مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "قال الله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين﴾ [الحجرات:٩] ".
قال في الحاوي: هذه الآية هي أصل ما ورد في قتال أهل البغي، واختلف في سبب نزولها على قولين:
أحدهما: ما حكاه السدي: أن رجلًا من الأنصار كانت له امرأة تدعى أم زيد أرادت زيارة أهلها فمنعها زوجها، فاقتتل أهله وأهلها، حتى نزلت هذه الآية فمنعهم.
والثاني: ما حكاه الكلبي ومقاتل: أنها نزلت في رهط عبد الله بن أبي ابن سلول من الخزرج، ورهط عبد الله بن رواحة من الأوس.
وسببه: أن رسول الله ﷺ وقف على عبد الله بن أبي ابن سلول راكبًا على حمار له، فراث الحمار، فأمسك عبد الله بن أبي ابن سلول أنفه، وقال: إليك حمارك، فغضب عبد الله بن رواحة وقال: لحمار رسول الله ﷺ أطيب ريحًا منك ومن أبيك، وتنافروا وأعان كل واحد منهما قومه، فاقتتلوا بالنعال والأيدي، فنزلت هذه الآية فيهم، وأصلح رسول الله ﷺ بينهم.
فقال: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩] يعني: جمعين من المسلمين أخرجهم التنافر إلى القتال فأصلحوا بينهما، وهذا خطاب ندب إليه كل من قدر على الإصلاح بينهم من الولاة وغير الولاة، وإن كان بالولاة أخص ﴿فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى﴾ [الحجرات:٩] والبغي: التعدي بالقوة إلى طلب ما ليس بمستحق ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات:٩] فيه وجهان:
أحدهما: تبغي بالتعدي في القتال.
والثاني: تبغي بالعدول عن الصلح.
[ ١٢ / ٣٧٩ ]
وهذا الأمر بالقتال مخاطب به الولاة دون غيرهم: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] أي ترجع، وفيه وجهان:
أحدهما: حتى ترجع إلى الصلح الذي أمر الله به. قال سعيد بن جبير.
والثاني: حتى ترجع إلى كتاب الله وسنة رسوله، قال قتادة: ﴿فَإِن فَاءتْ﴾ [الحجرات: ٩] يعني: رجعت عن البغي.
﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ [الحجرات:٩] فيه وجهان: أحدهما: بالحق. والثاني: بكتاب الله. ﴿وَأَقْسِطُوا﴾ [الحجرات:٩] يعني: اعدلوا، ويحتمل وجهين:
أحدهما: اعدلوا في ترك الهوى والممايلة.
والثاني: في ترك العقوبة والمؤاخذة.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين﴾ [الحجرات:٩] يعني العادلين. قال أبو مالك: في القول والفعل فدلت هذه الآية علي بقاء البغاة على إيمانهم. ودلت على الابتداء بالصلح قبل قتالهم. ودلت على وجوب قتالهم إن أقاموا على بغيهم. ودلت على الكف عن القتال بعد رجوعهم. ودلت على أن لا تباعة عليهم فيما كان بينهم فهذه خمسة أحكام دلت عليها هذه الآية فيهم.
قال الشافعي: وفيها دلالة على أن كل من وجب عليه حق فمنع منه، وجب قتاله حتى يؤديه.
فروى سلمة بن الأكوع وأبو هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "من حمل علينا السلاح فليس منا".
وروى ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: " من فارق الجماعة شبرًا فقد خلع ربقة الإسلام عن عنقه".
وأما الإجماع الدال على إباحة قتالهم: فهو منعقد عن فعل إمامين:
أحدهما: أبو بكر في قتال مانعي الزكاة.
والثاني: علي بن أبي طالب في قتال من خلع طاعته.
فأما أبو بكر ﵁ فإنه قاتل طائفتين:
طائفة: ارتدت عن الإسلام مع مسيلمة وطليحة والعنسي فلم يختلف عليه من الصحابة في قتالهم أحد.
وطائفة: أقاموا على الإسلام ومنعوا الزكاة بتأويل اشتبه، فخالفه أكثر الصحابة في
[ ١٢ / ٣٨٠ ]
الابتداء، ثم رجعوا إلى رأيه ووافقوه عليه في الانتهاء حين وضح لهم الصواب وزالت عنهم الشبهة.
