مسألة:
قال الشافعي ﵁: "لم أعلم مخالفًا أن النبي ﷺ قضى بالدية على العاقلة".
قال في الحاوي: أما العاقلة فهم ضمناء الدية ومتحملوها من عصبات القاتل، واختلف في تسميتهم عاقلة على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن العقل اسم للدية كما قال النبي ﷺ: "ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل وأنا والله عاقله" أي يتحمل عقله وهو الدية.
والثاني: أنهم سموا عاقلة، لأنهم يقودون إبل الدية فيعقلونها على باب المقتول.
والثالث: أنهم سموا عاقلة، لأنهم يعقلون القاتل أي يمنعون عنه، والمنع العقل، ولذلك سمى العقل في الناس عقلًا، لأنه يمنع من القبائح.
[ ١٢ / ٣١٢ ]
فصل:
لا خلاف أن دية العمد لا تحملها العاقلة، سواء وجب فيهما القود أو لم يجب كجناية الوالد على الولد وما لا قصاص فيه من الجائفة وسائر الجوارح، وتكون الدية حالة في مال الجاني.
وقال أبو حنيفة: ما لا قصاص فيه من العمد تجب الدية فيه على الجاني مؤجلة كالخطأ، وهذا خطأ الأمور:
أحدها: أن سقوط القود في العمد لا يوجب تأجيل ديته كسقوطه بالعفو.
والثاني: أن غرم المتلف إذا لم يدخله التحمل حل كالأموال.
والثالث: أنه لما لم يتعجل دية الخطأ باختلاف أحواله لم تتأجل دية العمد باختلاف أحواله.
فصل:
فأما دية الخطأ المحض وعمد الخطأ فالذي عليه جمهور الأمة من المتقدمين والمتأخرين أنها واجبة على العاقلة تتحملها عن القاتل، وشذ منهم الأصم وابن علية وطائفة من الخوارج فأجبوها على القاتل دون العاقلة كالعمد، احتجاجًا بقول الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر:١٨] وقوله تعالى: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه:١٥] وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨] أي مأخوذة.
وبما روي أن الحسحاس بن عمرو العنبري قدم على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله الرجل من قومي يجني أفؤآخذ به فقال له النبي ﷺ: "من هذا منك" وكان معه ابنه فقال: ابن اشهد به أي أعلمه قطعًا وليس بمستحلق فقال: "إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه" ولم يرد بذلك فعل الجناية؛ لأنه قد يجني كل واحد منهما على صاحبه، وإنما أراد به أن لا يؤاخذ بجنايتك ولا تؤاخذ بجنايته.
وروي أياد بن لقيط عن أبي رمثة قال: أتيت النبي ﷺ مع أبي فرأى التي في ظهره فقال له أبي: دعني أعالجها فإني طبيب، فقال: "أنت رفيق والله الطبيب" من هذا معك؟ فقال: ابني أشهد به فقال: "أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه" وروي الحكم عن مسروق عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "ألا لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض، لا يؤخذ الأب بجريرة ابنه" وهذا نص. قالوا: ولأنه لما لم يتحمل
[ ١٢ / ٣١٣ ]
العاقلة قيم الأموال لم يتحمل دية النفوس، ولأن العاقلة لو تحملت دية الخطأ لتحملت دية العمد، ولأن الدية عقوبة فلم تتحملها العاقلة كالقود، ولأن القتل الخطأ موجبين: الدية والكفارة، فلما لم تتحمل العاقلة الكفارة لم تتحمل الدية.
والدليل على أن العاقلة تتحمل الدية قول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢] وتحمل العاقلة من جملة البر والتقوى فدخل في عموم الآية، وروي سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قضى رسول الله ﷺ في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتًا بغرة عبد أو أمة ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت فقضى رسول الله ﷺ أن ميراثها لبنيها وزوجها وأن العقل على عصبتها.
وروي أبو سلمة عن أبي هريرة قال: اقتتلت امرأتان من بني هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها وورثتها والدها ومن معه، فقال حمل بن مالك النابغة الهذلي: يا رسول الله كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل ومثل ذلك بطل، فقال رسول الله ﷺ: "إن هذا من إخوان الكهان" من أجل مسجعه الذي سجعه.
وروي الشعبي عن جابر أن امرأتي من هذيل قتلت إحداهما الأخرى ولكل واحدة منهما زوج وولد، فجعل رسول الله ﷺ دية المقتولة على عاقلة القاتلة وروى أبو عازب عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ أنه قال: "القود بالسيف والخطأ على العاقلة".
وروي أن النبي ﷺ ميز بين معاقل قريش والأنصار فجعل معاقل قريش فيهم، ومعاقل الأنصار في بني ساعدة.
وروي حماد عن إبراهيم أن عليًا والزبير اختصما إلى عمر بن الخطاب ﵃ في موالي صفية بنت عبد المطلب لأن الزبير ابنها وعلي ابن أخيها، فقضى للزبير بالميراث وعلى علي بالعقل.
ولأن إجماع الصحابة انعقد في قصة عمر بن الخطاب حين أنفذ رسوله إلى امرأة في قذف بلغه عنها فأجهضت ذات بطنها، فسأل عثمان وعبد الرحمن فقالا: لا شيء عليك إنما أنت معلم، وسأل عليًا فقال: إن كانا اجتهدا فقد أخطأ وإن كانا ما اجتهدا فقد غشيا عليك الدية، فقال عمر: غرمت لا تبرح حتى تضربها على قومك يعني قريشًا لأنهم عاقلته، فقضى بها عليهم فتحملوها عنه، ولم يخالفه منهم ولا من جميع الأمة أحد مع انتشار القضية، وظهورها في الكافة، فثبت أنه إجماع لا يسوغ خلافه، ولأن
[ ١٢ / ٣١٤ ]
اختصاص العاقلة بالاسم موجب لاختصاصهم بالحكم، وفقد الحكم يوجبه زوال الاسم، ولأن العقل في كلامهم المنع، وقد كانت العرب في الجاهلية يمنعون عن القاتل بأسيافهم فلما منعهم الإسلام من السيف عوض منه منعهم منه بأموالهم؛ ولذلك انطلق اسم العاقلة عليهم، ولأن النفوس مغلظة على الأموال، وقتل الخطأ يكثر بين الناس وفي إيجاب الدية على القاتل في ماله أحد أمرين إما استئصال ماله إن كان واحدًا وقل أن يتسع لتحمل الدية مال الواحد، وإما إهدار الدم إن كان معدمًا، وفي تحمل العاقلة عنه مواساة تفضي إلى حفظ الدماء واستبقاء الأحوال، وهذا أدعى إلى المصلحة وأبعث على التعاطف، ولأنه لما تحمل بالنسب بعض حقوق الله تعالى في الأموال وهو زكاة الفطر جاز أن يتحمل بعض حقوق الآدميين في الأموال وهو ديات الخطأ، فأما الجواب عن الآية فحقيقة الوزر الإثم، وهو لا يتحمل، وكذلك ظاهر الآيتين محمول على أحد أمرين: إما المأثم وإما أحكام عمده.
