مسألة:
قَالَ: قال الله تعالى في المطلقات: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]
[ ١١ / ٣٠٧ ]
إلى قوله: ﴿بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]، وقد قال النبي ﷺ لفريعة بنت مالك حين أخبرته أن زوجها قتل وأنه لم يتركها في مسكن يملكه: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله".
المطلقة مطلقتان؛ رجعية، وبائن. فالرجعية تستحق السكنى والنفقة؛ لأنها في معاني الزوجات إلى أن النفقة حق لها إن اتفقا على إسقاطه سقطت، والسُّكنى حق الله تعالى إن اتفقا على إسقاطه لم يسقط.
وأما البائن فلا نفقة لها إلا أن تكون حاملًا ويلزم السكنى لها. وبه قال ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وعائشة، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والفقهاء السبعة، ومالك، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، والليث بن سعد ﵃.
وروي عن ابن عباس، والحسن، والشعبي، وعطاء، والزهري، وأحمد، وإسحاق: أنه لا نفقة لها ولا سكنى. وروى أبو سليمان الخطابي عن أحمد مثل قولنا، واحتجوا بما روت فاطمة بنت قيس أن زوجها طلقها ثلاثًا فلم يجعل لها رسول الله ﷺ نفقة ولا سكنى.
وقال أبو حنيفة والثوري: لها النفقة والسكنى. وروي ذلك عن عمر، وابن مسعود، وشريح ﵃، واحتجوا بأنها مطلقة تستحق السكنى فاستحقت النفقة كالرجعية. وهذا غلط؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] [ق ٨٤ ب] ﴿وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]، وقال أيضًا: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] إلى قوله: ﴿وَإِن كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فأوجب السكنى على الإطلاق، وخصَّ بالنفقة الحوامل، فكان ذلك حجة على الفريقين وأما خبر فاطمة بنت قيس: قلنا: لا حجة فيه؛ لأنه روى أنه أوجب لها السكنى فبذت على أحمائها فأمرها أن تنتقل إلى بيت ابن أم مكتومٍ، وتمام الخبر ما روى أبو سلمة بن عبد الرحمن عن فاطمة بينت قيس: أن أبا عمرو بن حفص بن المغيرة طلقها البتة وهو غائب بالشام، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله مالك علينا من شيء، فجاءت رسول الله ﷺ فذكرت له، فقال لها: "ليس لك عليه نفقة" وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: "تلك امرأة يغشاها أصحابي، فاعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك، فإذا حالت فأذنيني". قالت: فلما حللت ذكرتُ له أن معاوية وأبا جهم خطباني الخبر إلى آخره. ومعنى البتة ههنا: الثلاث. وروى أنها تطليقةٍ
[ ١١ / ٣٠٨ ]
بقيت لها من ثلاث.
واعلم أن نقل النبي ﷺ إياها من بيت أحمائها إلى بيت ابن أم مكتوم ليس بإبطال السكنى، بل فيه إثبات السكنى وإنما هو إخبار لموضع السكنى. وقد اختلفوا في سبب ذلك فقالت عائشة ﵂: كانت فاطمة في مكان وحش فخيف عليها، فرخص لها رسول الله ﷺ في الانتقال. وقال سعيد بن المسيب: إنها انتقلت عن بيت أحمائها لطول لسانها.
وروي عن عمرو بن ميمون، عن أبيه أنه قال: قلت لسعيد بن المسيب: أين تعتد المطلقة ثلاثًا؟ قال: تعتد في بيتها. قلت: أليس أمر رسول الله ﷺ [ق ٨٥ أ] أن تعتد [فاطمة بنت قيس في بيت ابن أم مكتوم، قال: تلك المرأة التي فتنت الناس، إنها استطالت على أحمائها بلسانها، فأمر رسول الله ﷺ أن تعتد] في بيت ابن أم مكتوم، وكان رجُلًا مكفوف البصر. وهو معنى قوله: ﴿وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١].
وقال ابن عباسٍ: الفاحشة أن تبذو على أهل زوجها، فإذا بذت فقد حل إخراجها.
وقال ابن مسعود والحسن البصري: الفاحشة أن تزني فتخرج لإقامة الحد عليها. والأول أصح؛ لأن ظاهرة إخراج لا تُرد بعده إلى ذلك البيت، وإنما تخرج للحد ساعة من نهارٍ، ولها أن تخرج بالنهار لبعض الحوائج من غير فاحشةٍ مبينة.
وروي أن يحيى بن سعيد بن العاص طلق ابنة عبد الرحمن بن الحكم البتة، فانتقلها عبد الرحمن بن الحكم، فأرسلت عائشة أم المؤمنين ﵂ إلى مروان بن الحكم -وهو أمير المدينة- فقالت: اتق الله ورد المرأة إلى بيتها. فقال مروان: أو ما بلغك شأن فاطمة بنت قيس، فقالت عائشة: لا يضرك أن لا تذكر حديث فاطمة، فقال مروان: فإن [كان] بك الشر فحسبك ما بين هذين من الشر، يعني إن كنت تزعمين أن فاطمة أخرجت من بيت زوجها مخافة الشر من البذاء فحسبك ما بين هذا الزوج المطلق وهذه الزوجة من البذاء. فثبت بالسنة.
وتفسير ابن عباس، وقصة عائشة ومروان أن المطلقة لا تخرج من منزل الطلاق إلا للبذاءة. وكره لها ابن المسيب وغيره أنها كتمت السبب الذي أمرها ﷺ أن تعتد في غير بيت زوجها خوفًا أن يسمع ذلك سامع فيرى للمبتوتة أن تعتد حيث شاءت. وقد قال الشافعي: "فَلَمْ يَقُلْ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ اعْتَدِّي حَيْثُ شِئْتِ، بَلْ خَصَّهَا إِذْ كَانَ زَوْجُهَا غَائِبًا"
[ ١١ / ٣٠٩ ]
وهذا يدل على أن البذيئة إذا خرجت من بيت زوجها للبذاءة [ق ٨٥ ب] لا يجوز أن تكون بسببه تعتد حيث تشاء ولكن الحاكم يحضها بالاجتهاد وعند من يرى، كما حصَّن رسول الله ﷺ فاطمة بنت قيس.
ثم اعلم أن الشافعي ذكر أولًا هذه الآية وهي واردة في المطلقات، ثم ذكر خبر فريعة في المتوفي عنها زوجها، ثم قال: "فدلت الآية على سكنى الطلاق، ودلت السنة على سكنى الوفاة".
وتمام خبر فريعة ما روي عن زينب بنت كعب عن فريعة بنت مالك -أخت أبي سعيد الخدري- قالت: خرج زوجي في طلب أعبد له أبقوا، فأدركهم بطرف القدوم فقتلوه، فأتاني نعيه وأنا في دار شاسعة من دور أهلي فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: أتاني نعي زوجي وأنا في دارٍ شاسعة من دور أهلي ولم يدع لي نفقة ولا مالًا، وليس له مسكن لي، فلو تحولت إلى إخوتي وأهلي كان أرفق لي في بعض شأني، فقال: "تحول"، فلما خرجت إلى المسجد -أو الحجرة- دعاني -أو أمرني- فدعيت له فقال: "امكثي في البيت الذي أتاك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله"، فاعتدت فيه أربعة أشهر وعشرًا، قالت: فأرسل إليَّ عثمان بن عفان فأتيته فحدثته، فأخذ به.
فمن أصحابنا من قال: نسخ قوله الآخر قوله الأول فحكم لها أولًا بالرجوع إلى بيت أهلها، ثم نسخه بإيجاب السكنى لها في قوله: "امكثي في بيتك" يعني في البيت الذي كنت فيه عند الموت، فأوجب لها السكنى. وهذا دليل على جواز نسخ الشيء قبل أن يُفعل.
ومن أصحابنا من قال: اختار القول الآخر أنه لا سُكنى للمتوفي عنها، وقال: هذا ليس بنسخ، بل صرح أولًا بالحكم أن لا سكنى لها، ثم ندب إلى أن تمكث في بيتها الأول، وندب أهل الميت أن يتركوها في للاعتداد.
فإذا تقرر هذا لا فرق [ق ٨٦ أ] بين أن تكون مسلمة أو ذمية؛ لأن حقوقه الذمية في النكاح كحقوق المسلمة، وأما الأمة فحكمها في العدة حكمها في النكاح لا يلزم سيدها أن يسلمها نهارًا وله حق الاستخدام عليها، فإن رفع السيد استخدامها لم يمنع نهارًا في زمان الاستخدام، ولا سكنى لها؛ لأنه لما لم يمنع مع بقاء النكاح منها فلأن لا يمنع زواله أولى. ثم للزوج أن يحضها ليلًا إن شاء، وهل يؤخذ به جبرًا؟ وجهان. فإن قيل: فإذا كان له ذلك فقد صارت السكنى واجبة، والسكنى الواجبة في العدة لا تسقط بتراضيهما. قلنا: ليست بواجبة على الزوج وإنما له حق متعلق باستبرائها وحفظها، فلهذا كان له إسكانها ليلًا والسكنى الواجبة لا تسقط بالإسقاط وههنا لم تجب أصلًا فلا يقال سقط.
واعلم أن في بعض نسخ المزني: "ولأهل الذمة أن ينقلوها من مسكن زوجها" وهذا
[ ١١ / ٣١٠ ]
تصحيف من الأمة إلى الذمة.
مسألة:
قَالَ: "فَإِذَا طَلَّقَهَا فَلَهَا السُّكْنَى فِي مَنْزِلِهِ حَتَّى تَنْقَضِي عِدَّتُهَا يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ أَوْ لَا يَمْلِكُهَا".
يحب على المعتدة أن تسكن في الموضع الذي كانت تسكنه قبل الطلاق لقوله تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]، والمراد بإضافة البيوت إليهن السُّكنى دون الملك، بدليل أنه خص المطلقة بذلك، وإذا كان البيت لها لم تختص المطلقة بتحريم إخراجها، وبدليل أنه قال: ﴿إِلاَّ أَن يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١] ولو أراد ملكها لم تخرج بالفاحشة.
فإذا ثبت هذا لا يجوز له أن ينقلها عنه ولا يجوز أن تنتقل منه لظاهر الآية؛ لأن هذه السكنى تجب للعدة، والعدة [ق ٨٦ ب] حق الله تعالى فلم يجز لهما التراضي على إبطال حق الله تعالى، ويجوز النقل والانتقال في ثلاثة أحوالٍ:
أحدها: أن يكون المنزل عارية فيرجع المعير في العارية، أو كان بكراء فانقضت مدة الإجارة وطالب صاحبه بالانتقال.
والثانية: أن يكون المنزل للزوج ولكنه انهدم أو خيف انهدامه وهو غير حصين، أو جيرانها فسقة فيخاف عليها.
والثالثة: أن تأتي بفاحشةٍ مبينةٍ، وذلك عند الشافعي ما ذكره ابن عباس من البذاءة، على أهل زوجها.
فإن قيل: حقيقة الفاحشة الزنى لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ﴾ [النساء: ٢٥]، وأراد به الزنى قيل: الفاحشة اسم الزنى وللأقوال الفاحشة، ولهذا يقال: أفحش فلان في مقالته.