ونحن نذكر شرحه من بعد مفصلًا، فكان انعقاد الإجماع معه بعد تقدم المخالفة له أوكد. وأما علي بن أبي طالب ﵁ فإنه شهد بنفسه قتال من بغى عليه، فأول من قاتل منهم أهل الجمل بالبصرة مع عائشة.
وثنى بقتال أهل الشام بصفين مع معاوية. وثلث بقتال أهل النهروان من الخوارج فسار في قتالهم سيرة أبي بكر في قتال مانعي الزكاة.
فصل:
فإذا ثبت بما ذكرنا من الكتاب والسنة والإجماع إباحة قتالهم على بغيهم، فقتالهم معتبر بثلاثة شروط متفق عليها، ورابع مختلف فيه.
أحدهما: أن يكونوا في منعة، بكثرة عددهم، لا يمكن تفريق جمعهم إلا بقتالهم، فإن كانوا آحادًا لا يمتنعون استوفت منهم الحقوق ولم يقاتلوا.
قال الشافعي: قتل عبد الرحمن بن ملجم عليًا رضوان الله عليه متأولًا، فأقيد به. يعني: أنه لما انفرد ولم يمتنع بعدد لم يؤثر تأويله في أخذ القود منه.
والثاني: أن يعتزلوا عن دار أهل العدل بدار ينحازون إليها ويتميزون بها كأهل الجمل وصفين.
فإن كانوا على اختلاطهم بأهل العدل، ولم ينفردوا عنهم: لم يقاتلوا.
روي أن عليًا ﵁ كان يخطب، فسمع رجلًا يقول: لا حكم إلا لله تعريضًا بالرد عليه فيما كان من تحكيمه فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل، لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا، ولا نبدؤكم بقتال.
والثالث: أن يخالفوه بتأويل محتمل كالذي تأوله أهل الجمل وصفين من المطالبة بدم عثمان ﵁.
فإذا باينوا من غير تأويل، أجرى عليهم حكم الحرابة وقطاع الطريق.
وأما الرابع المختلف فيه: فهو نصب إمام لهم يجتمعون على طاعته، ويتفادون لأمره، ففيه وجهان:
أحدهما: هو قول طائفة: إنه شرط يستحق به قتالهم، ليستقر به تميزهم ومباينتهم.
والثاني: وهو قول الأكثرين من أصحاب الشافعي: أنه ليس بشرط في قتالهم لأن عليًا ﵇ قاتل أهل الجمل ولم يكن لهم إمام، وقاتل أهل صفين قبل أن ينصبوا إمامًا لهم.
[ ١٢ / ٣٨١ ]
فصل:
فإذا تكاملت الشروط المعتبرة في قتالهم، لم يبدأ به الإمام حتى يسألهم عن سبب انفرادهم ومباينتهم، فإن ذكروا مظلمة أزالها، وإن ذكروا شبهة كشفها وناظرهم عليها، حتى يظهر لهم أنه على الحق فيها، لأن الله تعالى أمر بالإصلاح أولًا وبالقتال أخيرًا، ولأن علي بن أبي طالب أنفذ ابن عباس ﵄ إلى الخوارج بالنهروان، يسألهم عن سبب مباينتهم ويحل شبهة تأويلهم، لتظاهرهم بالعبادة والخشوع وحمل المصاحف في أعناقهم، فقال لهم ابن عباس: هذا علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله ﷺ وزوج ابنته، وقد عرفتم فضله فما تنقمون منه؟ قالوا: ننقم منه ثلاثًا: حكم في دين الله، وقد أغنى كتاب الله وسنة رسوله عن التحكيم وقتل ولم يسبِ: وكان ينبغي له إما أن يقتل ويسبي أو لا يقتل ولا يسبي، لأنه إذا حرمت أموالهم فقد حرمت دماؤهم، ومحا اسمه من الخلافة، فإن كان على حق فلم خلع، وإن كان على غير حق فلم دخل؟ فقال ابن عباس: أما قولكم: أنه حكم في دين الله، فقد حكم الله تعالى في الدين فقال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء:٣٥]. وقال تعال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]. فحكم في أرنب قيمته درهم، فبأن يحكم في هذا الأمر العظيم أولى. فرجعوا عن هذا. فقال: وأما قولكم: كيف قتل ولم يسبِ، فلو حصلت عائشة زوج النبي ﷺ في سهم أحدكم، كيف يصنع، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلاَ أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]. قالوا: رجعنا عن هذه.
