مسألة:
قال الشافعي: "من قال لامرأته أنتِ طالق إن خرجت إلا بإذني أو حتى آذن لك فهذا على مرة واحدة وإذا خرجت بإذنه فقد بر ولا يحنث ثانية إلا أن يقول كلما خرجت إلا بإذني فهذا على كل مرة".
قال في الحاوي: اعلم أن ألفاظ يمينه إذا حلف على زوجته أن لا تخرج إلا بإذنه ينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: ما اتفق الفقهاء على أنها تنعقد على مرة واحدة، ولا توجب التكرار، وذلك لفظتان "إلى" و"حتى".
فإذا قال لها: أنت طالق إن خرجت إلى أن آذن لك، أو حتى آذن لك، فتنعقد يمينه على خروجها مرة واحدة بإذنه، فإن خرجت مرة واحدة بإذنه بر، وانحلت يمينه ولا يحنث، وإن خرجت بعد ذلك بغير إذنه، واختلفوا في العلة مع اتفاقهم في الحكم، فعلل أصحاب أبي حنيفة بأنهما لفظتان غاية ارتفع حكمها بانقضائها.
وعلل أصحاب الشافعي ﵀ بأنهما لما لم يتكررا في الحنث لم يتكرر في البر. وتأثير هذا الاختلاف في التعليل يتبين في القسم الثالث، فهذا حكم القسم الأول. والثاني: ما اتفقوا على أنها تنعقد على التكرار في البر والحنث، وهي لفظة واحدة، وذلك قوله: كلما دخلت الدار بغير إذني، فأنت طالق فلفظة "كلما" موضوعة للتكرار، فبره يكون بإذنه لها في كل مرة، وحنثه يكون بأن لا يأذن لها في كل مرة، وإن خرجت مرة بغير إذنه حنث، وطلقت واحدة، ولم تسقط يمينه، وإن خرجت ثالثة بغير إذنه حنث، وطلقت ثالثة، وسقطت يمينه بعدها لاستيفاء ما ملكه من طلاقها.
ولو أذن لها بالخروج ثلاثة مرات من ثلاثة خرجات بر، ولم تخل يمينه، لبقاء الطلاق.
فإن خرجت رابعة بغير إذنه، طلقت، فيقدر الحنث بالثلاث، ولم يتقدر بها البر، لاعتبار الحنث بما ملكه من عدد الطلاق، فلو خرجت مرة بإذنه وثانية بغير إذنه، وثالثة بإذنه، ورابعة بغير إذنه بر في خرجتين الأولى والثالثة.
[ ١٠ / ٤٨٤ ]
وحنث في خرجتين في الثانية والرابعة ثم على هذه العبرة.
والثالث: ما اختلف فيه: هل تنعقد يمينه على مرة واحدة أو على التكرار، وذلك فيما عدا القسمين الماضيين من الألفاظ، وهي خمسة ألفاظ:
أحدها: إن خرجت من الدار إلا بإذني، فأنت طالق.
والثانية: إن خرجت من الدار إلا أن آذن لك، فأنت طالق.
والثالثة: إن خرجت من الدار بغير إذني، فأنت طالق.
والرابعة: أي وقت خرجت من الدار بغير إذني، فأنت طالق.
والخامسة: متى خرجت من الدار بغير إذني، فأنت طالق.
فاختلفوا في انعقاد اليمين بهذه الألفاظ هل توجب التكرار في البر والحنث على ثلاثة مذاهب:
أحدها: وهو مذهب الشافعي ﵁ أنها تنعقد على مرة واحدة في البر والحنث، ولا توجب التكرار في بر ولا حنث.
فإن خرجت مرة واحدة بإذن بر وانحلت اليمين، ولا يحنث إن خرجت بعد ذلك بغير إذن.
وإن خرجت مرة واحدة بغير إذن حنث، وسقطت اليمين، ولا يعود الحنث إن خرجت بعده بغير إذن.