فإذا تقرر هذا وأراد نقلها عند البذاءة على أهل زوجها ينقلها إلى أقرب المنزل إلى منزله الذي طلقها فيه، كما إذا عدم الفقراء في بلد المالي ينقل الصدقة إلى أقرب المواضع من البلد، وإنما يتصور هذا في دارٍ تجمعهم، فإن كانت دارًا لا تسعهم يلزمهم أن ينتقلوا دونها، فإن انتقلوا عنها فبذأت بلسانها عليهم لم تنقل؛ لأن ذلك يمكنها في كل موضع تنتقل إليه، وتُنهى عن ذلك وتعزر، فإن بذت أحماؤها عليها ولم يكن من جهة شرٍّ نقلوا ولم تنتقل هي؛ لأن سكناها مستحقة لها، ولم يكن منها ما يفتح نقلها منه، وإن كانت في منزل أبويها فبذت عليها أو بذا أبويها عليها، ولم ينقل واحدٌ منهم؛ لأن الشر يطول منهم كما يطول منها ومن أحمائها، وإن كانت معها في بيت أبويها أحماءها فبذت
[ ١١ / ٣١١ ]
عليهم أبو بذوا عليها نقلوا ولم تنقل هي؛ لأنها أحق بسكنى منزل [ق ٨٧ أ] أبويها من أحمائها، وإن كانت في دارٍ أخرى لم تنقل إذا بذت عليهم، وإنما ذلك إذا كانوا في دارٍ واحدة على ما ذكرنا وإن كانت في دارٍ تملكها، فإن أقامت فيها بإجارة منه أو إعارةٍ جاز، وإن طلبت أن يسكنها في غيرها لزمه؛ لأنه ليس عليها أن يؤجر ملكها.
مسألة:
قَالَ: "فَإِنْ كَانَ بِكَرَاءٍ فَهُوَ عَلَى المُطَلَّقَ وَفِي مَالِ الزَّوْجِ المَيِّتِ".
السكنى إذا وجبت على المطلق وكانت في منزل بكراءٍ، يجب الكراء على المطلق بلا إشكالٍ. وقوله: "وَفِي مَالِ الزَّوْجِ المَيِّتِ" قال بعض أصحابنا: أجاب بقوله للمتوفي عنها زوجها السكنى، وحمله المزني على هذا ثم اعترض عليه فقال: هذا خلاف قوله في "باب عدة الوفاة" فإن كلامه هناك يدل على أنه لا سكنى لها على ما ذكر، والعجب من المزني حيث قال: في باب عدة الوفاء: "هذا خلاف قوله في الباب الثاني" ثم لما جاء إلى الباب الثاني كرر الكلام فقال: "هذا خلاف قوله في باب عدة الوفاة، ولا فائدة في هذا، فإن له في المسألة قولين مشهورين.
ومن أصحابنا من قال: معنى قوله: "وَفِي مَالِ الزَّوْجِ المَيَّتِ" غير ما اعتقده المزني وإنما معناه أن الزوج المطلق إذا مات قبل انقضاء عدة الطلاق الثلاث فمكنا بالتمام عدتها في مال الزوج الميت، فنقول للمزني: الشافعي لم يتعرض في باب عدة الوفاة لذكر السكنى عند الوفاة ولا في هذا الفصل، وقد نسبه إلى اختلاف القول وتناقضه في هذين البابين، وإنما ذكر الشافعي القولين في سكنى الوفاة بعد هذا حيث قال: "وإن كانت هذه المسائل في موته ففيها قولان" [ق ٨٧ ب] وهذا يدل على أن ما قبله في المطلقة، وهذا ضعيف لأنه قال هناك: ففيها قولان، أحدهما: ما وصفت، فدل أنه أوجب السكنى للمتوفي عنها فلا يحسن أن يحمل على المطلقة.
مسألة:
قَالَ: "وَلِزَوْجِهَا إِذَا تَرَكَهَا فِيمَا يَسَعُهَا مِنَ المَسْكَنِ وَسَتَرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا أَنْ يَسْكُنَ فِي سِوَى مَا يَسَعُهَا".
إذا أوجبنا السكنى فإنما تجب سكنى مثلها في العرف، فإن كانت من أهل الأقدار رفيعة الحال كثيرة المال والخدام، أسكنها دارًا واسعة حسناء وإن كانت من أوساط الناس متوسطة الحال في المال والخدام، أسكنها دارًا متوسطةٍ. وإن كانت من أراذل الناس دنيئة دميمة، أسكنها دارًا ضيقة في طرف البلد أو في الخان، وهذا لأن الله تعالى
[ ١١ / ٣١٢ ]
أوجب السكنى مطلقًا، ولا حَدَّ له في اللغة ولا في الشريعة، فيرجع فيه إلى العرف والعادة كالأحراز والقبوض. وإنما ينظر إلى سكنى مثلها حين الطلاق ولا ينظر إلى سَكنها حال الزوجية؛ لأن الزوج قد يتطوع بأكثر من سكنى مثلها، فإن كانت ساكنةً في سكنى مثلها أقرب فيه، وإن كانت في أدون منها فإن رضيت بالمقام فيه جاز؛ وإن طلبت سكنى مثلها لزم أن يسكنها إلى أقرب المواضع إليه مما هو سكنى مثلها، أو يزيد فيه من بيتٍ آخر بجنبها. وإن كانت في أرفع فإن رضي الزوج به جاز، وإن لم يرض لا يجوز نقلها منه بلا سبب، وإن اتفقنا على النقلةُ لم يجز أيضًا لما ذكرنا. وهل يجوز أن يسكن معها أو يلزمه أن ينتقل منها؟ يُنظر فإن كانت الدار كبيرة يمكنه أن يقطعها حجرتين يغلق كل واحدة بغلق منفرد، فتكون في إحداها وهو يكون [ق ٧٧ أ] في الأخرى، وإذا فعل ذلك وسعتها وتنفرد بمرافقها من البئر والمطبخ والرقي إلى السطح، ومثلها يسكنها في العادة جاز ذلك، وإلا فلا يجوز ويلزمه أن ينتقل منها حتى تنقضي عدتها.
وإن كان في الدار بيتان ولا يمكن قطعها حجرتين، فأراد أن يسكن هو في بيتٍ وهي في بيت آخر لم يجز، وإن كان على كل واحدٍ من البيتين باب يُغلق؛ لأن في المدخل والمخرج من باب الدار يحصل بينهما خلوة. قال الشافعي: "إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ بَالِغٌ مِنَ الرِّجَالِ".
وقال بعض أصحابنا: "أو نساء ثقات". وقال أبو حامدٍ: اعتبر الشافعي بلوغ المحرم، وعندي إذا كان صبيًا مراهقًا جلدًا يتحفظ به جاز أيضًا؛ لأن الغرض أن لا يخلو الرجل بالمرأة الأجنبية.
وقيل: شرط الشافعي أن يكون من الرجال، وبالنساء لا يقع الحاجز عن قصد الفجور فلا يكتفي بالنساء.
وقال القاضي الطبري: الأمر على ما قال الشافعي، ولا يجوز إلا أن يكون بالغًا؛ لأن غير البالغ ليس بمكلف فلا يلزمه الإنكار للفاحشة.
قال الشافعي: "ويكره ذلك مع هذا"؛ لأنه لا يمكن التحرز من النظر إلى الأجنبية وإن جاز على ما ذكرنا.
وقيل: إن الشافعي قال: "محرم ونساء ثقات" ولا شك أن هذا للاستحباب.
ولو كانا في بيتين من الخان فطلقها فانتقل الزوج إلى بيت بجنبها جاز، ويخالف بيتين في الدار؛ لأن الخلوة لا تحصل بينهما في بيتين من خان وتحصل في بيتين من دارٍ. وكل موضع أجزنى للمطلق أن يسكن مع المطلقة أجزنى للأجنبي أن يسكن [ق ٨٨ ب] معها، وما لا يجوز للمطلق لا يجوز للأجنبي.
ثم اعلم أن المزني قدم ههنا مسألة وجوب سكنى الوفاة وأردفها بالكلام في كيفية
[ ١١ / ٣١٣ ]
المسكن. ثم اعترض على مسألة وجوب السكنى على مسألة كيفية المكسن، فصار سواد الكتاب مشكلًا ملتبسًا، وكان ينبغي أن يعطف على قوله: "أَنْ يَسْكُنَ فِي سِوَى [مَا] يَسَعُهَا" حكايته عن كتاب "النكاح والطلاق": "لَا يُغْلَقُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهَا حُجْرَةٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ".
الفصل:
ويعطف اعتراضه في مسألة السكنى حيث قال الشافعي: "وَفِي مَالِ الزَّوْجِ المَيِّتِ". حتى يظهر المقصود ويرتفع الإشكال.
مسألة:
قَالَ: "وَإِنْ كَانَ عَلَى زَوْجِهَا دَيْنٌ لَمْ يَبعْ مَسْكَنَهَا حَتَّى تَنْقَضِي عَدَّتُهَا".
الفصل:
إذا أراد الحاكم بيع هذه الدار بالدَّين، أو أراد الزوج بيعها وعليه دَين قبل الحجر، أو لا دَين عليه فأراد بيعها نُظر، فإن كانت عدتها بالحمل أو بالأٌقراء لم يصح البيع قولًا واحدًا. ولو باع الدار المؤجرة هل يصح البيع؟ قولان. والفرق بينهما أن زمان العدة مجهول فلم يصح البيع، وليس كذلك المنفعة المستحقة في مدة الإجارة؛ لأنها معلومة فلم يضر استحقاقها، وإن كانت عدتها بالشهور من أصحابنا من قال: فيه قولان كبيع الدار المؤجرة، لأن المدة معلومة، وهو اختيار الماسرجسي. ومن أصحابنا من قال: لا يجوز ههنا قولًا واحدًا، وهو اختيار صاحب "الإفصاح". والفرق أن المرأة لو ماتت في العدة رجعت المنفعة إلى زوجها؛ لأنها لم تدخل في البيع فيصير كأنه باعها واستثنى لنفسه تلك المنفعة ولا يجوز ذلك، وليس كذلك بيع المستأجر، فإن المستأجر إذا مات [ق ٨٩ أ] رجعت المنفعة إلى ورثته ولم ترجع إلى المؤاجر الذي باعها، وإن كان الذي باعها وارثًا رجعت المنفعة إليه إرثًا ولم ينفسخ عقد الإجارة، وفي المعتدة ترجع المنفعة إلى الزوج ويبطل استحقاقها، فلهذا فرقنا. أو نقول: هذه المنفعة بملكٍ للمرأة وإنما تبلغها على ملك الزوج؛ لأنها تملك استيفائها بنفسها خاصةً. ويجوز أن يسكنها في دارٍ مستعارة وإن كانت لا تملك منافعها، فلا يجوز أن تملك رقبة الدار من جهته، ويكون مستثنيًا لمنفعة يملكها.
