن تحلف أنه منه، فإن حلفت ثبتت الولادة ولحق الولد به الفراش إلا أن ينفيه باللعان، فإن نكل عن اليمين هل يتوقف إلى أن يبلغ الولد؟ وجهان على ما ذكرنا، وكلامه ههنا يدل على أنه لا يتوقف وإن كان هناك قافة هل يرجع إليها في إلحاقه بها إذا لم يكن لها بينة على الولادة؟ وجهان:
أحدهما: يرجع إليها فإن ألحقوه بها صار كالبينة على ولادتها فلحق به إلا أن ينفيه باللعان.
والثاني: لا يرجع إلى القافة في ذلك؛ لأن الولد من جهة الأم يمكن أن يعلم قطعًا ويقينًا فلا يجوز استعمال الاستدلال، وعليه الظن فيه بخلاف الأب يلحق به بقول القافة، لأن إلحاق الولد بالأب أبدًا بالاستدلال ثم إذا كان إلحاقه بالزوج بكل حالٍ يلحق بالأم وحدها لاعترافها بولادته؟ ينبني على دعوى المرأة وفيها ثلاثة أوجه ذكرناها، ولا يتصور في مسألتنا إلا وجهان؛ لأن لها زوجًا والمنصوص في كتاب التقاط في المنبوذ أنه لا يلحق بها لأن من لحوقه بها إلحاق بزوجها.
فإن قيل: أليس الأصول منهية على أنه لا يحلف شخص لحق شخص آخر، وإنما يحلف الرجل لحق نفسه ولهذا لم تستحلف الوكلاء والأوصياء والقوام، فلم أحلفتم الأم لإثبات نسب الولد، وهذه يمين شخص في حق شخص؟
[ ١١ / ١٩٧ ]
قلنا: حقيقة يمينها راجعة إلى ولادتها على فراشه، ثم إذا ثبت ولادتها على فراشه ترتب النسب على الولادة، ألا ترى أن النسب لا يثبت بشهادة النساء لكن إذا [ق ٣ ب] شهدت أربع نسوة على أنها ولدت على فراشه تثبت الولادة بشهادتين، ثم يترتب النسب على الولادة، فإن قيل: قد قلتم في "كتاب الطلاق" يقبل قول المرأة على زوجها في الحيض، وفي الولادة أيضًا على أحد الوجهين وقلتم ههنا لا يقبل قولها إلى بينةٍ قولًا واحدًا فما الفرق؟ قيل: الفرق أن ههنا تتعلق دعواها لحق ثالث وهو الولد وإلحاق نسبه فلم يقبل إذا اختلفا إلا ببينة، ولهذا قلنا: لا يقبل قولها في الحيض فيما يتعلق بحق ضرتها إذا قال: إن حضت فأنت طالق وضرتك، فقالت: قد حضت وكذبها يقع الطلاق عليها دون ضرتها، وهناك لا يتعلق بحق ثالث فافترقا.
قال القفال: فإن قال قائل: قال الشافعي في امرأة أتت بولد بعد البينونة لأكثر من أربع سنين وادعت أن الزوج راجعها أو وطئها بشبهة فالولد منه، فالقول قوله أنه لم يراجعها ولم يطأها، فإن نكل لم تحلف المرأة ههنا فما الفرق؟ قلنا: من أصحابنا من جعل المسائل كلها على قولين هل ترد اليمين عليها أم لا؟ ومنهم من فصل بأنه في مسألة دعوى الاستعادة أو كون الولد من زوج قبله لنقصان المدة فراشًا قائمًا في الحال فيحلف على ثبوت النسب بعد وجود سببه، وفي دعواها وطئ شبهة الفراش مرتفع في الظاهر، وإنما تدعي سببًا حادثًا من رجعةٍ أو طئ شبهةً فلا يقبل قولها. قال القفال: وعندي مسألة دعوى نقصان المدة كمسألة دعواها المراجهة وهو ينكر أنها باتت به على فراشه.
فأما مسألة دعوى الاستعادة فتحالفها لما ذكرناه، ولو قال: أنا عقيم، وهي عقيمة وليس الولد مني، قيل له: هذا ظن. وهكذا لو قال: هي عاقر [ق ٤ أ] لأنه يجوز أن تلد العاقر ويولد للعقيم، وهذا نبي الله تعالى زكريا ﷺ قال: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ [مريم: ٨] وقد بلغني الكبر ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ [مريم: ٨] فأجابه الله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٩] فجاءها الولد بعد اليأس فإذا صدقها على الولادة لا ينتفي عنه بهذا القول إلا أن ينسبه إلى وطئ رجل على فراشه مما يجوز أن يلاعن عليه فينتفي عنه بلعانه.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ قَالَ لَهَا: مَا هَذَا الحَمْلُ مِنِّي وَلَيْسَتْ بِزَانِيَةً وَلَمْ أُصِبْهَا" قِيلَ: "قَدْ تُخْطِئُ فَلَا يَكُونُ حَمْلًا فَيَكُونَ صَادِقًا وَهِيَ غَيْرُ زَانِيَةٍ فَلَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ".
الفصل:
إذا قال لها: هذا الحل ليس مني ولست بزانية ولم أصبك قلنا له: يجوز أن يكون
[ ١١ / ١٩٨ ]
ريحًا فسفس فلا يكون حملًا فتكون أنت صادقًا في قولك وتتربص حتى تستيقن أنه حمل، فإذا استيقنه الولادة قلنا له: يجوز أن يكون قد أخذت واستدخلتها فحملت منك فتكون صادقًا في قولك ما وطئتها ويكون الولد منك وإن لم يقل ذلك وأصر على نفيه.
قال الشافعي ههنا: قلت له: إن قذفت لاعنت. وظاهر هذا يدل على أنه لا يصح اللعان حتى يتقدمه قذف، وقال بعد هذا: وإن قذفها لاعنها، وقال أيضًا: وإنما أوجب الله تعالى اللعان بالقذف فلا يجب بغيره. وهذا أيضًا يدل على أنه يلاعن إذا قدم القذف وإلا فلا يلاعن، وقال بعده: ولو قال: لم تزن هي ولكنها عصت لم تنفِ عنه إلا باللعان. فأجاز اللعان من غير قذف.
وبيان المذهب فيه أنه مسائل:
أحدها: إذا قال: ما هذا الحمل مني وليست هي بزانية فهذا لا يلاعن بهذا القدر من الكلام؛ لأن الولد يلحق به بالفراش، فإذا قال: [ق ٤ ب] ليس مني لم يقبل منه حتى ينسبه إلى وطئ غيره لا يلحق بوطئ نسب.
والثانية: أن يقول له: ما هذا الولد مني هو ولد زنى من فلان بعينه، فهذا يلاعن قولًا واحدًا، ومثل هذا كانت قضية هلال بن أُمية.
والثالثة: أن يقول: هو ولد زنى ولم يقل من فلان بعينه فله اللعان أيضًا، ومثل هذا كانت قضية العجلاني.
والرابعة: أن يقول: ما هذا الولد مني وإنما هو من فلان وطئها بشبهة بأن وجدها على فراشه فظنها زوجته وهي ظنت أنه زوجها، لا يكون قاذفًا لهما ولا يجب الحد، فإن كان حملًا لا يلاعن لجواز أن يكون ريحًا على ما ذكرنا.
فإن وضعته، قال أبو حامد، وجماعة: لا يلاعن قولًا واحدًا؛ لأنه وطئ شبهة يجوز لحوق الولد به إن ألحقته القافةَ به فينتفي عنه بغير لعان، وإذا أمكن نفي النسب بغير لعان لم يجز أن يلاعن لنفيه لولد الأمةَ لما جاز أن ينتفي بدعوى الاستبراء لم يلاعن، وهذا لا يصح لأنه يجوز أن ينكر فلان المرمى به الوطء فلا يلحقه الولد، ولو أقر بالوطئ يجوز أن لا تلحقه القافةَ به، والصحيح أن يقال: ينظر فإن أقرّ فلان بوطئها وصدقه على ما قال، فلا لعان، وتدعى له القافة، فإن ألحقوه بالمرمى بوطئها انتفي عن الزوج بلا لعان، وإن ألحقوه بالزوج اضطر إلى نفيه باللعان، وهل يجوز لعانه منه بغير قذف؟ قولان:
أحدهما: وهو الأصح، وبه قال أبو إسحاق يصح، لأن هذا الوطء مفسدة لفراسه كالزنى فكان له اللعان، ولأنه إذا اعترف أنهما لم يزنيا لا يجوز أن يكذب عليهما في رميهما بالزنى، فعلى هذا يقول في لعانه: أشهد بالله، أني لمن الصادقين فيما رميتها به
[ ١١ / ١٩٩ ]
من إصابة غيري لها على فراشي [ق ٥ أ] وأن هذا الولد من تلك الإصابة ما هو مني، فإذا أكمل لعانه انتفي عنه النسب ولم تلاعن المرأة بعده؛ لأن هذا اللعان لا يوجب الحد عليها؛ لأنه قد أثبت وطء شبهة لا يوجب الحد، ولعانها مقصور على إسقاط الحد، وهو اختيار مشايخ الخرسان.
والثاني: وبه قال المزني وهو مخرج من كلام محتمل للشافعي أنه لا يجوز أن يلاعن منه حتى يتضمنه قذف يوجب الحد؛ لأن اللعان مقام خزي فلم يجز إلا أن يكون مثله، ولأن فحوى الكتاب ونص السنة جاءت بمثله، فعلى هذا في كيفية قذفه وجهان:
أحدهما: تصريح الزنى حكام أبو حامد.
والثاني: لمعارض الزنى كقوله: فجرت بوطئ غيري، أو وطئت وطئًا حرامًا لئلا يصرح بتكذيب نفسه، وهذا أشبه، فإن وقع الاقتصار منه على معاريض القذف بتلفظ في لعانه كقوله: أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما رميتها به من وطء الفجور، أو من وطء الحرام، وأن هذا الولد ما هو مني ولا يلزمها أن تلاعن بعده سواء أضاف الفجور إليها أو إلى الوطئ، لأنه كتابه لا يوجب الحد، وإن قلنا: لابد من القذف الصريح، فإن قذفها لاعن ولا عنت.
وقوله في الأول: لا أقذفها لا يمنع من قذفها، لأن الرجل قد يمتنع عن قذف شخص ولو قذفه كان صادقًا، وإن قذفه دونها لاعن ولم تلاعن بعده، وإن قذفها دونه لاعن ولاعنت بعده؛ لأن لعانه من قذفها موجب للحد عليها فلم يسقط إلا بلعانها، ولعانه من قذف الواطئ وحده موجب للحد عليها فلم يحتج فيه إلى اللعان.
والخامسة: أن يقول: وطئك فلان بشبهة وكنت عالمة بأنه أجنبي، فههنا قذفها دونه فيجوز على مذهب الشافعي [ق ٥ ب] أن يلاعن لنفي النسب وسقوط الحد؛ لأن هذا الوطء مفسد لفراشه على ما ذكرنا.
وقال أبو حامد: لا يلاعن لنفي النسب؛ لأن وطء شبهة وفي حق الرجل يوجب لحقوق الولد به إن ألحقته القافة فينتفي عنه بغي لعان، وقد أبطلنا هذا.
والسادسة: أن يقول فلان: أكرهك على الوطء، أو وطئك وأنت نائمة ولست بزانية، وما هذا الولد مني، فههنا قذفه ولم يقذفها يجوز أن يلتعن بهذا القذف وينفي ولدها سواء سمي المكره أم لا.
وحكي المزني في جامعة الكبير: إن سمي المكره لاعن، وإن لم يسمه لا يلاعن لأن الحد يجب عليه إذا سماه ولا يجب إذا لم يسمه. واللعان عندنا لا يجوز إلا في قذف يوجب الحد، قال الإمام صاحب "الحاوي" نظرت في جامعة الكبير فلم أره مصرحًا بذلك، وإن كان كلامه محتملًا، فإن صح عنه هذا فهو باطل لأمرين:
[ ١١ / ٢٠٠ ]
أحدهما: أن تسمية المقذوف [ليست] من شروط اللعان ولا سقوط الحد بمانعٍ من لعانه من نفي النسب كما في المجنونين، إذا قال: زنا هذا المجنون بهذه المجنونة وما هذا ولدي.
والثاني: أنه لما كان هذا الوطء في إفساد الفراش كغيره وجب أن يساويه في نفس النسب بلعانه.
وقيل: فيه قولان أيضًا؛ لأنه تجرد عن قذف أحد الواطئين كما لو لم يقذف الواطئ وقذفها على ما ذكرنا وهذا لا يصح، وأراد الشافعي بالقذف حين قال: "إن قذفها لاعنها" أن لا يقتصر على قوله ليس مني حتى ينسبه إلى وطء لا يلحق به النسب؛ لأن المقصود أن يُبرأ يلحق الولد جهةً محتملةً.
واعلم أن المزني نقل منها في أثناء المسائل. ولو نفي ولدها، وقال: لا ألاعنها ولا أقذفها لم يلاعنها ولزمه الولد.
وقال أبو إسحاق [ق ٦ أ] قال في الأم بخلاف ما حكاه المزني قال فيه: "ولو نفي ولدها، وقال: ألاعنها ولا أقذفها لم يلاعن، وهذا هو الصحيح وذلك غلط من المزني في النقل وتعليله يدل عليه؛ لأنه قال بعده؛ وإذا قذفها لاعنها لأنه إذا لاعنها بغير قذف فإنما يدعي أنها لم تلده، فدل أن المسألة الأولى إذا أراد اللعان وامتنع من القذف كما ذكره في "الأم" ومن هذا قال بعض أصحابنا: إنه لابد من قذف يوجب الحد، وقد ذكرنا أن الصحيح خلاف هذا والمراد باعتبار الفرق ما ذكرنا.
فرع:
لو قال: رأيت رجلًا يطأها ثم قال: عنيت زوجها قُبل وحلف، فإن نكل حلفت بالله أنه أراد قذفها فيحد، وإن لم يقل شيئًا، وقال: ما نويت بقول آخِرًا فيه وجهان:
أحدهما: لا شيء عليه.