والثاني: وهو مقتضى مذهب مالك أنها تنعقد على التكرار في البر والحنث، وإن خرجت مرة بإذن بر، ولم تخل اليمين، وإن خرجت مرة بغير إذن حنث، ولم تسقط اليمين.
والثالث: وهو مذهب أبي حنيفة أنها تنعقد على المرة الواحدة في الحنث، وعلى التكرار في البر، فإذا خرجت مرة بغير إذن حنث، وسقطت اليمين، ولم يحنث إن خرجت مرة من بعد بغير إذن.
وإن خرجت مرة بإذن بر، ولم تخل اليمين، وحنث إن خرجت بعده بغير إذن، ولأصحابه في هذا طريقان:
منهم من يرى أن قوله: "إلا بإذني" استثناء يوجب خروج المستثنى، ولا يتعلق به بر ولا حنث، وبره بأن يكون لا تخرج، وحنثه يكون بأن تخرج بغير إذن، ليكون بارًا من وجه واحد، وحانثًأ من وجه واحد به، ولا يكون بارًا من وجهين: وحانثًا من وجه، كمن قال لزوجته: إن كلمت زيدًا، فأنت طالق كان بكلامها لزيد حانثًا ويترك كلامه بارًا، وبكلامها لغيره غير بار، ولا حانث، وهذه أشبه بطريقة المحققين منهم، وهي فاسدة من وجهين:
أحدهما: أن يمينه تضمنت منعًا، وتمكينًا، فالمنع خروجها بغير إذن، والتمكين خروجها بإذن.
[ ١٠ / ٤٨٥ ]
فلما حنث بالجمع وجب أن يبر بالتمكين، لأن كل واحد منهما قد تضمنته اليمين، وخالف ما استشهد به من يمينه على كلامها لزيد، لأن كلامها لغيره لم يدخل في يمينه من منع ولا تمكين، فلم يتعلق به بر ولا حنث.
والثاني: أن البر والحنث يتعلقان في الأيمان بشيء واحد، فإن كانت على إثبات كقوله: والله لأدخلن الدار، كان بره بدخولها، وحنثه بأن لا يدخلها. وإن كانت على نفي كقوله: والله لا دخلت الدار كان بره بأن لا يدخلها وحنثه بأن يدخلها.
فلما كان حنثه في قوله: إن خرجت إلا بإذني، فأنت طالق، يكون بخروجها بغير إذنه وجب أن يكون بره بخروجها بإذنه، فتثبت بهذين المعنيين فساد هذه الطريقة.
والثانية: لهم أن يسلموا وقوع البر بالخروج بإذن، كما أن وقوع الحنث بالخروج بغير إذن، ويستدلوا على وجوب تكرار البر، وإن لم يتكرر الحنث بأمرين:
أحدهما: إنما انعقد الإجماع عليه في قوله لزوجته: إن خرجت من الدار إلا راكبة فأنت طالق، أن البر يتكرر، ويلزمها أن تخرج في كل مرة راكبة، وإن خرجت مرة غير راكبة حنث وسقطت اليمين، وإن خرجت مرة راكبة بر ولم تخل اليمين، ولزمها الخروج بعد هذا البر راكبة أبدًا، كذلك ما اختلفنا فيه من قوله: إن خرجت إلا بإذن، فأنت طالق، فخرجت مرة بإذنه، لم تخل اليمين، ولزمها أن تخرج كل مرة بإذنه. ولو خرجت مرة بغير إذنه حنث، وسقطت اليمين، فيكون الإجماع في اشتراط الركوب دليلًا على الخلاف في اشتراط الإذن، إذ ليس بين الشرطين فرق في الحكم.
والثاني: أنه لما كان البر يترك الخروج مؤبدًا، والحنث بالخروج من غير إذن مقيدًا وجب أن يكون البر بالخروج بالإذن متكررًا، وإن لم يكن الحنث بالخروج بغير إذن متكررًا.
