مسألة: قال: ولا قطع على من سرق من غير حرزٍ ولا في خلسةٍ ولا على عبد سرق من متاع سيده.
وقد ذكرنا حكم السرقة من غير حرزٍ وحكم المختلس، وأما العبد فلا يقطع بسرقة مال سيده. وبه قال [٨٦/أ] جماعة الفقهاء، وقال داود: يقطع بها. وهذا غلط لما روى السائب بن يزيد أن عبد الله بن عمرو الحضرمي جاء بغلام له إلى عمر ﵁ فقال له: اقطع يد هذا فإنه سرق فقال له عمر: ماذا سرق؟ فقال: سرق مرآة لامرأتي ثمنها ستون درهمًا. فقال عمر: أرسله فليس عليه قطع خادمكم سرق متاعكم، وروي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه سئل عن عبدٍ سرق قباء لعبد له فقال: مالك سرق بعضه بعضًا لا قطع عليه وهو قول ابن عباس وكأن له فيه شبهة النفقة وكذا لو سرق المكاتب من سيده لا يقطع لأنه من حكم ملكه، ولو سرق السيد من مال مكاتبه لا يقطع أيضًا؛ لأن له فيه شبهة الملك والمال متردد بينه وبين المكاتب وأما التلميذ والأجير إن سرق ما هو محرز عنه قطع ولا يقطع فيما يتبسط فيه في داره وخزانته ويكون ذلك خيانة.
مسألة: قال: ولا على زوجٍ سرق من متاع امرأته ولا على امرأةٍ سرقت من مال زوجها.
اعلم إنه إذا سرق أحد الزوجين مال صاحبه نقل المزني أنه لا يقطع واحد منهما، وقال في كتاب "اختلاف أبي حنيفة والأوزاعي": إذا سرقت المرأة من مال زوجها الذي لم يأتمنها عليه وأحرزه منها [٨٦/ب] قطعت. وقال القاضي أبو حامد: فرق الشافعي في رواية الحارث بن شريح البقال بين المرأة والزوج فأسقط عن المرأة القطع وإن كان في حرزٍ منها للشبهة التي لها في ماله ولم يسقطه عن الزوج وجملته أنه ينظر فإن كان مال واحد مختلطًا بمال الآخر، أو كان متميزًا إلا أنه غير محرز عنه فسرقه لا يقطع قولًا واحدًا وإن كان محرزًا عنه فسرقه ففيه طرقٌ: أحدها: وهو قول الأكثرين المسألة على قولين.
أحدهما: لا يقطع يد واحدٍ منهما وبه قال أبو حنيفة لأن لكل واحد منهما في مال صاحبه شبهة، أما المرأة فلما تستحقه عليه من النفقة، وأما الزوج ورد له فيه شرع
[ ١٣ / ٩٨ ]
متأول حتى ذهب جماعةٌ من الفقهاء إلى أن المرأة لا تتصرف في مالها إلا بإذنه وأن الزوج هو القيم عليها به ولأن كل واحدٍ منهما ينبسط في مال صاحبه فأشبه الولد مع الوالد.
والثاني: يقطع وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور واختاره المزني وهو الصحيح لأنه عقد على منفعةٍ فلا يتضمن سقوط القطع كالإجارة وأما ما ذكره القائل الأول فيبطل بالصديقين المتلاطفين فإن بينهما تبسطًا وتقطع يد كل واحدٍ منهما بمال صاحبه. والثانية: أنه تقطع يد كل واحدٍ منهما بمال صاحبه وأراد بما ذكر [٨٧/أ] في موضعٍ آخر إذا لم يكن محرزًا عن صاحبه وهذه الطريقة ضعيفة. والثالثة: قال القاضي أبو حامد: فيه ثلاث أقوالٍ على ظاهر النصوص.
فرع
قال الشافعي ﵁: ولا على عبد واحدٍ من هؤلاء سرق متاع صاحبه وأراد به أن المرأة إذا لم تقطع بمال زوجها فكذلك عبدها لا قطع بماله، وإذا لم يقطع زوجها بمالها فكذلك عنده لا يقطع لأن يد عبده يده وهذا تفريعٌ على أحد القولين والدليل على هذا خبر الحضرمي الذي ذكرنا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: يحمل أن يقال بخلافه لأن العم يدلي إلى الجد بالبنوة ويقطع وهذا خلاف النص.
مسألة: قال: ولا يقطع من سرق من مال ولده.