وأما قوله في الخبرين أنه لا يجني عليك ولا تجني عليه فعنه جوابان:
أحدهما: أن الأبناء والآباء لا يتحملون العقل وإنما يتحمله من عداهم من العصبات.
والثاني: أنه يحمل على العمد الذي لا يتحمل عن القاتل ولا يؤاخذ به غيره، وكذلك الجواب عن قوله: "لا يؤخذ الأب بجريرة ابنه ولا الابن بجريرة أبيه".
وأما جمعهم بين الأموال والنفوس فغير صحيح، لتغليظ النفوس على الأموال، ولذلك دخلت القسامة في النفوس ولم تدخل في الأموال.
وأما العمد فلأنه عن معصية يستحق فيها القود، والعاصي لا يعان ولا يواسي، والقود لا يدخله تحمل ولا نيابة.
وأما الكفارة فمن حقوق الله تعالى التي يتعلق بالمال تارة والصيام تارة، ولا يصح فيها عفو فلم يدخلها مواساة، وخالفتها الدية في هذه الأحكام مخالفتها في التحمل والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ولا اختلاف بين أحدٍ علمته في أن النبي ﷺ قضى بها في ثلاث سنين".
قال في الحاوي: ذهب قوم إلى أن العاقلة تتحمل الدية حالة يؤدونها معجلة كديات العمد وقيم المتلفات.
وحكي عن ربيعة بن أبي ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنها مؤجلة في خمس سنين،
[ ١٢ / ٣١٥ ]
لأن دية الخطأ أخماس، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك، وما عليه الجمهور أنها مؤجلة في ثلاث سنين.
قال الشافعي: لا اختلاف بين أحدٍ علمته أن رسول الله ﷺ قضى بها في ثلاث سنين فأضافه إلى النبي ﷺ وجعل نقله كالإجماع، فاختلف أصحابنا فيما أراده الشافعي بهذا القضاء، لأن أصحاب الحديث اعترضوا على الشافعي فيه وقالوا: ما صح عن النبي ﷺ في هذا الشيء فكيف قال هذا".
وقال ابن المنذر: لا أعرف هذا عن النبي ﷺ.
وسئل أحمد بن حنبل عن هذا فقال: لا أعرف فيه شيئًا، فقيل له: إن أبا عبد الله قد رواه عن النبي ﷺ فقال: لعل أبا عبد الله سمعه من ذلك المدني فإنه كان حسن الظن فيه يعني إبراهيم بن يحي الهجري ولأصحابنا عنه جوابان:
أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة وطائفة أن مراد الشافعي بقضائه تأجيل الدية في ثلاث سنين، وأنه مروي لكنه مرسل، فلذلك لم يذكر إسناده.
والثاني: أن مراده القضاء بأصل الدية وهو متفق عليه.
فأما تأجيلها في ثلاث سنين فهو مروي عن الصحابة، روي عن عمر وعلي ﵄ أنهما جعلا دية الخطأ على العاقلة في ثلاث سنين، ولأن العاقلة تتحمل دية الخطأ مواساة، وما كان طريق المواساة كان لأجل فيه معتبرًا كالزكاة، ولما خرجت عن عرف الزكاة في القدر زاد حكمها في الأجل، فاعتبر في عدد السنين أكثر القليل وأقل الكثير فكان ثلاث سنين، وبهذا خالف العبد وقيم المتلفات، لأنه لا مواساة فيهما، ولا اعتبار بما قاله ربيعة إنما مؤجلة في خمس سنين؛ لأن دية الخطأ أخماس، لأن عمد الخطأ أثلاث والأجل فيهما سواء.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ولا مخالفًا في أن العاقلة العصبة وهو القرابة من قبل الأب. وقضى عمر بن الخطاب ﵁ على علي بن أبي طالبٍ بأن يعقل عن موالي صفية بنت عبد المطلب وقضى للزبير بميراثهم لأنه ابنهما".
قال في الحاوي: العاقلة هم العصبات سوى الوالدين من الآباء والمولودين من الأبناء، كالإخوة، وبينهم، والأعمام وبنيهم، وأعمام الآباء والأجداد وبنيهم. وقال مالك وأبو حنيفة: يتحملها الآباء والأبناء وهو من العاقلة كسائر العصبات استدلالًا بأنهم عصبة فاشبهوا في العقل سائر العصبات وهم أولى، لأن تعصيبهم أقوى، ولأن النصرة ألزم فكانوا أحق بتحمل الغرم.
[ ١٢ / ٣١٦ ]
ودليلنا قول رسول الله ﷺ في حديث الحسحاس بن خباب وأبي رمثة في الابن: "إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه" وحديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: لا يؤخذ الأب بجريرة ابنه ولا الابن بجريرة أبيه".
وهذه الأحاديث نصوص مع حديث أبي هريرة، ولأن عمر ﵁ قضى في موالي صفية للزبير بالميراث وعلى علي بالعقل، وهو إجماع، ولأن كل من لا يحمل العقل مع وجود أهل الديوان لم يحمله مع عدمهم كالصغير والمعتوه، ولأن كل من لزمه تحمل النفقة عنه في ماله لم يلزمه تحمل العقل عنه كالزوج. وقياسهم على البعضية منتقض بالصغير والمعتوه، ثم المعنى في الفرضية عدم الولادة والبعضية واعتبارهم بالنصرة فهو شرط وليست بعلة، ويفسد بالزوج والجار.
فصل:
وإذا كان للقاتلة خطأ ابن عمها لم يعقل عنها بالتعصيب تغليبًا لحكم البنوة، وجاز أن يزوجها بالتعصيب تغليبًا لحكمه على البنوة، والفرق بينهما أن خروج الأبناء من العقل وإن كانوا عصبة لاختصاصهم بتحمل النفقة وهو يتحملها هاهنا، وإن كان ابن عم فلم يجمع بين تحملها وتحمل العقل، وخالف ولاية التزويج الذي قد وجدت فيه مع البنوة شروط العصبات، والله أعلم بالصواب.