والثاني: أنه يحلف أنه أراد قذفها فيحد.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ قَالَ لاِبْنِ المُلَاعِنَة لَسْتَ بابْنِ فُلَانٍ أُحْلِفَ مَا أَرَادَ قَذْفَ أُمِّهِ"
الفصل:
إذا قذف زوجته ونفي الولد فقال لهذا الولد: لست بابن فلان لم يكن قاذفًا لابنه،
[ ١١ / ٢٠١ ]
لأنه لفظ يحتمل القذف وغيره، وهو أنه يريد أن ثلاثًا قذفناك فلست بابنه، فإذا لم يكن قاذفًا سألناه عن مراده، فإن قال: أردت أم أمه أتت به من زنى فقد قذف أمه، فإن كانت محصنة يلزم الحد، وإن كانت نصرانية أو أمة فعليه التعزير، وإن قال: ما أردت أن أمه زنت وإنما أردت أن أباه قد نفاه باللعان نظر، فإن صدقته أمه فيما فسره فلا شيء عليه، وإن كذبته وقالت: هل أردت قذفي؟ فالقول قول لأنه أعرف نيته، فإن حلف برئ من الحد ولكنه يعزر للأذى؛ لأنه ليس له أن يحدد عليه ذكر نفيه، وإن نكل رددنا اليمين عليه، فإن حلف ثبت أنه قذفها فإما أن يكون عليه الحد [ق ٦ ب] إن كانت محصنة أو التعزير إن لم تكن محصنة، ثم قال الشافعي: ولو قال ذلك بعد أن أقَرَّ به الذي نفاه وحُدَّ إن كانت امرأته حرة إن طلبت الحد والتعزير إن كانت نصرانية أو أمة، فجعل هذا قذفًا لأمه في الظاهر إذا كان الملاعن أكذب نفسه واستلحق نسبه.
قال المزني: قد قال في الرجل يقول لابنه: لست بابني أنه ليس بقاذف لأمه حتى يسأل، لأنه قد يمكن أن يعزيه إلى حلال.
واختلف أصحابنا فيه على طرق:
إحداها: أنه ينقل الجواب من كل واحدةٍ من المسألتين إلى الأخرى فيخرج على قولين، واختار المزني لا يكون قذفًا فيهما للاحتمال.
والثانية: أنه يحتمل النصان على ظاهرهما ففي الأجنبي يكون قذفًا لها بخلاف الأب، والفرق أن الأب لا يستغني عن تأديب ولده تارة بالكلام وتارة بالضرب، فربما يقول: هذه المقالة ومراده زجر وتأديب وتغليظ عليه، فلهذا جعلناه من جهته كناية. وأما الأجنبي فقد أغناه الله تعالى عن مخاطبة ولد الأجنبي بمثل هذه المقالة فجعلنا منه قذفًا صريحًا ظاهرًا، وهذا اختيار القفال وهو حسن.
والثالثة: أنه لا فرق بينهما ويكون قذفًا منهما في الكلام، والذي قاله المزني في الأب إذا قال ذلك قبل استقرار نسبة حال وصفه، فإنه يحتمل أن يكون معناه أنها لم تلد ولكنها استعادته أو التقطته، وإن قال الأب ذلك بعد استقرار نسبه يكون قذفًا لها. ويحكى هذا عن أبي إسحاق.
والرابعة: أنه لا فرق بينهما ويكون كناية معًا في الظاهر، يحكى أن هذا عن أبي إسحاق وهو ضعيف؛ لأن الشافعي فرق بينها وبين ذلك بعد الاستلحاق أو قبل الاستلحاق وفي كونه كناية لا فرق.
فإذا تقرر هذا وجعلناه قذفًا لها في الظاهر [ق ٧ أ] من الأجنبي فقال: أردت أنك لم تكن ابن فلان حين قال بلعانه، وإن صرت ابنًا له بعد الإقرار يُقبل مع يمينه ولا يلزمه الحد لإمكان ما قال، فإن قيل: أليس لو قال: يا زانية ثم قال: أردت زنى العين لم يُقبل؟ قيل: لأنه قذف صريح في الظاهر والباطن فلم ينو، وههنا تعريض بقذف في الظاهر دون الباطن فجاز مع الاحتمال أن ينوي. وإن كان الابن ثابت النسب لم يجز عليه لعان يقال:
[ ١١ / ٢٠٢ ]
أحس هذا كان قذفًا في الظاهر والباطن لأنه لا احتمال فيه، نص عليه الشافعي.
وحكي المزني عنه في الأب أنه إذا قال لابنه: لست بابني لا يكون قذفًا فاختلف أصحابنا فيه على طرق:
أحدها: فيها قولان:
أحدهما: أنه صريح منهما بالقذف.
والثاني: لا يكون صريحًا لأنه يحتمل أنه ليس ابنه للاختلاف في الأفعال والأخلاق، فعلى هذا ماذا حكمه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يكون قذفًا في الظاهر دون الباطن اعتبارًا بالأغلب من حاليه، فعلى هذا يؤاخذ بالحد إلا أن يقول: لم أرد به القذف وحلف.
والثاني: أنه كناية ينوي فيه ولا يحد إلا أن يريد به القذف بخلاف المستلحق، والفرق أن المستلحق لما اعتل نسبه باللعان صار الظاهر من نفيه قذف ابنه وغيره لم يعتل نسبه، فصار الظاهر من نفيه مخالفة أبيه في أفعاله وأخلاقه.
والثانية: وهو اختيار ابن أبي هريرة يحمل المصاف على ظاهرهما والفرق ما ذكرنا.
والثالثة: الذي قال لا يكون قذفًا إذا لم يكن عند ولادته قبل استقرار نسبه فلا يكون قذفًا منهما والذي قال: يكون قذفًا منهما والفرق أن النسب ضعيف قبل استقراره بخلاف ما بعد استقراره وهو اختيار أبي إسحاق.
مسألة:
قَالَ: "وَإِذَا نَفَيْنَا عَنْهُ وَلَدَهَا بِاللِّعَانِ، ثُمَّ جَاءَتْ بَعْدَها بِوَلَدٍ لأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ مَا يَلْزَمُهُ [ق ٧ ب] لَهُ نَسَبُ "وَلَدِ" المَبْتُوتَةِ فَهُوَ وَلَدُهُ إِلَّا أَنْ يَنْفِيَهُ بِلَعَانٍ".
إذا قذف زوجته ونفي النسب ثم أتته بولد بعد هذا النفي لا يخلو إما أن يكون لاعن على الولد أو على الحمل، فإن كان لعانه على الولد مثل أن يقذفها وهي حامل فلم يلاعن حتى وضعت ثم لاعنها ونفاه، أو قذفها بعد الوضع ونفاه ثم أتت بولدٍ بعد هذا الولد لا يخلو إما أن تأتي بالثاني لدون ستة أشهر من وضع الأول أو لستة أشهر، فإن كان لدون ستة أشهر فهو الأول حمل واحد؛ لأن الله تعالى أجرى العادة إذا كان بينهما دون ستة أشهر أن لا يكونا إلا من ماء رجلٍ واحدٍ ولا يجوز أن يكونا من ماء رجلين، فإن أراد نفي الثاني فعليه أن يلتعن حتى ينفيه؛ لأنه أفرد ففي الأول باللعان فلا يكون نفيًا للثاني احتياطًا للنسب، فإنَّا إذا عرضنا عليه اللعان ربما يمتنع فيلحقه الولدان جميعًا، ولهذا نقول: يلحق النسب بالإقرار وربما يستدل به على الإقرار من السكوت
[ ١١ / ٢٠٣ ]
وغيره، ولكن لا ينفي إلا بالصريح. وإذا لاعن ثانيًا لنفي الولد الثاني هل يحتاج إلى ذكر الولد الأول في لعانه؟
قال بعض أصحابه بخراسان: فيه وجهان؛ الأشهر أنه يحتاج إليه والأقيس عندي أنه لا يحتاج إليه، وإن لم ينفه ولكنه سكت أو استلحق الثاني لحقه الأول معه؛ لأنه لا يجوز أن ينفي بعد الحمل دون بعض، وإن أتت به لستة أشهر فصاعدًا من حين وضعت الأول فالثاني حمل ثانٍ؛ لأن الله تعالى أجرى العادة إذا كان بينهما ستة أشهر أنهما حملان، فيصح أن ينفي أحدهما دون الآخر، ثم نظر فيه، فإن نفي الثاني باللعان فلا كلام، وإن سكت أو استلحق لم يلحقه الأول؛ لأنهما حملان فيصح نفي أحدهما دون الآخر، هذا كله إذا كان [ق ٨ أ] اللعان على الولد، فإن كان اللعان على الحمل فقد بانت وانتفي حملها منه، فإن وضعت ولدًا كان منفيًا عنه بذلك اللعان، فإن وضعت آخر لا يخلو إما أن تأتي به لدون ستة أشهر من حين وضعت الأول أو لستة أشهر، فإن أتت به لدون ستة أشهر فالحمل واحد والحمل منفي عنه بذلك اللعان، لأن اللعان على الحمل إشارة إلى جميع ما يشتمل عليه الرحم، فهو كما لو أشار في اللعان الواحد إلى الولدين معًا بعد الولادة فيجوز، وإن أتت به لستة أشهر فصاعدًا من حين وضعت الأول، والثاني منفي عنه بغير لعانٍ لأنها تقطع أنها حملت به بعد البيتوتة وانقضاء العدة. فإن قيل: أليس إذا بانت زوجته بطلاقٍ أو لعانٍ أو غير ذلك فانقضت عدتها بغير الوضع، ثم أتت بولدٍ لدون أربع سنين من حين البيتوتة لحق به الولد إلا أن ينفيه باللعان، فلم قلتم أنه إذا انقضت عدتها ههنا بالوضع ثم أتت بولد لأكثر من ستة أشهر لا يلحق؟ قلنا: الفرق أن هناك حكمنا بانقضاء عدتها طاهرًا ويجوز أن تكون قد حاضت على الحمل فألحقنا به الولد وههنا قطعنا ببراءة رحمها بوضع الحمل فلا يمكن أن يكون هذا الولد الثاني منه فلم يلحق به. وذكر بعض أصحابنا بخراسان ههنا أنه إذا لم يلاعن لنفي الثاني لحقه دون الأول لاحتمال أنها علقت به بعد وضع الأول وهو غلط ظاهر.
فرع:
لو أتت بولد فلاعنها ونفاه، ثم أتت بولد آخر لأقل من ستة أشهر فقال: لا أنفي ولا ألاعن كان إقرارًا أو تكذيبًا لنفسه في الأول فيلحق به الولدان جميعًا، ولو قال: أنفيه ولكني لا ألاعن والنفي باللعان الأول لم يكن إقرارًا منه، وقلنا: أنت في قولك أكتفي باللعان الأول مخطئ ولابد لك من استئناف اللعان [ق ٨ ب].
فرع آخر:
قال القفال: إذا قال: لا ألاعن لنفي الولد الثاني لا يحد إلا أن يقر بالثاني صريحًا، فيكون قد كذب نفسه في الولد الأول فيحد؛ لأنه كان في لعانه معاضلة آخر من وقوع الفرقة، وكذا الحد فسكوته عن الولد الثاني لم يبطل أصل لعانه ولا جميع مقصوده
[ ١١ / ٢٠٤ ]
باللعان الأول فلا يجعل مكذبًا نفسه، ولا يكون كأنه لم يلاعن أصلًا، ويفارق هذا إذا كانت الولادة بعد البينونة بالطلاق أو غيره فنفاه باللعان بعد الولادة، ثم جاءت بولد آخر لأقل من ستة أشهر، وقال: لا ألاعن لنفي الولد الثاني يلزمه الحد لأن لعانه لم يعمل إلا عملًا واحدًا، وإذا أبطله بالامتناع من نفي الثاني باللعان جعل كأنه لم يلاعن ويلزمه الحد، وهذا حسن لم يذكره غيره.
مسألة:
قَالَ: "وَإِذَا وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ فَأَقَرَّ بِأحدهما وَنَفي الآخَرَ فَهُمَا ابْنَاهُ".
الفصل:
المسألة مفروضة فيه إذا ولدتهما معًا في وقت واحدٍ، أو أحدهما بعد الآخر وبينهما أقل من ستة أشهر فهما حمل واحد، فإن أقر الزوج بأحدهما ونفي الآخر لحقه معًا؛ لأن الكل حمل واحد، فإذا ألحق بعضه لحق كله، وإن نفاهما معًا باللعان ثبت نسبهما من أمهما وزال نسبهما منه فيرثان أمهما ولا يرثانه. وأما التوارث فيما بينهما إذا مات أحدهما، قد ذكرنا فيما تقدم وقيل: في هذا وفي الولدين من زنا في بطن واحد إذا مات أحدهما ثلاثة أوجه:
أحدها: أن أخاه يرثه بقرابة الأم في المسألتين جميعًا.
والثاني: يرثه بقرابة الأب والأم، وهو اختيار الداركي لأنهما مخلوقان من ماء رجل واحد، ولا يكون الحمل الواحد إلا من رجل واحد، فإن قيل: لما كانت القرابة منقطعة بينهما وبين الواطئ فكذلك القرابة منقطعة بينهما من جهة الواطئ، قلنا: الشريعة [ق ٨ أ] قطعت القرابة من الواطئ تغليظًا عليه لما ارتكب من المعصية، وهذا كما يقول الأب القائل لا يرث ابنه ويرث أخوه بقرابة الأب والأم؛ لأن المانع يخص الأب دون الأخوين كذلك ههنا.
والوجه الثالث: أنه يفرق بين ولدي الملاعنة وبين ولدي الزنى، فيرث الأخ من ولدي الملاعنة بقرابة الأب والأم جميعًا، ومن ولدي الزنى بقرابة الأم دون قرابة الأب، لأن ولدي الزنا لا يجوز أن يكون لهما أب، فإنه لو أكذب نفسه وأقرَّ به حلفناه، وهكذا حكاه القاضي الطبري عن ابن أبي هريرة وصاحب الإفصاح، والصحيح الأول وهو المشهور من مذهب الشافعي؛ لأنه لا أب لهما وإذا لم يكن لهما أب لم يجز أن يكون أخًا من الأب، لأن الإخوة فرع الأبوة فإذا لم يثبت الأصل لم يثبت الفرع.
