قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾] التوبة: ٩١] الآية ذكر الشافعي ﵁ آيتين: إحداهما: هذه. والثانية: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾] النور: ٦١] الآية فقيل: هذه الآية وردت في الجهاد دون غيره من الفرائض والأحكام، وقيل: إن ذلك في الجهاد وفي المواكلة فإنهما كانا [١٧٢/ ب] يحضران للضيافة خوفًا أن يأخذ الأعمى ما بين يدي صاحبه، وروي أن أعرابيًا واكل رسول الله ﷺ فقال له: «كل مما يليك ولا تأكل من ذروة الطعام فإن البركة تنزل في أعلاه» ثم أتى بالرطب فقال: «كل من حيث شئت فإنه غير لونٍ» وكان الأعرج يقول: آخذ مكان اثنتين فيؤذي جليسي وكان المريض يتحرج عن الحضور مخافة أن يُعاف. والجهاد أشبه به، وقيل: قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾] النور: ٦١] نزل في موضعين في سورة الفتح وهو في القتال وفي سورة النور وهو في رفع الجناح في المواكلة فإذا تقرر هذا ذكر الشافعي ﵁ في الباب الأول من لا جهاد عليه لنقصه، وذكر هنا من لا جهاد عليه لضعفه ونقصان حاله فلا جهاد على الأعمى للآية ولأن القصد منه القتال ولا يتأتى منه ذلك كاملًا.
وأما الأعور فيلزمه فرض الجهاد لأنه كالصحيح في تمكنه من القتال، وكذلك الأعشى الذي يبصر بالنهار دون الليل ولو كان ضعيف البصر يرى الأشخاص، وإن لم يعرف صورها ويمكنه أن يتقي أخفى السلاح وهي السهام لزمه الجهاد، وإن كان بخلاف هذا لا يلزمه الجهاد ويلزم الأصم لأن معتبر البصر دون السمع، وأما الأعرج فضربان مقعد لا يطيق المشي ولا الركوب فلا يلزمه الجهاد [١٧٣/أ] لما ذكرنا، وإن لم يكن مقعدًا ولكنه بيّن العرج لا يلزمه ذلك أيضًا والمراد بالأعرج في الآية الأعرج بالرجل الواحدة وعند أبي حنيفة المراد به المقعد ويلزم الجهاد على غيره، وإن كان عرجًا خفيًا يطيق معه العدو والقتال يلزمه ذلك ولو كان يقدر على الركوب والمشي
[ ١٣ / ١٨٥ ]
ويضعف على السعي يلزمه أيضًا ذكره في «الحاوي»، وإن كان بين العرج إلا أن له دوابا وهو يحسن أن يقاتل راكبًا لا يلزمه ذلك لأنه ربما يعقر به أو تهلك دابته فيحتاج إلى الفرار أو إلى القتال راجلًا فيهلك.
ولا يلزم الأقطع والأشل لأنه يقاتل باليمنى ويتقي باليسرى فإن ذهب شيء من أصابع يده أو رجله فإن بقي أكثر بطشه يلزمه وإلا فلا يلزمه، وأما المريض فعلى ضربين: مريض خفيف المرض، ومريض ثقيل المرض، فالخفيف مثل الصداع ووجع السن ونحو ذلك لا يسقط فرض الجهاد، وأما الثقيل فيسقط فرض الجهاد لأنه لا يمكنه مع ذلك البطش والقتال، وأما المعسر ينظر فإن كان الجهاد على مسافة لا يقتصر إليها الصلاة لم يعتبر وجود الراحلة ويعتبر وجود الزاد كما قلنا في الحج وإن كان على مسافة تقصر إليها الصلاة فلا يجب الجهاد إلا بوجود الزاد والراحلة ووجود الزاد لنفسه ولمن تلزمه نفقته في قدر ما يرى أنه يلبث في غزوه ويعتبر وجود السلاح الذي يقاتل به مع ذلك فإن لم يجد شيئًا منه لا يلزمه [١٧٣/ب] الجهاد نص عليه قال: وإن لم يجد ما يدع لمن يلزمه قبوله ولزمه الفرض لأن له في بيت المال حقًا وإن بذله غير الإمام من ماله لم يلزمه قبوله للمنة، وقد قال بعض أصحابنا بخراسان: لا يندب هؤلاء الذين ذكرنا من النساء والعبيد والأعرج والمريض والأعمى إلى الجهاد إلا أن يحضرهم العدو فيجب عليهم حينئذ أن يتحركوا على أنفسهم ويدفعوا ذلك.
فرع
لو كان في طريقه عدو ولا يمكنه مجاوزته إلا بالقتال يلزمه الخروج بخلاف الحج لأنه يخرج إلى القتال مع المخاطرة بالروح فلا يجوز التخلف بهذا العذر بخلاف الحج.
مسألة: قال: ولا يجاهد إلا بإذن أهل الدين.
الدين ضربان: حالٌّ ومؤجّلٌ فإن كان حالًا لم يكن عليه أن يجاهد بغير إذن صاحبه لما روى أبو قتادة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله «أرأيت لو انغمست في العدو فقُتلت إلى الجنة؟ فقال: نعم إلا الدين»، وروي أن رسول الله ﷺ حرض الناس في بعض الغزوات على القتال فقال رجل يقال له عمير: بخ بخ ليس بيني وبين الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء قال: لا يقصد أن ينغمس في العدو فدعاه رسول الله ﷺ فقال: "هذا جبريل ﵇ يقول: إلا أن يكون عليك دين" وروى عبد الله [١٧٤/أ] بن عمرو
[ ١٣ / ١٨٦ ]
﵁ أن النبي ﷺ قال: «القتل في سبيل الله يكفّر كل شيء إلا الدين» قال: وسواء كان الدين لمسلم أو لكافر ولأنه ينقطع به الكسب ويتعرض للشهادة فيمنع به.
وإن كان موسرًا أو استناب في قضاء دينه والمال حاضر لا يحتاج إلى إذنه لأنه كالمؤدي، وإن كان المال غائبًا لا يخرج إلا بإذنه لجواز أن يتلف المال قبل قضاء دينه. وإن كان الدين مؤجلًا فقد ذكرنا وجهين، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا إذ لم يكن له وفاء فإن خلف وفاءً فهل له الغزو دون إذنه؟ فيه وجهان والصحيح أن ليس له ذلك لأنه يقتل ويتلف ماله الذي خلفه فيضيع حقه. قال: ولو كان على المرتزقة دين مؤجل فهل له منعه إذا لم يكن له وفاء؟ فيه وجهان: أحدهما: له ذلك. والثاني: ليس له لأنه ربما لا يمكنه قضاء الدين إلا من الرزق فيستفيد ذلك، ولو جاهد بإذن صاحب الدين لم يتعرض للشهادة ولم يتقدم أمام الصف ووقف في وسطها أو حواشيها ليحفظ الدين بحفظ نفسه ذكره في «الحاوي».
مسألة: قال: وبإذن أبويه.
الفصل
إذا أراد أن يجاهد وله أبوان مسلمان لم يكن له ذلك بغير إذنهما ولهما منعه لما روى علد الله ابن عمرو بن العاص ﵁ أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فاستأذنه في الجهاد فقال: [١٧٤/ب] أحيٌّ والداك؟ فقال: نعم فقال ﷺ: ففيهما فجاهد وروى أيضًا قال: جاء إلى رسول الله ﷺ رجل فقال: جئت أبايعك على الهجرة وتركت أوي يبكيان فقال: فارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما» وروي أنه قال: «فأرجع فاستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما»، وروي أن رجلًا قال: يا رسول الله أبايعك على الجهاد فقال هل لك من بعل؟ قال: نعم قال: فانطلق فجاهد فإن لك فيه مجاهدًا حسنًا وأراد بالبعل من يلزمه طاعته من والدٍ أو والدة مأخوذ من قولهم: تبعَّل الدار أي: ملكها ومنه سمي الزوج بعلًا. وقال رجل لابن عباس: إني نذرت أن أغزو الروم وإن أبوي يمنعاني فقال: أطع أبويك فإن الروم ستجد من يغزوها غيرك».