وقال ابن أبي هريرة: إنما اختلف أصحابنا إذا كانت عدتها بالشهور وهي صغيرة لا يحيض مثلها، أو آيسة. فأما إذا كان لها تسع سنين فأكثر ومثلها يحيض إلا أنها لم تحض فلا يجوز بيع الدار التي استحق سُكناها قولًا واحدًا؛ لأنَّا لا نأمن أن تحيض قبل
[ ١١ / ٣١٤ ]
انقضاء الشهور، فتحتاج أن تنتقل إلى العدة بالأقراء فتصير المدة مجهولة، وليس هذا التفصيل لغير. ويلزمه على هذا أن يقول: إذا طلقها طلقةً وهي صغيرة لا يحيض مثلها أو آيسة لا يجوز بيع الدار قولًا واحدًا؛ لأنَّا لا نأمن من أن يموت زوجها فتحتاج أن تنتقل إلى عدة الوفاة فتزيد المدة. هذا كله إذا طلقها قبل أن يحجر الحاكم عليه.
فأما إذا حجر الحاكم عليه ثم طلقها، فإن حقوق الغرماء قد تعلقت بعين ماله، فإذا طلقها تعلق حق سكناها بالدار فيباع ماله مع الدار، ثم يسقط ما يحصل من ثمنه على قدر ديونهم، وقدر أجرة السكنى والتي يستحقها ويكتري لها به في أقرب المواضع إليه موضعًا يسكنه حتى تنقضي عدتها. فإن نقص عن حقها كان ما بقي في ذمته تتبعه إذا أيسر. [ق ٨٩ ب] فإذا قيل: إذا تعلقت حقوق الغرماء بماله ثم استدان لم يشاركهم الغريم الثاني، فذلك أن لا تشاركهم المرأة. [قلنا:] لأن حقهم أسبق قبل الدين ثبت للثاني بمعنى بعد الحجر فلم يشاركهم فيه، وليس كذلك المعتدة، فأنها استحقته بمعنى سبق الحجر وهو النكاح فافترقا. وأيضًا المجني عليه يشارك الغرماء وإن كان متأخرًا؛ لأنه ثبت حقه بغير رضاه، فكذلك حق السكنى ثبت بالطلاق من غير رضاها فوجب أن تشاركهم.
فإن قيل: السكنى تجب يومًا فيومًا فكيف ضربتم لها بأجرة جميعها؟ قيل: لأنَّا نقول: بل السكنى كلها واجبة بالطلاق بخلاف السكنى في النكاح في أصل القولين؛ لأنه يقدر على إسقاط السكنى بالطلاق ولا يقدر على إسقاط هذه السكنى بحالٍ.
فرع:
قال القاضي الطبري: قال أبو إسحاق في شرح نص الشافعي: على أن قسمة الدار التي فيها السكنى لا تجوز كما لا يجوز البيع. وصورته في امرأة وجب لها السكنى ثم مات الزوج وخلف ابنتين فالدار لهما والسكنى لها حتى تنقضي العدة، فأراد قسمة الدار قبل انقضاء العدة، وهذا إذا قلنا القسمة بيع، فأما إذا قلنا القسمة إفراز النصيبين هل تصح القسمة؟ وجهان:
أحدهما: لا تصح كما لا تصح قسمة الدار المؤاجرة.
والثاني: تصح لأن المرأة لا ضرر عليها في قسمة الدار، فإنها إذا تلفت بعد القسمة طالبت بدينها سائر الورثة كما يكون لها قبل القسمة. وليس كذلك الدار المؤاجرة، فإنها إذا قسمت ثم انهدمت لم يكن للمستأجر أن يطالب كل واحدٍ منهما إلا بحصته، وربما انهدم نصيب أحدهما وكان مفلسًا، فيؤدي إلى الإضرار به، فلهذا لم تصح قسمة الدر المؤاجرة على القولين معًا. واختار أبو إسحاق [ق ٩٠ أ] أنه لا يجوز قسمتها على القولين، وعلل بأنها قد استحقت السكنى فيها على صفة فلا يمكن تغيرها، كما لو آجر دارًا من رجلين ثم أراد قسمتها لم يجز، ولكن لو أراد القسمة من غير تمييز بحاجزٍ جاز؛ لأنه لا ضرر عليها بذلك.
واعلم أن في سواد المختصر إشكالًا، وذلك أنه قال: "وَإِنْ كَانَ عَلَى زَوْجِهَا دَيْنٌ
[ ١١ / ٣١٥ ]
لَمْ يَبعْ مَسْكَنَهَا حَتَّى تَنْقَضِي عِدَّتُهَا، وَذَلِكَ أَنَّهَا مَلَكَتْ عَلَيْهِ سُكْنَى مَا يَكْفِيهَا حِينَ طَلَّقَهَا كَمَا يَمْلِكُ مَنْ يَكْتَرِي".
فقاس هذه الدار التي فيها المعتدة على الدار المكتراة، فأوهم أن المسألتين على سواءٍ وليستا على سواءٍ في جميع الحالات، وإنما يستويان في بعض الحالات إذا كانت عدتها بالشهور على ما ذكرنا. فأما إذا كانت عدتها بالأقراء فلا يجوز بيعها قولًا واحدًا على ما ذكرنا. ويحتمل أن يكون الشافعي قصد حالتي العدة حيث يعلم المدة وحيث لا يعلم، ولكن أجاب في الإجارة على قول المنع، فقاس العدة على الإجارة على قصد الترجيح مع القياس، ووجه الترجيح ما أشرنا إليه أن البيع إذا كان باطلًا والمدة معلومة فهو بالبطلان أولى إذا كانت المدة مجهولة.
مسألة:
قَالَ: "فَإِنْ كَانَ فِي مَنْزِلٍ لَا يَمْلِكُهُ وَلَمْ يَكْتَرِهْ فَلأَهْلِهِ إِخْرَاجُهَا وَعَلَيْهِ غَيْرُهُ، إِلَّا أَنْ يُفْلِسَ فَتَضْرِبُ مَعَ الغُرَمَاءِ بِأَقَلِّ قيمَةِ سُكْنَاهَا وَتَتْبَعُهُ بِفَضْلِهِ مَتَّى أَيْسَرَ".
أراد به أنها إذا كانت في دارٍ استعارها زوجها كان للمعير إخراجها منها؛ لأن العارية ليست بلازمةٍ.
قال الشافعي: "وعليه جبره" يعني إذا أخرجت من الدار المستعارة فعلى الزوج منزل غيره؛ لأنها تستحق السكنى عليه، فعليه أن يسكنها في أقرب المواضع إلى الدار التي كانت تسكنها [ق ٩٠ ب].
فإن قال قائل: الدار التي كانت فريعة بنت مالك تسكنها لم تكن لزوجها، فَلِمَ أَمرها رسول الله ﷺ بالاعتداد في تلك الدار؟ قلنا: إنما أمرها بذلك لعلمه بعادة أهل المدينة، فإنهم كانوا لا يعرفون يومئذٍ كراء الدار، بل كانوا يسمحون بسكنى منازلهم، وبفضول أموالهم. وهذا الجواب الذي ذكرنا جواب الشافعي، غير أنه ذكره في هذا الباب حيث قال: "لا نعلم أحدًا ممكن مضى بالمدينة أكرى منزلًا". ومن قرأ كلامه هذا في آخر الباب ظن أن ذلك الكلام غير مقيد، ولم يعلم أنه راجعٌ إلى هذه المسألة المذكورة في وسط الكلام.
فإن قيل: أليس إذا أعار بُقعة للبناء عليها أو جدارًا لوضع الجذع كانت تلك العارية لازمة، فهلا جعلتم هذه العارية لازمة كيلا تحتاج المعتدة إلى الخروج عن منزلها؟ قلنا: لا مشقة ولا ضرر في انتقال المعتدة، وفي نقل البناء والجذوع فساد وهدم وضررٌ،
[ ١١ / ٣١٦ ]
وإنما قوله: "إِلَّا أَنْ يُفْلِسَ فَيَضْرِبَ مَعَ الغُرَمَاءِ بَأَقَلِّ قِيمَةِ سُكْنَاهَا": قال أصحابنا: معناه أن عدتها إن كانت بالأقراء وكانت لها عادة في الحيض والطهر حملت على عادتها، وضربت مع الغرماء بأجرة السكنى في زمان عادتها على مقدار ما تقتضيه عادتها، وإن لم تكن لها عادة ضربت بأقل ما يكون من الحيض والطهر، وهو أن يُحسب الحيض يومًا واحدًا والطهر خمسة عشر يومًا، فيكون اثنان وثلاثون يومًا وساعة، وإن كانت عادتها بالحمل فإن كانت عادتها في الولادة حملت على عادتها. [ق ٩١ أ] وإن لم يكن لها عادة في الولادة حملت على الأقل، وذلك ستة أشهر. وإن كانت عادتها بالأشهر فهي معلومة ضربت أجرة ثلاثة أشهر لا تنقص منها.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا لم يكن لها عادة في الولادة حملت على الغالب وهو تسعة أشهر، وهو اختيار صاحب "الحاوي". قال: وكذلك في الأقراء تضارب في الغالب من مدة الأقراء وهي ثلاثة أشهر لا بأقل ما يكون. والدليل على صحة هذا أنها لو كانت معتادة حملت على عادتها مع جواز النقصان، ولم تحمل على اليقين في الأقل، ففي غير المعتادة تحمل على الغالب من عادة غيرها ولا تحمل على اليقين في النقصان.
قال أصحابنا: فإذا ضربت بذلك ثم نقصت عدتها عما أخذته ردت الفضل وقسم بينهم على قدر حقوقهم. وإن زادت ذلك قال القاضي الطبري: نص الشافعي أنها تتبعه بالزيادة، وإذا أيسر بخلاف الغريم إذا أحدث؛ لأنها ضربت بهذا القدر مع العلم بجواز الزيادة عليه فيخالف الغريم الذي لم يعلم به. وأيضًا حق الغريم لم يتحدد بعد القسمة والزيادة ههنا تحددت بعد القسمة فلم يشارك الغرماء المتقدمين.
ومن أصحابنا من خرَّج فيه وجهًا آخر أنها تدخل على الغرماء فتأخذ من كل منهم بحصته كما ظهر غريم آخر. وهذا أقيس؛ لأنَّا نبين استحقاقها في الأول حين طالت العدة فصار كظهور الدين.
ومن أصحابنا من ذكر وجهًا ثالثًا وهو إن كانت الزيادة في الحمل رجعت بها على الغرماء، وإن كانت في مدة الأقراء لم ترجع بها عليهم؛ لأن وضع الحمل مشاهد يمكن أن تقوم به بينة، وهذه الأقراء مضنونة لا تقوم بها بينة، ويرجع إلى قولها في حق الزوج دون غيره [ق ٨١ ب] وهذا ضعيف.
ومن أصحابنا من حكي عن أبي إسحاق أنه قال: لا حق لها أصلًا في الزيادة؛ لأنَّا دفعنا إليه ذلك القدر مع علمنا قد يستحق زيادة عليه. وهذا لا يصح عنه، والصحيح أنه اختار ما نص الشافعي عليه.
وأما قول الشافعي: "تَضْرَبُ مَعَ الغُرَمَاءِ بَأَقَلِّ قِيمَةِ سُكْنَاهَا": أراد بذكر الأقل اختلاف أجرة المساكن لا مدة العدة، وذلك أنها لا تجد مسكنًا واسعًا كل شهر بدينارٍ في
[ ١١ / ٣١٧ ]
محلةٍ عزيزة المساكن، وتجد بنصف دينار أو سدس دينار مسكنًا يكفيها في محلةٍ أخرى حصينة، فلا تضرب إلا بالأٌقل.