وأما قوله: إنه لا يتعدى الأب تغليظًا عليه لا يصح؛ لأنه لو كان كذلك لوجب أن يرثه الابنان بالبنوة ولا يرثهما بالأبوة تغليظًا عليه، فلما كان الإرث منقطعًا من الجهتين
[ ١١ / ٢٠٥ ]
دل على ما قلناه، فإن قيل: الأب لما لم يكن متعينًا لم تثبت الأبوة والأخ. من جهة الأب، قد يتعين، فوجب أن تثبت الإخوة ألا ترى أن الأم لما تعينت ثبتت الأمومة، قلنا: الأب لما لم يتعين لم يثبت أب، وإذا لم يكن أب لم يجز أن يكون أخ من أب، ولأن هذا يقتضي أن الصادق لو أخبر أنه مخلوق من ماء الزاني لم تثبت الأبوة وترثه الأم، فإن ارتكب هذا القائل هذا خالف قول النبي ﷺ: "وللعاهر الحجر".
فرع:
إذ لاعن من زوجته الابنة حرمت عليه، ولو اشتراها بعد ذلك لم يحل له وجهًا واحدًا، ولو اشترى للمطلقة الثلاث حلت له في أحد الوجهين، والفرق أن تحريم الطلاق [ق ٩ ب] لا يتأبد لأنها تحل بعد زوج آخرٍ وإصابته؛ بخلاف تحريم الملاعنة فإنه يتأبد، ولأن تحريم الطلاق يختص بالنكاح فحلت بملك اليمين، وتحريم اللعان لا يختص بالنكاح، لأنه يصح في النكاح الفاسد، وفي البائنة فافترقا.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ مَاتَ أحدهما ثُمَّ الْتَعَنَ نُفِيَ عَنْهُ الحَيُّ والميِّتُ".
الفصل:
إذا ولدت امرأته ولدين ولم يعترف لواحد منهما بل نفاهما فمات أحدهما لاعن عن الحي والميت جميعًا، فإذا لاعن عليهما انتفيا عنه.
واعلم أنه لم يذكر الشافعي لفظ اللعان ههنا، ومراده إن سمي في اللعان الحي والميت جميعًا ولا ينفي عن أحدهما بتسمية الثاني، وإن كانا في بطن واحدٍ لأنهما لا ينفيان إلا معًا ولا يثبتان إلا معًا.
وقال أبو حنيفة: يلحقه نسب الحي ويلاعن للقذف، وبنى ذلك على أصله أنه لا يجوز نفي الميت باللعان، وإذا لم ينف الميت لم ينف الحي لأنهما حمل واحد فلا يصح نفي بعضه، واحتج على أن الميت لا يصح نفيه بأنه انقطع نسبه بموته فلا حاجة إلى نفيه باللعان، كما لو ماتت لا يلاعنها بعد الموت لقطع النكاح، وهذا غلطٍ؛ لأن هذا الميت ينسب إليه يقال: هذا ابن فلان فيلزمه تكفينه وتجهيزه فكان له قطع نسبه وإسقاط مؤنته عن نفسه. وأما ما ذكره لا يصح لأنه بيَّنا أنه لم ينقطع نفيه بموته، ولو مات الولدان معًا أو كان مال ولدٌ واحدٌ فمات.
قال أصحابنا بالعراق: يلاعن أيضًا للنفي على ما ذكرنا، وقال بعض أصحابنا: لا يلاعن ههنا للنفي ولكن يلاعن لدرء الحد؛ لأنه لا ضرورة إلى اللعان في مثل هذا
[ ١١ / ٢٠٦ ]
الموضع، ثم قال في المختصر: ولو نفي ولدها باللعان، ثم ولدت آخر بعده بيوم فأقر به لزماه جميعًا [ق ١٠ أ] وقد شرحنا حكمه فيما قبل، ثم قال: وقال بعض الناس -يعني أبا حنيفة- لو مات أحدهما قبل اللعان لاعن ولزمه الولدان وهما عندنا وعنده حمل واحد فكيف يلاعن ويلزمه الولدان؟ قال من قبل: إنه قد ورث الميت منهما، قيل له: ومن زعم أنه يرثه بل إذا لاعن نفي عنه الولدان ولا ميراث له من الميت، وقد ذكرنا هذا أيضًا.
مسألة:
قَالَ: "وَقَالَ أَيْضًا: "لَوْ نَفَاهُ بِاللَّعَانِ وَمَاتَ الْوَلَدُ فَادَّعَاهُ الأَبُ ضُرِبَ الحَدَّ وَلَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ وَلَمْ يَرِثَهُ الأَبُ".
الفصل:
هذه حكاية مذهب أبي حنيفة أنه قال: إذا ولدت ولدًا ونفاه باللعان ومات الولد ثم أكذب نفسه وأقرَّ به لا يقبل إقراره ولا يلحق نسبه ولا يرثه، إلا أن يكون خلف ولدًا فحينئذٍ يقبل ويرث، وعندنا إذا أكذب نفسه وأقرَّ به يلحقه سواءً خلف ولدًا أو لم يخلف ترك له مالًا أو لم يترك، ذكرًا أو أنثى والدليل على صحة هذا أن هذا ولد نفاه باللعان، فكان له استلحاقه كما لو كان حيًا أو كان له ولد، ويؤكده أن الأنساب لا تموت بموت الأشخاص وللميت نسب كما للحي نسب، ولا يصح مايقول أصحاب أبي حنيفة: إن الحي يحتاج إلى النسب والميت لا يحتاج إليه إذ ليست الأنساب إلى الحاجة وإنما الأنساب بالوجود.
واحتج الشافعي فقال: لا فرق بين أن يترك ولدًا أو لم يتركه؛ لأن هذا الولد المنفي إذا مات فنفي السبب ثم أقرَّ به لم يعد إلى النسب؛ لأنه فارق الحياة بحال فلا ينتقل عنها فلذلك ابن المنفي في معنى المنفي وهذا إلزام عليه.
ثم قال: وهو لا يكون ابنًا بنفسه فكيف يكون ابنه بالولد المنفي الذي قد انقطع نسب الحي منه والذي ينقطع به نسب الحي [ق ١٠ ب] ينقطع به نسب الميت، لأن حكمهما واحد وأراد بهذا الكلام أن إلحاقه به موجب كونه حاقدًا لهذا الرجل ولا يكون حاقدًا إلا بثبوت نسب الواسطة قد مات ونسبه منقطع عندك ولو لم يكن هذا الحاقد موجودًا لم يعد عندك نسب ذلك الميت، فكيف يعود نسب إلحاقه وكيف يجوز أن يصير الأصل تبعًا للفرع؟ ثم نقول لأبي حنيفة أيضًا: إن كانت العلة عندك أنه يتهم باختلاف الميراث فهو محال إذ لا يتهم أحدًا بأنه يلتزم الحد والعار ليرث ولأنه التهمة موجودة إذا خلف ولدًا وثبت النسب بإقراره ولأنه إذا مات معسرًا فالتهمة غير موجودة وعندكم لا يلحقه نسبه ولأنه يتهم باستلحاق الحي الموسر عند إعساره للاحتياج إلى النفقة ويلحقه مع ذلك.
[ ١١ / ٢٠٧ ]
وقال مالك: إن بدأت غنيًا ذا مال يلحق به، وإن كان معسرًا لا يلحق لأن موت الغني باقي العلق وموت الفقير ينقطع العلق، حكاه صاحب الحاوي عنه وهذا غلط لأنه يلحق به نسب الحي فلذلك نسب الميت كما لو كان غنيًا.
ثم قال للشافعي: "وَلَوْ قُتِلَ وَاقْتُسِمَتْ دِيَتُهُ ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ لَحِقَهُ وَأَخَذَ حِصَّتَهُ مِنْ دِيتِهِ وَمَالِهِ".
الفصل:
وشرحه قد ذكرناه.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ قَالَ لامْرَأَتِهِ: "يَا زَانِيَةُ: فَقَالَتْ: زَنَيْتُ بِكَ أَوْ بِكَ زَنَيْتُ".
فالزوج قاذف وعليه الحد إلا أن يقيم البينة أو يلتعن والزوجة ليست بقاذفة؛ لأن قولها: "بك زنيت" يحتمل القذف وغير القذف، وذلك أنه يحتمل ثلاثة أشياء؛ قذف صريح وهو أن يقول: قد زنيت بي قبل الزوجية أو زنيت بك وأنت غير زانٍ لأنك وجدتني على فراشك فعرفتك أجنبيًا أو ظننتني زوجتم ويحتمل: ما زنيت أنا ولا أنت لقوله: سرقت فيقول: معك سرقت [ق ١١ أ] أي لم أسرق كما لم تسرق، فإذا احتمل كل هذا سألناها عن مرادها، فإن أقرب بالقسم الأول فقد اعترفت بالزنى وقذفته فعليها الحدان معًا ويسقط حدّ الزنى وسقط حدّ القذف لأنها قد صدقته، وإن فسرت بالقسم الثالث وأنه ما زنى واحد منا فما اعترفت بالزنا، فإن صدقها فلا حدّ عليها والزوج قاذف، وإن كذبها وقال: بل أردت قذفي والإقرار على نفسك بالزنى فالقول قولها مع يمينها، لأنها في جواب هذا الخطاب لا يبعد أن يريد هذا المراد، وصورة يمينها أنها تحلف أنها ما أرادت الإقرار بالزنى ولا تحلف ما زنت ويكون يمينها في حق الزوج لما يتعلق به من سقوط حدّ القذف عنه لا في حق الله تعالى؛ لأن منكر الزنى لا يحلف، وفي القذف يحلف بالله تعالى أنها ما أرادت قذفه ولا يحلف أنها قذفته، وهل يلزمها في الأمرين يمينًا واحدة أو يمينين؟
قال صاحب "الحاوي": يحتمل وجهين:
أحدهما: "يمينًا واحدًا يتعلق الحق فيها بشخص واحد.
والثاني: يمينين؛ لأن لكل واحد منهما حكمًا يخالف حكم الآخر، فإن حلفت على الأمرين سقط عنها حدّ الزنى، وحدّ القذف، ووجب عليه حدّ القذف لها إن تلاعنا، وإن
[ ١١ / ٢٠٨ ]
نكلت في الأمرين أحلف الزوج عليها أنها أرادت الإقرار بالزنى وأرادت قذفه بالزنى، وهل يحلف يمينًا أو يمينين على ما ذكرنا من الوجهين. فإذا حلف سقط عنه حدّ قذفها ووجب عليها حدّ قذفه ولم تحدّ للزنا؛ لأنها لا تحدّ في الزنى بيمين غيرها، وإنما كانت يمين الزوج في حقّ نفسه لا في حق الله تعالى.
فإن قيل: أليس توجبون حدّ الزنى عليها بلعانة ولعانة يمين عندكم. قيل: اللعان جعل حجة للزوج قائمًا مقام البينة لإثبات الزنى عليها لحاجته إلى ذلك ولهذا يرد تعدد الشهادة فثبت الزنى، وههنا يمينه لأجل ما ادعاه [ق ١١ ب] من سقوط حدّ القذف عنه ووجوب حدّ القذف عليها لإثبات الزنى؛ لأنه لو ادعى زناها لم يحلف بحالٍ فافترقا.
واعلم أنه لا تسمع الدعوى في الزنى على أحدٍ إلا في مسألة واحدة، وهي أن يقذف رجلًا فيطالب المقذوف بحدّه فيقول القاذف للحاكم: أحلفه أنه لم يزن فإن حلف برئ من الزنى، وإن لم يحلف ردت اليمين على القاذف، فإن حلف سقط عنه حدّ القذف ولم يجب على الناكل حدّ الزنى، وكذلك لو قالت أردت أنه لم يكن وطئ إلا منك، فإن كان ذلك زنا منك فأنت أعلم فالقول لها مع يمينها وهذا احتمال رابع.
فرع:
لو قالت هذا ابتداءً لزوجها زنيت بك فهذا اعتراف بالزنى وقذف له، فلا يقبل التأويل ههنا منها، لأنها لم تخرج هذا الكلام على وجه المقابلة لكلامه بخلاف المسألة قبلها.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَانَتْ قَالَتْ لَهُ: بَلْ أَنْتَ أَزْنَى مِنِّي فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا لأَنَّهُ لَيْسَ بِقَذْفٍ إِذَا لَمْ تُرِدْ بِهِ قَذَفًا".
الفصل:
إذا قال لها: يا زانية فقالت في الجواب: بل أنت أزنى مني يكون كناية في الجواب، ويحتمل الاحتمالات الأربعة وهي أنك زنيت بي قبل النكاح وكنت أزنى مني لاختصاصك بالفعل.
والثاني: أني ما زنيت ولا أنت إذا لم يطأني أحد غيرك، فإن كنت به زانية فأنت أزنى مني فإنك أنت الواطئ والداعي إليه والحامل عليَّ.
والثالث: أني ما زنيت فإني وجدتك على فراشي فظننت أنك زوجي وأنت عرفت أني أجنبية.
[ ١١ / ٢٠٩ ]
والرابع: أني ما زنيت ولا أنت وأنه لم يطأني سواك.
فإن قالت: أردت القسم الأول فقد أقرت بالزنى وقذفته، وقد سبق حكمه، وإن قالت: أردت القسم الثاني فالقول قولها على ما ذكرنا، وإن قالت: أردت القسم الثالث فقد قذفته [ق ١٢ أ] وما أقرت بالزنى ولكنها أقرت بوطء حرام فسقط حدّ قذفها ويجب له حدّ القذف عليها، والقسم الرابع راجع إلى القسم الثاني، وقيل: يحتمل ههنا القسم الرابع وليس كذلك على ما ذكرنا من البينتين.
فرع:
لو قالت في الابتداء هذا القول هل يكون كناية كالجواب أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: يكون كناية كالجواب؛ لأن أزنى صفة محتملة فاستوت في الابتداء والجواب.