والدليل على فساد هذه الطريقة من وجهين:
أحدهما: لما كان عقد اليمين بلفظ الغاية يوجب استواء البر والحنث في سقوط التكرار، وكان عقدها بقوله: "كلما" يوجب استواء البر والحنث في وجوب التكرار، وجب أن يكون عقدها بما اختلفا فيه من قوله: إن خرجت إلا بإذني، ملحقًا بأحدهما في استواء البر والحنث في وجوب التكرار وسقوطه، فلما سقط التكرار في الحنث وجب أن يسقط التكرار في البر.
وتحريره قياسًا: أن كل يمين اشتملت على منع وتمكين وجب أن يكون البر فيها مقابلًا للحنث في وجوب التكرار وسقوطه كالمعقود بلفظ الغاية في سقوط التكرار، وكالمعقودة ب "كلما" في وجوب التكرار.
والثاني: أن البر والحنث في الأيمان معتبران بالعقد، فإن أوجب تكرار المنع والتمكين أوجب تكرار البر والحنث، وإن لم يوجب تكرارهما لم يتكرر البر والحنث. ولفظ التكرار معدوم في قوله: إن خرجت إلا بإذني، فانعقد على مرة، وموجود في قوله:
[ ١٠ / ٤٨٦ ]
كلما خرجت بغير إذني، فانعقد على كل مرة.
ألا تراه لو قال لها: إن خرجت بإذني، فأنت طالق، انعقدت على مرة، ولو قال: كلما خرجت بإذني فأنت طالق، انعقدت على مرة، ولو قال: كلما خرجت بإذني انعقدت على التكرار وما انعقدت عليه اليمين سواء في البر والحنث في التكرار والانفراد، لأن عقدها إن قابلت مقتضاها كان حكمها مقصورًا عليه.
وتحريره قياسًا: أن ما انعقدت عليه اليمين وجب أن يستوي فيه البر والحنث، قياسًا على تعليق الطلاق بالإذن، تسوية بين الإثبات والنفي فأما الجواب عن استدلالهم بقوله: إن خرجت إلا راكبة، فهو أن هذا تعليق طلاق بصفة، وهي خروجها ماشية، فوقع بوجود الصفة، وليست يمينًا توجب منعًا، وتمكينًا، فافترقا.
وأما الجواب عن اجتماعهم بامتداد البر في المقام إلى الموت، وتوقيت الحنث بالخروج، فهو أن المقام في منزلها ترك مطلق، فحمل على التأبيد في البر، والخروج فعل مقيد بوقته، فتقدر به البر والحنث، فوجب أن يكون البر فيه مساويًا للحنث.
فصل:
ويتفرع على ما قدمناه أن يقول لها: إن خرجت إلى غير الحمام بغير إذني، فأنت طالق، فخروجها إلى الحمام مستثنى من يمينه، لأنه لا يفتقر إلى إذن، ولم يتعلق به بر ولا حنث، فاليمين منعقدة على خروجها إلى غير الحمام، فإن خرجت إليه بغير إذنه حنث وسقطت اليمين فإن خرجت إليه بإذنه بر، وانحلت اليمين.
فإذا كان كذلك لم يحل خروجها بغير إذن، إذا جمعت فيه بين الحمام وغير الحمام من ثلاث أضرب:
أحدها: أن تخرج إلى الحمام، ثم تعدل إلى غير الحمام، فلا حنث عليه اعتبارًا بقصد الخروج أنه كان إلى الحمام.
والثاني: أن تخرج إلى غير الحمام، ثم يعدل إلى الحمام، فيحنث اعتبارًا بقصد الخروج أنه كان إلى غير الحمام.
والثالث: أن تخرج جامعه في قصدها بين الحمام وغير الحمام، فيحنث، لأن خروجها إلى غير الحمام موجود، فلم يمنع اقترانه بالخروج إلى الحمام من وقوع الحنث به.
ووهم أبو حامد الإسفراييني، فقال: لا يحنث به تغليبًا لما لا يوجب الحنث على ما يوجبه، والله فيه واضح، لما عللناه.
ألا تراه لو قال لها: إن كلمت زيدًا، فأنت طالق، فكلمت زيدًا وعمرًا معًا طلقت، ولم يمنع كلامها لعمرو من وقوع الطلاق بكلامها لزيد؟!