مسألة:
قَالَ: "وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ المَسَائِلُ فِي مَوْتِهِ فَفِيهَا قَوْلَانِ".
الفصل:
أراد به أن في وجوب السكنى للمتوفي عنها قولان:
أحدهما: لها السكنى. وبه قال عمر، وعثمان، وابن عمر، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأم سلمة، ومالك، والثوري، وأحمد ﵃ وهو الأظهر. والدليل عليه الخبر الذي ذكرنا.
وروي عن القاسم بن محمد أن عائشة ﵂، كانت تخرج المرأة وهي في عدتها من وفاة زوجها. [قال:] فأبي ذلك الناس إلا خلافها فلا نأخذ بقولها وندع قول الناس.
والقول الثاني: أن لا سكنى لها. وهو اختيار المزني، وبه قال علي، وابن عباس، وعائشة، وعطاء، وأبو حنيفة، والحسن، وجابر بن زيد ﵃، وروي أن عليًا نقل أم كلثوم بعد موت عمر ﵃ بسبع ليالٍ. وقيل: النقل لأنها كانت في دار الإمارة.
واحتجوا بأن لا نفقة لها؛ لأن الملك انقطع بالموت فكذلك السكنى [ق ٩٢ أ] قال المزني: وقد أجمعوا أن من وجبت له نفقة وسكنى من والدٍ وولدٍ على رجل فمات انقطعت النفقة لهم والسكنى؛ لأن ماله صار ميراثًا لهم، فكذلك امرأته وولده وسائر ورثته يرثون جميع ماله. والجواب عن هذا: لأن هذا لا يشبه النفقة؛ لأن المطلقة الثلاث تستحق السكنى بكل حالٍ ولا تستحق النفقة لنفسها، فإن كانت حاملًا وجبت النفقة للحمل، فكيف يجوز المزني أن يستشهد بالنفقة على السكنى؟ ولأن النفقة بمقابلة التمكين من الاستماع ولا تمكين ههنا، والسكنى لتحصين الماء وهذا موجود ههنا فافترقا.
وأما الوالد والولد فنفقتهما وسكناهما لا تصيران قط دينًا في الذمة، ونفقة النكاح وسكناه مما يصير دينًا في الذمة فكانت آكد. فإذا قلنا لها السكنى، فإذا كان المنزل ملكًا للزوج سكنه مدة العدة، وإن لم يكن ملكًا ولكنه كان مستعارًا، فإن رضي صاحبه بإقرارها فيه أقرت، وإن لم يرض صاحبه فعلى الورثة أن يكنزوا من مال الميت لها مسكنًا في
[ ١١ / ٣١٨ ]
أقرب المواضع، فإن لم يكن له وارث فعلى السلطان أن يفعل ذلك من ماله، وإن لم يخلف مالًا فتبرع الورثة بإسكانها لزمه ذلك كما ذكرنا، ولا يلزم السلطان أن يكتري لها من سهم المصالح، إلا أن يرى ريبة فيلزمه إسكانها.
وإذا قلنا: لا سكنى لها، قال الشافعي: "فَلِوَرَثَتِهِ أَنْ يُسْكِنُوهَا حَيْثُ شَاؤُوا إِذَا كَانَ مَوْضِعُهَا حِرِزًا وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ وَلِلسُّلْطَانِ أَنْ يَخُصَّها حَيْثُ تَرضي لِئَلَّا يَلْحَقَ بِالزَّوْجِ مَنْ لَيْسَ لَهُ"، يعني إذا لم يكن له ورثة، فإن لم يفعلوا ذلك فلها أن تسكن حيث شاءت.
فرع:
لو تطوع أجنبي بسكناها فيسبر حاله، فإن كان متهومًا ذا ريبةٍ لم نتعرض لها، [ق ٩٢ ب] وإن كان سليمًا ذا دين قام بذله لسكناها مقام بذل الوارث، ولزمها أن تسكن حيث يسكنها إذا كان مسكن مثلها وأمنت على نفسها، فيعتبر هذين الشرطين في وجوب السكنى عليها فإن رضيت بدون مسكن مثلها جاز، وإن رضيت بما لا تأمنه على نفسها لم يجز.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ أَذِنَ لَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ فَنَقَلَتْ مَتَاعَهَا وَخَدَمَهَا وَلَمْ تَنْتَقِلُ بِبَدَنِهَا حَتَّى مَاتَ أَوْ طَلَّقَ اعْتَدَّتْ فِي بَيْتِهَا الَّذِي كَانَتْ فِيهِ".
كلما أوجبنا لها السكنى فأذن لها في النقلة من دارٍ إلى دارٍ في جوف البلد فالاعتبار بالبدن دون الرحل والمال، فإن مات أو طلقها فإن كانت في الدار الأولى اعتدت فيها دون الثانية سواء نقلت الرحل والمال أو لم تنتقل. وقال أبو حنيفة بالرحل والمال فتعتد في الدار التي نقلت إليها المال والرحل. وهذا غلط؛ لأن المعتدة لو انتقلت ببدنها إلى دارٍ أخرى وتركت قماشها في الدار التي طلقها فيها عصت، ولو نقلت قماشها ولم تنتقل ببدنها لم تعص، فدل على ما قلناه.
وعلى هذا إن انتقلت ببدنها ثم رجعت إلى الدار التي انتقلت عنها لنقل قماشها فطلقها أو مات عنها اعتدت في الدار التي انتقلت إليها، ومجيئها إلى الدار الأولى لنقل قماشها بمنزلة دخولها إلى دار بعض جيرانها اعتبارًا به.
فرع:
قال في "الأم": لو انتقلت بغير إذن زوجها ثم طلقها أو مات عنها لزمها أن ترجع فتعتد في بيتها الذي كانت تسكن معه فيه.
[ ١١ / ٣١٩ ]
فرع آخر:
قال في "الآم" لو انتقلت بغير إذنه لها في المقام في ذلك المنزل ثم طلقها أو مات عنها اعتدت فيه كما لو انتقلت بإذنه، (ق ٩٣ ا) وسواء أذن لها في منزل بعينه أو قال لها: انتقلي حيث شئت ثم طلقها أو مات كان لها أن تعتد حيث انتقلت إليه.
فرع آخر:
لو أذن لها بالانتقال من دارٍ إلى دارٍ ثم طلقها بعد خروجها من الدار الأول وقبل وصولها إلى الدار الثانية فيه ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: قال أبو إسحاق عليها أن تعتد في الدار الثانية؛ لأنها صارت المسكن بقصدها وقصد استيطانها فيها، وخرجت الأولى عن كونها مسكنها بمفارقتها بهذه النية. وقيل: نصَّ على هذا في "الأم".
والثاني: إنها بالخيار بين أن يرجع إلى الدار الأولى وبين أن تنتقل إلى الثانية؛ لأنه بينهما فتختار ما شاءت.
والثالث: يعتبر القرب، فإن كانت إلى الدار الأولى أقرب اعتدت فيها، وإن كانت إلى الثانية أقرب اعتدت فيها.
فرع آخر:
لو كان أذن لها في النقلة إلى بلدٍ والاستيطان فيه، ثم طلقها أو مات عنها، فإن كان ذلك بعد وصولها إلى ذلك البلد لزمها أن تعتد فيه، ولم يجز لها أن ترجع إلى البلد الذي انتقلت منه.
قال في "الأم": فإن كان له وكيل حاضر أو وارث كان له أن ينزلها حيث ترضي من المصر حتى تنقضي عدتها، وإن لم يكن وكيل ولا وارث كان على السلطان أن يحصنها حيث ترضي لئلا يلحق بالميت أو المطلق ولدٌ ليس منه، وإن كان ذلك وهي في الطريق اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: لا يجوز لها أن ترجع إلى البلد الذي انتقلت منه، وهو قول أبي إسحاق. والثاني بالخيار، إن شاءت رجعت وإن شاءت مضت على وجهها، ويجيء ثمَّ الوجه الثالث الذي ذكرنا في الفرع قبله.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ خَرَجَ بِهَا مُسَافِرًا أَوْ أَذِنَ لَهَا فِي الحَجِّ [ق ٩٣ ب] فَزَايَلَتْ مَنزِلَهُ فَمَاتَ أَوْطَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَسَواءٌ لَهَا الخِيَارُ فِي أَنْ تَمْضِي به لِسَفَرِهَا ذَاهِبَةً أَوْ جَائِيَةً".
[ ١١ / ٣٢٠ ]
الفصل:
جملته أنه إذا طلقها أو مات عنها قبل خروجها من بيتها لزمها أن تعتد فيه، ولم يجز لها أن تخرج لسفرها، وإن كانت قد شدت رحلها أو اكترت لا تخرج أيضًا لا يختلف المذهب فيه - وإن كانت قد خرجت ولم تفارق بنيان البلد اختلف أصحابنا فيه، قال الاصطخري: لا يلزمها الرجوع وهو ظاهر منصوص الشافعي؛ لأنه قادت "فزايلت منزله ٠ ولم يعتبر شرطًا آخر، وقد صرح في "الأم" أبهذا فقال؛ "ولو كان أذن لها أن تخرج إلى الحج فلم تخرج حتى طلقها أو مات لم يكن لها أن تخرج إلى الحج، ولو خرجت من منزله ففارقت المصر أو لم تفارقه إلا أنها قد فارقت منزله بإذنه للخروج للحج ثم مات أو طلق كان لها أن تمضي في وجهها، وهذا نص لا يحتمل إلا ما قاله الاصطخري، وهذا لأن مزايلتها منزله بإذنه فقط عنها حكمه. وقال أبو إسحاق؛ يلزمها أن ترجع فتعتد في منزله إلا أن يكون قد فارقت بنيان البلد؛ لأنها ما دامت في البلد فهي على حكم المقام فيلزمها أن تعتد فيه، كما لو لم تخرج من منزلها، ولهذا لو أرادت أن تقضي الصلاةً يس لها ذلك ما لم تفارق آخر بنيان البلد. وهذا اختيار القفال، قال؛ ومعنى قوله: "فزايلت منزله" أي عمارةً بلده أو منزل مقامه، ومنزل مقامه بلده.
وقال ابن أبي هريرةً: من أصحابنا من ذكر وجهًا ثالثًا أنه لا يستقر حكم دخولها في ألسفر حتى تنتهي إلى مسافةً يوم وليلةً اعتبارًا بالسفر الذي يستباح فيه الرخص ما لم تبلغ إليها يلزمها أن تعود وتعتد في منزلها. واحتج هذا القائل بما قال الشافعي في "الأم": "ولو آذن لها (ق ٩٤ أ) إلى صفر يكون مسيرةً يوم وليلةً غير حجةً الإسلام لم يكن لها أن تخرج إلا مع ذي رحم محرم، فإن خرجت من تنزله ولم تبلغ السفر حتى طلقها أو مات كان عليها أن ترجع فتعتد في منزله، وهذا لا يصح؛ لأن الشافعي أمرها بالرجوع في هذه المسألة لعدم المحرم لا لقرب السفر، ألا ترى أنه استثنى حجةً الإسلام فقال: "غير حجة الإسلام"؛ لأن في حجةً الإسلام لا يعتبر المحرم، وقصد به الرد على أبي حنيفةً حيث قال: لها أن تسافر سفر التطوع أقل من ثلاثةً أيام بلا محرم، ولأن الشافعي ذكر هذه المسألة عقب المسألة التي حكاها عن "الأم"، ولا يذكر قولين في مسألتين متواليتين.