والثاني: قاله الداركي أنه قذف صريح عند الابتداء؛ لأنه يكون في الجواب إذًا فجعل كناية وفي الابتداء يكون جرحًا فكان صريحًا كقولها: زنيت بك في الجواب كناية، وفي الابتداء صريح.
وقال مالك: هذا اللفظ صريح فيها يوجب الحد بكل حالٍ، وهو بناء على أصله في أن معاريض القذف له صريح يوجب الحد.
مسألة:
قَالَ: "وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ أَزْنَا مِنْ فُلَانَةَ أَوْ أَزْنَا مِنْ النَّاسِ لَمْ يَكُنْ هَذَا قَذْفًا إِلَّا أَنْ يُريدَ بِهِ قَذْفًا".
إذا قال لها: أنت أزنا من فلانة لم يكن قذفًا بظاهره؛ لأنَّا لا نعلم أن فلانة زانية ولم يذكر هو أن فلانة زانية، فإن قيل: هذا اللفظ يوجب كونها زانية لأن أفعل يقتضي الاشتراك، ألا ترى أنه إذا قيل فلان أكرم من فلان يقتضي الكرم لهما، قلنا: قد ترد كلمة أفعل مقتضيًا للاشتراك، وقد يرد سلب الاشتراك، ألا ترى قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّ﴾ [الفرقان: ٢٤]، ولا خير لأهل النار ولم يتضمن الاشتراك، وإذا ثبت هذا قيل له: ما أردت؟ فإن قال: ما أردت القذف لأن فلانة ليست بزانية وإنما أردت بذلك النفي، فإن صدقته فلا كلام وإن كذبته فالقول قوله مع يمينه، ولو قال: أردت أن فلانة زانية وأنت أزنى منها، أو قال في الابتداء هكذا كان قذفًا صريحًا. وحكي عن المزني أنه لا يكون صريحًا ههنا أيضًا [ق ١٢ ب] وهذا غلط ظاهر لما ذكرنا.
وقال صاحب "الحاوي": هكذا ذكر أصحابنا والصحيح عندي أنه إذا قال: أنت
[ ١١ / ٢١٠ ]
أزنى من (فلانة) يكون قذفًا صريحًا لزوجته وكنايه في قذف فلانة، لأنه صريح فيها بلفظ الزني، وأدخل ألف المبالغة زيادة في تأكيد القذف كما دخلت الألف في أكبر مبالغه للتعظيم، فالمبالغة إن لم ترد في هذا القذف شرًا لم ترد خيرًا.
وأما في فلانة يحتمل الاشتراك ويحتمل السلب كقول القائل: زيد أعلم من عمر ويكون تشريكًا بينهما في العلم وتفصيل زيد على عمرو والسلب ما ذكرنا في أهل النار فيرجع فيه إلى إرادته.
وأما إذا قال: أنت أزنى الناس لا يكون قاذفًا صريحًا للمعنى الذي ذكرنا، ولأنًا نتحقق كذبه فإن الناس كلهم ليسوا زناة ولا تكون هي أزني من جميعهم، وقال صاحب " الحاوي ": الصحيح عندي أنه يكون قذفًا صريحًا، لأن لفظ المبالغة في الصفة إذا أضيف إلى جماعة فيهم مشارك فيها ومخالف حملت علي المشاركة في إثبات الصفة ولا تحمل علي المخالفة في نفيها، كما لو قال: زيد أعلم أهل البصرة ومعلوم علماء وغير علماء كان محمولًا علي إثبات علمه في التشريك بينه وبين علمائها، ولا يحمل على نفيه في التشريك بينه وبين جهالها فيحمل ههنا أيضًا على مبالغة إضافته إلي الزيادة، وإن كان في الناس زناة وغير زناة وليس في القذف أبلغ من هذا، لأنه جعله أزنى من كل زانٍ وأيضًا لو قلنا لا يكون صريحًا لما ذكر من التعليل من تيقن كذبه لخرج بهذا التعليل من كنايه القذف أيضًا فلا يصير قذفًا، وإن أراده، لأن القذف ما احتمل الصدق والكذب.
فأما ما قطع فيه بالصدق، أو قطع فيه بالكذب لا يكون قذفًا كما لو قال لبنت شهر: زنيت لا يكون قذفًا وكذلك لو قذف من ثبت زناها لم يكن قذفًا بصحته.
وحكي عن المزني أنه قال: لا يكون كناية أيضًا لهذه العلة، ولكنه لم يوجد هذا في مختصره ولا في جامعه [ق ١٣ أ] ولو قال: أردت أنها أزنا من زناة الناس فقد قذفها صريحًا وعليه الحد لها، ولا يكون قاذفًا لزناة الناس لأنهم غير متعينين. وكذلك لو قال في الناس زناة وأنت أزنى منهم.
قال أصحابنا: ولو قال الناس كلهم زناة وأنت أزنى منهم لا يكون قذفًا، لاَنَّا نعلم كذبه فإن الناس كلهم ليسوا زناة، وكذلك لو قالوا لامرأة: أنت زانيه، ثم قال لامرأته: وأنت أزنا منها كان قاذفًا لهما، ولو قال لامرأته: وأنت أيضًا فيه وجهان:
أحدهما: يكون قاذفًا.
والثاني: يكون كنايه كما لو قال: أنت كهي أو شريكتها.
وكذلك لو قال: أنت أزنى من أهل طبرستان لا يكون قذفًا لما ذكرنا أن أهل طبرستان كلهم ليسوا بزناه إلا أن يقول: أردت أنك من زناه أهل طبرستان فيكون قذفًا، لأنه لو صرح هكذا كان قذفًا أيضًا.
[ ١١ / ٢١١ ]
قال القفال: لو قال: أنت أزنى من فلان ثم ثبت زنا فلان باعترافه أو ببينه لم يُحد، لأنه يقول: ما قذفته ولا عرفت زناه، وقيل: فيه وجهان هل يلزم الحد أم لا؟ فإن اعترف أنه كان عالمًا بزني فلان لزمه الحد لهذا الذي خاطبه بقوله: أنت أزنى من فلان، ولا يلزم لفلان بهذا الاعتراف الذي حصل إلا أن البينة قامت على زناه ويعزر لفلان للآمدي.
مسألة:
قَالَ:" وَلَو قَالَ لَهَا: يَا زَانٍ هَذَا قَذُفًا وهَذَا تَرْخِيمٌ كَمَا تَقُولُ لِمالِكٍ يَا مَالِ، ولِحَارِثَ يَا حَارِ ".
إذا قال الرجل للمرأة: يا زان كان قذفًا في المشهور من المذهب. وقال الداركي: سمعت أبا محمد الفارسي يقول: قال الشافعي في كتاب الدعوى والبينات لا يكون قذفًا. قال الداركي: وطلبت ذلك فيه فلم أجده وهذا ليس بمشهور، وإنما قلنا كذلك لأن كل كلام فهم معناه لزم القائل حكمه، وإن كان لحنًا. كما لو قال: زنيت بفتح التاء أو قال له: زنيت بكسر التاء كان قذفًا بالإجماع، ولأن قوله: [ق ١٣ ب] يا زان خطاب لها وإشارة إليها ويلحقها المعرة بذلك في هذا القول. وحدّ القذف لدفع المعرة فلا يضر ترك هاء التأنيث، ولأنه يحتمل أن يريد به يا شخص زان فكان قذفًا، لأنه لو صرح هكذا كان قذفًا بالإجماع، ولأن هذا اللفظ صحيح في اللغة وتسقط الهاء للترخيم كما قال الشافعي، وقال محمد، وابن داود لا يكون هذا قذفًا ولا يجوز أن يكون ترخيمًا، لأن الترخيم في الأسماء الأعلام ولا يدخل الترخيم في الأسماء المشتقة، ولأن هاء التأنيث إذا رخمت يجب أن يبقى الحرف الذي قبله على جهته. فأما الترخيم الهاء والحرف الذي قبله لا يجوز وهذا غلط، لان الترخيم ورد في اسم الفاعل فإنهم يقولون للصاحب: يا صاح وللمالك يا مال وللحارث يا حا وهذه أسماء مشتقه، وقد وردت مرخمة.
وأما حذف الحرف الذي قبل هاء التأنيث يجوز إذا كان حرف عله.
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال لأبي هريرة: " يا أبا هر " وقد تحذف العرب أكثر من حرف ترخيمًا كما قالوا في عثمان: يا عثم، ولمروان يا مرو، ولمنصور يا منص، فبطل ما قالوه.
وحكي حرملة هذه المسألة بالياء فقال: لو قال: يا زاني كان قذفًا.
مسألة:
قَالَ: " ولَو قَالَتْ لَهُ: يَا زَانِيَهُ أَكْمَلَتِ القَذْفَ وزَادَتْ حَرْفًا أَو حَرْفَيْنِ ".
إذا قالت لزوجها أو لأجنبي: يا زانية، أو قال أجنبي لأجنبي: يا زانيه كان صريحًا في القذف، وبه قال محمد وأحمد، وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: لا يكون قذفًا لأنها
[ ١١ / ٢١٢ ]
وصفته بصفه النساء في الزنى، والزنى من الزني التمكين وهذا الوصف من الرجال مستحيل فلا يكون قذفًا. وهذا غلط لأن العلامة الفاصلة بين الذكور والإناث سقط اعتباريًا [ق ١٤ أ] عند الإشارة إلي العين كما لو قال لأمته: أنت حر ولعبده أنت حرة.
وأما ما ذكره لا يصح لأنه لوقال لها: يا زان جعل قاذفًا بالإجماع وقد وصفها علي زعمك بصفه الرجال في الزنى، والزنى في الرجال الإيلاج وذلك في النساء مستحيل.
فإن قلتم: مرادنا زانية ولكنه أسقط الهاء لمعني من المعاني قلنا: وكذلك مرادها يا زان ولكنها ألحقت الهاء لمعني المبالغة كما يقال: فلانة راويه الأخبار إذا كان كثير الرواية لها، وفلان نسابة وعلامة، وقال الله تعالى: ﴿بَلِ الإنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤)﴾ [القِيَامَة: ١٤]، وقال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ (١)﴾ [الهُمَزة: ١]. ثم قال لها المزني قال الشافعي: " قال بعض الناس - يعني أبا حنيفة - إذا قال لها: يا زان لا عن أوحُدَّ " لان الله تعالي قال: ﴿وقَالَ نِسْوَةٌ فِي المَدِينَةِ﴾ [يُوسُف: ٣٠]
ولو قالت له: يا زانية لم يُحدّ، قال الشافعي: "وهذا جهل بلسان العرب إذا تقدم فعل الجماعة من النساء كان الفعل مذكرًا مثل قال نسوه وخرج النسوة وإذا كانت واحدة فالفعل مؤنث مثل قالت: وخرجت وجلست " ومراد الشافعي أبطل تعليل أبي حنيفة حيث علل فقال: إذا قال لها: يا زان كان قذفًا، لأن الله تعالي قال: وقالت نسوه وإنما التعليل ما ذكر الشافعي أنه ترخيم، والترخيم عاده مشهورة في كلامهم.
فأما إطلاق الزاني والسارق للمؤنث لا علي طريق الترخيم لا يجوز في كلام العرب بحالٍ، فإن قال قائل، قال الشافعي إذا قالت له: يا زانية أكملت القذف وزادته حرفًا أو اثنين ونحن نعلم أن مقدار الزيادة لا يخفي علي الشافعي فلم أخرج كلامه مخرج للشك؟ قيل: الفاعل إذا كان من باب الناقص مثل الرامي. وقد قال الشافعي: المعروف في كلام العرب أنهم يقولون زنا بغير همز إذا أراد والفاحشة وزنا بالهمزة إذا أرادوا الترقي في الجبل، فكيف يجعل صريحًا في القذف وهو يحتمل معني الصعود؟
فإن قيل: إذا أرادوا منه الصعود قالوا: زنا علي الجبل، وإذا قالوا: زنا في الجبل لم يصلح ذلك اللفظ للصعود وظاهره الفاحشة. قلنا: ليس كذلك بل يستعمل هذا اللفظ مهموزًا مع كلمه في والمراد به الصعود.
وقال ابن السكيت في كتابه حكاية عن امرأة من العرب ترقص ابنها وتقول:
أشبه أبا أمك أو أشبه جمل ولا تكونن كهلوف وكل
[ق ١٠ أ].
يصبح في مضجعه قد انجدل وأرق إلي الخيرات زنا في الجبل
وقوله: " أشبه أبا أمك " يعني أباها الذي هو جد لأمه، أو أشبه جمل هو اسم نجيب من قومه ولعله أبوه، ومعناه أشبه هذا وهذا، ولا تكن كهلوف. والهلوف: الرجل الجافي
[ ١١ / ٢١٣ ]
العظيم. والوكل: ومعناه: لا تكونن رجُلًا ثقيل الجسم مسترخيًا يصبح في مضجعه قد انجدل، يعني وقع علي الأرض، لأن الأرض الجدالة. وأرق إلي الخيرات معناه اصعد إليها، زنا في الجبل: أي كصعودك في الجبل والراعي والزاني فللعرب فيه لغتان، منهم من يثبت الياء ومنهم من يحذفها.
وكذلك [ق ١٤ ب] وردت القراءتان في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ [القَمَر: ٦] ويوم يدعو الراعي، وكذلك يوم ينادي المنادي، ويوم ينادي الناد، وكذلك جابوا الصخر بالواد، وبالوادي، فمن كانت لغته الزاني إثبات الياء يقول في قوله: يا زان قد أسقط حرفين الياء والهاء، ومن كانت لغته إسقاط الياء يقول: قد أسقط علامة التأنيث وحدها، وإن كان التوصيل إلي علامة التأنيث ولا يتصور إلا بإثبات الياء.
مسألة:
قَالَ: وقَائِلٌ هَذَا القَوْلَ - يَعْنِي أَبَا حَنيِفَةَ يَقُولُ: لو قَالَ الرَّجُلُ زَنَاَت فِي الجَبَلِ حُدَّ لَهُ، وإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا عِنّدَ العَرَبِ أَنَّهُ صَعِدَتْ فِي الجَبَلِ ".