فرع
لو أذن له أبوه دون أمه والأم دون الأب يغلب حكم المنع ولا يخرج.
[ ١٣ / ١٨٧ ]
فرع آخر
لو كان له جد أو جدة فإن كان الأبوان معدومين قاما مقام الأبوين في وجوب استئذانهما، وإن كان الأبوان باقيين ففي وجوب استئذانهما وجهان: أحدهما: لا يجب لحجبهما عن الولاية والحضانة بالأبوين. والثاني: يجب للشفقة وهو الأظهر.
فرع آخر
لو كان الأبوان مملوكين لم يلزم استئذانهما لأنهما لا إذن لهما في أنفسهما، وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: عندي لا يجوز [١٧٥/أ] إلا بإذنهما لأن المملوك كالحر في البرّ والشفقة.
فرع آخر
لو كان الولد مملوكًا وله أبوان حران فأذن السيد دون الأبوين كان إذن السيد مغلبًا لأنه أحق بالتصرف فيه منهما.
فرع آخر
لو كان بعض الولد حرًا لزم استئذان الأبوين بما فيه من الحرية واستئذان السيد بما فيه من الرق.
فرع آخر
لو تعين الجهاد بأن أحاط العدو بالبلد ليس لأحد منعه لا الأبوان، ولا صاحب الدين فإن منعوا لم يلتفت إلى ذلك وله الخروج إلى الجهاد.
فرع آخر
لو أراد سفر التجارة ولا يجب عليه نفقتهما لا يلزمه استئذانهما لأن المقصود بالجهاد التعرض للشهادة، وبالتجارة طلب السلامة والفائدة، وإن كان عليه النفقة يكون كصاحب الدين مع من عليه.
فرع آخر
لو خرج لطلب العلم يستحب له أن يستأذن أبويه، ويستحب له أيضًا في سفر التجارة فإن منعاه لم تحرم عليه مخالفتهما لما ذكرنا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا إذا كان مما يحتاج إليه بنفسه من غير علم الطهارة والصلاة والزكاة ولا يجد ببلده من يعلمه أو لا يحتاج لنفسه كالعلم بالنكاح ولا زوجة له ونحو ذلك، وليس في بلده من يعلم ذلك فإن كان في بلده من يعلمه أو يعلّمه ما يحتاج إليه أو خرج واحدًا لطلب العلم هل له أن يخرج من غير الأبوين؟ فيه وجهان [١٧٥/ب] أحدهما: ليس له لأنه لم يفترض عليه ذلك. والثاني: له ذلك لأنه طاعة ونصرة للدين ولا يخاف منه الهلاك وهذا خلاف النص والمذهب المشهور على ما ذكرنا.
[ ١٣ / ١٨٨ ]
فرع آخر
قال: ولو كانا كافرين فله الجهاد، وإن كانا كارهين لأنه يجاهد أهل دينهما فلا طاعة لهما عليه ومعنى هذا أنهما متهمان في المنع ولا يحمل منعهما إياه من الغزو على الشفقة والحذر عليه وإنما يحمل على المنع من قتال أهل دينهما فإنهما يكرهان ذلك ولأن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: ١٥] فكما لا يطعهما في الشرك فكذلك لا يطيعهما في ترك قتال المشركين، ولأن عبد الله بن أبيّ ابن سلول كان رأس المنافقين وكان يحذل الناس يوم أحد ويقول: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا وابنه عبد الله كان يجاهد مع رسول الله ﷺ ولا يمتنع بقوله وغزا أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة مع رسول الله ﷺ يوم بدر وأبوه مقدم المشركين.
مسألة: قال: ومن غزا ممن له عذرٌ أو حدث له بعد الخروج عذر كان له الرجوع ما لم يلتق الزحفان.
الفصل
جملته أن العذر ضربان لحق غيره كالدين وحق الأبوين وحق من يلزمه نفقته، فإن خرج من غير إذن من له هذا الحق فقد عصى [١٧٦/أ] ولزمه الرجوع من السفر لأنه سفر معصية ويجبره السلطان عليه. وضربٌ لحق نفسه مثل أن يكون مريضًا أو أعرج أو فقيرًا فإنه إذ خرج بالخيار فإن شاء مضى في وجهه، وإن شاء رجع ولا يعارضه السلطان ولا فرق بين أن يكون العذر موجودًا قبل الخروج أو حادثًا بعد الخروج مثل أن يمرض أو يعرج أو يفتقر في الطريق بأن يتلف مركوبه أو تذهب نفقته أو يستدين أو يسلم أبواه أو أحدهما فإنه بمنزلة ما لو كان موجودًا قبل خروجه وكذلك إذا أذن له من له الحق ثم رجع عن الإذن كان له ذلك وعليه أن يرجع من السفر.
قال الشافعي: ما لم يلتق الزحفان أو يكون في موضع كافٍ إن رجع يتلف، فأما إذا كان يخاف على نفسه في الرجوع وانفصاله من الجيش أو يخاف على ماله لا يجب عليه الرجوع، وإن التقى الزحفان فهل يجب عليه الرجوع؟ نُظر فإن كان معذورًا لمعنى في نفسه من زمانةٍ أو عرجٍ أو مرضٍ أو فقرٍ لزمه الثبوت حتى يفترق الزحفان ولا يرجع، نص عليه وهذا اختيار صاحب «التقريب»، وقال أبو حامد: له الانصراف لأنه لا يمكنه القتال كما لو مريضًا في الابتلاء، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان. وإن كان معذورًا لحق غيره، والظاهر من المذهب أنه يلزمه الثبوت ولا يجوز الرجوع لئلا يؤدي إلى أكثر [١٧٦/ب] المسلمين وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥] الآية، وقال القاضي أبو حامد: فيه وجهان، وقال الشيخ أبو
[ ١٣ / ١٨٩ ]
حامد: فيه قولان أحدهما: ما ذكرنا قياسًا على عذره في حق نفسه، والثاني: يلزمه الرجوع لأن الثبات فرض وحق الغريم حقٌّ وهما متعينان فقدم الأسبق وهو حق الغريم ثم قال في «الحاوي»: إذا التقى الزحفان فإن كان رجوعه أصلح من مقامه رجع، وإن كان مقامه أصلح لاضطراب المجاهدين برجوعه لا يرجع، وإن تساوى مقامه ورجوعه فإن كان عذره حادثًا له أن يرجع به سواء كان في حق نفسه أو في حق غيره لأنه قد خرج به من فرض الجهاد، وإن كان عذره متقدمًا فإن كان في حق نفسه يمنع من الرجوع التوجه الفرض عليه بالحضور، وإن كان عذره في حق غيره ففي رجوعه وجهان على ما ذكره القاضي أبو حامد.
فرع
كل موضع قلنا عليه أن يرجع لحق صاحب الدين أو الأبوين أو لحق من يلزمه نفقته أو قلنا: له أن يرجع لمرض لم يكن للسلطان منعه وكان عليه تحليته. قال الشافعي: إلا أن يكون أصاب ذلك جماعة وكان يخاف على المسلمين من رجوعهم الخلوة فيكون له حبسهم.