وقال ابن أبي هريرة: الصحيح ما قاله الاصطخري أن الاعتبار بمفارقةً المنزل دون مفارقةً المصر واعتبار اليوم والليلةً، ولا معنى لترك المنصوص إلى الاجتهاد.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن أذن لها في الحج فخرجت عن منزلها ثم طلقها قبل أن تفارق عمران بلدها لها أن تمضي إلى الحج، ولو كان سفرا آخر يلزمها الرجوع إلى منزلها؛ لأن الشافعي غاير في العبارة ههنا فقال: "ولو خرج بها مسافرًا،، يعني فارق العمارةً، ثم قال: "أو أذن لها في الحج فزايلت منزله فمات"، فذكر مزايلةً المنزل في
[ ١١ / ٣٢١ ]
الحج، وهذا لا يصح. ولا فرق بين سفر الحج وغيره، ولو جاز أن يحمل هذا اللفظ في الحج على مسكنه لا على بلده لجاز أن يدعي مثل هذا في لفظ الخروج حيث قال: "ولو خرج بها مسافرًا" لأنه إذا خرج عن داره سمي خارجًا كما يسمى بمفارقة العمران خارجًا، وإذا حمل الخروج على الخروج من الدار وجب أن يحمل مزايلةً المنزل على الخروج من الدار، ويحمل كلاهما على الخروج من عمارةً البلد (ق ٩٤ ب) ولا وجه للفرق.
وقال أبو حنيفة: إذا طلقها أو مات، فإن كان بينها وبين منزلها دون مسيرةً ثلاثةً أيام يجب عليها الرجوع وإن كان مسيرةً ثلاثةً أيام فإن كان بينهما وبين الموضع الذي قصدته ثلاثةً أيام، فإن كان الموضع الذي هي فيه موضع إقامةً أقامت فيه، بأن يكون قريةً آهلة، وإن لم يكن موضع إقامةٍ كان لها أن تمضي إلى مقصدها. واحتج بأن إنشاء السفر الصحيح محرم عليها في منزلها فكان محرمًا عليها في سفرها. وهذا غلط؛ لأن العدةً وجبت عليها وهي مسافرةً فلم يلزمها الرجوع عن سفرها، كما لو كان بينها وبين مسكنها مسيرةً ثلاثةً أيام، ويفارق هذا إذا كانت في منزلها؛ لأنها لا تنشئ سفرًا وإن قل بخلاف ما لو كانت مسافرةً.
وحكي عن أبي حنيفةً أنه قال: إن كانت إلى البلد الذي خرجت منه أقرب يلزمها الرجوع، وإن كانت إلى البلد المقصود أقرب يلزمها المضي إليه، وإن بعدت من هذا البلد ولم تقرب من ذلك البلد تخيرت من الرجوع والمضي.
فإذا تقرر ما ذكرنا أنه لا يلزمها العود فهي بالخيار بين الرجوع والعود، فإن خرجت قال الشافعي: "ولا تقيم في المصر الذي أذن لها في السفر إليه إلا أن يكون أذن لها [في المقام] فيه أو النقلةً إليه فيكون ذلك عليها إذا بلغت ذلك المصر"
وجملته أن ينظر فيه، فإن كان أذن لها في السفر إلى الممر الذي قصدته لزيارة لا يخلو إما أن يكون جعل لها مدةً أو لم يجعل لها في ذلك مدةً، فإن لم يجعل لها مدةً قال الشافعي: "لم تقم فيه أكثر من مقام مسافرةً وهو ثلاثةً أيام". وإن جعل لها مدةً فيه قولان:
أحدهما: لا تقيم فيه أكثر من مقام صام وهو ثلاثةً أيام؛ لأنه لم يأذن لها في الإقامة (ق ٩٥ أ) المطلقةً، فصار كما لو أطلق الإذن.
والثاني: وهو الأصح أنها تقيم حتى تستوفي المدةً، وهو اختيار المزني؛ لأنها مدةً مأذون فيها فكان لها استيفاؤه، ألا ترى أن الشافعي أباح لها أن تخرج في سفرها إلى الغايةً التي تريدها؛ لأن هذه المدةً مأذون فيها فكذلك مدةً المقام.
ومن قال بالأول فصل بينهما بأن عليها مشقةً في الرجوع من الطريق ولا مشقةً عليها في ترك مدة المقام.
[ ١١ / ٣٢٢ ]
وإن أذن لها في الخروج إلى المصر الذي قصدته لقضاء الحج والعمرةً أو قضاء لدين، آو استحلال من مظلمةٍ، أو إيصال كتاب أو حاجةٍ يمكن قضائها عاجلًا لا يجوز لها أن تقيم فيه أكثر من مدة قضاء الحاجةً، ويتيها أن تخرج عقيب قضاء الحاجةً.
ومن أصحابنا من قال ههنا: لها أن تقيم مقام مسافر وهو ثلاثة أيام، وهذا غلط، بل هذا في سفر النزهةً والزيارةً. قلنا في هذا الموضع نهاية سفرها قضاء حاجةٍ لا غير، وإذا ألزمنا الخروج لا فرق بين أن تكون قد بقي من عدتها ما تنقضي في الطريق ويبقى عليها بقيةً تقضيها في بيت زوجها. نص عليه في "الأم"، لأنها لو أقامت كانت هذه الإقامةً غير مأذون فيها فلا يجوز لها ذلك، وأيضًا المكان الذي تعود فيه أقرب إلى منزله من الموضح الذي تقيم فيه فكان أولى.
وقال أبو إسحاق: إن بقي من عدتها ما لا ينقضي في الطريق ترجع، وإن بقي من عدتها قدر ينقضي في الطريق كان لها أن تكملها في البلد الذي هي فيه ولا يجب عليها الرجوع؛ لأن إتمام العدةً في ذلك البلد خير من إتمامها في الطريق. وهذا اختيار القفال، وهذا كله إذا وجدت رفقة (ق ٩٥ ب) مأمونةً في الرجوع إلى بلدها، فإن لم تجد كان لها أن تقيم فيه إلى أن تجد رفقة مأمونةً وكان ذلك عذرًا في المقام.
وأما قوله في السواد: "إلا أن يكون أذن لها في المقام فيه أو النقلة إليه" فحذف المزني "المقام" ولا بد منه، ثم قال: "فيكون ذلك عليها"، وفي بعض نسخ المزري؛ "فيكون ذلك لها" فمن قرأ "لها" قال: هذا راجع إلى مسألة النقل. فأما إذا أذن لها بالمقام مدةً لا يلزمها أن تقيم بل لها أن ترجع، والقولان فيه؛ "هل لها أن تقيم" ومن قرأ
"لها" فهو جواب في المسألتين جميعًا، فإن لم يكن قضاء حاجتها في ثلاثةً أيام فقول: أخرج اليوم، أخرج غدا فلها ذلك إلى أن تنقضي حاجتها.
مسألة:
قال: "وإن كان أخرجها مسافرة أقامت ما يقيم المسافر مثلها ثم رجعت فأكملت عدتها".
أراد به أنه إذا كان الزوج أخرجها مع نفسه في السفر ثم مات في بعض البلاد لزمها أن ترجع إلى بيتها وتقعد فيه، ولا يجوز لها أن تقيم إلا مقام مسافر إلا أن لا تجد رفقةً على ما قدمناه.
مسألة:
قال: "ولو أذن لها في زيارة أو نزهة فعليها أن ترجع؛ لأن الزيارةً ليست مقامًا"
[ ١١ / ٣٢٣ ]
هذه المسألة تخالف ما قبلها فتحتاج إلى تأويل، فقال أبو إسحاق: أراد به الزيارةً والنزهةً في جوف البلد، فعليها العود؛ لأن الطلاق صادفها وهي مقيمةً في البلد، والمسألة المتقدمةً في السفر فلا يلزمها العود هناك. ومن أصحابنا من قال: أراد به أنه إذا أذن لها في السفر لزيارةً أو نزهةً فأقامت ثلاثًا نم طلقها فعليها أن ترجع؛ لأن الزيارةً والنزهةً (ق ٩٦ أ) ليست مقامًا، وقد فسره الشافعي في "الآم"، فقال: "إن كان أذن لها في زيارةً أهلها أو النزهةً إلى موضع في المصر أو خارجًا منه فخرجت إلى ذلك الموضع الذي أذن لها فيه ثم مات عنها أو طلقها طلاقًا لا يملك فيه الرجعةً، فعليها أن ترجع إلى منزله فتعتد فيه؛ لأن الزيارةً ليت مقامًا، ومعناه أنه لم يأذن لها في المقام في موضع آخر فيكون ذلك بمنزلةً ما لو أذن لها في دخول السوق لحاجة ثم مات لزمها العود إلى بيت زوجها.
فرع:
قال في "الأم": ولو قال لها في المصر: اسكني هذا البيت شهرًا أو هذه الدار سنةً كان هذا مثل قوله لها في السفر: أقيمي في بلد كذا وكذا شهرًا أو سه وقد خرج من السفر قولين، ثم عطف هذه المسألة عليها وسوى بينهما فجعل في المسألتين جميعًا قولين وقد بيناه.
والفرق بين هذه المسألة وبين الإذن في الزيارةً والنزهةً حيث أوجب عليها الرجوع قولًا واحدًا، أن الإذن في الزيارةً والنزهةً ليس بإذن في المقام فيلزمها الرجوع، بخلاف هذا فإنه أذن في المقام فلم يلزمها أن ترجع في أحد القولين، كما لو أذن لها في النقلةً.
قال القفال: فإن قلنا لها قدر المدة المضروبةً لو لحقها في الطريق مضت على وجهها إن شاءت، وإذا قلنا بالقول الآخر فعليها أن ترجع ولا تمضي على وجهها إذا لم يكن قصد إلا النزهةً ولم يكن عليها في الرجوع مشقةً، فأما الزيارةً فهي أمر مقصود، فتمضي وتزور وترجع في الحال، وهذا حسن ولكنه خلاف ظاهر المنصوص.
فرع آخر:
قال في "الأم": لو أذن لها في زيارةُ أهلها، ثم قال قبل الطلاق والموت: إنما نقلتها إليه (ق ٩٧ ب) ولم تعلم هي كان عليها أن تقيم حيث أم أنه أمرها أن تنتقل؛ لأن النقلةً إليه وهي منتقلةً فلم يكن لها الرجوع.
فرع آخر:
قال أيضًا: لو أذن لها بعد الطلاق الذي لا يملك فيه الرجعةً أو يملكها قبل أن
[ ١١ / ٣٢٤ ]
يرتجعها، أو قال لها في مرضه: إذا مت فانتقلي حيث شئت فمات لم يكن لها أن تعتد في غيره.
فرع آخر:
لو قال: إنما انتقلت ولم ينو هو النقلةً، قادت إنما أرسلنك زائرةً ثم مات أو طلقها، كان عليها أن ترجع فتعتد في بيته؛ لأن النقلةً ليست لها إلا بإذنه.