إذا قال لها: زنات في الجبل لا يكون صريحًا في القذف، وبه قال أبو يوسف، ومحمد، وقال أبو حنيفة: يكون صريحًا في القذف، وروي ذلك عن أحمد، واحتج بأن قوله: زنات يستعمله الناس في الزنى كما يستعملون زنيت فكان قذفًا. وهذا غلط لأن قوله: زنات في الجبل الترقي والصعود، يقال: زنى، يزنو، زنى وزنوا إذا صعد.
وقيل: إذا كان الهمز حقيقة للصعود، وإنما يحمل علي الفاحشة إذا حمل علي الخطأ، وكأنه ظن أن الزني إذا دخله المد دخله الهمز، أو يقول ذلك عامي لا يعرف الفرق بينهما فلحق فيه.
فإذا تقرر هذا ينظر، فإن صدقه المخاطب أو أراد الصعود فلا كلام وإن قال: أردت القذف فالقول قوله مع يمينه، فيحلف أنه ما أراد إلا الترقي في الجبل ولا حدّ عليه، وإن لم يحلف حلف المقذوف وحُدَّ له.
فرع:
لو قال: زنات ولم يقل في الجبل أو قال له: يا زاني بالهمز، قال الداركي: حكي أبو أحمد عن الجرجاني عن المزني أنه قال في " الجامع الكبير" كان قذفًا لأنه يستعمل في الصعود عند ذكر الجبل ولا يستعمل فيه عند الإطلاق.
قال الداركي: وطلبته هناك فلم أجده، وقال أبو الطيب ابن سلمه: إن كان عارفًا باللغة كان قذفًا. قال القاضي الطبري: هذا لا يصح فإن لم يثبت ما حكاه الجرجاني
[ ١١ / ٢١٤ ]
فالذي يقتضيه المذهب أنه لا يكون قذفًا إلا أن يريد قذفًا لأن قوله: زنات بالهمزة، أو قوله: يا زاني بالهمزة ظاهره الصعود علي ما ذكرنا.
وقال القفال: فيه ثلاثة أوجه الأصح أن لا يكون قذفًا.
مسألة:
قَالَ: "ولَو قَالَ لامْرَأَتِهِ [ق ١٥ ب] زَنَيْتِ وأَنْتِ صَغِيرَةُ، أَو قَالَ: وأَنْتِ نَصْرَانِيَّهُ أَو أَمَهُ ".
الفصل:
في هذا الفصل مسائل:
إحداها: أن يقول لها: زنيت وأنت صغيرة فلا يخلو من أحد أمرين:
إما أن تكون صغيرة في المهد لا يمكن أن يجامع مثلها فلا يكون قاذفًا، لأنَّا نعلم كذبه، والقاذف هو الذي يكون مترددًا بين الصدق والكذب، فعلي هذا لا يجب الحدّ ويعزر للفحش والجفا، ولا يسقط هذا التعزير باللعان لأنه غير واجب بالقذف، وإن كانت صغيرة يمكن أن يجامع مثلها فهذا قذف، لأنه متردد بين الصدق والكذب ولا حدّ عليه، لأنه لو أقام عليها البينة به لم يجب عليها الحدّ فكذلك لا يجب علي قاذفها حدّ ولكنه يعزر، ويسقط هذا التعزير باللعان لأنه إذا جاز درأ الحدّ باللعان فما دون الحدَ أولي أن يدرأ باللعان، والتي تجامع مثلها ابنة سبع وثمان ويقف هذا التعزير علي مطالبتها إذا بلغت.
والثانية: إذا قال لها ومسلمة: زنيت وأنت نصرانيه فلا يخلو إما أن يثبت كانت نصرانيه ببينة أو إقرار منها، أولا يثبت ذلك، فإن ثبت أنه كانت نصرانيه لم يجب الحدّ لأنها ناقصة الكفر، وإنما يجب الحدّ به الكامل به الكامل دون الناقص ويعزر، وله أن يلاعن لإسقاط هذا التعزير لأنه واجب بالقذف، وإن لم يثبت أنها كانت نصرانيه فيه قولان:
أحداهما: القول قول الزوج ولا حدّ عليه، لأن ظهره حمى وما قاله ممكن ' فإن الدار تشتمل علي الكفار والمسلمين.
والثاني: القول قولها لأن الغلبة للإسلام في دار الإسلام فيجب أن يكون الحكم له.
وقال أبو حامد: إذا أقرت أنها كانت نصرانيه وقال الزوج: لم ترد قذفي في الحال [ق ١٦ أ] كوني نصرانية فالقول قولها ثم يكون قوله: وأنت نصرانية خطابًا لها بالكفر في الحال، لأن ظاهر قوله: زنيت أي في الحال، وهذا بعيد لأن قوله: " وأنت نصرانية " متعلق بقوله: "زنيت" والواو تلغو، ألا تري أنه لو قال لها، أنت طالق إن دخلت الدار وأنت مسلمه، فإن الطلاق يتعلق بدخول الدار في حال الإسلام، ولا يكون قوله: " وأنت مسلم " خطاب، فإذا كان هذا ظاهر قوله لم يقبل قوله في خلافه. قال: ومسألة القولين إذا
[ ١١ / ٢١٥ ]
صدقه (على) أنه أراد حاله النصرانية ولكنها لم تكن نصرانيه وهو علي ما ذكرنا، فإذا قلنا القول قوله مع يمينه فحلف وجب التعزير ويلاعن لإسقاطه، فإن نكل حلفت ووجب الحدّ ويلاعن لإسقاطه، وإن قلنا القول قولها فحلفت وجب لها الحدّ، وإن نكلت فحلف وجب عليه التعزير للقذف، وإن علم أنها لم تزل مسلمه مولودة علي الإسلام لزمه الحدّ قولًا واحدًا، ولو قال لها: زنيت ولم يضفه إلي حال الكفر، ثم قال: أردت به أنها زنت وهي نصرانيه لم يقبل منه، وإن علم أنها كانت نصرانية، لأن الظاهر أنه قذفها في الحال وهي في الحال مسلمه، فإن قال: هي تعلم أني أردت به في حال النصرانية، فإن صدقته سقط عنه الحد، وإن كذبت حلفت أنها لا تعلم أنه أراد في حال النصرانية وحد إلا أن يلتعن.
والثالثة: إذا قال لها: وهي حرة زنيت وأنت أمه فالحكم فيها كما ذكرنا إذا قال: وأنت نصرانية إلا أنه لو قال: زنيت وأنت أمه الآن، وقالت: أنا حرة فيه قولان، ولا يجئ هذا في النصرانية أن يقول: وأنت نصرانية الآن لأنها إذا قالت: بل أنا مسلمة الآن يكون إسلامًا وإبطالًا لقوله.
وذكر أبو حامد ههنا أيضًا ما ذكر في المسألة السابقة [ق ١٦ ب] وقد بيَّنا بطلانه.
والرابعة: إذا قال لها زنيت وأنت مستكرهه علي الزني فلا حدّ عليه، لأن هذا لوثبت لم يجب به الحدّ ويعزر للأذى إلا أن يلتعن.
وقال بعض أصحابنا: فيه وجه آخر لا يعزر للأذى ههنا لانتفاء معرة الزني عنها وهي معذورة مأجورة إن كان الأمر علي ما قال والأول: أظهر، والثاني: أقيس.
كذلك لو قال: زني بك فلان وأنت نائمة فهو كما لو قال: وأنت مستكرهه.
والخامسة: إذا قال لها: زني بك صبي لا يجامع مثله فهذا يعلم كذبه وليس عليه حدّ ويعزر للفحش دون القذف، ولا يسقط هذا التعزير باللعان بلا خلاف.
فإن قال قائل: أليس قال الشافعي عقيب هذه المسائل: ويعزر للأذى إلا أن يلتعن.
قلنا: إطلاق لفظ الشافعي يرجع إلي مسألة النصرانية والأمة والمستكرهة وقوله: يعد للأذى أراد في القذف، لأن كل قذف أذي دون أذي الفحش، وفي بعض نسخ المزني ويعزر للأمة إلا أن يلتعن. وهذا علي ظاهره صحيح والمشهور الأول والمراد ما ذكرنا، ولو قال: زني بك صبي يجامع مثله فإنه قاذف وعليه الحد إلا أن يلاعن لأنه لوثبت لزمه الحد به.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: إذا قال: زنيت وأنت أمه أو مشركة يلزمه الحدّ بخلاف ما لو قال: وأنت صغيرة أو مجنونة، لأنه أضاف الزني إلي حاله هي فيها مكلفه ونحن نعتبر أن تكون مكلفه يُحدّ قاذفها في تلك الحالة.
فرع:
لو ادعي أنها لما قذفها كان نائمًا لا يُقبل إلا ببينه، ولو قال: كنت صبيًا فيه قولان.
[ ١١ / ٢١٦ ]
فرع آخر:
لو قال: وطئت بشبهه هل يعزر للأذى؟ فيه وجهان:
أحدهما: يعزر لأنه يلحقها نوع من العار.
والثاني: لا يعزر [ق ١٧ أ] لأنها كانت معذورة في ذلك.
مسألة:
قَالَ: " ولَو قَالَ: زَنَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ حُدَّ ولَا لِعاَنَ ".
الفصل:
قد ذكرنا هذه المسألة وإنه إن كان هناك ولا يريد نفيه هل يلاعن أم لا؟ والآن نزيد ما تقدم بيانًا فنقول: إذا ولدت بعد هذا القذف، فإن كان لأقل من ستة أشهر من وقت نكاحه فهو منتفي عنه بلا لعان، وإن ولدته بعد نكاحه لستة أشهرٍ فصاعدًا فهولا حق به بحكم الفراش، وهل له أن يلتعن لنفيه بذلك القذف المتقدم الذي نسب فيه إلي ما قبل نكاحه أم لا؟ وجهان:
قال إسحاق: لا يجوز أن يلتعن إلا أن يستأنف قذفًا مطلقًا، لأنه كان في القذف الأول في حكم الأجانب فمنعه من الالتعان فيه فصار كما لو قذفها ثم تزوجها لم يكن له أن يلتعن، فعلي هذا إن لم يجدد قذفًا مطلقًا حدّ للقذف الأول ولاعن بالقذف الثاني لنفي الولد ولم يسقط حدّ القذف الأول باللعان من القذف الثاني لاختلافهما في الحكم.
وقال ابن أبي هريرة: يجوز أن يلتعن منه إذا ولدت ولم يجز أن يلتعن لو لم تلد، لأن الضرورة تدعو إلي الالتعان مع الولادة ولا تدعوه مع عدتها ولأن يصدق في إضافة القذف إلي ما قبل نكاحه إلي ما قبل نكاحه أولي من أن يستأنف قذفًا مطلقًا فيجوز في إرساله. فعلي هذا إذا التعن مقتصرًا علي القذف الأول أجزأه وانتفي به الولد وسقط به الحد، ولو جدد بعد الأول قذفًا ثانيًا نظر، فإن أضافه إلي زمان نكاحه فهو غير الأول فيلاعن من القذف الثاني وينفي به الولد ولا يسقط به حدّ القذف الأول لتمييزه عن نفي الولد فصار لوجوبه مع عدم الولد.
واعلم أن الشافعي [ق ١٧ ب] قصد بقوله في أصل المسألة " ولا لعان " الرد علي أبي حنيفة حيث قال: " يلاعن لهذا القذف " واحتج عليه الشافعي فقال: لأني إنما أنظر إلي يوم تكلم به ويوم يوقعه - يعني هي زوجته يوم تكلم به ولكنها لم تكن زوجته يوم أوقع القذف نسبه وتاريخًا، ولم يذكر الشافعي لهذا الكلام أصلًا يتمسك به مع الخصم، ويمكن أن يجعل ما بعد البينونه أصلًا له حيث لا ولد، إذ لا خلاف أنها لو بانت بالطلاق ولا ولد
[ ١١ / ٢١٧ ]
فقال لها: زنيت وأنت زوجتي حدٌ ولا لعان؛ لأنه يوم تكلم بالقذف في زمان غير النكاح؛ وإن أضاف الفعل إلى زمان النكاح؛ فكذلك في مسألتنا أضاف الفعل إلى زمان عدم النكاح وإن تكلم بالقذف في زمان النكاح.
فرع:
قال ابن الحداد: إذا قذفها؛ ثم أطلقها فتزوجت بزوج آخر فقذفها وجب عليهما الحد وكان لهما اللعان؛ فإن لاعنهما كل واحد منهما وامتنعت من اللعان وجب عليها حدَّاد؛ فإن كانت بكرًا في النكاح الأول وثيبًا في الثاني جلدت ثم رجمت؛ وإن كانت بكرًا فيهما لم يتداخل الحدان لأنهما بمنزلة الجنسين؛ لأن اللعان بينة يختص بها الزوج دون غيره.
ومن أصحابنا من قال: هذا خطأ ويتداخل الحدان لأنهما جنس واحد؛ كما لو ثبت بالبينة ولا يصح ما ذكره؛ لأن اللعان حجة في حق الزوج والزوجة وقد اجتمع الحدان في حقها فيتداخلا؛ وهذا هو المذهب الذي لا يحمل غيره.
مسألة:
قَالَ ابْن الحَدَّاد: لَوْ قَالَتْ: قَذَفَنِي قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي.