فرع آخر
قال الشافعي ﵁: ولو غزا مع السلطان بعد ثم رده الأبوان أو الغريم كان للسلطان منعه من الرجوع [١٧٧/أ] وإن حدث له عذر من مرض أو زمانة أو عرج شديد لا يقدر على مشي الصحيح معه ليس له الرجوع في الجعل لأنه حق من حقوقه أخذه ويريد به سهم الغزاة ففرق الشافعي بين العذر بالمرض، وبين العذر بالأبوين في الحبس واسترجاع الجعل، وقال في «الحاوي»: إذا كان مستعجلًا على غزوه من السلطان ووجد العذر فإن كان في حق غيره لم يرجع لأن الجعالة مشتركة بين حق الله تعالى وحق الآدمي فهي آكد مما انفرد بحق الآدمي، وإن كان العذر في نفسه فإن العذر في نفسه فإن كان العذر متقدمًا على الجعالة يمنع من الرجوع لأنه التزم مع عذره، وإن حدث العذر بعد الجعالة كحدوث الزمانة أو تلف النفقة يجوز له الرجوع ولا يمنعه السلطان ولا يسترجع منه ما أخذ، وإن كان بعد التقاء الزحفين يلزمه أن يقيم ولا يرجع إذا تساوى مقامه ورجوعه، وإن كان مقامه أصلح لا يرجع أيضًا، وإن كان رجوعه أصلح من مقامه رجع.
فرع آخر
قال: وإن كان سليمًا صحيحًا فذهب ماله أو تلف مركوبه كان على السلطان أن يعطيه، فإن أعطاه كان له حبسه.
[ ١٣ / ١٩٠ ]
فرع آخر
قال: وإذا غزا رجل فذهبت نفقته أو دابته ثم وجد نفقة أو أفاد دابة فإن كان كذلك ببلاد العدو لم يكن له الخروج وكان عليه الرجوع إلى المجاهدين [١٧٧/ب] إلا أن يخاف على نفسه في رجوع، وإن كان فارق بلاد العدو فالاختيار له العود إلا أن يخاف وهو بالخيار ففرق الشافعي في ذلك بين أن يكون في دار الحرب ومن خروجه منها نقله القاضي أبو حامد.
فرع آخر
لو أعطاه السلطان بدل ما تلف منه، فإن كان في أرض العدو لزمه قبوله للعود إلى الجهاد فإن عاد ولم يقبله كان مخيرا في العود.
فرع آخر
قال: فإن كان قد غزا وله عذر، ثم ذهب العدو وصار ممن عليه فرض الجهاد لم يكن له الرجوع عن الغزو دون رجوع من غزا معه وهو مثل أن يكون أعمي فذهب العمى وصح بصره، أو صح إحدى عينيه فخرج من حد العمى، أو كان أعرج فانطلقت رجله بذهاب العرج أو كان مريضا فذهب المرض، أو كان ممن لا يجد ما ينفق فصار واجدا، أ، كان كافرا فأسلم قال: وكذلك حال من عليه جهاد فخرج ثم حدث له عذر في نفسه وماله ثم زالت تلك الحال عنه وعاد إلى أن يكون ممن فرض الجهاد عليه فقال في «الحاوي»: إن كان قبل التقاء الزحفين فإن كان المشركون أظهر منع العود، وإن كان المسلمون أظهر يتخير، وإن التقي الزحفان تعين جهة المقام، وإن كان بعد في دار الإسلام يتخير.
فرع آخر
لو حضر الصبي أو المرأة أو العبد القتال لا يتعين عليهم القتال بالتقاء الزحفين [١٧٨/أ] لأنهم ليسوا من أهل الفرض قبل الالتقاء إلا أن في رجوع العبد يخاف أن يظن العدو أنه حر رجع فيجترئ بذلك أو يظن المسلمون ذلك فتضعف قلوبهم فيستجب له أن لا يرجع.
فرع آخر
لو جاهدهم ففني سلاحه له أن يرجع. وقال بعض أصحابنا: إن أمكنه المقاتلة بالحجارة فعل ولا يرجع، والأول أصح لأنه يغني غناء بالسلاح.
مسألة: قال: ويتوفي في الحرب قتل أبيه.
قد ذكرنا هذه المسألة وقد منع النبي صلي الله عليه وسلم أبا بكر من قتل ابنه عبد الرحمن، وروي أن عبد الرحمن لما أسلم قال لأبيه: تمكنت منك يوم أحد، ولو شئت لأصبتك فلم
[ ١٣ / ١٩١ ]
أفعل، فقال أبو بكر ﵁: لكني لو تمكنت منك لما أبقيت عليك.
فرع
يكره في الحرب أن يعتمد قتل كل ذي رحم محرم وفيمن عداهم من بني الأعمام وجهان قال ابن أبي هريرة: لا يكره، وقال غيره: لا يكره حتى يتراخي نسبهم ويبعد، وقال صاحب «الحاوي»: عندي أنه ينظر فإن كانوا من يرث بنسبه ويورث كره له قتلهم لقوة النسب وتأكيدا لحرمة، وإن كان غير ذلك لا يكره.
فرع آخر
لو عمد قتل أحدهم لا جناح عليه وينظر فإن كان لشدة عناده لله تعالى ولرسوله والتعرض بسبهما فليس بمسيء، وإن كان لغيره فقد أساء بدليل خبر أبي عبيدة بن الجراح حين قتل أباه وحمل برأسه [١٧٨/ب] إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم على ما قدمنا بيانه.
مسألة: قال: ولا يجوز أن يغزو بجعل من مال رجل.
الفصل
اعلم أنه لا تدخل النيابة في الجهاد بحال فلا يجوز أن يتطوع عن الغير به فإن فعل وقع عن نفسه، ولا يجوز أن يأخذ عليه أجره فإن فعل كانت الإجارة باطله، ويكون الجهاد عن نفسه ويلزمه رد الأجرة لأنه فرض على الكفاية فإذا حضر الوقعة تعين عليه فلم يجز أن يكون في فرضه المتعين نائبا عن غيره، وكذلك لا يجوز أن يكون قد جاهد عن نفسه مره أو لم يجاهد، لأنه إذا جاهد عن نفسه أعاد نفسه ثم عاد مرة أخري وحضر الوقعة تعين عليه ويصير دافعا كما تعين عليه في المرة الأولي ولهذا تفارق الحجة الثانية فإنها لا تجب عليه وإنما هي تطوع فكان له أن يحج عن غيره، فإن قيل: قال الشافعي ﵁: إنما أجرته من السلطان لأنه يغزو بشيء من حقه وهو جواب عن هذا السؤال، ومعناه أن الغازي إن كان من المرابطين فإن له حقا في الفئ وهو في أربعة أخماسه وخمس خمسه للمصالح وذلك من أهم المصالح، وإن كان من الذين يجاهدون إذا نشطوا فإن له سهما في الصدقات وهو السهم الذي جعله في سبيل الله تعالى، فإذا غزا بهذا المال فإنما يغزو عن نفسه بمال هو حقه ولهذا لو رجع عن الجهاد لمانع لم يسترجع منه ما أخذه لحقه فيه. [١٧٩/أ].
فرع
قال أصحابنا: لو بذل الإمام لرجل من خالص ماله على أن يغزو ويدله على شيء، نظر فإن كان البذل ليكون الغزو عن الباذل لم يجز على ما ذكرنا، وإن بذله على أن يكون الغزو للمبذول له جاز ويكون ذلك معونة على فعل الغزو وعن نفسه، وكذلك إذا بذل رجل لرجل مالا ليؤدي فرض نفسه في الحج وغيره جاز وكان له ثواب المال الذي
[ ١٣ / ١٩٢ ]
دفعه إليه وهو معني قوله صلي الله عليه وسلم: «من جهز غازيا أو حاجا أو معتمرا فله مثل أجره» وروي أنه قال: «للغازي أجره وللجاعل أجره وأجر الغازي» وروي زيد بن خالد الجهني أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا».