فرع آخر:
لو طلقها وهي في مكن مستعار فأراد الزوج نقلها منه إلى مكن يكتريه، فإن كان في بلي عرف أهله العاريةً لم يكن له نقلها ما لم يرجع أهله في العاريةً، وإن كان في بلدٍ عرف أهله الكراء ففي جواز نقله منه وجهان:
أحدهما: ليس له نقلها ما لم يرجع في الإعارةً كالبلد المعهود إعارته.
والثاني: له نقلها منه لئلا يلحقه من المنةٍ فيه ما لا يلحقه في البلد المعهود إعارته.
فرع آخر:
لو كانت في بيت بعاريةٍ في العدةً فنقلها مالكها فعادت إلى بيت آخر، ثم بذل المالك الدار الأولى، فإن بذل بالعاريةً لم يلزمه ردها إليه، وإن بذل بالإجارةً فإن كان المنزل الثاني بالعاريةً يلزم ردها إلى الأولى، وإن كان المنزل الثاني بالإجارةً فيه وجهان:
أحدهما: لا يلزم الانتقال تغليبًا لحكم الاستقرار فيه. والثاني: يلزم الانتقال إلى الأول تغليبًا للمنزل الذي كان الطلاق فيه.
مسألة:
قال: "ولا تخرج إلى الحج بعد انقضاء العدة ولا إلى مسيرة يوم إلا مع ذي محرم إلا أن يكون حجة الإسلام (ق ٩٧ ا) وتكون مع نساء ثقات".
ذكر الشافعي في "الأم" ثلاث مسائل؛ مسالتان في "باب حكم العدة" والثالثة في "باب الحج" فترك المزني مسألتي العدة ونقل مسألة الحج، وإنما تركهما لأنه قد نقل قبل هذا من الإذن في السفر ما يدل على حكم المسألتين. إحداهما قال: "ولو خرجت من منزله ففارقت المصر أو لم تفارقه إلا أنها قد فارقت منزله بإذنه للخروج إلى الحج، ثم مات أو طلقها كان لها أن تمضي في وجهها وتقيم فيه مقام الحج لا تزيد فيه وتعود مع الحاج فتكمل بقية عدتها في منزله إلا أن يكون أذن لها أن تقيم بمكة أو في بلتي غيرها إذا قضت الم، فيكون هذا كالنقلة وتقيم في ذلك البلد". ثم ذكر هذه المسألة الثالثةً وليست
[ ١١ / ٣٢٥ ]
عن مسائل العدةً وإنما هي عن مسائل الحج.
وجملته أنه شرط في الفر الذي ليس بواجب صحبةً محرم ولم يشترطه في حجةُ الإسلام، بل شرط فيها صحبةُ نساء ثقات، وصرح ههنا بالفرق وعند أبي حنيفةً يشترط المحرم في حجةً الإسلام على ما ذكرنا في «كتاب الحج». واختلف أصحابنا في أقل النساء الثقات على ثلاثة أوجه:
أحدها: تكفي واحدةً.
والثاني: تكفي ثنتان.
والثالث: لا بد من ثلاث نسوة.
ومن أصحابنا من قال: لا يشترط المحرم في سفر التطوع أيضًا ويكفي صحبةً النساء الثقات. وهو اختيار القفال، قال: لأن الشافعي لم يفرق بين سفر الواجب وغيره في الجواز، وإنما فرق في الكراهةً فكره في غير الواجب الخروج مع النساء الثقات دون المحرم ولم يكن في الواجب ذلك، وهذا خلاف النص الظاهر ههنا.
وحكي عن ابن أبي هريرة أنه قال: إن كانت الطريق (ق ٩٧ ب) آهلة آمنة لها أن تخرج وحدها، فقيل له: يلزمك أن تجوز مثل هذا في السفر المباح، فقال: اختلفنا في الأمرين جميعًا، فلم يجعل لها أن تخرج في السفر المباح إلا مع ذي رحم محرم؛ لأنه لا ضرورة ًبها إلى ذلك، وجعلنا لها أن تخرج وحدها في حجةً الإسلام؛ لأن ذلك فرض عليها احتياطًا للفرض.
فرع:
قال في "الأم": لو أحرمت بإذن زوجها بالحج أو العمرةً ثم طلقها أو مات فإن كانت لا تخاف من العدةً فواته كان كما لو لم تحرم، وقد بيناه. وإن خافت فوات الحج لزمها أن تخرج؛ لأن الحج والعدةً إذا اجتمعا وتضيقًا ولم يمكن الجمع بينهما فدمنا الحج لسبق إحرامه على العدةً؛ ولأنها إذا خرجت للحج أتت بالعبادتين جميعًا وتركتا صفةً العدةً، وإذا اعتدت تركت الحج حتى يفوتها فكان الجمع بين العبادتين مع الإخلال بصفةً أحدهما أولى - وقال أبو حنيفةً: مليها أن تقيم وتعتد ولا يجوز لها الخروج سواء كان الوقت ضيقًا أو واسعًا، خاف الفوات أو لم يخف. ولو طلقها أو لا ثم أحرمت فعليها العدةً في منزلها، فإن فاتها الحج تحللت بعمل عمرة وعليها قضاء الحج؛ لأن العدةً أسبق. وكذلك إذا أذن لها في الحج ثم طلقها ثم أحرمت؛ لأن الإحرام لم يتعين عليها بإذنه، ويتعين أن تكن في منزلها، وإن سبقه الإذن بالإحرام فالاعتبار بما تعين [أولًا]
[ ١١ / ٣٢٦ ]
مسألة:
قال: "ولو صارت إلى بلد أو منزل بإذنه ولم يقل لها أقيمي ثم طلقها فقال: لم أنقلك، وقالت: نقلتني القول إلا أن نقر هي أنه كان للزيارة أو مدة تقيمها يكون [عليها أن ترجع وتعتد في بيته] وفي مقامها قولان".
فصل:
في بعض نسخ المزني: (ق ٩٨ أ) «ولم يقل لها أقيمي أو لا تقيمي» والأول أصح. واختلف أصحابنا في صورة المسألة، فقال أبو إسحاق: صورة المسألة أن يأذن لها في الخروج من بيته إلى موضع ثم مات وقع الاختلاف بينها وبين ورثة زوجها، فقالت هي: أذن لي في الخريج وقصد بالإذن النقلةً إليه، فلا يجوز لي الرجوع. وقال الورثةً: لم يقصد بذلك فعليك الرجوع، فالقول قولها مع يمينها؛ لأن ضميره معيب عنها والمرأة صاحبةً فجعل القول قولها. وآما إذا كان الاختلاف بينها وبين زوجها فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه أعلم بضميره عنها.
قال أبو إسحاق: وإنما جعل الشافعي في "الأم" القول قولها: إذا كان الخلاف مع الورثةً، إلا أن المزني ظن أن يكون عنده حكم في المالئين سواء، فأطلق الجواب، وهذا لو ادعت أصل الإذن كان القول قوله، فلذلك إذا ادعت وصفًا في الإذن كان القول
ومن أصحابنا من قال: القول قولها مع الزن ومع الورثة؛ لأنه إذا أذن لها فالظاهر من إطلاق القلة فكان القول قولها، ونص الشافعي على هذا التعليل، فقال أصحابنا: هو بمنزلة شيء في يدها ويدعي الزوج عليها ذلك فيكون القول قولها مع يمينها، فكذلك ههنا. وأيضًا سفر النقلةً واحد وسفر العود اثنان، فكان القول في الثاني قول مكره. وهذا اختيار جماعةً من أصحابنا.
وقال القاضي الطبري: ظاهر كلامه في "الأم" هذا دون ما نكرم أبو إسحاق؛ لأنه ذكر اختلافهما مع الورثةً وقال: "القول قولها"، ثم قال: أولو قال لها اخرجي إلى موضع كذا أو مصر كذا، فخرجت إليه (ق ٩٨ ب) فلم يقل لها حجي، ولا أقيمي، ولا ارجعي منه، ولا ترجعي إلا أن تشائي ولا زوري فيه أهلك أو بعض معارفك، كانت هذه نقلةً وعليها أن تعتد في ذلك الموضع من طلاقه أو وفاته إلا أن تقر هي أن ذلك الإذن إنما كان لزيارةً أو مدةً تقيمها فيكون عليها أن ترجع إذا بلغتها الوفاةً فتعتد في بيته، وفي مئامها قولان"، فأطلق الكلام وجعل ظاهر الإذن النقلة، وجعل القول قولها، وهذا مثل ما نقله المزني دون ما (حكاه) أبو إسحاق.
[ ١١ / ٣٢٧ ]
ومن أصحابنا من حكي عن أبي إسحاق أنه قال: صورة ما نقله المزني أنه قال لها: انتقلي إلى موضع كذا فلما حصلت فيه طلقها، فقال لها: ما نقلتك وإنما أذنت في غير النقلةً، فعليك الرجوع، وقالت: بل أذنت لي في النقلةً والمقام فالقول قولها؛ لأن قوله: "انتقلي" حقيقته النقلةً، فأما إذا قال لها: اذهبي، أو اخرجي إلى موضع كذا، ثم اختلفا، فالقول قوله؛ لأن الظاهر معه. ثم تعجب هذا الحاكي من أبي إسحاق فقال: كيف يصورها فيما لو قال لها انتقلي، والشافعي قال: "ولم يقل لها أقيمي ولا لا تقيمي» بإذنه بالنقلةً هو المقام، وهذا غير صحح عن أبي إسحاق.
ومن أصحابنا عن قال: صورة المسألة أنه قال لها: اخرجي أو اذهبي ثم طلقها، ثم اختلفا فالقول قوله، وقول المزني: "القول قولها" غلط، أراد أن يقول القول قوله وأخطأ في الكتبةً، وهذا أيضًا غير صحيح لما ذكرنا.
وقال أبو حامد: نفل المزني هذه الصالة في "جامعه الكبير" فقال: "ولو سارت إلى منزل" بأمره ثم طلقها ثم اختلفا - هكذا - فالقول قوله، ثم فئ عليه فقال: "فإن مات ثم اختلفت هي وورثته فالقول قول الورثة" وأراد أنه لما كان القول قول الزوج فوارثه يقوم مقامه - (ق ٩٩ أ) وغلط هذا في التفرع، فإن القول قولها ههنا لما ذكرنا عن الفرق بين الزوج والورثة.
وقال القفال: قال الشافعي: «إذا حولها من بيتٍ إلى بيتٍ، ثم طلقها ثم اختلفا فالقول قولها». وقال في موضع آخر: «إذا ويع الاختلاف بينها وبين ورثة زوجها فالقول قول الورثة» وليست على قولين بل هي على حالين، فصورة مسألة الوارث أن يقول: إن أبانا قد قال لك: إني أخرجتك مسافرة. ولو كان هذا الاختلاف مع الزوج نفسه كان القول قوله أيضًا؛ لأن الأصل أن لا نقلة. وصورة المسألة الأولى أنه حق لها ولم يقل شيئًا، بل أطلق فالظاهر بيدها سواء كان الاختلاف مع الزوج أو مع الورثة فالقول قولها
وقال القفال مرة أخرى: قال الشافعي «إن كان هذا الاختلاف مع الزوج فالقول قوله، وإن كان مع الورثة فالقول قولها» فالمسألتان على قولين نقلا وتخريجًا.