[ ١٠ / ٤٨٧ ]
فصل:
فأما الإذن، فقد يكون تارة بالقول، وتارة بالكناية، وتارة بالرسالة، وتارة بالإشارة وجميعه يكون إذنًا اعتبارًا بالعرف فيه.
وسواء ابتدأ الزوج بالإذن أو سألته، فأذن. فإن استأذنته وأمسك، فلم يكن منه إذن ولا منع، لم يكن السكوت إذنًا إلا أن تقترن به إشارة، فتصير الإشارة إذنًا.
فإن أذن لها، ثم رجع في إذنه، لم يسقط حكم الإذن برجوعه، لأن شرط البر وجود الإذن، وليس بقاؤه عليه شرطًا فيه، وسواء كان رجوعه قبل الخروج أو بعده.
فإن شرط إذنًا باقيًا، فرجع فيه حنث إن كان رجوعه قبل الخروج، ولم يحنث إن كان رجوعه بعد الخروج.
ولو شرط في يمينه أن يكون خروجها بإذن غيره، اعتبر إذن ذلك الغير دون الحالف، ولو شرط إذنهما معًا حنث بخروجها عن إذن أحدهما، فإن أذن للغير أن يأذن لها، فعلى ثلاثة أضرب:
أحدها: أن يقول: ائذن لها عن نفسك، فلا يجزئ في البر أن يأذن لها الغير، حتى يأذن معه الحالف، فإن أذن الغير، ولم يأذن الحالف حنث.
والثاني: أن يقول: ائذن لها عني، فقد صار في الإذن نائبًا عن الحالف، فيحتاج الغير أن يأذن لها إذنين.
أحدهما: عن نفسه.
والثاني: عن الحالف.
فإذا جمع بين الإذنين بر الحالف، وإن اقتصر على أحدهما حنث.
والثالث: أن يطلق إذنه للغير، فيسأل عنه الحالف. فإذا أراد به أحد الأمرين عمل عليه، وكان حكمه على ما قدمناه من الضربين، فإن فات سؤال الحالف عنه الغيبة طالت نظر، حال ذلك الغير مع الحالف.
فإن كان ممن جرت عادته أن يأمره وينهاه، صار هذا الإذن له أمرًا، فيكون إذنًا عن الحالف، فيصير كالضرب الثاني.
وإن لم تجر عادته بأمره ونهيه صار مثل هذا الإذن طلبًا، فيكون إذنًا عن الغير، فيصير كالضرب الأول اعتبارًا بالعرف والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "ولو أذن لها وأشهد على ذلك فخرجت لم يحنث لأنه قد أذن لها وإن لم تعلم كما لو كان عليه حق لرجل فغاب أو مات فجعله صاحب الحق في حل
[ ١٠ / ٤٨٨ ]
برئ غير أني أحب له في الورع لو أحنث نفسه لأنها خرجت عاصية له عند نفسها وإن كان قد أذن لها".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا حلف بطلاقها أن لا تخرج إلا بإذنه، وأذن لها ولم تعلم بالإذن حتى خرجت لم يحنث، ولا يكون علمها بالإذن شرطًا في البر، وهذا مذهب الشافعي وبه قال أبو يوسف وقال مالك وأبو حنيفة ومحمد يحنث، ويكون علمها بالإذن شرطًا في البر، استدلالًا بأربعة معانٍ:
أحدها: أن الإذن تضمن الإعلام لقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]، أي أعلمهم بفرضه، وقول النبي ﷺ لفاطمة بنت قيس: "إذا حللت، فآذنيني"، أي: أعلميني. وقول الشاعر:
آذنتنا ببينها أسماء رب ثاو يمل منه الثواء
أي: أعلمتنا، فإذا ثبت بالشرع واللغة أن الإذن يتضمن الإعلام صار شرطًا، فيه فإن عدم لم يكمل الإذن، فلم يقع به البر.