مسألة: قال: ومن ظهر منه تخذيل للمؤمنين بأن يقول: عدوكم قليل وخيلكم التي أسراها الإمام فلم ينقلب منهم أحد والعدو شوكته عظيمة، وللعدو كمين عظيم أو الغدر والغدر أن يكون مواطئا للمشركين علي انتهاز فرص المسلمين والإشراف علي أحوالهم ويكاتبهم بها أو الإعانة عليهم لهم يمنعه الإمام من الخروج معه وفيه نزل قوله تعالي: ﴿ولَوْ أَرَادُوا الخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إلاَّ خَبَالًا﴾ [التوبة: ٤٦ - ٤٧] الآية لأن المقصود قتال المشركين والظفر بهم وخروج هؤلاء يفيد ضد ذلك، فإن قيل: أليس أن رسول الله صلي الله عليه وسلم كان يحمل مع نفسه عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين وكان يخذل الناس عنه؟ قلنا: كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يأمن شره فإنه كان يمزل عليه الوحي بما يفعله فيحذر ذلك ولا يوجد هذا في غيره.
فرع
لو غزا معهم واحد منهم فقد ذكرنا أن الشافعي قال: لا يسهم له ولا يرضخ، وإن أظهر العون للمسلمين لأنه يحتمل أن يكون أظهره نفاقا، ومن أصحابنا من قال: يرضخ له وليس بشيء، فإن قيل: أليس لو غزا من غير إذن أبويه أو غريمه فإنه عاص ويستحق السهم فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن المنع هناك لا يختص بالغزو، وهنا المنع من الحضور لمعني يختص بالغزو، ولهذا كان لو صلي من غير طهارة لا تصح صلاته ولو صلي في دار مغضوبة صحت. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا إذا نهاه الإمام فلم ينته. فأما إذا لم ينهه الإمام عن الحضور فله السهم كغيره وإن عرف الإمام حاله.
فرع آخر
لو أظهر المخذل القتال وأظهر التوبة فإن كان بعد توجه الظفر بالمشركين لم يسهم له، وإن كان قبله فإن كان لنفسه لم يسهم له أيضا، وكذلك لو كان لرغبة في الغنيمة،
[ ١٣ / ١٩٣ ]
وإن كان لتدين [١٨٠/أ] ظهر منه أسهم له وإن أشكل حاله لم يسهم له.
فرع آخر
لو غزا من ذوي النفاق من أضمره ولم يتظاهر بالضرر أسهم له ولم يكشف عن باطن معتقده وأسهم رسول الله صلي الله عليه وسلم لمن شهد غزواته من المنافقين.
مسألة: قال: وواسع للإمام أن يأذن للمشرك أن يغزو معه.
اعلم أنه جوز للإمام أن يستعين بالمشركين على قتال أهل الحرب بشرطين أحدهما: أن يكون بالمسلمين قلة وفي المشركين كثرة. والثاني: أن يكون المستعان به حسن الرأي ويؤمن شرهم، والدليل على هذا ما روي ابن عباس ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم استعان بيهود بني قينقاع بعد بدر ورضخ لهم وشهد صفوان حنينا بعد الفتح وصفوان بعد مشرك، وروي عن سعد بن مالك ﵁ أنه غزا بقوم من اليهود ورضخ لهم، فإن قيل: روي أبو حميد الساعدي ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم خرج حتى إذا كان خلف ثنية الوداع فإذا كتيبة فقال: من هؤلاء؟ قالوا: بني قينقاع قال: وأسلموا؟ قالوا: لا قال لهم: فليرجعوا فإنا لا نستعين بالمشركين، وروي أن رجلا اتبع رسول الله صلي الله عليه وسلم من المشركين وكان مشهورا بحسن البلاء والشجاعة في الحرب فقال له رسول الله صلي الله عليه وسلم: «أتشهد أن لا إله إلا الله [١٨٠/ب] وأني رسول الله؟ فقال: لا فقال: انصرف فإنا لا نستعين بمشرك» فمضي رسول الله صلي الله عليه وسلم فلما كان في بعض الطريق أدركه الرجل مرة أخري فقال له رسول الله صلي الله عليه وسلم: «أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: بلي فقال: امض» قلنا: يحتمل أن تكون الاستعانة بالمشركين ممنوعة في ابتداء الأمر ثم صارت جائزة. وقد نص الشافعي فقال: والاستعانة متأخرة ولهذا قال الشافعي: غزا بيهود بني قينقاع بعد بدر لأنه أبي أن يستعين بمشرك يوم بدر ويحتمل أن يقال: كان ذلك على حسب اختلاف الأحوال فحيث علم رسول الله صلي الله عليه وسلم قلة المسلمين لم يستعن بالمشركين مخافة أن تتمايل الطائفتان من المشركين وحيث علم قوة المسلمين وأنهم يقاومون الطائفتين لو تمايلا استعان بالمشركين، وقيل: هذا إلى رأي الإمام، فإن رأي أن يستعين بهم فعل، وإن رأي ردهم ردوا، وعلى هذا اختلاف الرواية، وقيل: استعان بهم حين احتاج إليهم ورد حين استغني عنهم، وقيل: استعان بمن عرف منه حسن النية، وحكي عن مالك وأبي حنيفة أنهما قالا: لا يجوز للإمام أن يستعين بالمشركين لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: ٥١] [١٨١/أ] وهذا الاستدلال لا يصح لأنا اتخذناهم خدما وأعوانا لا عضدا.
[ ١٣ / ١٩٤ ]
فرع
إذا استعان بهم وخرجوا طوعا رضخ لهم ولا يسهم لأنه لم يثبت عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه أسهم لهم، وروي رضخ لهم على ما ذكرنا.
فرع آخر
قال: وأحب إليّ إذا غزا بهم أن يستأجرهم، وأحب أن لا يعطي للشريك من الفئ شيئا أي لا يعطي من أربعة أخماس الفئ على القول الذي يقول: إنها للمرابطين في سبيل الله تعالى لا حق لأحد من المسلمين معهم فيها، فأما إذا قلنا: للمصالح كان خمس الخمس وأربعة الأخماس سواء فيعطي الأجرة أو الرضخ من رأس مال الغنيمة لأنه يجري مجري العون. والثاني: يعطي من أربعة أخماس الغنيمة كسائر الغانمين والأظهر أن يعطي من سهم المصلحة وهو خمس الخمس من الغنيمة والفئ، وقال بعض أصحابنا بخراسان: ولو أعطاهم من الفئ كان جائزا ولهذا قال الشافعي ﵁: وأحب أن لا يعطي من الفئ ولم يقل: لا يجوز وإنما جوزنا لأن الفئ مرصد للمصالح والجهاد، وقال القفال: أربعة أخماس الفئ للمصالح لا يعطون أيضا لأن المرتزقة يأخذون عطاءهم منه فلا يسوي [١٨١/ب] بين الكفار والمسلمين، وعلى هذا لو غزا مسلم ومشرك فغنما لم يقسم بينهما نصفين بل يفضل المسلم ليكون سهما له وما بقي رضخا للكافر فلا تقع التسوية وهذا غريب ضعيف. والصحيح ما ذكرنا أولا.
فرع آخر
قال: فإن أغفل الإمام الاستئجار أعطي ما يعطي من رسول الله صلي الله عليه وسلم ويعطي في هذه الحالة أجر لأنه يستحق بعمله.
فرع آخر
قال: وإن أكره أهل الذمة على أن يغزوا فلهم أجر مثلهم في مثل مخرجهم من أهاليهم إلى بعض الحرب وإرسالهم إياهم، وإن لم يغنموا وهذا إذا قاتلوا وإن حضروا ولم يقاتلوا قال: لهم أجر إحضار الذهاب لأنه فعل حصل منهم ولا يلزم مثل أجر الحضور والاحتباس لأن منافع الحر لا تضمن بالحبس، وإنما تضمن بإتلاف المنفعة، وإن كان عبدا فله في الحالين أجر المثل إلى أن يصل إلى يد المالك.