قال: ومن أصحابنا من قال: إن اختلفا في اللفظ فقالت; قلت لي انتقلي، وقال: ما قلت لكن قلت اخرجي للنزهةً ونحوها فالقول قوله؛ لأن الأصل أنه لم يقل ذلك. وإن اتفقا على اللفظ فقالت: قلت اخرجي وأردت به النقلةً، وقال: ما أردت فالقول قولها؛ لأن الظاهر ما ادعت.
قال: وقال ابن سريج، وهو قول أبي حنيفةً: إن كان الاختلاف مع الورثةً فالقول قولها، وإن كان مع الزوج فهل يكون القول قوله أو قولها قولان ٠ وكل هذا تخليط والاعتماد على ما سبق.
وقال في "الحاوي": هذه المسألة تشتمل على فصول اختلط فيها كلام أصحابنا، ونبوا المزني إلى السهو في نقله والخطأ في جوابه لشبهةً دخلت عليهم في [تقرير]
[ ١١ / ٣٢٨ ]
أصولها (ق ٩٩ ب) ونوضحها بما تزول به الشبهة ويصح فيه نقل المزني وجوابه، وذلك مبني على تقدير الجواب [في] خمسة فصول:
أحدها: إذا أذن لها في عفر النقلةً فانتقلت ثم وجبت [عليها] العدةً اعتدت في بلد النقلة.
والثاني: [إذا] أذن لها في سفر العودةً ثم وجبت العدةً عند وصولها لزمها العود ولا يجوز لها أن تقيم.
والثالث: [إذا] أذن لها في الفر مطلقًا [لم بمرح فيه بنقلة ولا عود] حمل على سفر آخر تحتاج فيه إلى إذن آخر.
والرابع: [إذا] أذن لها في السفر إليه لنزهةً [أو زيارةً] كان سفر عود لا سفر مقام.
والخامس: [إذا] أذن لها في السفر لتقيم شهرًا ثم تعود هل لها أن تقيم تلك المدةً؟ قولان. فإن اخلفا فاختلافهما على [ستةً] أقسام:
أحدها: أن تدعي [الزوجةً] سفر النقلة ويدعي الزوج سفر العود، فالقول قولها [مع الزوج] في حياته، ومع الورثةً بعد موته على ما ذكرنا.
والثاني: أن تدعي المرأةً سفر العود ويدعي عليها سفر النقلةً، فالقول قول الزوج وورثته بعده؛ لأنها تدعى سفرًا ثانيًا.
والثالث: أن تدعي في السفر المطلق أن المراد به النقلةً ويدعى عليها أن المراد به العود فالقول قولها مع الزوج وورثته؛ لأن الظاهر معها.
والرابع: أن تدعي في [الفر] المطلق أنه أراد العود ويدعي عليها أن المراد النقلة فالقول قول الزوج وورثته بعده.
والخامس: أن تدعي الزوجة سفرًا لمدةً، ويدعي عليها [أنه] سفرًا لنزهةً فإن قلنا: هي ممنوعةً من مقام تلك المدةً لم يكن لهذا الاختلاف تأثير لوجوب العودة فيهما للوقت. وإن قلنا: لها المقام تلك المدةً، فإن كان الخلاف مع الورثةً فالقول قولها، وإن كان [مع] الزوج فالقول قوله. والفرق أن الإذن اجتمع عليه الزوجان، فإذا كان الاختلاف بينهما رجع إلى الزوج الآذن في صفة إذنه (ق ١٠٠ أ) كما يرجع إليه في أصل إذنه، وإذا كان مع الورثة رجع فيه إلى من شافهه بالإذن وهي الزوجةً دون الورثةً.
والسادس: أن تدعي الزوجة سفر النزهةً ويدعي عليها أنه سفر المدةً. فإن قلنا: لا تقيم تلك المدة لا تأثير لاختلافهما لوجود العود. وإن قلنا: لها المقام تلك المدةً فالقول قول الزوجة [إن كان حيًا] والقول قولها مع الورثةً إن كان ميتًا لما ذكرنا من الفرق.
فهذان قسمان يختلف فيهما حكم الزوج والورثة وإن اتفق حكمهما في الأقسام الأربعةً، ليسلم المزني من خطأ النقل لحمل مراده على ما وافقه من تلك الأقسام الأربعةً
[ ١١ / ٣٢٩ ]
في التسويةً بين الزوج وورثته، وسلم أصحابنا من الوهم في الشبهةً الداخلةً عليهم في تخطئته لحمل جوابهم على ما وافقه من القسمين المتأخرين في الفرق بين الزوج وورثته وهذا كله حسن.
مسألة:
قال: «وتنتوي البدوية حيث ينتوي أهلها».
الفصل:
معناه ترحل البدوية حيث يرحل أهلها، وجملته أنه إذا طلق البدوي زوجته كان اعتدادها في المسكن الذي هو مسكنها حال الطلاق كالحاضرةً، ولكنها تخالف في صفةً المسكن؛ لأن مسكنها من صوف وشعر ونحوه، ومسكن الحاضرةً من طين وآجر وحجر، ولذلك بناء الحضر يراد للاستيطان والبقاء، وبيوت الباديةً للإقامةً والظعن على الغبطةً فما داموا مغتبطين بالمقام أقاموا، وإذا كان غبطتهم في الظعن ظعنوا، فإذا تقرر هذا فيه أربع مسائل:
أحدها: [إذا] انتقل أهل الباديةً كلهم من مكان إلى مكان فإنها تنتقل بانتقالهم، كأهل البلد لو انتقلوا بأسرهم انتقلت هي معهم أيضًا، وكامرأةً صاحب السفينةً معه إذا لم يكن له مكن سوى السفينةً.
والثانية: أن ينتقل قوم من أهل الباديةً (ق ١٠٠ ب) وبقي قوم فيهم منعة، وأهلها فيهم فعليها أن تقيم مع أهلها وتعتد في مسكنها؛ لأنه لا حاجة بها، كما لو انتقل بعض أهل البلد وبقي قوم فيهم منعةً تعتد فيمن بقي.
والثالثة: انتقل قوم من أهل البادية وأهلها فيمن انتقل وبقي قوم لم ينتقلوا وفيهم منعةً فهي بالخيار بين أن تنتقل مع أهلها طلب الأنس بهم وحذر الوحشةً لهم إن لم تنتقل، وبين أن لا تنتقل وتقيم هناك؛ لأن هذا المكان مكان مسكنها حال الطلاق ولا ضرورةً إلى المفارقةً.
والرابعة: فر أهلها وهربوا خوفًا عن أم من الأمور وما انتقلوا انتقالًا ينظر، فإن كانت تخاف مما خاف أهلها كان لها أن تهرب معهم وإن كان الخوف على الرجال دون النساء، أو على أهلها دون غيرهم لم يكن لها أن تنتقل معهم؟ لأنه لا حاجة بها إلى ترك مسكنها حين الطلاق، كما لو هرب أهلها من البلد سواء، وهذا لأنهم إذا هربوا فالمسكن باق لم ينتقل.
وقال الماسرجسي: من أهل الباديةً من لا ينتجع ولا ينتقل ويكون حولهم من الرعي ما يقيم بها، فهذه كالحاضرةً. ومنهم من ينتجع في كل سنةٍ مرتين؛ إحداهما في الصيف،
[ ١١ / ٣٣٠ ]
والأخرى في الشتاء، فإذا انتقلوا في أول الصيف ولم نقص عدةُ المطلقةً انتقلت معهم، ومنهم من لا موضع له بل يتبع مواقع القطر والكلأ فالمعتدةً منهم تنتقل معهم؛ لأنها إذا خرجت معهم كانت أحصن وأحفظ للنسب.
مسألة:
قال: "وإذا دلت السنةً [على] أن المرأة تخرج من البذاء على أهل زوجها كان العذر في ذلك المعنى أو أكثر".
يحتمل أن يكون هذا الكلام من الشافعي مسألة مستأنفةً في كل معذورةٍ ويحتمل أن يكون قصده للاحتجاج في مسألة البدويةً والمقصود واحدٍ، وهو أنها إذا خرجت من بيت العدةً لعذر ظاهر لم تأثم لمعنيين:
أحدهما: ما ذكر الشافعي وهو أن النبيﷺ - نقل فاطمة بنت قيس للبذاءةً على ما ذكرنا وهي معنى في غيرها، فلأن تنتقل لمعنى في نفسها من خوف الهدم، أو الغرق أو الحرق أو اللصوص أولى؛ لأن هذا العذر أشد وأقوى.
والثاني: أن السكنى تراد للتحصين والاحتياط، وهذا أوجد عند الانتقال بهذه الأعذار.
مسألة:
قال: "ويخرجها السلطان فيما يلزمها فإذا فرغت ردها".
نقل المزني هذا القدر، وقال في "الأم": "وللحاكم أن يخرج المرأةً في العدة في كل ما لزمها من حد أو قصاص أو خصومة".
وقال بعض أصحابنا: هذا إذا كانت برزةً، فأما إذا كانت مخدرة وجه إليها من يقيم الحد عليها، ولهذا رجم الغامديةً ظاهرًا مكشوفًا، ورجم المرأة في خبر العسيف في بيتها، فقال لأنيس: "اغد على امرأةً هذا، فإن اعترفت فارجمها"؛ لأن الغامديةً كانت برزةً وجاءت إليه فاعترفت بالزنا، وكانت المرأة في خبر العسيف مخدرةً فإنها لم تأته فبعث إليها من رجمها، وأما المال فإن كانت معترفةً به وأمكن أخذ، منها في بيتها لم يخرجها أيضًا وإنما قال الشافعي: "يخرجها إذا لم يمكن أخذه منها في بيتها وكانت برزة فيخرجها للخصومةً، فإذا فرغت ردها إلى بيت زوجها حتى تكمل العدةً".
فرع:
قال أبو إسحاق: لو زنت في حال عدتها وهي بكر وقد مات زوجها كان على
[ ١١ / ٣٣١ ]
السلطان يبينها وهذا أحب الأشياء التي يحوز له من أجلها إخراجها. فإن قال قائل: ينبغي أن تؤخروا إلى انقضاء عدتها كما تؤخر لشدةً الحر والبرد. قلنا: الفرق أن العدةً لا تؤثر في الحد فلا يصح من استيفائه، وشدةُ الحر والبرد (ق ١٠١ ب) تؤثر فيه فيعينان على تلف المحدود، والقصد منه التأديب دون الإتلاف، فأخرنا إلى أن يزولا. وقال في "الحاوي": حُدت بلا خلاف، وهل تغرب قل انقضاء العدةً؟ وجهان:
أحدهما: لا تغرب [إلا بعد انقضاء العدة] تغليبًا لحق الزوج في تحصين مائه.
والثاني: تغرب حولًا إلى أحصن المواضع ويراعي تحصينها في التغريب في بقيةً العدةً، فإن استكملت حد التغريب قبل انقضاء العدةً وجب ردها إلى منزلها لتقضي فيه بقية العدةً.
مسألة:
قال: "ويكتري عليه إذا غاب".