فصل:
وإذا ثبت أن العاقلة من عدا الآباء والأبناء من العصبات لم يتحمل القاتل معهم من الدية شيئًا، واختصوا بتحملها عنه دونه.
وقال أبو حنيفة: يشاركهم في تحمل الدية ويكون فيها كأحدهم، استدلالًا بما روي أن سلمة بن نعيم قتل مسلمًا ظنه كافرًا فقال له عمر: ديته عليك وعلى قومك، ولم يظهر له مخالف.
ولأن تحمل الدية عن القاتل مواساة له وتخفيف عنه فلم يجز أن يتحمل عنه ما لا يتحمله عن نفسه كالنفقة، ولأن تحملها عنه نصرة له وهو أحق بنصرة نفسه من غيره.
ودليلنا حديث جابر أن النبي ﷺ جعل دية المقتولة على عاقلة القاتلة فكان الظاهر أن جعل جميعها على العاقلة، ولأن تحمل المواساة يوجب استيعاب ما وقعت به المواساة كالنفقة وزكاة الفطر، وفيه انفصال عما استدلوا به من المواساة، ولأنه لما تفرد القاتل بدية العمد وجب أن تتفرد العاقلة بدية الخطأ، لأن الدية مستحقة في جهة واحدة، وحديث عمر محمول على أ، هـ جعلها عليه وجوبًا وعلى قومه تحملًا.
وأما النصرة فلا اعتبار بها، لأن الزوج ينصر زوجته ولا يعقل عنها، وعلى أن العاقلة قد كفوه النصرة.
[ ١٢ / ٣١٧ ]
مسألة:
قال الشافعي ﵀: "ومعرفة العاقلة أن ينظر إلى إخوته لأبيه فيحملهم ما يُحمل العاقلة فإن لم يحتملوها دفعت إلى بني جده فإن لم يحتملوها دفعت إلى بني جد أبيه ثم هكذا لا يدفع إلى بين أب حتى يعجز من هو أقرب منهم".
قال في الحاوي: وهذا صحيح؛ لأن تفرد الأقارب بها دون الأباعد إجحاف فخرج عن المواساة، وأخذها من كل قريب وبعيد يفضي إلى دخول جميع بني آدم فيها فوجب أن يراعي في تحملها الأقرب فالأقرب كالميراث.
قال أبو حنيفة: يستوي فيها القريب والبعيد ويشتركون في تحملها على سواء استدلالًا بأن النبي ﷺ قضى بدية المقتول على عاقلة القاتلة، وأن عمر بن الخطاب قال لعلي ﵄ في دية الجنين الذي أجهضته المرأة الموهوبة: "غرمت عليك لتقسمنها على قومك" ولم يفرق بين القريب والبعيد.
وهذا فاسد، لأن كل حكم تعلق بالتعصيب وجب أن يعتبر فيه الترتيب كالميراث وولاية النكاح، ولأن الأقرب أخص بالنصرة من الأبعد، فكان أحق بالفعل منه. فأما الخبر والأثر فالمراد بهما بيان محل العقل أنهم العصبات ثم تقف التعيين على ما يوجبه الترتيب، فإذا ثبت هذا فأول العصبات درجة في تحمل الدية الإخوة، وقدر ما يتحمله الموسر منهم في كل سنة نصف دينار، والمتوسط ربع دينار على ما سنذكره، ويخرج من الإخوة من كان لأم، ويتحملها منهم من كان لأب وأم، أو لأب، فإن اجتمعوا فهل يقدم الإخوة للأب والأم في تحملها على الإخوة للأب؟ على قولين: كما قيل في ولاية النكاح، فإذا أمكن أن يتحملها الإخوة، لأن العقل خمسة دنانير والإخوة عشرة ضربت عليهم ولم يعدل إلى غيرهم وإن قصروا عنها، لأن العقل خمسة والإخوة خمسة ضم إليهم بنو الإخوة، فإن كانوا خمسة صاروا مع الإخوة عشرة يتحملون العقل الذي هو خمسة دنانير فلا يضم إليهم غيرهم، وإن كان بنو الإخوة أقل من خمسة ضممنا إليهم بنيهم حتى يستكملوا عشرة فيتحملون عقل الخمسة، ولا تتعداهم إلى غيرهم، فإن زاد العقل على الخمسة ضممنا إلى الإخوة وبينهم الأعمام، فإن تحملوه لم يعدل إلى غيرهم، وإن عجزوا عنه ضممنا إليهم بنيهم، ثم كذلك أعمام الأب وبنوهم وأعمام الجد وبنوهم حتى يستوعبوا جميع القبيلة التي هو إليها منسوب وبها مشهور، ولا يقتصر على النسب الأدنى دون الأبعد، لأن النبي ﷺ جعل معاقل قريش منهم، فإذا كان القاتل من بني هاشم جعلنا الدية عليهم، فإن عجزوا عنها دخل فيها بنو عبد مناف، فإن عجزوا عنها دخل فيها بنو قصي، فإن عجزوا عنها دخل فيها بنو كلاب، ثم كذلك بنو أب بعد أب حتى تستوعب جميع قريش، ولا يعدل يعد قريش إلى غيرهم من العرب لتميزهم بأنسابهم، فإن قصروا
[ ١٢ / ٣١٨ ]
عنها عدلنا إلى المولي المعتقين لقول النبي ﷺ: "موالي القوم منهم" فإن عجزوا عنها كان ما عجزوا عنه في بيت المال، لأن جميع المسلمين عاقلة لقول النبي ﷺ "المسلمون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم".
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ومن في الديوان ومن ليس فيه منهم سواءٌ قضى رسول الله ﷺ على العاقلة ولا ديوان في حياته ولا في حياة أبي بكرٍ ولا صدرٍ من ولاية عمر ﵁".
قال في الحاوي: وهذا قاله الشافعي ردًا على أبي حنيفة، لأنه أوجبها على من شاركه في ديوانه تدفع من أعطياتهم، سواء كانوا عصبة أو لم يكونوا، فإن لم يكن له ديوان قسمت حينئذٍ على عصبته احتجاجًا بأن عمر بن الخطاب دون الدواوين وجعل العقل على أهل الديوان من أعطياتهم، ولأن أهل الديوان بالنصرة أحق فكانوا بتحمل العقل أحق، وذهب الشافعي إلى أنها على العصبة، سواء كان في الديوان أو لم يكن، وسواء كانت عصبته معه في الديوان أو لم يكن؛ لأن النبي ﷺ قضى بدية المقتولة على عاقلة القاتلة ولم يكن على عهده ديوان.