والثاني: أن الإذن أمر يخالف ما بعد حكم ما قبله، فجرى مجرى النسخ، ثم ثبت أن العلم بالنسخ شرط في لزومه كذلك العلم، بالإذن شرط في صحته.
والثالث: أنه ألزمها بخروجه عن إذنه أن تكون مطيعة في الخروج، فإذا لم تعلم بالإذن صارت عاصية بالخروج، فلم يكن هو الخروج المأذون فيه، فوجب أن يحنث به، ويصير عدم علمها بالإذن جاريًا مجرى عدم الإذن، لوجود المعصية فيهما، كمن باع ما لا يعلم أنه مالك له، ثم علم أنه قد كان مالكًا له، كان بيعه باطلًا، وجرى عدم علمه بالملك مجرى عدم الملك.
والرابع: أن الإذن يفتقر إلى آذن، ومأذون له، كالكلام الذي يفتقر إلى قائل ومستمع، فلما كان المنفرد بالكلام يسلبه حكم الكلام، وجب أن يكون تفرده بالإذن يسلبه حكم الإذن.
ودليلنا أربعة معان:
أحدهما: إن الإذن يختص بالآذان، والعلم به مختص بالمأذون لها، وشرط يمينه إنما كان معقودًا على ما يختص به من الإذن دون ما يختص بها من العلم. ألا ترى أن اسم الإذن ينطلق على إذنه دون علمها، فوجب أن يكون موجبًا لوجود الشرط، فلا يقع به الحثت، كما لو قال: إن قمت، فأنت طالق، طلقت بقيامه، إن لم تعلم.
والثاني: أنه لو كان العلم شرطًا في الإذن لكان وجوده من الحالف شرطًا فيه، كما كان وجود الإذن منه شرطًا فيه، فلما ثبت أنها لو علمت به من غيره صح، لو أذن لها
[ ١٠ / ٤٨٩ ]
غيره لم يصح، دل على خروجه من حقوق الإذن، وصح بمجرد القول.
والثالث: أنه قد حظر الخروج عليها باليمين، وأباحها الخروج بالإذن، فصار عقدها جامعًا بين حظر وإباحة، والاستباحة، إذا صادفت إباحة لم يعلم بها المستبيح جرى عليها حكم الإباحة دون الحظر، كمن استباح مال رجل قد أباح له، وهو لا يعلم بإباحته، جرى على المال المبتدئ حكم الإباحة اعتبارًا بالمبيح، ولم يجز عليه الحظر اعتبارًا بالمستبيح.
كذلك حكم هذه الخروج.
وتحريره: أنها استباحة بعد إباحة، فلم يكن فقد العلم بها مؤثرًا في حكمها كالمال.
والرابع: أنها لا تعلم بإذنه، لبعدها تارة، ولنومها أخرى، وقد وافقوا أنه لو أذن لها، وهي نائمة، فخرجت غير عالمة بإذنه لم يحنث، كذلك إذا أذن لها، وهي بعيدة، فلم تعد تعلم بإذنه حتى خرجت وجب أن لا يحنث.
وتحريره: أنها يمين تعلق البر فيها بالإذن، فوجب أن لا يكون عدم العلم به موجبًا للحنث، كالنائمة والناسية.
وأما الجواب عن استدلالهم الأول، بأن الإذن يتضمن الإعلام استشهادًا بما ذكروه، فمن وجهين:
أحدهما: أن الإعلام، هو الإيذان دون الإذن، وفرق بين الإذن والإيذان.
والثاني: أن الإذن لو اقتضى الإعلام، لاختص به الإذن دون غيره، وهو لا يختص به، فلم يكن من شرط إذنه.
وأما الجواب عن استدلالهم الثاني في النسخ، فهو أن في اعتبار العلم به وجهين:
أحدهما: أن النسخ يلزم مع عدم العلم به كالإذن، فلم يكن فيه دليل.
والثاني: أنه لا يلزم إلا بعد العلم به، كأهل قباء حين استداروا في صلاتهم، وبنوا على ما قتدم قبل علمهم بنسخ بيت المقدس بالكعبة.