فرع آخر
لو أكره الإمام طائفة من المسلمين على الجهاد فلم يغنموا لا شيء لهم بخلاف الكفار والفرق أن المسلم من أهل الجهاد فيقع جهاده عن نفسه والكافر لا جهاد له بحال فيستحق الأجرة وإن لم يغنموا، وعلى هذا لو أكره مسلما على دفن ميت أو غسله لا أجره له لأن كل من أداه [١٨٢/أ] يقع عن فرضه، ولو أكره ذميا عليه فله الأجرة.
[ ١٣ / ١٩٥ ]
فرع آخر
الرضخ الذي ذكرنا إنما يكون إذا أحضر بالإذن ولم يشترط له جعلا لا مجهولا ولا معلوما فإن شرط جعله مجهولا بأن قال: نرضيك أو نعطيك بقدر ذلك بأجره المثل، فإن لم يكن غنم المسلمون شيئا تلزم الأجرة، وفي موضع الرضخ إذا لم يغنموا لا يعطي شيئا.
فرع آخر
إذا استأجرهم ينبغي أن تكون الأجرة معلومة وتجوز الأجرة على سهم راجل وفارس، وقال ابن أبي هريرة: لا يجوز أن يبلغ سهم فارس ولا راجل لخروجه عن أهل الجهاد كما لا يبلغ بالرضخ ذلك وهذا خطأ لأنه أجره فيكون إلى التراضي ولأن عقد الإجارة معهم قبل المغنم ولا يدري أزيد أو ينقص.
فرع آخر
لا تمنع جهالة القتال ولا جهالة مدته من جواز الإجارة عليه لأنه من عموم المصالح فجاز فيه من الجهالة ما لم يجز في العقود الخاصة.
فرع آخر
لو قال: استأجرتك بكذا على أن تقتل فلانا الكافر فقلته أعطاه من سهم الرسول صلي الله عليه وسلم وإذا قال لمسلم لا يكون على حكم الإجارة الصحيحة ويعطيه ذلك للمصلحة.
فرع آخر
إذا شهدوا بالإجارة أخذوا بالقتال جبرا، وإن لم يجبر المسلم عليه إلا عند ظهور العدو واستيلائه، والفرق [١٨٢/ب] أن قتال المشركين هو العمل الذي استؤجر عليه فيجبر لأنه متعين عليه وقتال المسلم في حق نفسه على وجه الكفاية غير متعين فلم يجبر عليه.
فرع آخر
لو حضروا ولم يقاتلوا فإن كان بعذر لانهزام العدوم استحقوا الأجرة لأنهم بذلوا أنفسهم لما استؤجروا عليه، وإن أمكنهم القتال فيم يقاتلوا مع الحاجة رد من الأجرة بالقسط.
فرع آخر
كيف تتقسط الأجرة؟ فيه وجهان: أحدهما: تتقسط على المسافة في بلد الإجارة في دار الإسلام إلى موضع الوقعة في دار الحرب وعلى القتال فيها لأنها إجارة على مسافة وعمل، والثاني: على مسافة مسيره من بلاد الحرب دون بلاد الإسلام، والفرق بين المسافتين أن مسيره في بلاد الإسلام يتوصل به إلى العمل لأنه في غيرها فلم تتقسط عليه الأجرة ومسيره في دار الحرب شروع في العمل المستحق عليه لأن كل (موضع) من
[ ١٣ / ١٩٦ ]
دار الحرب محل لقتال أهله فقسطت عليه الأجرة وهما يثبتان على الوجهين في مسافة الحج هل تقسط عليهما أجره المعتاض أم لا؟.
فرع آخر
لو صالح الإمام أهل الثغر الذي استأجرهم إليه فإن كان الصلح بعد دخوله بهم دار الحرب لا يسترجع لأن سيرهم صار أثرا في الرهبة المفضية إلى الصلح، وإن كان قبل مسيره بهم من بلاد الإسلام استرجع كل الأجرة وكان هذا عندنا في فسخ الإجارة هنا [١٨٣/أ] لعموم المصلحة، وأن يفسخ بمثله العقود الخاصة، وإن كان بعد مسيره من دار الإسلام قبل دخوله في أرض العدو فهل يستحقون الأجرة بقدر المسافة؟ فيه وجهان تخريجا من الوجهين المتقدمين.
فرع آخر
لو استأجر للغزو إلى ثغر ثم أراد أن يعود بهم إلى غيره فإن كانت مسافة الثاني أبعد وطريقه أوعر وأهله أشجع لم يكن له، وإن كان مثل الأول أو أسهل كان له كما قلنا في إجارة الأرض للزرع له أن يزرع مثل ما عين ودونه دون الزيادة.
فرع آخر
لو بذل الجعل فقال: من غزا معي فله دينار يجوز مثل هذا مع المسلمين والمشركين لأنه يجوز في خصوص الحقوق فلأن يجوز في عموم المصالح أولي.
فرع آخر
لو قال: من غزا معي من أهل الذمة يختص بالرجال ولا يستحقها النساء منهم لأن الغزو من الرجال، ولو قال: من قاتل معي من أهل الذمة استحقته المرأة، لأن القتال فعل يوجد من الكل.
فرع آخر
إذا قال هنا فحضر صبي معه لا يستحق الصبي شيئا لأن الجعالة لا تصح إلا مع أهل العقل وأما عبيدهم إذا أذن لهم دخلوا فيها، وإن لم يؤذن لهم يستحق عليهم بلا جعل بما يأخذونه من الديوان والكلام في النساء والعبيد على ما ذكرنا.
فرع آخر
لو عم بالجعالة يدخل فيها أهل الإسلام [١٨٣/ب] من كان أهل الفئ ويدخل فيها أهل الذمة دون أهل العهد لأن أحكام الإسلام لا تجري على أهل العهد.
فرع آخر
لا حق فيها لمن لم يشهد الوقعة سواء دخل دار الحرب أو لا، لأن الجعالة تستحق بكمال العمل بخلاف الإجارة لأن الإجارة تتقسط، فإن شهد الوقعة فإن كان قال: من غزا استحق، قاتل أو لم يقاتل، وإن قال: من قاتل لا يستحق إلا من قاتل.
[ ١٣ / ١٩٧ ]
فرع
لو كان مسلما يجوز أن يزيد في الجعالة على سهام الغانمين ويسهم لمستحقها أيضا، وإن كان مشركا فيه وجهان قال ابن أبي هريرة: لا يجوز أن يبلغ بها سهم الراجل، والأصح أنه يجوز ولا يستحق معها لا السهم ولا الرضخ لأنه لا يستحقه من غير جعالة فمنع الجعالة أولي.
فرع آخر
لو قال: جعلت لجميع من غزا معي ألف دينار فإن كان بمال في الذمة يدخل فيها من المسلمين من غزا من المطوعة دون مرتزقة أهل الفئ، ويدخل فيها من المشركين أهل الذمة دون المجاهدين ثم يقسم ذلك بين جميعهم من المسلمين وأهل الذمة على أعداد رؤوسهم قالوا: أو أكثر ولا يفضل مسلم على ذمي ولا من يسهم له على من لا يسهم له، ولا يدخل فيها من العبيد المأذون لهم إلا من لم يدخل فيه سيده لأنه يعود على سيده ولا يملكه فيصير سيده بذلك مفضلا [١٨٤/أ] على غيره ووجوب التسوية بينهم يمنع التفضيل بخلاف الجعالة المفردة، وأما النساء فعلي ما ذكرنا من لفظ الغزو والقتال.