وكذلك قضى أبو بكر ﵁ بالدية على العاقلة ولم يكن في خلافته ديوان، وكذلك في صدر من أيام عمر إلى أن أحدث الديوان في آخر أيامه لتميز القبائل وترتيب الناس في العطاء، فلم يجز العدول به عما كان في أيام رسول الله ﷺ إلى غيره من أمر حدث بعده، لأنه يكون نسخًا، والنسخ مرتفع بعد موت الرسول ﷺ، ولأن كل حكم تعلق بالتعصيب مع عد الديوان، تعلق به مع وجود الديوان كالميراث وولاية النكاح، ولأنها جناية يتحمل عقلها فوجب أن يختص بها العصبات كالذي لا ديوان له، ولأن كل سبب لا يستحق به الميراث لم يتحمل به العقل كالجوار ولأن عدم العقل في مقابلة غنم الميراث ليكون غانمًا وغارمًا لا يجتمع هذا إلا في العصبات، ولذلك انتقل عنهم العقل إذا عدموا إلى بيت المال لانتقال ميراثه إليه، ولا يعقل بيت المال عن الكافر، لأن ماله يصير إليه فيئًا لا ميراثًا، وفيما ذكرنا انفصال وبالله التوفيق.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ولا أعلم مخالفًا أن الصبي والمرأة لا يحملان منها شيئًا وإن كانا مُوسرين وكذلك المعتوه عندي".
[ ١٢ / ٣١٩ ]
قال في الحاوي: وهو كما قال، لا يعقل من العصبات إلا الرجال العقلاء الأحرار دون النساء والصبيان والمجانين والعبيد، لأمرين:
أحدهما: أنها مختصة بأهل النصرة من العصبات.
والثاني: أن يحمل العقل في الإسلام بدل من المنع بالسيف في الجاهلية، وذلك مختص بالرجال العقلاء الأحرار.
فإن قيل: فسهم ذوي القربى مستحق بالنصرة ولذلك ضم رسول الله ﷺ بني المطلب إلى بني هاشم وقال: "لأنهم ما افترقوا في جاهلية ولا إسلام"، ثم سوى فيه بين الرجال والنساء والصبيان فهلا كان العقل بمثابته، وإن كان مستحقًا بالنصرة؟
قيل: لأن سهم ذوي القربى مستحق بالقرابة، وإن أثرت في النصرة فلذلك كان للذكر فيه مثل حظ الأنثيين، فلذلك أجرى عليهما حكم المواريث وخالفت العقل الذي هو مقصور على التعصيب والنصرة.
فصل:
فإذا تقرر هذا فلا فرق في العاقلة بين المقاتلة وغير المقاتلة، لأن جميعهم من بين ناصر بيد أو لسان، فأما الشيوخ والمرضى فمن كان منهم باقي المنة ولم ينته إلى عجز الهرم والإياس بالمرض تحملوا العقل، فقد تحمل عمار بن ياسر العقل، وهو شيخ كبير يحارب في محفة، فأما من انتهت به السن إلى عجز الهرم وانتهى به المرض إلى الزمانة حتى لم يبق فيهما نهضة ولا يقدران على الحضور في جميع ففيهم وجهان مخرجان من اختلاف قولي الشافعي فيهم: هل يقتلون إذا أسروا في الشرك؟ فإن قيل: يقتلون عقلوا، وإن قيل: لا يقتلون لم يعقلوا.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ويؤدي العاقلة الدية في ثلاث سنين من حيث يموت القتيل".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، الدية تجب على العاقلة بموت القتيل، وهو أول أجلها، سواء حكم بها الحاكم عليهم أو لم يحكم.
وقال أبو حنيفة: لا تجب الدية على العاقلة إلا بحكم الحاكم، فإذا حكم بها عليهم فهو أول وقت الأجل احتجاجًا بأن تحمل العقل يختلف فيه فلم يستقر وجوبه إلا بحكم، ولم يتأجل إلا بعد الحكم كالعنة.
ودليلنا: هو أن كل ما وجب بسبب تعلق وجوبه بوجود السبب كالأثمان في المبيع تجب بوجود المبيع وهو أول المؤجل، ولأنها مواساة يعتبر فيها الحول فلما يقف
[ ١٢ / ٣٢٠ ]
ابتداؤها على الحكم كالزكاة، ولأن من لزمته الدية المؤجلة لم يقف وجوبها وابتداؤها على الحكم كالمقر بقتل الخطأ.
فأما الاحتجاج بالاختلاف فيه فخطأ، لأن تحمل الدية نص، وفي النص على الأجل ما قدمناه من الوجهين، والاختلاف فيهما شاذ حدث بعد تقدم الإجماع فكان مطرحًا.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا الدية من أن تكون مستحقة في نفس أو فيما سوى النفس فإن كان في نفس فأول أجلها موت القتيل وهو وقت الجناية، سواء كان القتل بتوجيه أو سراية، لأن دية النفس لا تجب إلا بعد تلفها، ثم لا يخلو حال الدية من ثلاثة أضرب:
أحدهما: أن تكون كاملة.
والثاني: أن تكون ناقصة.
والثالث: أن تكون زائدة.
فإن كانت كاملة فهي دية الرجل الحر المسلم، فتجب على العاقلة في ثلاثة سنين، يؤدي بعد انقضاء السنة الأولى ثلثها، بعد انقضاء الثانية ثلث ثان، وبعد انقضاء السنة الثالثة الثلث الباقي، وإن كانت الدية ناقصة كدية المرأة والذمي ففيها وجهان:
أحدهما: أن العاقلة بتحملها في ثلاثة سنين، لأنها دية نفس، فيؤدي في انقضاء كل سنة ثلثها.
والثاني: أنها تؤدي في كل سنة منها ثلث دية الرجل الحر المسلم، فإن كانت دية ذمي فهي ثلث دية المسلم، فتؤدي العاقلة بعد انقضاء السنة جميعها، لأنه القدر الذي تؤديه من دية المسلم، وإن كانت دية امرأة فهي نصف دية الرجل، فيؤدي بعد انقضاء السنة الأولى ثلثيها وهو ثلث دية الرجل، ويؤدي بعد انقضاء السنة الثانية ثلثها الباقي وهو سدس دية الرجل، وإن كانت الدية زائدة كقيمة العبد إذا زادت على دية الحر.