فعلى هذا أن الفرق بينهما أن النسخ مختص بالتعبد الشرعي، فلم يلزم إلا بعد العلم به، لوجوب إبلاغه، والإذن رافع للمنع، فصار مرتفعًا قبل العلم به.
وأما الجواب عن استدلالهم الثالث بأن اشتراط الإذن يقتضي خروجًا تكون فيه مطيعة، فهو انتقاضة بخروجها إن كانت ناسية لإذنه، أو كانت نائمة عند إذنه هي قاصدة لمعصيته ولا يحنث به.
وأما الجواب عن استدلالهم الثالث بأن اشتراط الإذن يقتضي خروجًا تكون فيه مطيعة، فهو انتقاضه بخروجها إن كانت ناسية لإذنه، أو كانت نائمة عند إذنه هي قاصدة لمعصيته ولا يحنث به.
وأما الجواب عن استدلالهم الرابع بالمتكلم، فهو فساد الجمع بينهما، لأن المعتبر في كلام الغير الاستماع دون الإعلام والسماع، وهم يعتبرون في الإذن الإعلام دون السماع والاستماع، ففسد الجمع بينهما مع اختلاف مقصودهما.
[ ١٠ / ٤٩٠ ]
فصل:
فإذا ثبت أن العلم ليس بشرط في صحة الإذن، فقد قال الشافعي ﵁: ولو أذن لها وأشهد على نفسه لم يحنث، وليس إشهاده على الإذن شرطًا فيه، وإنما هي حجة له إن ادعاه، ليرفع به الطلاق إذا أنكرته الزوجة، ليقع عليه الطلاق.
وإنما الشرط في صحة الإذن أن يكون مسموعًا منه، فإن لم يذكره لمستمع لم يصح، لأنه يصير من حديث النفس الذي لا يصح به الإذن.
ثم قال الشافعي ﵁: "وأحب له في الورع أن يحنث نفسه".
وإنما اختار له ذلك، لأنه مخرج مختلف في استباحته، فاختار له أن تكون الاستباحة ومتفقًا عليها، وأمره بالتزام الحنث، ولم يرد بالتزام الحنث التزام الطلاق، لأنه التزام الطلاق لم تصر زوجته مستبيحة الأزواج باتفاق، وإنما أمره بما تكون الاستباحة في الجهتين باتفاق يقع. وإذا كان كذلك لم يخل أن يكون الطلاق رجعيًا أو ثلاثًا. فإن كان رجعيًا، فيختار له في الورع إن أراد المقام معها أن يرتجعها، لأن الطلاق إن وقع استباحها بالرجعة، وإن لم يقع لم تضره الرجعة.
وإن لم يرد المقام معها قال لها: إن لم يكن الطلاق قد وقع عليك، فأنت طالق واحدة، حتى لا يلزمه أكثر من واحدة في الحالين.
فإن لم يقل هكذا، وقال: أنت طالق، واحدة لزمته واحدة، وكانت الثانية على اختلاف. وإن لم يقل أحد هذين كان النكاح لازمًا، وهي ممنوعة من الإزواج، ويؤخذ بنفقتها والورع أن يمتنع من إصابتها.
وإن كان الطلاق ثلاثًا، فليس من الورع الإقامة عليها، والورع أن يفارقها بأن يقول لها: أنت طالق ثلاثًا.
وليس يحتاج أن يقول لها: أنت طالق ثلاثًا إن لم يكن الطلاق قد وقع عليك لأن طلاق الحنث إن وقع لم يقع طلاق المباشرة، وخالف طلاق الرجعة، لأنه إن لم يقع طلاق الحنث وقع طلاق المباشرة.
فإن لم يقل هذا في الطلاق الثلاث، كان ملتزمًا لنكاحها، وهي ممنوعة من الإزواج، ويؤخذ بنفقتها، والورع له أن يمتنع من إصابتها، فإن لم يمتنع، وأصابها في الطلاقين فلا حرج عليه، ولا مأثم، لما حكم به من بره في يمينه.
[ ١٠ / ٤٩١ ]
تتمة كتاب الأيمان