فرع آخر
الصبيان هل يدخلون في هذا الحكم؟ فإن لم يدخل فيها أولياؤهم لم يدخلوا كالجعالة المفردة، وإن دخل فيها أولياؤهم دخلوا بخلاف الجعالة المفردة لأن العقد في الجعالة الجامعه واحد فدخلوا فيه تبعا وفي المفردة عقود فلم يكونوا فيه تبعا.
فرع آخر
لو كان مال هذه الجعالة معينا فقال: قد جعلت لجميع من غزا معي هذا المال الخطير يصح هذا سواء كان المال معلوما أو مجهولا لأنه لما صح بالمعلوم لعدد مجهول صح بالمجهول ويكون الداخل في هذه الجهالة معتبرا لحكم المال، فإن كان من مال الصدقات خرج المشركون منها لأنهم لا حق لهم في مال الصدقات ويدخل فيها المطوعة دون المرتزقة، ولا يجوز أن يسترجع منهم إن لم يغزوا لأنهم أخذوا ما يستحقونه بغير جعالة، فإن كان من مال المصالح وهو سهم الرسول صلي الله عليه وسلم المعد لمصالح المسلمين العامة، يدخل فيها مطوعة المسلمين وأهل الذمة لأنه مال يصح صرفة إلى الفريقين، فإن لم يغزوا استرجع ما أخذه المشركون دون ما أخذه المسلمون لأنه مال مرصد لمصالح المسلمين دون المشركين، وإن كان [١٨٤/ب] المال من أربعة أخماس الفئ ففي هذه الحالة المعقودة به قولان من أصل القولين فموجب مصرفه فإن قلنا: مصرفه في الجيش خاصة فهي باطلة لأنه موقوف على أرزاقهم فإذا استوقفوها لم يستحقوا غيرها ولم يستحقه غيرهم. والثاني: أنها جائزة إذا قلنا: مصرفه في المصالح العامة ودخل فيها من المسلمين من عدا مرتزقة أهل الفئ سواء كان من أهل الصدقات أو لا.
[ ١٣ / ١٩٨ ]
فرع آخر
فإن قيل: أليس أهل الصدقة ممنوعين من مال الفئ؟ قلنا: إنما منعوا من أخذه بالفقر والمسكنة الذي يستحقون به مال الصدقة ولم يمنعوا من أخذه على عمل كما يجوز دفعه إليهم في بناء المسجد والحصن، ولذلك دخل في هذه الجعالة الأغنياء والفقراء ويدخل فيها أهل الذمة.
فرع آخر
لو غزا من أخرجه حكم الشرع من هذه الجعالة فإن كان عالما بالحكم كان متطوعا ولا شيء له مسلما كان أو كافرا، وإن جهل حكم الشرع فيه ففيه وجهان أحدهما: يستحق جعالة مثله ولا يستحق أجره مثله لأنه دخل في جعالة فاسدة ولم يدخل في إجارة فاسدة، والثاني: لا شيء له لأنه لم يدخل في الجعالة فيتوجه إليه حكم فسادها وقد كان يمكنه أن يستعمل حكم الشرع فيها فصار مفرطا وبزوه متبرعا.
فرع آخر
قد ذكرنا أنه إذا أكره أهل الذمة من غير جعالة يستحقون [١٨٥/أ] أجر المثل ولا يراعي في هذا الإكراه الحبس والضرب المراعي في الإكراه على الإطلاق وإنما المراعي أن يجبرهم على الخروج ولا يرخص لهم في التأخر لأنهم بالذمة والعهد في قبضته وتحت حجره فلم يحتج مع القبول إلى غيره.
فرع آخر
قد ذكرنا أنه إذا أذن للكافر مطلقا لا أجره ويستحق الرضخ بالحضور ويفضل في الرضخ من قاتل على من لم يقاتل، ومن كان منهم راجلا لم يبلغ برضخه سهم فارس ولا راجل ومن كان منهم فارسا لم يرضخه فارس وهل يجوز أن يبلغ به سهم راجل؟ فيه وجهان قال ابن أبي هريرة: لا يبلغ به حتى يساوي مسلما، وقال صاحب (الحاوي): الأظهر عندي أنه يبلغ به سهم راجل لأن الرضخ بينه وبين فرسه وإن ملكهما كان في نفسه مقصرا عن سهم راجل.
فرع آخر
لو حضروا متبرعين من غير إذن لا أجره ولا سهم فإن قاتلوا أرضخ لهم وإلا فلا يرضخ لهم بخلاف ما تقدم في المأذونلأن الإذن استعانة فقوبلوا عليها بالرضخ، وحضورهم من غير الإذن تبرع فلم يقابلوا عليه بالرضخ إلاعلى عمل وخالفوا فيه المسلم لأنه من أهل الدفع بخلاف المشرك.
فرع آخر
إذا كان المستحق أجرة دفعت من مال المصالح الحاصل قبل هذه الغنيمة لأن
[ ١٣ / ١٩٩ ]
الأجرة تستحق بالقصد الواقع قبلها وهي خمس الخمس من سهم الرسول صلي الله عليه وسلم من الفيء والمغانم وهل يجوز الدفع من أربعة أخماس الفيء؟ فيه قولان علي ما ذكرنا، وإن كانت جعالة دفعت من مال المصالح الحاصل قبل هذه الغنيمة لأنها تستحق بعد العمل فوجبت في المال الحاصل بالعمل بخلاف الأجرة، وإن كان المستحق رضخًا فيه ثلاثة أوجه علي ما ذكرنا: أحدها: في مال المصالح. والثاني: من أصل الغنيمة. والثالث: من أربعة أخماسها وكل ذلك من غنائم ما قاتلوا عليه. وفي رضخ من حضرها من المسلمين قولان من أصل الغنيمة ومن أربعة أخماسها.
فرع آخر
قال القفال: علق الشافعي ﵁ القول في جواز إحضار نساء الكفار وصبيانهم في الجهاد فأحد القولين: يجوز كما يجوز إحضار نساء المسلمين وصبيانهم علي ما ذكرنا، والثاني: لا يجوز لأنه لا قتال فيهم ولا رأي ولا تبرك بدعائهم.
مسألة: قال: ويبدأ الإمام بقتال من يليه من الكفار بالأقرب فالأقرب لأن الله تعالي قال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الكُفَّارِ﴾ ولأنهم أقرب فالمؤونة في غزوهم أقل ولأنهم أبصر بعوراتنا وأحوالنا فالبداية بهم أولي، وقد قال الشافعي في موضع آخر: ويغزوا أهل الفيء كل قوم إلي من يليهم وهذا اقتداء بالسلف وتقتضيه السياسة لأن عمر ﵁ مصر البصرة وأسكنها أهل الفيء لقتال من يليهم فإن كان بين المسلمين وبين من يليهم هدنة ينقلهم إلي جهة أخري.
قال أصحابنا: وهكذا يكلف أهل البحر القتال في البحر لأنه أخبر به وأعرف ولا يكلفهم القتال في البر فيضعفوا عنه ويكلف أهل اليمن القتال في البر لأنهم به أعرف ولا يكلفهم في البحر فيضعفوا عنه، وروي أن عمر ﵁ أغزي في البحر جيشا من المدينة وأمر عليهم عمرو بن العاص فلما قدموا عليه سأل عمرو بن العاص عنهم فقال له: دود علي عود بين غرق وفرق قال: إذن لا يغزي في البحر أحدًا، وروي أن معاوية كتب إلي عمر ﵁ يستأذنه في غزوه البحر فكتب إليه عمر: إني لا أحمل المسلمين علي أعواد نجرها النجار وجلفظها الجلفاظ يحملهم عدوهم إلي عدوهم، والجلفاظ: الذي يشهد أعواد السفن وقوله: يحمله عدوهم إلي عدوهم له تأويلان: أحدهما: أن الملاحين كانوا إذ ذاك كفارًا يحملونهم إلي الكفار. والثاني: أن البحر عدو وراكبه يحملهم إلي أعدائهم الكفار.