وقال: بل بعد ما تزوجت بك. أو قالت: قذفني بعد ما بنت منك؛ وقال: لا بل من حال الزوجة فالقول قوله مع يمينه؛ لأن القول قوله [ق ١٨ أ] في أصل القذف فكذلك في وقته؛ ولو قالت: قذفني وأنا أجنبية؛ وقال: بل أنت زوجتي وأنكرت الزوجة فالقول قولها؛ لأن الأصل عدم النكاح.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ قَذَفَهَا؛ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَلَاعَنَهَا فَطَلَبَتْهُ بِحَدَّ القَذْفِ قَبْلَ النّكَاحِ حُدَّ لَهَا"
الفصل:
تقدم على هذه المسألة ما يوضحها؛ وذلك أنه إذا قذف أجنبي أجنبية وجب عليه حدّ القذف؛ فإن أقام البينة على أنها زنت سقط عنه الحد وسقط إحصانها؛ فلو قذفها هو أو غيره بعد ذلك لا يلزم الحد ولكن يعزر على ما ذكرنا فيما تقدم وإن لم يقم عليه بينة فحد بقذفها ثم قذفها ثانيًا؛ فإن كان بالزنى الأول لم يحد ويعزو للنسب؛ وإن قذفها بزنى آخر ذكرنا وجهين:
أحدهما: يلزمه الحد لأنه لم يكذب في الزنى الثاني.
[ ١١ / ٢١٨ ]
والثاني: لا يلزمه الحد لأنه فثبت كذبه عليها في الجملة.
وإن كان كرر عليها القذف قبل إقامة الحد؛ فإن كرر بزنى واحد لم يجب إلا حد واحد؛ وإن كرر بزنى آخر. قال في الجديد؛ والقديم: يلزمه حدّ واحد؛ وقال في موضع من القديم: ولو قيل عليه حدان كان مذهبًا فقيل قولان:
أحدهما: يجب حدان ولا يتداخل كالقصاص والصحيح خلافه لأنهما حدان من جنس واحد فيتدخلان كحدي الزنى.
وأما مسألة الكتاب: إذا قذف بامرأة ثم تزوجها قبل أن يقام عليه الحد؛ ثم قذفها نظر فإن قذفها بالزنى الأول لم يجب عليه حد آخر وليس له إسقاطه إلا ببينة؛ وإن قذفها بزنى آخر فلها المطالبة بموجب كل واحد من القذفين؛ فإن طالبت بموجب القذف الأول؛ فإن أقام الزوج البينة سقط عنه حدّ القذف الأول والثاني؛ لأنه [ق ١٨ ب] بطل إحصانها بقيام البينة بالزنى؛ وإن لم تكن بينة حد؛ ثم إذا طالبته بالقذف الثاني؛ فإن كان له بينة أو لاعنها سقط موجبه وإن لم يكن له بينة ولاعنها يحدّ لها ثانيًا نص عليه؛ وبه قال عامة أصحابنا. ويخالف هذا الأجنبية إذا حُدَّ لها؛ ثم قذفها بزنى آخر هل يحد ثانيًا؟ وجهان؛ والفرق أن موجب القذفين ههنا مختلف؛ لأنه يتخلص من أحدهما باللعان بخلاف ذلك؛ وقال المزنى في جامعه الكبير: القياس أن لا يجب إلا حدّ واحد لأنهما قذفان بدل واحد فلم يجب إلا واحد.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: ينبغي أن يكون الحدّ الأول بالقذفين ولا يطالب باللعان؛ لأن الموجب واحد وهو الحد: وإنما الحجة تختلف؛ وهذا حسن غريب ولكنه خلاف المذهب المنصوص.
وإن طالبته بهما فأقام الإمام عليه الحدّ الأول؛ فإن أقام البينة حدت بالزنى وسقط عنه الحدان؛ لأن البينة تسقط حصانتها من حق كل واحد؛ وإن التعن سقط عنه ما وجب بقذفه حال الزوجية؛ وعليه الحد للقذف الذي كان قبل الزوجية؛ لأن اللعان حجة للزوج وحده؛ وقبل الزوجية كان أجنبيًا فعليه الحد ولهذا لو لاعن الزوج؛ ثم رماها به ثانيًا لم يُحدّ؛ وإن رماها به الأجنبي حُدَّ لأن اللعان لا يتعدى إلى الأجنبي.
وإن لم تقم البينة ولم يلاعن هل يقام عليه حد واحد للأول والثاني أو يقام حدان؟ فيه طريقان:
إحداهما: إذا امتنع من اللعان صار الحدان من جنس واحد فإنهما لا يسقطان إلا بالبينة فهل يلزم حد أو حدان؟ قولان.
[ق ١٩ أ] والثانية: عليه حدان قولًا واحدًا ولا يتداخلان لأنهما حدان مختلفان أحدهما يسقط باللعان دون الأخر؛ وهو اختيار القاضي الطبري.
قال: ولأنه وإن امتنع من اللعان فمتى أراد أن يلتعن كان له وسقط الحد فهما
[ ١١ / ٢١٩ ]
مختلفان، ولأنه بمنزلة أن يزنى وهو بكر؛ ثم يزنى وهو محصن لا يتداخل الحدان لأنهما مختلفان كذلك ههنا.
وكذلك الحكم لو قذفها وهى زوجته ثم أبانها؛ ثم قذفها وهى أجنبية لأنهما قذفان أحدهما حال الزوجية والآخر حال كونها أجنبية؛ وكذلك لو قذف زوجته ولاعن ثم قذفها بزنى آخر نسبه إلى ما قبل لعانة وقبل زوجتيه يحد؛ ولا يسقط ذلك الحد بما يجدد من لعانة وإن نسبه إلى ما بعد نكاحها قبل لعانة فيها وجهان. ولو رماها بزنيئين في حال الزوجية هل يجب حدّ واحد؛ أو حدان؟ قد ذكرنا؛ ويكفيه لعان واحد على القولين جميعًا؛ لأنه يمين والحقان لواحد؛ وينظر فإن كان قذفها برجلين ذكرهما في لعانة؛ وإن أطلق يحتاج أن يقول: أشهد بالله أنى لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنيئين؛ ويخالف هذا إذا قذف زوجتين لا يكفيه لعان واحد؛ لأن اليمين وجبت لكل واحدة منهما فلا تتداخل.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ قَالَ لَهَا: يَا زَانِيَةُ فَقَالَتْ لَهُ [بَلْ] أَنْتَ زَانٍ لَاعَنَهَا وحُدَّتْ لَهُ".
إذا قال لها: يا زانية فقالت: بل أنت زانٍ؛ فقد قذف كل واحد منهما صاحبه بصريح القذف؛ لأن الزوج صرح بقذفها بقوله: يا زانية والمرأة صرحت بقولها بل أنت زانٍ؛ لأن هذه اللفظة موضوعة لنفي ما خاطبها به واستئناف خطابه بمثله؛ فإن قالت: لم أرد به القذف [ق ١٩ ب] وإنما أردت به المقابلة لم يقبل منها ويفارق هذا إذا قالت: بل أنت أزنى منى؛ لأن هذا يحتمل نفي الزنى على ما ذكرنا؛ فإذا ثبت هذا فللزوج الخروج من القذف بالبينة أو اللعان وليس لها الخروج من القذف إلا بالبينة؛ فإذا أقام البينة وجب عليها حد الزنى ولا تلاعن لإسقاطه: وإن لاعن وجب عليها الحد أيضًا ولكن يلاعن لإسقاطه.
ثم إن أقام البينة على الزوج بالزنى ولا يلزمها حدّ بالقذف؛ وبعد ما لزمه الحد ببينتهما ليس له إسقاطه باللعان أصلًا؛ وحكي الشافعي مذهب أبى حنيفة أنه قال: لا حدّ ولا لعان في هذه المسألة؛ وعنده أن المرأة يجب عليها حدّ القذف بقذفه؛ ولكن لا يجب على الزوج بعد القذف بقذفها وموجب قذفه إياها باللعان فقط؛ ثم اللعان ههنا لا يثبت لا في حق الزوج ولا في حق الزوجة عنده؛ لأن المرأة تعرض أن الحد فلا يصح منها اللعان؛ وإذا لم يصح لعانها لا يصح لعانة؛ في تأويل حكاية الشافعي عن أبى حنيفة أنه لا حد ولا لعان على أنه أراد لا حد في حق الزوج دون الزوجة على ما قررنا من مذهبه. ومعنى قوله: "أستقبح أن ألاعن بينهما ثم أحدهما " أي يقبح أن يسبق في حقه منها دون حقها منه؛ فإذا استوفي منها الحد أولًا فلا يلاعن بكونها خارجة من أهل اللعان بحدها؛ ويتعزر.
[ ١١ / ٢٢٠ ]
لعانه بتعذر لعانها، وإن لاعنها أولًا يجب إقامة الحد عليها ولا يحد الرجل وهذا قبيح.
قال الشافعي: ترك حكم الله أقبح، وهذا لأنهما قاذفان لو انفرد كل واحد منهما بقذفه يتعلق به حكم القذف، فإذا اجتمع قذفهما لم يسقط أحدهما حكم الآخر كالأجنبيين القاذفين، ويؤكده أن القذف لا يصير قصاصًا بالقذف (ق ٢٠ أ) فكيف يجوز تعطيل الحكمين، ولأنه قال في "القسامة": يحلفون ويغرمون الدية. وهذا أقبح من هذا.
مسألة:
قال: "ولو قذفها وأجنبية بكلمة واحدة لاعن وحد للأجنبية".
إذا قذف زوجته وأجنبية بكلمة واحدة فقال: زنيتما وأنتما زانيتان وجب الحد عليه، فإن أقام البينة أقمنا الحد على كل واحدة منهما، وإن لاعن سقط حد الزوجة وعليها الحد إلا أن تلتعن، وعليه حد الأجنبية، ويفارق هذا إذا قذفها برجل بعينه ولاعن وسماه في اللعان سقط حدهما؛ لأنه قذف بفعل واحد، فإذا ثبت صدقه في جانب امرأة ثبت في جانب المرمى به، وههنا قذف بتحصين بفعلين، فإذا سقط باللعان حق أحدهما لم يسقط حق الآخر، وإن امتنع من اللعان فقد اجتمع الحدان فهل يتداخل؟ فيه طريقان:
أحدهما: فيه قولان كما لو قذف أجنبيين بكلمة واحدة.
والثانية: قول واحد لا يتداخلان لأنهما مختلفان من جهة أنه يسقط أحدهما باللعان دون الآخر، وقد تقدم نظير هذا.
مسألة:
قال: ولو قذف أربع نسوة له بكلمة واحدة لاعن عن كل واحدة منهن".
إذا قذف أربع نسوة له أو أربع أجنبيات بكلمة واحدة هل يلزمه حد واحد لهن أو يلزمه حد كامل لكل واحدة منهن؟ فيه قولان: قال في "القديم": يجب حد واحد لهن، وبه قال أبو حنيفة في الأجنبيات لأنه حدود من جنس واحد فيتداخل كحدود الزنى.
وقال في الجديد: يلزمه حدود وهو الأصح واختاره المزني لأنها حقوق مقصودة للآدميين فلم تتداخل كالقصاص، وهذا لأن حقوقهم مبنية على التشديد والاستقصاء، ولو قذفهن بكلمات (ق ٢٠ ب) يلزم لكل واحدة حد كامل بلا إشكال.
فإذا تقرر هذا فإن كن أجنبيات، فإن أقام البينة، عليهن سقط عنه حكم القذف ووجب الحد عليهن، وإن لم يقم البينة عليهن فحكم الحد على ما ذكرنا، وإن كن زوجات، فإن أقام البينة عليهن سقط حكم قذفهن، وإن أراد اللعان كان عليه أن يلاعن لكل واحدة منهن لعانًا منفردًا؛ لأنه يمين والأيمان لا تتداخل في حق الجماعة، ألا ترى
[ ١١ / ٢٢١ ]
أنه إذا ادعى رجلان على رجل مالًا لهما يحلف لكل واحد منهما يمينًا منفردة.
وقال الاصطخري في "أدب القاضي" حكم إسماعيل بن إسحاق القاضي على رجل ادعى عليه رجلان مالًا بيمين واحدة فأجمع علماء عصره على أنه أخطأ في ذلك وخالف الإجماع.
قال الداركي: فسألت أبا إسحاق عن ذلك فقال: إن كانا ادعيا من جهة واحدة مثل إن تداعيا دارًا ورثاها عن أبيهما، أو مال شركة بينهما حلف لهما يمينًا واحدة، وإن كان الحق من جهتين لكل واحدة على الانفراد؛ لأنه إذا جمع بينهما في اليمين وكان لأحدهما حق لم يحنث، والمقصود باليمين مأثم الحنث إن كذب. وهذا الذي قاله أبو إسحاق صحيح، وحقوق الزوجات ههنا من جهات مختلفة لأنه لا يشتركن في زنى واحد، ولو ادعى رجل على رجلين ملكين مختلفين جاز أن يحلفه يمينًا واحدة لأن الحق لواحد.
وقال القفال: فيه وجهان:
أحدهما: ما ذكرنا، والثاني: يكفي لعان واحد لهن فيجمعهن فيه. ووجهه أن حق اليمين له لا عليه فله الجمع، كما لو أقام شاهدًا على رجل لحق وعلى آخر بحق آخر فله أن يحلف يمينًا واحدة يذكر فيها الحقين.
وكذا في يمين الرد لخلاف ما لو ادعى عليه جماعة لا يكفي لهم يمين واحدة وهذا قريب (ق ٢١ أ) لم يقله غيره من أصحابنا، وهو ضعيف لما ذكرنا.
وقال: إذا قلنا يكفيه لعان واحد، وقلنا: إذا قذف الأجنبيين يكفي حد واحد فههنا يكفي حد واحد إذا امتنع من اللعان.
وإن قلنا: يفرد كل واحدة باللعان فلكل واحدة حد بخلاف الأجنبيات.
فرع:
قال الشافعي: "وإن تساححن أيتهن تبدأ أقرع بينهن لتساوي حقوقهن. قال: وأيتهن بدأ الإمام بها رجوت أن لا يأثم لأنه لا يمكنه إلا واحدًا واحدًا.
قال أصحابنا: هذا إذا لم يقصد الحاكم تفضيل بعضهن على بعض، وإنما بدأ بواحدة منهن على أنه لا بد من ذلك والقرعة أحسن.
مسألة:
قال: "ولو أقر أنه أصابها في الظهر الذي جامعها فيه، فله أن يلاعن والولد لها".
[ ١١ / ٢٢٢ ]
الفصل:
صورة هذه المسألة أنها طهرت من الخيض فوطئها فيه، ثم ذكرت أنها زنت في ذلك الطهر وأتت منه بولد، فإن له أن ينفيه باللعان وحكاه الشافعي عن عطاء.