وقيل: إن قيمة العبد تحملها العاقلة ففيها وجهان:
أحدهما: أنها تقسم على ثلاث سنين، يؤدي عند انقضاء كل سنة ثلثها، وإن كان أكثر من ثلث دية الحر، لأنها دية نفس إذا قيل: إنها إن انقضت كانت تؤدي على ثلاث سنين.
والثاني: أنها تؤدي منها عند انقضاء كل سنة قدر الثلث من دية الحر إذا قيل نقصت كانت مؤداة في أقل من ثلاث سنين، فعلى هذا إن كانت قيمته دية وثلثًا أداها في أربع سنين في كل سنة ربعها، وإن كانت دية وثلثين أداها في خمس سنين، في كل سنة خمسها، فهذا حكم ديات النفوس.
فأما ديات ما سوى النفس من الجراح والأطراف فعلى ضربين:
[ ١٢ / ٣٢١ ]
أحدهما: أن تندمل كقطع اليد إذا اندملت أو الموضحة إذا اندملت، فديتها واجبة بابتداء الجناية لاستقرار الوجوب بالاندمال، فيكون أول الأجل من وقت الجناية لا من وقت الاندمال لتقدم الوجوب بالجناية دون الاندمال، فلو اندملت بعد انقضاء الأجل استحق تعجيلها حينئذٍ كالثمن المؤجل إذا حل عند القبض.
والثاني: أن تسري الجناية عن محلها إلى عضو آخر كقطع الأصبع إذا سرى إلى الكف، فالدية وجبت بعد استقرار السراية كما تجب دية النفس بعد الموت، فيكون ابتداء الأجل بعد اندمال السراية ولا اعتداد بما مضى من المدة بعد الجناية وقبل اندمال السراية، فإذا تقرر حكم هذين الضربين فيما سوى النفس في ابتداء وقت التأجيل فأرش الجناية على أربعة أضرب:
أحدها: أن تكون في ثلث النفس فما دون كالجائفة وما ودونها، فتؤديه العاقلة في سنة واحدة إذا انقضت ولو كان دينارًا واحدًا.
والثاني: أن تزيد على الثلث ولا تزيد على الثلثين، فتؤديه في سنتين بعد انفصال السنة الأولى وثلث الدية، وبعد انفصال السنة الثانية ما بقي منها، فإن كان سدس الدية، لأن جميع الأرش كان نصف الدية في إحدى اليدين أدته في السنة الثانية، وإن كان ثلث الدية؛ لأنهما جائفتان أدته في السنة الثانية.
والثالث: أن تزيد على ثلثي الدية ولا تزيد على جميع الدية كدية اليدين، فتؤديه في ثلاث سنين عند انقضاء كل سنة ثلث دية على ما قدمناه.
والرابع: أن يزيد على دية النفس مثل قطع اليدين والرجلين فنوجب ديتين إحداهما في اليدين، والأخرى في الرجلين فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يستحقا لنفسين، فعلى العاقلة أن تؤدي في كل سنة ثلث كل واحدة من الديتين، فتصير في كل سنة مؤدية فثلثي الدية لانفراد كل جناية بحكمها.
والثاني: أن يستحقها نفس واحدة فتجمل العاقلة الديتين في ست سنين، تؤدي في كل سنة منها ثلث دية، لأنها جناية واحدة لا تتحمل العاقلة فيها أكثر من ثلث دية النفس والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ولا يقوم نجم من الدية إلا بعد حلوله، فإن أعسر به أو مطل حتى يجد الإبل بطلت القيمة وكانت عليه الإبل".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن الدية هي الإبل لا يعدل عنها مع وجودها، فإن أعوزت عدل عنها إلى الدراهم والدنانير، وهي على قوله في القديم مقدرة بالشرع، فيكون
[ ١٢ / ٣٢٢ ]
من الدراهم اثني عشر ألف درهم ومن الدنانير ألف دينار، وعلى قوله في الجديد تقدر بقيمة وقتها دراهم أو دنانير، وعلى هذا موضوع هذه المسألة، ووقت قيمتها عند انقضاء الحول الذي يستحق فيه الأداء، ولا اعتبار بقيمتها وقت القتل، لأن قيمة ما في الدية معتبر بوقت الأداء، كالطعام المغصوب إذا مثله اعتبرت قيمة وقت الأداء لا وقت الغصب، فإذا حال الحول الثاني اعتبرت عنده قيمة النجم الثاني، فإذ حال الثالث اعتبرت عنده قيمة النجم الثالث، سواء انقضت قيم النجوم الثلاث في الأحوال الثلاثة أو اختلفت ولو أعوزت في نجم ووجدت في نجم أخذت في النجم الذي وجدت، وأخذ قيمتها من النجم الذي أعوزت، فلو قومت في حول أعوزت فيه ووجدت فيه نظر وجودها، فإن كان بعد أخذ قيمتها أجزأت القيمة ولم يرجع إلى الإبل، وإن كان وجودها قبل أخذ القيمة بطلت القيمة وأخذ الإبل كالطعام المغصوب إذا قوم مثله عند إعوازه ثم وجد بعد القيمة يرجع بالطعام وإن لم تقبض القيمة، ولا يرجع به إن قبضها.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ولا يجملها فقيرٌ"
قال في الحاوي: وهذا كما قال، دية العاقلة تستحق على الموسر والمتوسط، ولا تجب على الفقير المعسر، لأنها مواساة فأشبهت نفقات الأقارب، ولأن المقصود بها إزالة الضرر عن القاتل فلم يجز أن يدخل بها الضرر على المتحمل العاقل، وخالفت دية العمد التي يؤخذ بها الغني والفقير لاستحقاق العمد بمباشرته واستحقاق الخطأ بمواساته.
فأما الجزية ففي أخذها من الفقير قولان:
أحدهما: لا تؤخذ منه كالعالقة.
والثاني: تؤخذ منه الجزية وإن لم تؤخذ الدية من فقراء العاقلة للفرق بينهما بأن الجزية موضوعة لحقن الدم وإقراره في دار الإسلام فصارت عوضًا، وتحمل الدية مواساة محضة والفقر يقسط والمواساة ولا يقسط المعاوضة.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وإن قضى بها فأيسر الفقير قبل أن يحل نجمٌ منها أو افتقر غين فإنما أنظر إلى الموسر يوم يحل نجمٌ منها".
قال في الحاوي: اعلم أن ما يستحق بالحول ينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: ما كان الحول فيه مضروبًا للوجوب وهو حول الزكاة.