قال: وإن كان الأبعد أخوف فلا بأس أن يبدأ به علي معني الضرورة التي يجوز فيها ما لا يجوز في غيرها وصورة المسألة حيث لا يكون الخوف من الأبعد غالبًا ظاهرًا، فإن كان الخوف من الأبعد غالبا ظاهرا فواجب علي الإمام البداية بهم
[ ١٣ / ٢٠٠ ]
فلا يقال لا بأس. وقال في "المبسوط": والواجب على الإمام أولًا أن يبدأ بسد أطراف المسلمين بالرجال حتى لا يبقى طرف إلا وفيه من يقوم بحرب من يليه من المشركين فإن قدر على الحصون والخنادق وكل أمر يدفع العدو قبل إتيانهم دار المسلمين فعل ويبدأ بالأخوف فالأخوف ويقلد القيام بذلك أميرًا من أهل الأمانة والعقل والعلم بالحرب والعدة والإناء والرفق وقلة البطش والعجلة والمعروف بالنصيحة للمسلمين فيحميهم في المقام ويدبرهم في الجهاد ولا يجعلهم فوضى فيختلفوا ويضعفوا، فإذا حكم هذا وجب عليه إدخال المسلمين ديار المشركين في الوقت الذي لا يضر بالمسلمين فيه ويرجو أن ينالوا الظفر بالمشركين وهذا كله احتياط فينا يعود إلى إصلاح المسلمين، وقال في "الحاوي": تقليد هذا الأمير يصح إذا تكاملت فيه أربعة شروط أحدها: أن يكون مسلمًا لأنه يقاتل على دين فإذا لم يعتقده لم يؤمن عليه. والثاني: أن يكون مأمونًا على من يليه من الجيش أن يخونهم وعلى من يقاتله من العدو أن يعينهم. والثالث: أن يكون شجاعًا في الحرب يثبت عند الهرب ويتقدم عند الطلب لأنه معد لهما. والرابع: أن يكون ذا رأي في السياسة والتدبير ليسوس الجيش على اتفاق الكلمة في الطاعة ويدبر الحرب في انتهاز الفرصة وأمر الغزو.
ثم ولايته على ضربين ولاية تنفيذ، وولاية تفويض، فالتنفيذ ما كانت موقوفة على رأي الإمام وتنفيذ أوامره فيصح، وإن كان عبدًا من غير أهل الاجتهاد. وولاية التفويض: ما فوضت إلى رأي الأمير ليعمل فيها باجتهاده فيعتبر في انعقادها مع الشروط الأربعة شرطان آخران الحرية لأن التفويض ولاية، والثاني: أن يكون من أهل الاجتهاد في أحكام الجهاد وهل يعتبر أن يكون من أهل الاجتهاد في غيره من أحكام الدين؟ فيه وجهان بناءً على اختلاف أصحابنا في هذا الأمير هل يجوز أن ينظر في أحكام جيشه إذا كان مطلق الولاية؟ فإن قلنا: يجوز النظر في أحكامهم يلزمه أن يكون من أهل الاجتهاد في جميع الأحكام، وإن قلنا: ليس له ذلك ويكون القاضي أحق بالنظر فيها منه لا يلزم أن يكون من أهل الاجتهاد من غير الجهاد.
مسألة: قال: وأقل ما على الإمام أن لا يأتي عام إلا وله فيه غزو.
الفصل
يستحب الإكثار من الغزو فإنه طاعة عظيمة لله تعالى فالاستكثار منها أولى، وروى عمران بن الحصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال".
[ ١٣ / ٢٠١ ]
وفيه دليل على أن جهاد الكفار مع أئمة الجور واجب مع أمة العدل، وقوله: ناوأهم يريد ناهضهم للقتال وأصله من ناء ينوء إذا نهض، وروى عبد الله بن عمرو ﵁ أن النبي ﷺ قال: "قفله كغزوة". وأراد به القفول عن الغزو والرجوع إلى الوطن أي: أن للمجاهد إلى أهله في انصرافه كأجره في إقباله إلى الجهاد وهذا لأن المداومة تضر بأهله وفي قوله: إليهم إزالة الضرر عنهم وقد قيل: أراد به التعقيب وهو رجوعه ثانيًا في الوجه الذي جاء منه منصرفًا، وإن لم يكن عدو وقد يفعل الجيش ذلك الانصراف لأحد أمرين: أحدهما: أن العدو إذا رآهم قد انصرفوا عن ساحتهم آمنوا فخرجوا عن مكانهم، فإذا قفل العدو نالوا الفرصة منهم فأغاروا عليهم. والثاني: أنهم إذا انصرفوا من مغزاهم ظاهرين لا يأمنوا أن يقفوا العدو أثرهم فيوقعوا بهم وهم غارون فإذا رجعوا يكونون مستعدين لقتالهم وإلا فقد سلموا.
وروى أبو إمامة الباهلي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ثلاثة كلهم ضامن على الله ﷿ خرج غازيًا في سبيل الله تعالى فهو ضامن على الله تعالى حتى يتوفاه فيدخله الجنة أو يرده بما كان من أخر وغنيمة، ورجل راح إلى المسجد فهو ضامن على الله، ورجل دخل بيته بسلام. وقوله: "ضامن" أي: مضمون كقوله تعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَة﴾ أي: مرضية وقوله: "ثلاث كلهم ضامن" يريد كل واحد منهم وقوله: "ورجل دخل بيته بسلام" أراد أن يسلم إذا دخل منزله، وقيل: أراد لزوم البيت طلب السلامة من الفتن يرغب في العزلة بذلك. وروى أبو مالك الأشجع ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من فصل في سبيل الله فمات أو قتل فهو شهيد أو وفصه فرسه أو بعيره أو لدغته هامة أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله فإنه شهيد وله الجنة".
وقوله: فصل أي خرج وقوله: "وفصه فرسه" معناه صرعه فدق عنقه، والهامة إحدى الهوام وهي ذوات السموم القاتلة كالحية والعقرب ونحوهما. وقال أبو هريرة ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "شر ما في الرجل شح الهالع وجبن خالع" وأصل الهلع الجزع، والهالع هنا ذو الهلع، والشح أشد من البخل، ومعناه: البخل الذي يمنعه من إخراج الحق الواجب عليه فإذا استخرج منه هلع، والجبن الخالع هو الشديد الذي يخلع فؤاده من شدته. وروى عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة صانعه يحتسب في صنعته الخير والرامي به
[ ١٣ / ٢٠٢ ]
ومنبله فاركبوا وإن ترموا أحب إليّ من أن تركبوا ليس من اللهو إلا ثلاث تأديب فرسه، وملاعبته أهله، ورميه بقوسه ونبله وفي ترك الرمي بعدما علمه رغبًة عنه فإنها نعمة تركها أو كفرها. وقوله "منبله" هو الذي يناول الرامي النبل وهو على وجهين: أحدهما: أن يقوم مع الرامي بجنبه أو خلفه ومعه عدد من النبل فيناوله واحدًا بعد واحد. والثاني: أن يرد عليه النبال المرمية والسهام الغريبة. وروى عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "كل شيء يلهو به الرجل باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته فإنهن من الحق. وروى معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الغزو غزوان فأما من ابتغى وجه الله وأطاع الإمام وأنفق الكريم ويأسر الشريك، واجتنب الفساد فإن نومه وبيعه أجر كله وأما من غزا فخرًا ورياءً وسمعة وأفسد في الأرض فله أن يرجع بالكفاف". وقوله: "يأسر الشريك" معناه: الأخذ باليسر والسهولة فيه مع الشريك والصاحب والمعاونة لهما يقال: رجل يسر إذا كان سهل الخلق.