ثم قال: "قال بعض من ينسب إلى العلم إنه إنما ينفي الولد إذا قال: قد استبرأتها بعدما وطئتها".
قال أصحابنا: هذا الذي حكاه الشافعي مذهب مالك في إحدى الروايتين، وهذا لفظ فيه خشونة، ولم يقصد بهذا القول الوضع منه وإنما أراد أنه منسوب إلى العلم كما يقال، قال بعض أهل العلم، فإن قيل: فإذا اجتمع في الرحم ماءه وماء الزاني من أين يترجح له في نفي الولد أنه من الزاني؟ قلنا: كان ابن سريج يذهب إلى أنه لا ينفيه مع اختلاط الماءين، وهو خلاف نص الشافعي فيقول: قد يترجح الحمل عنده مع اختلاط الماءين من وجوه؛ منها: أن الذكي الفطن (ق ٢١ ب) من الرجال يحس باللعوق عند الإنزال كان أو لم يكن، وكذلك من النساء من يحس به. ومنها: أن يعلم من نفسه أنه عقيم لا يولد له، ومنها: أنه يرى شبه الولد بالزاني. ويجوز النفي بغلبة الظن بالأمارات، فإن قيل: ولد أمته لا ينتفي عنه إلا بدعوى الاستبراء بعد الوطء فيجب أن يكون ولد الحرة مثله. ولد الأمة التي اعترف بوطئها يلحق به إلا أن يدعي الاستبراء، فإذا ادعى الاستبراء ينفي عنه من غير لعان، فلما كان الولد ينتفي عنه الاستبراء وجب ذكره وولد الحرة لا ينتفي عنه الاستبراء فلم يكن لذكر الاستبراء معنى.
واعلم أن الشافعي قال كما يذهب إلى أن نفي العجلاني كان بدعوى الاستبراء لم أقر بها منذ كذا وكذا. والجواب: أنه لا اعتبار بما ذكر العجلاني لأنه سمى الذي رأى بعينه يزني بها وذكر أنه لم يصبها منذ أشهرًا.
ورأى النبي ﷺ بالولد علامة تثبت صدق الزوج، ولا يقال: لا يجوز نفي الولد إلا بإجماع هذه الوجوه والشرائط كلها كذلك في هذا المتنازع.
ثم ألزم الشافعي نفسه سؤالًا فقال:
"فإن قيل: فما حجتك في أنه يلاعن وينفي عنه الولد، وإن لم يدع الاستبراء" ثم استغل الشافعي بالكلام في مسألة أخرى خلافية بينه وبين مالك قبل جواب هذا السؤال، فقال: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] ولم تفصل عن أن يقول الرامي: رأيتها تزني، وبين أن يقول: زنت من غير دعوى الرؤية، ولم يفصل بين الأجنبي وبين الزوج، وقصد الرد على مالك حيث قال: "لا يصير قاذفًا حتى يقول: رأيتها تزني".
[ ١١ / ٢٢٣ ]
ثم رجع الشافعي إلى جواب ذلك السؤال (ق ٢٢ أ) قال: "وقد يكون الاستبراء وتلد منه فلا معنى له ما كان الفراش قائمًا" لأن رسول الله ﷺ قال: "الولد للفراش" فلا ينتفي إلا بلعان.
مسألة:
قال: "ولو زنت بعد القذف أو وطئت وطئًا حرامًا فلا حد عليه ولا لعان".
إذا قذف زوجته أو غيرها من الأجانب فلم يحد القاذف حتى زنى المقذوف وثبت ذلك باعترافها أو بالبينة سقط الحد عن القاذف؛ لأن زنيها يدل على صدقه، وبه قال أبو حنيفة، ومالك وقال أحمد، وأبو ثور والمزني وداود: لا يسقط، واحتجوا بأنه معنى طرأ بعد وجوب الحد فلا يمنع من إقامته كردة المقذوف.
واحتج المزني فقال: كيف يكون هذا الزني دليلًا على صدقه والوقت الذي رماها قد كانت في الحكم غير زانية أصلًا. وقوله: "إنه إنما ينظر إلى حال من تكلم بالرمي" وهي من ذلك الوقت في حكم من لم يزن قط، وهذا غلط لأن إحصان المقذوف شرط في وجوب الحد على القاذف، والإحصان طريقه غلبة الظن والاجتهاد دون القطع واليقين، والزنى، مما يستسر به فلما ظهر منه ذلك قدح ذلك في ظاهر إحصانه، ويدل ذلك على خبث سريرته وارتكاب أمثاله. وهذا كما لو شهد شاهدان ظاهرهما العدالة ثم ظهر منهما فسق قبل الحكم لم يجز أن يحكم به، وقدح ذلك في ظاهر عدالتهما حين شهدا به، كذلك ههنا. وروي أن رجلًا زني بامرأة في زمان عمر - ﵁ - فقال: والله ما زنيت إلا هذه المرة، فقال له عمر: كذبت فإن الله تعالى: لا يفضح عبدًا في أور مرة. فإن قيل: العدالة في الشهادة آكد من الإحصان في الحد، لأن العدالة لا يكتفي الظاهر منها حتى يجب على الحاكم البحث (ق ٢٢ ب) والسؤال عنها، وليس كذلك الإحصان فإنه يجوز لها أن تكتفي بالظاهر منه ولا يجب عليه أن يبحث عنه.
قيل: اختلف أصحابنا في هذا، قال أبو إسحاق: يجب على الحاكم أن يبحث عن إحصان المقذوف قبل إقامة الحد على القاذف، كما أنه يجوز السؤال عن عدالة الشهود أيضًا؛ لأن ظهره حمي فلا يستباح بالاحتمال.
وقال غيره: لا يجب هذا السؤال ههنا وتكتفي بظاهر إحصانه، والفرق أن طلب زنى المقذوف والبحث عنه يؤدي إلى هتك ستره والكشف عما أمر بستره، وليس كذلك السؤال عن العدالة؛ لأنه ليس فيه هذا المعنى. وقيل: القاذف لما أتى بما منع منه صار عاصيًا به، فغلظ عليه بإقامة الحد بظاهر الإحصان ولم يحصل من الشهود عليه عصيان يوجب التغليظ عليه بترك السؤال عن باطن عدالة الشهود الذين شهدوا عليه والاقتصار
[ ١١ / ٢٢٤ ]
على ظاهره، فلا يقتصر عليه ويلزم التفحص لحقه، وإنما إذا ارتد المقذوف قلنا: قال القاضي الطبري: يحتمل أن يقال: يسقط الحد عن القاذف. فخرج فيه وجهًا آخر، وبه قال أبو حنيفة: والمشهور أنه لا يسقط به الحد عن القاذف، والفرق أن الردة لا تدل على تقدم الزني وليست من جنسه، والردة يظهرها المرتد فلا يخفيها والزني يخفيه الزاني فافترقا.
وأما ما ذكر المزني لا يصح؛ لأن حكم الزني لا يتعلق إلا بفعل الزنى فلا يحكم بالزني قبل الزنى، والعفة والفسق على العقائد والضمائر، ألا ترى أن رجلًا لو غصب جارية فزنى بها وعنده أنه غاصب زاني (ق ٢٣ أ) ثم استبان له أن المغصوبة مملوكية حكمنا بفسقه على قصده واعتقاده لا لصورة فعله، فكذلك لما زنت هذه المقذوفة غلب على القلب أنها كانت قبل ذلك على قصد الزنى لو تمكنت ولم تكن عفيفة القصد، فكان طعنًا فيها وسقط حد القاذف.
فإذا تقرر هذا، قال الشافعي في هذه المسألة: "أو وطئت وطئًا حرامًا". قال أبو حامد: الواطئ الحرام على أربعة أضرب:
أحدها: وطء حرام لم يصادف ملكًا ولا شبهة ملك، مثل وطء المحارم بالنكاح، أو جارية الأم فيوجب الحد وتسقط الحصانة ولا يجب الحد على قاذفه.
والثاني: وطء حرام صادف ملكًا ولكنه حرام لعارض يزول كالحيض والنفاس والإحرام والعدة من غيره، فلا يجب به الحد ولا يسقط به الإحصان ولا يسقط الحد به عن قاذفه.
والثالث: وطء حرام صادف ملكًا إلا أنه ارتفع تحريمه بحال كوطء المحارم بملك اليمين فهل يجب به الحد؟ قولان:
فإن قلنا: يجب به الحد لم يجب الحد على قاذفه وسقط إحصانه.
وإن قلنا: لا يجب به الحد حد القاذف ولا يسقط إحصانه، وهو اختيار القاضي الطبري.
والرابع: وطء حرام في غير ملكه سقط الحد فيه للشبهة، مثل أن يزوج بلا ولي ولا شهود، أو نكاح متعة فوطئ أو وطئ جارية ابنه، ووطئ على ظن أنها زوجته أو أمته لا يلزمه الحد ويلحقه النسب منه، وهل يسقط إحصانه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يسقط لأنه وطئ محرم لم يصادف ملكًا للزنى، وهو اختيار أبي إسحاق وهذا أيضًا وطء سقط الدح فيه عن الوطء بالشبهة فسقط الحد به (ق ٢٣ ب) عن القاذف للشبهة.
والثاني: لا يسقط إحصانه لأنه وطء يلحق به النسب ولا يجب به الحد، كوطء الزوجة في حال الحيض.
[ ١١ / ٢٢٥ ]
وفيه وجه ثالث: أن كل وطء يوجب الحد مع العلم به لا يسقط الحصانة عند الجهل. فعلى هذا في مسألة الظن تسقط الحصانة وفي وطء جارية الابن والجارية المشتركة، والنكاح المختلف في إباحته لا تسقط الحصانة.
وفيه وجه رابع ذكره القفال: كل وطئ في غير ملك هو فيه معذور لم يسقط الحصانة، وإن لم يكن معذورًا يسقط الحصانة. ففي وطئ جارية الابن والجارية المشتركة الحصانة، وكذلك في النكاح المختلف فيه إذا كان عالمًا بتحريمه وفي مسألة الظن لا تسقط الحصانة.
قال: فإن نكحت بغير ولي واعتقادها أن هذا النكاح جائز لا يبطل إحصانها والمرأة بالوطء الحرام في هذا الموضع وطء أقدمت عليه وهي تعتقد تحريمه على الصحيح من المذهب، وعلى ما ذكرنا في وطء الرجعية والكاتبة هل يسقط الإحصان؟ وجهان.
وقال صاحب "الحاوي": وطء الحرام خمسة، منها ما يوجب الحد ويسقط الإحصان وهو ما ذكرنا.
والثاني: ما يسقط الإحصان قولًا واحدًا وفي وجوب الحد به قولان وهي وطء المحرمة بالملك.
والثالث: ما يوجب الحد ويسقط الإحصان قولًا واحدًا أيضًا وهو وطء جارية الابن والمشتركة.
والرابع: لا يوجب الحد وفي سقوط الإحصان به وجهان وهو الوطء في نكاح المتعة والشغار.
والخامس: ما يوجب الحد ولا يسقط العفة (ق ٢٤ أ) كوطء الحائض والمحرمة لأنه صادف محلًا مباحًا طرأ التحريم عليه لعارض.
مسألة:
قال: "ولو لاعنها، ثم قذفها فلا حد".
الفصل:
قد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم بالشرح، وذكرنا عن القفال أنه اختار أنه إذا قذفها بزنى آخر يلزمه الحد، وأراد بما ذكر ههنا أنه إذا قذفها بذلك الزنى الذي يلاعنها به ولا حد وهذا مسلم. فأما إذا قذفها بزنى آخر فقد قذف محصنة فكيف لا يلزمه الحد، ولهذا لو قذفها أجنبي يلزمه الحد بلا إشكال وقال صاحب "الإفصاح": هذا لا يجيء على مذهب الشافعي؛ لأنه لعانه سقط إحصانها في حقه. وأطلق الشافعي ههنا، وقال:
[ ١١ / ٢٢٦ ]
فلا حد لها كما لو حد لها، ثم قذفها لم يحد ثانية".
قال الشافعي: "وينهى فإن عاد عزر". يعني في هاتين المسألتين:
إحداهما: إذا قذفها بعد اللعان، والأخرى: إذا قذفها بعد الحد، وإنما يعزر لأنه أذاها بنوع من الأذى، ثم قال بعد هذا: "ولو قذفها برجل بعينه وطلب الحد".
الفصل:
وقد ذكرنا هذه المسألة بالشرح وفي أكثر النسخ: فإن التعن فلا حد لها وإذا بطل الحد لها بطل له" وفي نسخة أخرى: "فإن التعن فلا حد له إذا بطل الحد لها بطل الحد له" والمعنى متقارب، ويحتمل أن الشافعي صور هذه المسألة فيما لو سمى المزني به في اللعان، ويحتمل أنه صور فيمن لم يسم في اللعان، وأجاب على أحد القولين إذا لم يسمه في اللعان هل يسقط حده؟ وفيه قولان مشهوران، ولو جاء المزني بها أولًا يطلب الحد والمرأة لم تحضر، ولم تطلب فللزوج أن يستحضر المرأة ويلاعنها ليدرأ عن نفسه (ق ٢٤ ب) ما توجه عليه من الحد للمرمى به.
واحتج الشافعي بأن العجلاني رمى امرأته بأبي إسحاق رجل مسلم فلاعن بينهما وفي إسلامه اختلاف، وكذلك هل سمى العجلاني المزني به أم لا وقد ذكرنا ذلك.
مسألة:
قال: "ولو شهد عليه أنه قذفها حُبس حتى يعدلوا".
إذا شهد عليه شاهدان بالقذف وطالب المدعي الحاكم أنه يحبس المدعى عليه حتى تثبت عدالتهم يجاب إلى ذلك؛ لأن الشهادة التي حجة في القذف قد حصلت في الظاهر؛ لأن الناس على ظاهر العدالة حتى يعلم غيره، وإنما يبحث ويستكشف من الشهود ما يسقط شهادتهم من الجرح، فإذا كان كذلك حُبس، لأنا لا نأمن أن يهرب فيفوت حقه وغاية حبسه تعديل الشهود، ثم يخرج من الحبس ويقام عليه الحد إن عدلت الشهود وإلا خلي سبيله. ولو شهد بذلك شاهد واحد، وسأل حبسه حتى يأتي بشاهد آخر.