والثاني: ما كان الحول فيه مضروبًا للأداء مع تقدم الوجوب وهو حول العاقلة.
[ ١٢ / ٣٢٣ ]
والثالث: ما اختلف فيه هل هو مضروب للوجوب أو للأداء على وجهين، وهو حول الجزية.
فإذا تقرر هذا فالفقر والغني في العاقلة معتبر عند انقضاء الحول وقت الأداء ولا يعتبر في أوله وقت الوجوب، فإن قيل: فالاعتبار بوقت وجوبه أولى من الاعتبار بوقت أدائه كالجزية.
قيل: لأن الجزية معينة فاعتبر بها وقت وجوبها، والدية تجب بالقتل على الإطلاق ولا يتعين إلا عند الاستحقاق، ألا ترى لو مات أحد العاقلة قبل الحلول لم تؤخذ من تركته، ولو تعين استحقاقها لأخذت، فإذا تقرر اعتبار الغني والفقر عند الحلول الحول فمن كان منهم عند الحلول، غنيًا وجبت عليه، وإن كان فقيرًا في أوله، ومن كان منهم عند الحول فقيرًا لم تجب عليه وإن كان غنيًا في أوله، فلو حال الحول على غني فلم يؤدها حتى افتقر كانت دينًا عليه، ولم تسقط عنه بفقره، لأنها تعينت عليه وقت غناه، وينظر بها إلى ميسرته، ولو حال الحول على فقير فلم يستوف حتى استغنى لم يجب عليه بغناه، لأنه تعين سقوطها عنه وقت فقره.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ومن غرم في نجم ثم أعسر في النجم الآخر تُرك".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، لأن الغني والفقر معتبر في كل حول فلم يتعين في الحول إلا النجم الذي يستحق فيه، فمن كان غنيًا في الأحوال الثلاثة تحمل العقل في جميعها، ومن كان منهم فقيرًا في الأحوال الثلاث سقط عنه العقل في جميعها، ومن كان غنيًا في بعضها، ومفتقرًا في بعضها وجب عليه العقل في حول غناه وسقط عنه في حول فقره، فلو ادعى فقرًا بعد الغني أحلف ولم يكلف البينة على فقره، لأنها لا تجب عليه إلا مع العلم بغناه.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "فإن مات بعد حلول النجم مؤسرًا أخذ من ماله ما وجب عليه".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، إذا مات من العاقلة موسر بعد الحلول وقبل الأداء لم يسقط عنه العقل بموته.
وقال أبو حنيفة: يسقط عنه بالموت استدلالًا بأمرين:
أحدهما: أنها مواساة فأشبهت نفقات الأقارب.
[ ١٢ / ٣٢٤ ]
والثاني: أنها صلة وإرفاق فأشبهت الهبات قبل القبض، وهذا خطأ لأمرين: كالديون.
والثاني: أنه لما لم يكن للورثة أن يمنعوا من الوصايا وهي تطوع، كان أولى أن لا يمنعوا من العقل وهو واجب.
والثالث: أنه لما لم تسقط بالموت دية العمد لم تسقط به دية الخطأ.
فأما نفقات الأقارب فإنما وجبت لحفظ النفس، وقد وجد ذلك فيما مضى فسقط معنى الوجوب، ودية القتل وجبت لإتلاف النفس وقد استقر وجوبه فلم تسقط بمضي زمانه، وأما الهبة فليس كتحمل العقل عنه، لأنها تؤخذ خبرًا والهبة تبذل تطوعًا فافترقا.
فصل:
فإذا ثبت أنها لا تسقط بالموت قدمت على الوصايا والمواريث، وتؤدي وإن استوعبت جميع التركة، فإن عجز صاحب التركة عنها، وعن ديون الميت قسمت على قدر الحقوق، وكان باقي العقل دينًا يؤدي على الميت، ولا يرجع به على الباقين من العاقلة لوجوبه على غيرهم، ولو امتنعت العاقة من بدل الدية ولم يوصل إليها منهم إلا بحربهم جاز أن يحاربوا عليها كما يحارب الممتنعون من الحقوق الواجبة، فإن وجدت لهم أموال بيعت عليهم ولم يحاربوا.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ولم أعلم مخالفًا في أن لا يحمل أحدٌ منهم إلا قليلًا وأرى على مذاهبهم أن يحمل من كثر ماله نصف دينارٍ ومن كان دونه ربع دينارٍ لا يُزاد على هذا ولا ينتقص منه وعلى قدر ذلك من الإبل حتى يشترك النفر في البعير".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن العقل يحمله من العاقلة الأغنياء والمتوسطون دون الفقراء، فوجب أن يفرق بين الغني والمتوسط فيه.
وقال أبو حنيفة: لا فرق بينهما في قدر ما يتحمله كل واحد منهما اعتبارًا بزكاة الفطر والكفارات التي يستوي فيها الكثير والمتوسط، وهذا ليس صحيح لقول الله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق:٧] وقوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ﴾ [البقرة:٢٣٦] ولأنهما مواساة فوجب أن يقع الفرق فيهما بين المقل والمكثر كالنفقات، ولم يسلم ما استدل به من زكاة الفطر والكفارات لاختلاف حكم المقل والمكثر فيها.
فصل:
فإذا ثبت الفرق فيها بين المقل والمكثر فالذي يتحمله الغني المكثر منها نصف دينار
[ ١٢ / ٣٢٥ ]
والذين يتحمله المقل المتوسط ربع دينار.
وقال أبو حنيفة: الذي يتحمله كل واحد من الغني والمتوسط من ثلاثة دراهم إلى أربعة دراهم، لا يزاد عليها ولا ينقص منها.
وقال أحمد بن حنبل: يتحملون ما يطيقون بحسب كثرة أموالهم وقلتها من غير أن تتقدر بشرع، واستدل أبو حنيفة بأن فرض الزكاة أوكد من تحمل العقل، وأقل ما يجب في زكاة المال خمسة دراهم من مائتي درهم، فوجب أن يكون ما يلزم في العقل أق منها فكان أربعة دراهم أو ثلاثة، واستدل أحمد بقول الله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ﴾ [البقرة:٢٣٦].
ودليلنا هو أن ما أوجبه الشرع من حقوق المواساة كان مقدرًا كالزكوات والنفقات فبطل به قول أحمد، ولكن في تقديره طريقان:
أحدهما: أن يبدأ بتقدير الأقل، ويجعله أصلًا للأكثر.
والثاني: أن يبدأ بتقدير الأكثر ويجعله أصلًا للأقل.