قال: وأما قولكم: إنه محا اسمه من الخلافة حين كتب كتاب التحكيم بينه وبين معاوية، فقد محا رسول الله ﷺ اسمه من النبوة حين قاضى سهيل بن عمرو عام الحديبية، وقد كتب كتاب القضية بينه وبين قريش علي بن أبي طالب، فكتب هذا ما قاضى محمد رسول الله سهيل بن عمرو. فقال سهيل: لا كتب رسول الله، فلو علمنا أنك رسول الله ما خالفناك، فاكتب محمد بن عبدالله. فقال النبي ﷺ لعلي: امحه. فقال: لا أستطيع أن أمحو اسمك من النبوة.
فقال له: أرنيه، فأراه، فمحاه بإصبعه.
فرجع بعضهم وبقى منهم نحو أربعة آلاف لم يرجعوا، فعاد إلى علي بن أبي طالب، فأخبره، فقال لأصحابه: سيروا على اسم الله تعالى إليهم، فلن يفلت منهم عشرة، ولن يقتل منكم عشرة، فساروا معه إليهم فقتلهم، وأفلت منهم ثمانية، وقتل من أصحاب علي تسعة. وقال: اطلبوا لي ذا الثدية.
فرأوه قتيلًا بينهم، فكبر علي وقال: الحمد لله الذي صدق وعد رسوله إذ قال لي: تقاتلك الفئة الباغية فيهم ذو الثدية. فهذه سيرة علي بن أبي طالب فيهم.
[ ١٢ / ٣٨٢ ]
وقد حكي عن الشافعي أن قال: أخذ المسمون السيرة في قتال المشركين من رسول الله ﷺ. وأخذوا السيرة في قتال المرتدين من أبي بكر ﵁. وأخذوا السيرة في قتال البغاة من علي بن أبي طالب ﵁.
فصل:
فإذا ثبت أنه يقدم قبل قتالهم سؤالهم عن سبب بغيهم واعتزالهم عن الجماعة، ثم مناظرتهم في حل ما اشتبه عليهم، فمتى أمل رجوعهم إلى الطاعة ودخولهم في الجماعة بالقول والمناظرة لم يتجاوزه إلى القتال، وإن يئس من رجوعهم بعد كشف ما اشتبه عليهم، جاز لإمام أهل العدل حينئذٍ قتالهم ومحاربتهم، وانقسمت أحوالهم في قتالهم ثلاثة أقسام:
أحدها: ما كان قتالهم عليه واجبًا.
والثاني: ما كان قتالهم عليه مباحًا.
والثالث: ما اختلف القول في وجوبه وإباحته.
فأما ما وجب قتالهم عليه: فهو بواحدٍ من خمسة أمور:
أحدها: أن يتعرضوا لحريم أهل العدل بإفساد سبيلهم.
والثاني: أن يتعطل جهاد المشركين بهم.
والثالث: أن يأخذوا من حقوق بيت المال ما ليس لهم.
والرابع: أن يمتنعوا من دفع ما وجب عليهم.
والخامس: أن يتظاهروا على خلع الإمام الذي قد انعقدت بيعته ولزمت طاعته.
روى عبد الله بن عمر عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من خلع يده من طاعة الإمام جاء يوم القيامة لا حجة له عند الله، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية".
وأما ما أبيح قتالهم عليه، وإن لم يجب: فهو أن ينفردوا عن الجماعة ولا يمتنعوا من حق، ولا يتعدوا إلى ما ليس لهم بحق، فيجوز للإمام قتالهم لتفريق الجماعة ولا يجب عليه قتالهم لتظاهرهم بالطاعة. وروى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة فمات فميتته جاهلية".
وأما ما اختلف القول في وجوب قتالهم وإباحته: فهو إذا امتنعوا مع انفرادهم من دفع زكاة أموالهم الظاهرة وقاموا بتفرقتها في أهل السهمان منهم ففيه قولان:
أحدهما: وهو قياس قول الشافعي في القديم: إن قتالهم عليها واجب، إذا قيل فيها بوجوب دفعها إلى الإمام.