قال الشافعي: ههنا بعد هذا "ولا يُحبس بواحد" وفي المسألة قولان:
أحدهما: هذا لأن الشاهد الواحد ليس بحجة في ثبوت القذف.
والثاني: يحبس ذكره ابن أبي هريرة قياسًا على ما قال في العبد إذا ادعى العتق وأقام شاهدًا واحدًا هل يحال بينه وبين سيده؟ قولان: وهذا لأن جانبه قوي بإقامة هذه الشهادة فيحبس احتياطًا.
قال هذا القائل: تأويل قول الشافعي ههنا: "ولا يحبس بواحد" أي من هذين
[ ١١ / ٢٢٧ ]
اللعان والحد، بل إذا ثبت عليه القذف بشهادة عدلين أقيم عليه الحد عاجلًا إن لم يلتعن، ولا يحبس ليلتعن خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: "يحبس ليلاعن" وهذا تأويل بعيد (ق ٢٥ أ) وأما في حد الله تعالى إذا أقام شاهدين لا يحبس حتى تظهر عدالتهما؛ لأنه لو هرب بعدما توجه عليه حد الله تعالى لم يطلب بخلاف حق الآدمي.
هكذا ذكره القفال، وأما في المال إذا شهد عليه شاهدان بمال، قال أصحابنا: يجوز حبسه حتى يسأل عن الشاهدين.
وحكي الداركي عن أبي محمد الفارسي، عن الاصطخري أنه قال: لا يحبس في المال؛ لأنه وإن هرب يمكن استيفاءه من ماله بخلاف الحد، وهذا لا يصح لأنه إن لم يكن ماله ظاهرًا لا يمكن استيفاءه، وإن كان ظاهرًا فاستيفاءه مع حضوره أمكن، فكان له غرض في حبسه فجاز ذلك.
وأما إذا أقام شاهدًا واحدًا في المال، وقال: أحلف مع شاهدي وقلنا بالقول الأول، قال أبو إسحاق: يحبس المدعي عليه قولًا واحدًا؛ لأن الحجة قد حصلت وإنما يجوز للحاكم أن يحلفه حتى يسأل عن حال الشاهد، لأنه لو حلفه ثم سأل عن الشاهد فكان فاسقًا كان قد وضع اليمين في غير موضعها، وكان الامتناع من سماع يمينه من جهة الحاكم واجبًأ، فيحبس المدعي عليه حتى يسأل عن الشاهد فإذا ظهرت عدالته يحلفه ويحكم له بالمال على المدعي عليه.
مسألة:
"قال: "ولا يكفل رجل في حد ولا لعان".
قال أصحابنا: لا تجوز الكفالة ببدن من عليه الحد الذي هو حق الله تعالى مثل حد الزنى والشرب والسرقة، وهل تصح ببدن من عليه المال؟ قولان: وقال المزني: هذا دليل على إثباته كفالة الوجه من غير الحد، وهو الصحيح إلا أنه استدل بمفهوم كلام الشافعي على أنه مذهبه جوازها في المال.
وقد ذكرنا شرح هذه المسألة فيما تقدم، وأما الكفالة ببدن من عليه (ق ٢٥ ب) حد الآدمي كالقصاص وحد القذف من أصحابنا من قال: لا يجوز قولًا واحدًا.
والفرق أنه لما جاز أن يتكفل بالمال جاز أن يتكفل ببدن من عليه المال، ولما لم يجز أن يكفل بالحد لم يجز أن يتكفل ببدن من عليه الحد. وقيل: فيه قولان، وقيل: هو مرتب. فإن قلنا: الكفالة ببدن من عليه المال لا تجوز فببدن من عليه الحد أولى.
وإن قلنا: ذاك يجوز فهل يجوز هذا؟ قولان، وقال القفال: الأقيس أنه يجوز وتأويل قول الشافعي ههنا: "ولا يكفل رجل في حد" أي نفس الحد واللعان لا يكفله
[ ١١ / ٢٢٨ ]
رجل بخلاف المال وهذا بعيد عن أصحابنا.
مسألة:
قال: "ولو قال: زنا فرجك أو يدك ورجلك فهو قذف".
الفصل:
اعلم أن الشافعي ﵁ قال في القديم: لو قال لامرأته: زنى فرجك فهو قاذف، ولو قال: يدك أو يديك أو رجلك، قال بعض الناس في القذف هو قاذف وفي اليد والرجل لا يكون قاذفًا ولا في العين، قال الشافعي: وهذا كله ما عدا الفرج واحد.
قال أبو إسحاق: لما قال هذا كله ما عدا الفرج واحد دل على أنه لم يجعله قذفًا وأراد بقوله بعض الناس أبا حنيفة، ونقل المزني في "الجامع الكبير" مثل ما ذكره الشافعي في القديم، واختار أنه إذا قال: "زنى بدنك كان قذفًا" وإذا قال: زنى يدرك أو رجلك لا يكون قاذفًا، وقول الشافعي بعد هذا: "وكلما قاله فكان شبه القذف إذا احتمل غيره لم يكن قذفًا" يدل على أن المزني غلط في نقله لأن قوله: زنى يدك أو رجلك يحتمل زنى المشي وزنى اللمس وفي [النظر] يحتمل زنى العين كما قال ﷺ: "العينان تزنيان واليدان تزنيان (ق ٢٦ أ) والرجلان تزنيان ويصدقهما الفرج أو يكذبهما".
وقال ابن أبي هريرة: غلط المزني فيما نقله، ولم يذكر الشافعي هذه المسألة إلا في القديم، وظاهر كلامه فيه يدل على أنه ليس بقذف، ولعل ما حكاه المزني في اليد والرجل مذهب مالك.
ومن أصحابنا من صحح ما نقله المزني في اليد والرجل، وقال: يكون صريحًا في القذف لأنه أضاف الزنى إلى عضو منها، فأشبه قوله زنى فرجك، ولأنه لا فرق في الطلاق والظهار بين الإضافة إلى اليد والفرج، فكذلك في القذف. وجملة المذهب أنه إذا قال لها: زنى فرجك كان قذفًا، ولو قال: زنى يدك أو رجلك أو عينك فالمذهب أنه كناية في القذف، وفيه وجه آخر وقول آخر: أنه صريح في القذف وهو ضعيف.
وقال صاحب "الحاوي": الوجهان في اليد والرجل والرأس فأما إذا قال: زنت عينك لا يكون قذفًا وجهًا واحدًا، ولو قال: زنى بدنك فيه وجهان أيضًا، ولأن البدن بعض من الجملة، والصحيح والمذهب ههنا أنه يكون قذفًا. وبه قال ابن سريج: وهو مذهب أبي حنيفة، لأنه لا فرق بين قوله: زنيت وبين قوله: زنى بدنك؛ لأنه أضاف القذف إلى جملتها، ولأن البدن هو الجملة التي منها الفرج، وعن أبي حنيفة في الرأس أنه يكون قذفًا،
[ ١١ / ٢٢٩ ]
فاعتبر العضو الذي لا يبقى البدن بدونه، ولو قال: زنى فرجي كان إقرارًا بالزنى قولًا واحدًا. ولو قال: زنى يدي أو رجلي أو عيني لم يكن إقرارًا بالزنى لا يختلف أصحابنا فيه.
فإذا تقرر هذا فكل ما قلنا إنه صريح في القذف إذا ذكره حمل على القذف ولا ينوي فيه، وكل ما قلنا إنه كناية، فإن قال: لم أرد به القذف قُبل منه مع يمينه (ق ٢٦ ب) وإذا قال: أردت القذف قُبل منه لأنه محتمل.
مسألة:
قال: "وكلما قاله وكان يشبه القذف إذا احتمل غيره لم يكن قذفًا".
قصد به الرد على مالك حيث قال: التعريض في القذف كالصريح مثل أن يقول في حال الغضب لمن شاتمه يا ابن الحلال وما شاكل ذلك، مثل أن يقول: ما أنا بزاني ولا أمي بزانية وما أحسن ذكر أمك في الجيران، وإن قال ذلك في حال الرضا، وبه قال إسحاق، وأحمد في أشهر الروايتين عنه، وعندنا لا يكون هذا قذفًا، وبه قال أبو حنيفة، والدليل على هذا ما احتج به الشافعي أن رجلًا من غزارة.
قال: يا رسول الله إن امرأتي ولدت غلامًا أسود فجعله النبي ﷺ قذفًا. وقال الله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] فكان التعريض خلاف التصريح كذلك ههنا.
وروي أن رجلًا قال: يا رسول الله إن امرأتي لا ترد يد لامس. الخبر. وهذا تعريض ولم يجعله النبي ﷺ قذفًا؛ ولأنه لو قال الرجل: ما زنيت لم يكن إقرارًا فكذلك إذا قال لغيره: أنت ما زنيت لم يكن إقرارًا واحتج مالك بأن عمر ﵁ جلد في التعريض جلدًا تامًا، ولأن دلالة الحال تقوم مقام القصد والنية، فإذا انضمت إلى التعريض كان بمنزلة التصريح. قلنا: روينا عن سمرة بن جندب ﵁ قال: من عرض عرضنا ومن صرح صرحنا. وأراد بقوله عرضنا له العقوبة دون الحد، ولأنه لا اعتبار بدلالة الحال؛ لأن الحد (ق ٢٧ أ) يسقط بالشبهة، وفي التعريض شبهة ظاهرة. فإذا تقرر هذا ذكر الشافعي في الأم أنه إذا قال: يا فاجرة، ويا فاسقة، ويا غلمة، ويا شبقة كله تعريض إن أراد به القذف كان قذفًا.
قال القفال: وكذلك لو قال: يا خبيثة يا قوادة يا مواجرة لا يكون صريحًا. ولو قال: ما أحسن وجهك أو بارك الله عليك لا يكون قذفًا، وإن نواه؛ لأنه لا يحتمل القذف.
فرع:
لو قال الرجل: يا لوطي كان كناية، وفيه وجه آخر أنه صريح. وكذلك لو قال:
[ ١١ / ٢٣٠ ]
يتلوط أو لاط.
فرع آخر:
لو قال: أنت زاني زنا في الجبل كان قذفًا ويحتمل وجهًا آخر، ولو قال: ونأت في الجبل يا زان فالأقوى أنه قذف.
مسألة:
قال: " وَلَا يَكُونُ اللِّعاِنِ إِلَّا عِنْدَ سُلْطَانٍ أَوْ عَدُولٍ يَبْعَثُهُمْ السُّلْطَانُ".
قال أصحابنا: أراد بالعدول خليفته وشاهدين يشهدان عليه فيما يمضيه ويحكم به. وقيل: أربعة عدول، وأن لم يبعث إلا خليفته وحده أجزأه في صحة اللعان. وقد ذكرنا أنه لا بد فيه من الحاكم، ولا يجوز إلا بعد أن يعرض الحاكم ألفاظ اللعان عليه.
فرع:
لو ترافع الزوجان إلي رجل يعرف الأحكام ورضيا بحكمه هل يصح أن يلاعن بينهما؟ قل ابن هريرة: لا يجوز قولًا واحدًا، وإنما القولان في الأموال التي يجري فيها الإباحة. قال: ولا يجوز التحكيم في الطلاق والعناق أيضًا لأنه لا تجري فيه الإباحة، وبه قال صاحب "الإفصاح" وظاهر نصه ههنا هذا، وهو ظاهر المذهب، وقال الاصطخري، وأبو إسحاق: لا فرق بين الأموال وغيرها [ق ٢٧ ب] وفي الكل قولان.
فإذا قلنا: يجوز قمتي يلزم حكمه عليها؟ وجهان:
أحدهما: يلزم بنفس التحكيم.
والثاني: يلزم بالتراضي بعده، وقيل: القولان في اللعان بناءً علي اختلاف قوليه في لزوم حكمه في عين اللعان.
فإن قلنا: يلزم ولا يقف حكمه علي رضاهما يجوز ههنا، وإن قلنا: هناك لا يلزم إلا بعد التراضي بالتزامه بعد الحكم لا يجوز ههنا لأن حكم اللعان لا يقع إلا لازمًا، ولا يصح فيه العفو والإبراء، ولا يقف علي التراضي. وكان الدار كي يقول: يجوز فيه التحكيم عند القاضي للضرورة، وأ/ االتحكيم في النكاح قال القاضي الطبري: سمعت بعض شيوخنا يقول: ينظر فيه، فإن كان لها ولي حاضر أو غائب لا يجوز؛ لأنه إذا كان حاضرًا فالحق له دون المرأة، وإن كان غائبًا فالحق له أيضًا إلا أن الحاكم يقوم مقامه في استيفائه، فلم يكن لرضا المرأة بحكم من رضيت به معني، وإن لم يكن لها ولي أصلًا
[ ١١ / ٢٣١ ]
فهل يجوز التزويج بالتحكيم؟ وجهان:
أحدهما: يجوز، لأن الحق لها وإنما يزوجها الحاكم بولاية النظر في مصالح المسلمين، بخلاف ما إذا كان الولي غائبًا، لأن الحق للولي دونها.
والثاني: لا يجوز لغلظ حكمه.
فرع آخر:
إذا زوج أمة من عبده هل يجوز أن يلاعنا عند سيدهما؟ فإن كان عاميًا لا يعرف الأحكام لم يجز، وإن عالمًا يحسن أن يلاعن بينهما، من أصحابنا من قال: يجوز منه ذلك، لأنه يجوز منه إقامة الحد عليه كالحاكم، ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان:
أحدهما: ما ذكرنا.
والثاني: لا يجوز ذلك لأنه يقيم الحد عليها [ق ٢٨ أ] بالإقرار دون ألبته واللعان بينة فلا يجوز له سماعه، ولو تلاعن الزوجان وحدهما وتراضيا به لا يجوز بلا إشكال.