الفصل
لا تقطع يد الأب بسرقة مال ولده ولا ولد ولده سواء في ذلك ولد البنت وإن سفل، ولا يقطع الابن بسرقة مال أبيه ولا جده وإن علا ولا بسرقة مال أمه وجدته وإن علت، وكذلك الجد من قبل الأم وإن علا، وقال داود وأبو ثور: تقطع يد الأب والابن في السرقة، وقال قومٌ: تقطع يد الابن دون الأب كالقصاص. وهذا غلط لقوله ﷺ: "أنت ومالك لأبيك" حين قال له رجلٌ: يا رسول الله إن أبي يريد أن يأخذ من مالي كذا وكذا، وقال حباب بن فضالة لأنس بن مالك: [٨٧/ب] ما يحل لي من مال أبي؟ قال: ما طابت به نفسه، قال: فما يحل لأبي من مالي؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أنت ومالك لأبيك" وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أعرابيًا قال: يا رسول الله إن أبي يريد أن يحتاج مالي قال: "أنت ومالك لأبيك إن أطيب ما أكلتم من كسبكم فكلوا هنئًا". وروت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "أولادكم
[ ١٣ / ٩٩ ]
هبة الله ﷿ يهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء الذكور وهم وأموالهم لكم" ولأن على كل واحدٍ منهما نفقة الآخر الأحياء فلا يجب إتلافه لأجل المال. فإن قيل: لم فرقتم بين الأب والابن في القصاص وحد القذف وحد الزنا إذا وطئ جاريته وسويتم بينهما في هذا الحكم؟ قلنا: إن الأب يستحق على الابن جنس الوطء بالإعفاف وهو السبب في اتخاذ الابن فلا يجوز أن يكون سببًا لإعدامه والنفقة تراد لإحياء النفس وهما فيها سواء فصار استحقاقها شبهة لسقوط القطع عنهما، وإذا سرق من سائر الأقارب كالأخوة والأعمام وغيرهم يلزم القطع كما في الأجانب، وقال أبو حنيفة: لا قطع على من سرق من ذي رحم محرم وهذا لا يصح لأنها قرابة لا يتعلق بها رد الشهادة، ولا منع دفع الزكاة فأشبهت قرابة بني الأعمام. [٨٨/أ]
مسألة: قال: ولا قطع في طنبور.
الفصل
قال الشافعي ﵁ هنا: ولا قطع في طنبور ولا مزمار، وقال في مواضع أخر: إلا أن يبلغ قيمته ربع دينار فيقطع وهذا لأن لجميع الناس حق نقص تلك الصنعة المحرمة، فإذا لم تبلغ قيمته نصابًا إلا بالصنعة المحرمة لا يقطع، وإن كان بعد فساد الصنعة المحرمة تبلغ قيمة الواحد نصابًا ليعاد إلى الحالة الأولى ويتخذ منها الملاهي بل لأمرٍ آخر يلزمه القطع. قال أصحابنا: كذلك إذا كان عليه من الذهب والفضة ما يبلغ القطع يقطع، وقال أبو حنيفة: لا يقطع لأن عنده إذا اتصل ما فيه القطع بما ليس فيه لا يقطع، وقال في الصليب من ذهبٍ وزنه نصاب وأكثر لا قطع فيه لأنه اتخذ لأمر محرم ودليلنا أنه سرق نصابًا من ذهب من حرزٍ مثله فيلزمه القطع. وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا قطع فيهما بحالٍ لأنهما من آلات اللهو المحرم وليس لهما في الحقيقة حرز لأن كل إنسان مأمور بإفسادها ودخول حرزه ليفسدها ولأنه لا يجوز إمساكها فصار كالمال المغصوب إذا سرق من حرز الغاصب وهذا غلط لأن في المغصوب ما رضي مالكه بحرزه بخلاف هذا، وقيل: فيه ثلاثة أوجهٍ، والثالث قال ابن أبي هريرة: إن أخرجه مفصلًا يقطع لزوال المعصية وإلا فلا [٨٨/ب].
فرع
قال: ولا يقطع في خمر ولا خنزير لأنه لا قيمة لهما، ولا فرق بين أن السرقة من مسلم أو ذميٍّ، وقال عطاء: إذا سرقها من ذمي يقطع لأنهم يعدونه مالًا وهذا غلط لأنه لو سرقه من المسلم يقطع، فكذلك إذا سرقها من الذمي كالدم وهكذا الخلاف معه في الصليب إذا كانت قيمته نصابًا لتأليفه.
[ ١٣ / ١٠٠ ]
فرع آخر
لو كانت الصرة في كمه فبط الكم وأخذها يقطع خلافًا لأبي حنيفة، وإن كان مشدودًا في كمه فسرقه سارقٌ يقطع سواء كان شده خارج الكم أو داخل الكم، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: إن جعله من داخل إلى برا وشده قطع وإن جعله من برًا إلى داخل وشده لم يقطع وهذا بعيد وبالعكس أولى.
فرع آخر
لو سرق مالًا مشتركًا بينه وبين غيره لا يقطع قلت الشركة أو كثرت وإن بلغ نصيب المسروق نصابًا أو نصبًا كثيرةً لأن ثبوت الشركة أقوى بالشبهة، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان: أحدهما: هذا، والثاني: يقطع لأنه لا شبهة له في مال شريكه.