إذا طلقها ولا مسكنٍ له حين الطلاق، فإن كان الزوج حاضرًا أمر، أن يكتري لها مسكنًا تعتد فيه، فإن امتنع أجبره عليه؛ لأنه حق لها فإن امتنع اكترى الحاكم من ماله عليه، كما قلنا في الدين إذا امتنع من أدائه. وإن كان غائبًا فإن وجد له مالًا اكترى من ماله، وإن لم يكن له مال ظاهر اقترض عليه واكترى لها وحصنها فيه حتى تنقضي عدتها، فإذا عاد رجع عليه بما استقرض له، وإذا كان بها مال يمكنها أن تكتري منه فأذن لها في ذلك جاز ورجعت عليه إذا عاد؛ لأنها إذا اكترت لنفسها اكترت حيث ترى، لأنا اكترى لها السلطان اكترى حيث يرى هو، فإن اكترت هي من غير إذن الحاكم وأمكنها أن تستأذن الحاكم فلم تفعل، كانت متبرعًا لا ترجع به، وإن لم [يكن] حاكم فاستقرضت أو أدت الكرى من مال نفسها وأشهدت بذلك فهل ترجع على زوجها؟ وجهان. وأصل هذه المسألة مسألة الجمال إذا هرب، وقد ذكرناها في "كتاب الإجارةً".
مسألة:
قال: "ولا نعلم أحدًا بالمدينةً فيما مضى أكري منزلًا، إنما كانوا يتطوعون بإنزال منازلهم وبأموالهم مع منازلهم".
معنى هذا أن الحاكم (ق ١٠٢ أ) لا يكتري إذا كان بالمدينةً فإنه يجد السكنى بغير عوض، وإنما يكتري في البلد الذي لا يجد لها سكنى بغير عوض. ونظيره ما قال في رزق المؤذن إن وجد متطوعًا لم يرزق أحدًا على الأذان، وإن لم يجد جاز له أن يرزق. وقيل: لما قال: "ويكتري عيه إذا غاب" ألزم نفسه سؤالًا فقال: "لم يثبت عن رسول
[ ١١ / ٣٣٢ ]
الله - ﷺ - وعن الصحابةً أنهم اكتروا على غائب منزلا» فكيف تأمر بالاكتراء؟ وأجاب عن هذا بأنه إنما لم يفعل؛ لأن أهل المدينةً كانوا يتطوعون بها على ما ذكرنا.
ومن أصحابنا من قال: قصد به الرد على أبي حنيفةً ومالك، حيث قالا: لا يجوز بيع رباع مكةً ولا إجارتها؛ لأنا لا نعلم أحدًا بمكةً اكترى منزلًا. فقال الشافعي: باطل المدينة، فإن رباعها مملوكةً ولا نعلم أحدًا بالمدينةً اكترى منزلًا. ثم بين العلةً فقال: كان أهل مكةً وأهل المدينة عربًا يأبون إكراء المنازل، فلا يدل هذا على كون رباعها غير مملوكةً وهذا بعيد. ومن أصحابنا من قال: عطف هذا على قصةُ فاطمةً بنت قيس وقد ذكرناها، فما اكترى لها على زوجها؛ لأن أهل المدينةً كانوا يتطوعون بإنزال منازلهم، فكأنه ألزم نفسه قصة فاطمةً حيث قال: «لم يكتر لها» ثم انفصل عنه بهذا فقال: إنما لم يكتر لأن عادتهم التطوع لا لأنه ما وجب، ولا لأنه لا يجوز أن يكتري عليه لها.
ومن أصحابنا من قال: ذكر الشافعي هذا على القول الذي يقول: لا سكنى للمتوفى عنها- ثم قال: «إن تطوع الورثةً بالإسكان لزمها أن تسكن،، ثم قال: «إن كانت بالمدينةً فعليها أن تسكن يكل حالٍ؛ لأنها تجد المسكن بغير أجرة» وهذا أيضًا بعيد.
مسألة:
قال: "وإن تكارت فطلبت الكراء كان لها من يوم يطلبه وما مضى حق تركته" معناه أنها إذا اكترت لنفسها موضعًا (ق ١٠٢ ب) وسكنت ولم تطالب الزوج بالسكنى ثم جاءت تطالب بها. قال الشافعي: «كان لها من حين تطالب به». وقال في «النفقة»: «إذا أسلمت نفسها ولم تطالب بالنفقةً كان لها أن تطالب بما مضى من نفقتها ولا تسقط بترك المطالبةً، وكذلك المبتوتةً الحامل إذا جعلنا لها النفقةً فلم تطالب بها كان لها أن تطالب بما مضى». فمن أصحابنا من قال: في كلا المسألتين قولان على سبيل النقل والتخريج، ومن أصحابنا من فرق بينهما على ظاهر الصين فقال: النفقةً حق عليه لها في مقابلة الاستمتاع، فإذا أمكنه فقد وجب لها، فإن شاءت طالبته به وإن شاءت أخرته، كما يكون ذلك في الثمن في البياعات والأجرة في الإجارات، وليس كذلك السكنى فإنها حق عليه في مقابلةً حق له وهو حفظ مائه وتحصينه، فإذا قعدت باختيارها من غير إذن الزوج ولم تكن محصنةً له ماءه، فإذا لم يحمل له حقه لم يجب ما عليه. وأيضًا النفقةً تجب على وجه البدل فلم تسقط بترك المطالبة، والسكنى تجب لحق الله تعالى لا على سبيل البدل فسقطت يترك المطالبةً.
فإن قل: نفقةً الحامل في العدةً لا تجب على طريق البدل ولا تسقط بمضي الزمان على ما ذكرتم. قيل: قد قيل: إنّا إذا قلنا هي للحمل تسقط بمضي الزمان؛ لأنهما نفقةً القرب ونفقةً القريب تسقط بمضي الزمان، والصحيح أنها لا تسقط. لأن قلنا للحمل؛
[ ١١ / ٣٣٣ ]
لأن مصرفها إلى الحامل ومنها تصل نفقتها إلى الولد، فلم تجر مجرى نفقةُ الأقارب وأجريناها مجرى النفقة الواجبةً على طريق البدل.
وقال القفال: الفرق بين السكنى والنفقة آن السكنى لغايةً الوقت، وقد مضى الوقت إذ لا يملك المكن عليه هما يملك المالح ومنعه السكنى. وأما النفقةً فعين مال ويحوز ثبوته (ق ١٠٣ أ) في ذمته فثبتت في ذمته. قال: وحكم الكسوةٍ على هذا حكم السكنى؛ لأنه لا يلزمه أن يملكها الثوب هما لها حق المنفعةً فيه.
مسألة:
قال: «فأما امرأة صاحب السفينة إذا كانت مسافرة معه فكالمرأة المسافرة».
الفصل:
إذا خرجت مع زوجها الملاح مسافرةً فطلقها في الطريق، فإن شاءت مضت في وجهها إلى الغايةً التي سافرت إليها معه، لأن شاءت رجعت إلى بيتها على ما بيناه في المسافرةً، فأما إذا كان الملاح لا بيت له غير سفينته ولامرأته فيها موضع.
قال بعض أصحابنا؛ ظاهر المذهب أنها إن شاءت اعتدت فيه، وإن شاءت خرجت واعتدت في أقرب القرى إلى الشط، وهذا اختيار الماسرجسي وجماعةً.
وقال أبو إسحاق: اعتدت حيث شاءت في أي بلدٍ شاءت؛ لأنه ليس لهم بلد ولا مسكن يرجعون إليه، فإن اختارت أن تعتد في الفينة، فإن كانت كبيرةً فيها بيوت يمكنها أن تسكن في موضع لا يشاهدها ولا يراها اعتدت في السفينةً، كما لو كان نازلًا في خان له بيوت فطلقها فإنها تعتد في يبيت منه ويكون هو في بيت آخر، وإن كانت السفينةً صغيرةً فإن كان معها ذو محرم مقيم فعليه أن ينتقل لتسكن هي في السفينةً، وإن لم يكن محرم أو كان ولكن لا يقيم في السفينةً خرجت واعتدت في أقرب المواضع لهذا المكان على ظاهر المذهب، ولا فرق بين الفينة والدار المغيرة إلا في شيء واحد، وص أن المرأة يمكنها أن تقيم في الدار الصغيرةً ولا يمكنها أن تقيم في السفينةً وحدها؛ لأنها لا تسير إلا بملاح.
فصل:
قال في «القديم»: وليس للمبتوتةً المعتدةً أن تخرج من البيت ليلًا ولا نهارًا إلا من عذر، والمتوفى عنها زوجها تخرج في حوائجها نهارًا ولا تخرج ليلًا.
وقال في «الجديد»: (ق ١٠٣ ب) وليس للمعتدةً أن تخرج نهارًا، والمبتوتةً والمتوفى عنها سواء واستحب ذلك لها، ولا وجه عليها. فاستحب في الجديد أن لا تخرج نهارًا
[ ١١ / ٣٣٤ ]
ولم يحرمه عليها ومنعها في «القديم».
وجملته أن المعتدةً ليس لها أن تخرج من الموضع الذي تعتد فيه ليلًا ونهارًا من غير حاجةً للآيةً التي ذكرناها، فإن اضطرت إلى الخروج فلها الخروج على ما ذكرنا. وإذا احتاجت إلى الخروج من غير ضرورةً كشراء القطن أو بيع الغزل ونحو ذلك لا يجوز لها الخروج ليلا؛ لأن الليل وقت الخلوةً فيخاف فيه الفساد. ولا فرق بين أن تكون مطلقةً أو متوفى عنها زوجها، والدليل عليه ما روى مجاهد أن ناسًا استشهدوا بأحدٍ فأيم نساءهم، فجئن إلى رسول الله - ﷺ - وقلن: إنا نستوحش بالليل في بيوتنا أفنيت عند إحدانا حتى إذا أصبحتا بادرنا إلى بيوتنا، فقال النبي - ﷺ - «بل اجتمعن وتحدثن ما بدا لكن، حتى إذا أردتن النوم فلتأوي كل واحدة إلى بيتها».
وأما الخروج نهارًا، فإن كانت متوفى عنها كانت لها ذلك بلا خلاف على المذهب وإذا كانت مطلقةً فهل لها أن تخرج؟ قولان:
قال في «القديم»: ليس لها ذلك لظاهر الآيةً، وهي قوله تعالى: (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ) [الطلاق:١]، وبه قال أبو حنيفةً؛ لأن عنده عليه كفايتها.
وقال في «الجديد»: لها ذلك ويستحب أن لا تخرج وهو الأصح، لما روي عن جابر - ﵁ - أنه قال: طلقت خالتي ثلاثًا فخرجت تجد نخلًا لها، فلقيها رجل فنهاها، فآتت النبي - ﷺ - فذكرت ذلك له، فقال لها النبي - ﷺ - «اخرجي فجدي نخلك لعلك أن تصدقي منه أو تفعلي خيرًا». وإنما قال ذلك لأن النخل لا يجد في غالب العرف إلا نهارًا، ونخل الأنصار قريبًا من دورهم (ق ١٠٤ أ) حتى إذا خرجت بكرة للجداد أمكنها أن تمسي في بيتها، ولأن عدةَ المتوفى عنها أغلظ، فإذا جاز لها الخروج فالمطلقةً أولى، وهذا إذا كانت بائنةً، فإن كانت رجعيةً فليس لها أن تخرج إلا بإذن زوجها لحاجةً لها ليلًا أو نهارًا؛ لأنها زوجته كغير المطلقةً.