وروي أن رجلًا قال: يا رسول الله من في الجنة قال: "النبي في الجنة والشهيد في الجنة والمولود في الجنة والوئيد في الجنة" وأراد بالمولود الطفل الصغير والسقط ومن لم يدرك الحنث، والوئيد الموءود أي المدفون في الأرض حيًا وكانوا يؤدون البنات والبنين أيضًا عند المجاعة. وروى سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال: "اثنتان لا تردان أو قلما تردان الدعاء عند النداء وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضًا" أي تشتبك الحرب ويلزم بعضهم بعضًا. وروى معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من قاتل في سبيل الله فواق ناقة فقد وجبت له الجنة والفواق ما بين المنكبين وروى عبد الله ابن أبي أوفى ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف". وروى جابر بن عتيق ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من الغيرة ما يحب الله ومنها ما يبغض الله فأما التي يحبها الله فالغيرة في الريبة، وأما التي يبغضها الله فالغيرة من غير ريبة وإن من الخيلاء ما يبغض الله ومنها ما يحب الله فأما الخيلاء التي يحب الله فاختيال الرجل عند القتال واختياله عند الصدقة، وأما التي يبغض الله فاختياله في البغي والفخر". ومعنى الاختيال في الصدقة أن تهزه أريحية السخاء فيعطيها طيبة نفسه بها من غير من والاختيال في الحرب أن يتقدم فيها بنشاط نفس وقوة جنان. وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من مات ولم يغز ولم يحدث
[ ١٣ / ٢٠٣ ]
نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق". وروى أبو إمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق". وروى أبو إمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من لم يغز ولم يجهز غازيًا أو يخلف غازيًا في أهله بخير أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة". وروى زيد بن خالد ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا".
ومن خلفه في أهله فقد غزا. فإذا تقرر هذا فينبغي أن لا يأتي عام إلا وله فيه غزو بنفسه أو بسراياه فلا يجب أن يغزو بنفسه بكل حالٍ وما مضت برسول الله ﷺ سنة إلا وكان له فيها جهاد إما غزوة أو غزوتان وإنما جعل الأقل مرة في كل سنة لأن الجزية المأخوذة على ترك القتال في كل سنة مرة ولأن سهم الغزاة يجب في أموال الأغنياء في كل سنة مرة ولأنه فرض الجهاد وأقل الفروض المتكررة ما يجب في كل عام مرة كالصيام والزكاة، ولا يجوز أن يتركه إلا من ضرورة لقول الله تعالى: ﴿أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ قال قتادة: إنها وردت في الجهاد.
واعلم أن الذي استقرت عليه سيرة الخلفاء الراشدين أن يكون لهم في كل سنة أربع غزوات صيفية وشتوية وربيعية وخريفية. وقد كان النبي ﷺ بعد فرض الجهاد عليه قريب من ذلك وأكثر فإنه كان له في تسع سنين سبع وعشرون غزًاة بنفسه وسبع وأربعون سرية بأصحابه وإذا عجز عن ذلك اقتصر فيها على ما يقدر عليه والأقل ما ذكرنا.
فرع
إذا غزا عامًا بلدًا غزا قابلًا غيره ولا يتابع الغزو على بلد واحد ويعطل ما سواه من بلاد المشركين، وإن يخلف حال أهل البلاد فيتابع الغزو على من يخاف نكايته أو على من يرجو غلبة المسلمين على بلاده فيكون تتابعه على هذا المعنى الذي ليس في غيره مثله.
فرع آخر
قال: وينبغي للإمام إذا غزا قومًا أن يعتمد على ثقة في دينه على ما ذكرنا ويتقدم إليه أنه لا يجمل المسلمين مهلكة يخاف ولا يكلفهم قصد حن يخاف أن يشدوا تحته ولا يلزمهم دخول مطمورة يخاف أن يعطبوا فيها، ولا يدفعوا عن أنفسهم ولا غوث لهم ولا يحملهم على شيء من أسباب المهالك فإن فعل ذلك الوالي والإمام فقد أساء ويستغفر الله تعالى ولا قود ولا كفارة عليه إن أصيب أحد منهم بطاعته، وكذلك لا يأمر القليل منهم بإتيان الكثير حيث لا عون لهم ولا يحمل أحدًا منهم على
[ ١٣ / ٢٠٤ ]
غير فرض القتال وذلك أن يقاتل الرجل الرجلين ولا يجاوز ذلك. وروي أن عبد الله بن زياد عاد معقل بن يسار في مرضه فقال له معقل: إني محدثك لولا أني في الموت لم أحدثك به سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم ولا ينصح إلا لم يدخل الجنة معهم". وقال عمر ﵁ في خطبته: ألا إنما أبعث عمالي ليعلموكم دينكم وسننكم ولا أبعثهم ليضربوا ظهوركم ولا يأخذوا أموالكم ألا من دابة شيء من ذلك فليرفعه إليّ لأقصه منه، ثم قال: ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم ولا تحمدوهم فتفتنوهم ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم. وروي أنه نهى حمل المسلمين مهلكه قال: والذي نفسي بيده ما يسرّني أن يفتحوا مدينة فيها أربعة آلاف مقاتل بتضييع رجل مسلم. وروي أن عمر ﵁ استعمل رجلًا ثم قبل ولده فقال له: ما قبلت ولدًا قط وأنت تقبل يا أمير المؤمنين فقال: أنت بالناس أقل رحمة هات عهدنا لا تعمل لي عملًا أبدًا.
فرع آخر
إذا حملهم على ما ليس له حملهم عليه فلهم أن يفعلوه لأنه جهاد يحل لهم بأنفسهم أن يقدموا فيه على ما لي عليهم بفرض، قد برز بين يدي رسول الله ﷺ رجل من الأنصار على جماعة من المشركين يوم بدر بعد إعلام النبي ﷺ إياه بما في ذلك من الثواب فقتل ﵀ وكان هذا الرجل عوف بن عفراء. فإن قيل: أليس قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾؟ قلنا: هذا ورد في ترك النفقة في سبيل الله هكذا قال حذيفة بن اليمان ورواه ابن عباس، وروى أبو أيوب الأنصاري ﵁ أن رجلًا من الأنصار حمل على الروم حتى دخل فيهم ثم خرج فقال الناس: سبحان الله ألقى بيده إلى التهلكة فقال أيوب: إنما أنزلت فينا معشر الأنصار قلنا فيما بيننا سرًا: إن أموالنا قد ضاعت فلو أقمنا فأصلحنا فأنزل الله تعالى هذه الآية فكانت التهلكة في الإقامة التي أردنا. وقال رجل للبراءة بن عازب ﵁: أحمل على الكتيبة بالسيف في ألفٍ من التهلكة ذلك؟ قال: لا إنما التهلكة أن يذنب الرجل الذنب ثم يلقي بيديه يقول: لا يغفر لي وقد قال الشافعي: والاختيار أن يتحرز لما روى السائب بن يزيد ﵁ أن النبي ﷺ ظاهر يوم أحد بين درعين. وروى ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ خرج من
[ ١٣ / ٢٠٥ ]
قبته في الدرع يوم بدر.
فرع آخر
قال: لو كان للإمام عذر في ترك الجهاد بأن كثر المشركون حيث يكون بإزاء كل واحد أكثر من اثنين ورأى في ثبات المسلمين ضعفًا وفي أسلحتهم قلة جاز أن يترك الغزو في هذا الموضع حتى تحصل القوة لأن فيه تغريرًا بالمسلمين.