فإن بدأت بتقدير الأقل في حق المتوسط فهو ما خرج عن حد التافه، لأنه لو اقتصر على التافه جاز الاقتصار على القيراط والحبة وذلك مما لا يفي بالدية وينهدر به الدم، وحد التافه ما لم يقطع فيه اليد، لقول عائشة ﵂ لم تكن اليد تقطع على عهد رسول الله ﷺ في الشيء التافه، وقد قال النبي ﷺ: "القطع في ربع دينار" فوجب أن يضاعف في حق المكثر فيلزمه نصف دينار، كما يلزم الموسر في النفقة مثلًا نفقة المعسر، وإن بدأت بتقدير الأكثر في حق المكثر فهو أن أول ما يواسى به الغني في زكاته نصف دينار من عشرين دينارًا، فحمل الغني نصف دينار، لأن الزيادة عليه تؤول إلى الإجحاف، ولا يقف على مقدار، وإذا لزم الغني نصف دينار وجب أن يقتصر من المقل على نصفه كما أن نفقة المعسر نصف نفقة الموسر، وفي هذا التقدير دليل وانفصال.
فصل:
فإذا ثبت تقديره بنصف دينار في حق المكثر وربع دينار في حق المقل فقد اختلف أصحابنا فيه على وجهين:
أحدهما: وهو قول أكثرهم: أن هذا قدر ما يؤخذ في السنة الواحدة، فيكون في السنين الثلاث على المكثر دينار ونصف من جميع الدية، وعلى المقل ثلاثة أرباع الدينار من جميع الدية.
والثاني: وهو قول أقلهم: أن هذا قدر ما يؤخذ من جميع الدية في السنين الثلاث،
[ ١٢ / ٣٢٦ ]
فيصير المأخوذ من المكثر في كل سنة منها سدس دينار، والمأخوذ من المقل في كل سنة نصف سدس دينار، والأول أشبه، لأن لكل سنة حكمها، فإذا ثبت هذا لم يجز العدول عن الإبل مع وجودها، ومعلوم أن قيمة تعيين إبل الدية أكثر من نصف دينار، ولا يمكن أن تتجزأ فينفرد كل واحد منهم بجزء قيمته نصف دينار، فوجب أن يشترك في أداء البعير الواحد العدد الذين يكون قسط الواحد من ثمنه نصف دينار إن كان مكثرًا، وربع دينار إن كان مقلًا، وهذا عدد لا يمكن حصره، لأن البعير قد تزيد قيمته في حال وثقل في أخرى، وإن أعوزت الإبل عدل إلى الدنانير إما مقدرة بألف دينار على قوله في القديم، أو بقيمة مائة بعير على قوله في الجديد، يحمل المكثر منها نصف دينار والمقل ربع دينار، وإن عدل عنه إعواز الإبل إلى الدراهم فإن قدرت باثني عشر ألف درهم على قوله في القديم تحمل المكثر منها ستة دراهم والمقل ثلاثة دراهم، لأن الدينار فيها مقابلًا لاثني عشر درهمًا، وإن قدرت بقيمة مائة بعير ففيه وجهان محتملان:
أحدهما: أن يتحمل المكثر منها ستة دراهم والمقل ثلاثة دراهم على ما ذكرنا لو قدرت بالدراهم اعتبارًا بقيمة الدينار على عهد رسول الله ﷺ.
والثاني: أنه لما عدل بالإبل إلى قيمة الوقت وجب أن يعدل بالدينار إلى قيمة الوقت، فيتحمل المكثر من الدراهم قيمة نصف دينار بسعر وقيمة، والمقل قيمة ربع دينار، لأن الدينار في وقتها أكثر قيمة منه في وقت الرسول ﷺ.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ويحمل كل ما كثر وق من قتلٍ أو جرحٍ من حر وعبدٍ لأن النبي ﷺ لما حملها الأكثر دل على تحميلها الأيسر".
قال في الحاوي: اختلف الفقهاء فيما تحمله العاقلة من الدية على خمسة مذاهب:
فقال الشافعي: يحمل كل ما كثر وقل من قتل وجرح.
وقال قتادة: تحمل دية النفس في القتل ولا تحمل ما دون النفس ويتحمله الجاني.
وقال مالك وأحمد بن حنبل تحمل ثلث الدية فصاعدًا ويتحمل الجاني ما دون الثلث.
وقال الزهري: يتحمل العاقلة ما زاد على الثلث ويتحمل الجاني الثلث فما دون. وقال أبو حنيفة: يتحمل العاقلة نصف عشر الدية فما زاد، ويتحمل الجاني ما دون ذلك واستدل قتادة بأن حرمة النفس أغلظ لاختصاصها بالكفارة والقسامة فاختصت بتحمل العاقلة.
واستدل مالك وأحمد بأن العاقل مواسي يتحمل ما أجحف تحصينًا للدماء، وما دون الثلث غير مجحف فلم يتحمله.
[ ١٢ / ٣٢٧ ]
واستدل الزهري بقول النبي ﷺ: "الثلث كثير" فصار مضافًا إلى ما زاد عليه في تحمل العاقلة له.
واستدل أو حنيفة على تحمل نصف العشر بأمرين:
أحدهما: أن تحمل العاقلة لما عدل فيه عن القياس إلى الشرع وجب أن يختص بأقل ما ورد به الشرع، وأقله أرش الموضحة، والغرة في الجنين، وهي مقدرة بمثل أرش الموضحة خمس من الإبل أو خمسين دينار أو ستمائة درهم وذلك نصف عشر الدية فكان هذا أصلًا في أقل ما تحمله العاقلة وكان ما دونه محمولًا على موجب القياس.
والثاني: أن ما دون الموضحة لما لم يجب فيه قصاص ولا أرش مقدر جرى مجرى الأموال فوجب أن لا تتحمله العاقلة كما لا تتحمل الأموال.
والدليل على جميعهم في تحمل الأكثر والأقل بينه النص وهو أن رسول الله ﷺ لما حمل العاقلة جميع الدية وهي أثقل فيه به على تحمل ما هو أقل، ولو نص على الأقل لما نبه على حكم الأثقل، وفي إلزام الجمع بين النصين خروج عن موضوع الشرع.
ثم نحرر هذا الأصل قياسًا فنقول: إنه أرش خطأ على نفس فجاز أن يتحمله العاقلة قياسًا على دية النفس مع قتادة، وعلى ثلث الدية مع مالك، وعلى نصف عشرها مع أبي حنيفة، ولأنه لما تحمل الجاني قليل الدية وكثيرها في العمد وجب أن تحمل العاقلة قليلها وكثيرها في الخطأ، ويتحرر منه قياسان:
أحدهما: أن من تحمل كثير الدية تحمل قليلها كالجاني.