فرع آخر
قال هذا القائل: إذا قلنا: تقطع يده في المال المشترك نظر فإن كان المال متساوي الأجزاء بحيث يجبر الشريك على قسمته بالقرعة كالدراهم والحنطة فيه وجهان: أحدهما: أنه إذا كان [٨٩/أ] الدينار بينهما نصفين فسرق نصف دينار قطع لأنا نتحقق أن ربع الدينار ملك شريكه خاصةً، والثاني: لا يقطع بهذا ولكن يجمع حقه فيما سرق فإن كان المشترك دينارين لم يقطع إلا بأن سرق دينارًا وربعًا، ولا يقطع إذا سرق دينارًا، لأن الدينار حقه والدنانير بينهما متماثلة الأجزاء ولهذا إذا امتنع أحد الشريكين عن القسمة فللأخر أن يأخذ نصيب نفسه، فأما إذا كان المال المشترك غير متساوي الأجزاء كالثياب ونحوها فإنه يقطع وجهًا واحدًا إذا سرق ما يساوي نصف دينار، والفرق أن هناك المال متساوي الأجزاء فإذا أخذ دينارًا فله في جملة المال دينار فجعله كأنه أخذ نصيب نفسه وهناك المال متقارب الأجزاء فلا يجوز له بحال أن يأخذ منه شيئًا إلا بإذن الشريك، فإذا سرق ما يساوي دينارًا جعل سارقًا لربع دينار فقطع.
فرع آخر
لو شهد أحدهما بسرقة وقال: قيمته كان نصابًا، وقال الآخر: أقل من نصاب لا يلزم القطع ويؤخذ في المال بالأكثر ويحلف مع الشاهد بالأكثر ويأخذ، وإن رضي بأقل القيمتين يأخذها من غير يمين.
فرع آخر
لو شهد شاهدان بأنه نصاب والآخر بأنه دون النصاب لا يقطع ويؤخذ في الغرم بالأقل [٨٩/ب] وقال أبو حنيفة: يؤخذ بالأكثر في الغرم ووافقنا في القطع.
فرع آخر
لو قعد الرجل في بيته أو حانوته وفتح الباب وأذن في الدخول عليه للتجارة فدخل داخل وسرق شيئًا متغفلًا لا يقطع، لأنه دخل بالإذن فأخذه خيانةً لا سرقة ًكرجلين سرقا بيتًا فسرق أحدهما من صاحبه لم يقطع، وذكر بعض أصحابنا بخراسان أنه يقطع
[ ١٣ / ١٠١ ]
وإن لم يأذن للناس في الدخول عليه وجلس فيه حافظًا مراقبًا فدخل داخلٌ على غفلةٍ منه وسرق قطع.
فرع آخر
لو كان صاحب البيت نائمًا في هذه المسألة فدخل داخل على غفلةٍ منه وسرق بعض ما هو موضوع حوله فيه وجهان: أحدهما: يقطع لأن المكان ملكه وهو فيه، وقد جرت العادة بأن ينام صاحب الدار ساعة وساعتين والباب مفتوح، والثاني: لا يقطع أن الموضع وإن كان ملكه والباب مفتوح والنائم كالغائب، ولو وضع ساعةً في بيت مفتوح وغاب فسرق لم يقطع كذلك هنا.
فرع آخر
لو قعد في السوق أو في المسجد وهناك كثرة الناس المارة فالصحيح أنه كما لو أذن في دخول بيته فلا قطع لأن المكان مشترك بينه وبين غيره، وفيه وجه آخر يقطع ولو كان مثل هذا في الصحراء فجلس ينظر إلى الشيء وهو موضوع يديه فتغفله السارق وأخذه قطع لأن الناس يقلون هناك، والغالب أنه لا يدنو منه أحد إلا وهو يشعر به [٩٠/أ] ولو نام والشيء موضوع بين يديه لا يكون محرزًا لا في المسجد ولا في السوق كما في الصحراء، وهكذا لو خلع نعليه أو خفيه في موضع.
فرع آخر
لو نصب الصباغ أو القصار شيئًا على باب حانوته وألقى عليه الثياب فلذلك حرز يقطع فيه ذكره أصحابنا.
فرع آخر
لو سرق من الغنيمة واحد من الغانمين بعد إخراج الخمس منها فحكمه حكم السارق من المال المشترك على ما ذكرنا، وروي عن عليّ ﵁ أنه أتى برجل سرق مغفر حديد من الخمس فقال: ليس عليك قطع هو خائن وله نصيب، وروي في معناه خبر مرسل عن النبي ﷺ.
فرع آخر
لو سرق صبي وبالغ أو والد وأجنبي من مال الولد، قطع البالغ والأجنبي خلافًا لأبي حنيفة رحمه الله تعالى.
[ ١٣ / ١٠٢ ]