والثاني: كل قدر تحمله الجاني جاز أن يتحمله العاقلة كالكثير، ولأن الجماعة لو اشتركوا في جناية قدرها الثلث عند مالك ونصف العشر عند أبي حنيفة تحملت عاقلة كل واحد منهم ما لزمه لجنايته، وهو أقل من ثلث الدية ومن نصف عشرها، فكذلك إذا انفرد بالتزام هذا القدر، ويتحرر منه قياسان:
أحدهما: أن من تحمل كثير الدية تحمل قليلها كالجاني.
والثاني: كل قدر يتحمله الجاني جاز أن تتحمله العاقلة كالكثير، لأن الجماعة لو اشتركوا في جناية قدرها الثلث عند مالك ونصف العشر عند أبي حنيفة تحملت عاقلة كل واحد منهم ما لزمه لجنايته وهو أقل من ثلث الدية ومن نصف عشرها، فكذلك إذا انفرد بالتزام هذا القدر ويتحرر منه قياسان:
أحدهما: أن ما تحملته العاقلة في الاشتراك جاز أن يتحمله في الانفراد كالكثير.
والثاني: أن ما تحملته العاقلة من الكثير جاز أن تتحمله من القليل كالاشتراك، وما قاله قتادة من تغليظ حرمة النفس فحرمتها لأجل حرمة الإنسان، وحرمة الإنسان عامة في نفسه وأطرافه، فوجب أن يستويا في حكم الغرم ومحله، وما قاله مالك من أن الثلث قليل لا يجحف فقد قال النبي ﷺ: "الثلث كثير" فصار ضد قوله: ثم قد يجحف الثلث وأقل منه بالجاني إذا انفرد بغرمه لاسيما إذا كان مقلًا، وما قاله أبو حنيفة من ورود الشرع فيه
[ ١٢ / ٣٢٨ ]
فلا يمنع ذلك من وجوب الأرش وإن لم يرد فيه شرع لم يمنع من تحمل العقل، وإن لم يرد فيه شرع، وما قاله من إجزائه في سقوط القصاص وتقدير الأرش مجرى الأموال فمنتقض بالأنملة يجب فيها القصاص ويتقدر أرشها بثلث العشر ولا تتحملها العاقلة عنده وقد لا يجب القصاص فيما زاد على نصف العشر ولا يتقدر أرشه وتحمله العاقلة فبطل ما اعتد به ولم يبق إلا حفظ الدماء بالتزام العاقلة لأورشها وهذا يصح قليلها وكثيرها.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "فإن كان الأرش ثلث الدية أدته في مُضر سنة من يوم جُرح المجروح فإن كان أكثر من الثلث فالزيادة في مضي السنة الثانية فإن زاد على الثلثين ففي مضي السنة الثالثة وهذا معنى السنة".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا وجب ثلث الدية من جرح أو طرف أدته العاقلة في سنة واحدة لأنها تلتزم في جميع الدية أداء ثلثها في كل سنة، وإن وجب ثلث الدية في نفس كدية اليهودي والنصراني ففيه وجهان على ما مضى:
أحدهما: تؤديه العاقلة في سنة واحدة اعتبارًا بدية الجرح.
والثاني: أن تؤديه في ثلاث سنين اعتبارًا بدية النفس، وكذلك نصف العشر في دية الجنين يكون على هذين الوجهين؛ لأنها دية نفس.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ولا تحمل العاقلة ما جني الرجل على نفسه".
قال في الحاوي: إما إذا جني على نفسه عمدًا ققطع يده أو قتل نفسه إما لغيظ أو حمية، وإما من سفه وجهالة، فجنايته هدر لا يؤاهذ بها إن كان حيًا، ولا يؤخذ بها أرشه إن كان ميتًا، وعليه الكفارة في ماله، فيكون نفسه مضمونة عليه بالكفارة، وغير مضمونة عليه بالدية، لأن الدية من حقوقه فسقط عنه، والكفارة من حقوق الله تعالى فوجبت عليه كما لو قتل عبده سقطت عنه القيمة لأنها له ووجبت عليه الكفارة لأنها لله تعالى.
فصل:
فأما إذا جني على نفسه خطأ فقطع يده بانقلاب سيفه عليه أو قتل نفسه بعود سهمه إله فجنايته هدر كالعمد في قول أكثر الفقهاء، وعاقلته براء من ديته.
وقال الأوزاعي وأحمد وإسحاق: تتحمل عاقلته ما جناه على نفسه يؤدونه إليه إن كانت على طرف، والورثة إن كانت على نفس، استدلالًا بما روي أن رجلًا ركب دابة له وضربها بخشبة كانت يده فطارت منها شظية ففقأت عينه فذكر ذلك لعمر بن الخطاب
[ ١٢ / ٣٢٩ ]
﵁ فقال: يده يد رجل من المسلمين وجعل الدية على عصبته.
ودليلنا ما روي أن عامر بن الأكواع أعوج سيفه في قتال المشركين فقتل نفسه فقال أصحاب رسول الله ﷺ قد أبطل جهاده فقال رسول الله ﷺ: "ما أبطل جهاده، ولم ينقل أنه قضى بالدية في ماله ولا عاقلته، وهذا وإن كان في العمد ففيه دليل على الخطأ.
ويدل عليه ما روي أن عوف بن مالك الأشجعي ضرب مشركًا بالسيف فرجع السيف إليه فقتله فامتنع أصحاب رسول الله ﷺ من الصلاة عليه وقالوا: قد أبطل جهاده، فقال رسول الله ﷺ: "مات مجاهدًا شهيدًا"، فدل الظاهر على أن هذا جميع حكمه، ولو وجبت الدية لأبانها، لأنه لا يؤخر بيان الأحكام عن أوقاتها، ولأن جناية العمد أغلظ من جناية الخطأ، فلما أهدر عمده كان خطأه أهدر، ولأنه يواسي بدية الخطأ تخفيفًا عنه، وهو لا يلزمه بقتل نفسه ما تتحمله العاقلة تخفيفًا عنه، فصار هدرًا وجرى مجرى استهلاكه مال نفسه لا يرجع ببدله على غيره، فأما قضاء عمر فهو قول واحد من الصحابة والقياس بخلافه فكان أولى منه والله أعلم.