والثاني: وهو قياس قوله في الجديد: إن قتالهم عليها مباح وليس بواجب إذا قيل فيه: إن دفعها إلى الإمام مستحب وليس بواجب، والله أعلم.
[ ١٢ / ٣٨٣ ]
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "فأمر الله تعالى جده أن يصلح بينهم بالعدل ولم يذكر تباعة في دم ولا مال، وإنما ذكر الصلح آخرًا كما ذكر الإصلاح بينهم أولًا قبل الإذن بقتالهم فأشبه هذا أن تكون التبعات في الدماء والجراح وما تلف من الأموال ساقطة بينهم وكما قال ابن شهاب عندنا قد كانت في تلك الفتنة دماء يعرف في بعضها القاتل والمقتول وأُتلفت فيها أموال ثم صار الناس إلى أن سكنت الحرب بينهم وجرى الحكم عليهم فما علمته اقتص من أحد ولا أغرم مالًا أتلفه. قال الشافعي ﵀: وما علمت الناس اختلفوا في أن ما حووا في البغي من مال فوجد بعينه أن صاحبه أحق".
قال في الحاوي: أما المستهلك بين أهل العدل وأهل البغي في غير ثائرة الحرب والتحام القتال من دماء وأموال فهمي مضمونة على مستهلكها سواء كان استهلاكها قبل القتال أو بعده، فيضمن أهل البغي ما استهلكوه لأهل العدل من دماء وأموال ويضمن أهل العدل ما استهلكوه على أهل البغي من دماء وأموال وهذا متفق عليه لقول النبي ﷺ: " إن الله حرم من المسلم ماله ودمه وأن يظن به إلا خيرًا".
وأما المستهلك في ثائرة الحرب والتحام القتال فلا ضمان على أهل العدل فيما استهلكوه من دماء أهل البغي وأموالهم لأمرين:
أحدهما: أن ما وجب على أهل العدل من قتالهم يمنع من ضمان ما تلف بالقتال من دمائهم وأموالهم لتنافي اجتماع وجوب القتال ووجوب الضمان.
والثاني: أن مقصود القتال دفعهم عن بغيهم، فصاروا في هدرها كالطالب إذا قتله المطلوب دفعًا عن نفسه.
وهل يضمن أهل البغي لأهل العدل ما استهلكوه من دمائهم وأموالهم أم لا؟ على قولين:
أحدهما: قاله في القديم، ويشبه أن يكون مذهب مالك: أنهم يضمنونه لهم لأمرين:
أحدهما: أنهم لما ضمنوه إذا لم يمتنعوا ضمنوه وإن امتنعوا كأهل الحرابة.
والثاني: أنه لما كان القتال محظورًا عليهم كان ما حدث عنه مضمونًا كالجنايات، كما أن القتال لما وجب على أهل العدل كان ما حدث عنه غير مضمون كالحدود، لفرق ما بين الواجب والمحظور.
والثاني: قاله في الجديد، وهو قول أبي حنيفة: إنه لا ضمان عليهم وهو الصحيح
[ ١٢ / ٣٨٤ ]
لقول الله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾ [الحجرات:٩].
فأمر بالإصلاح بينهم، ولم يذكر تبعة في دم ولا مال، فدل على سقوطه عنهم ولما روي أن أبا بكر رضوان الله عليه قاله لم تاب من أهل الردة: تدون قتلانا ولا ندي قتلاكم، فقال له عمر: لا نأخذ لقتلانا دية، لأنهم عملوا لله وأجورهم على الله، فسكت أبو بكر سكوت راجع إلى قوله ولما روي أن طليحة قتل ثابت بن أقرم وعكاشة بن محصن، وهرب إلى الشام، ثم أسلم، وقدم على أبي بكر، فقبل توبته ولم يقتص منه وهكذا فعل علي ﵁ يوم الجمل لم يأخذ أحدًا بما استهلكه من دم ولا مال مع معرفة القاتل والمقتول والتالف والمتلوف وهكذا حكي ابن المسيب والزهري فدل على الإجماع في سقوط الضمان ولأنهما طائفتان ممتنعان اقتتلتا تدينًا، فلم يضمن بعضهم بعضًا كالمسلمين.
ولأن تضمين أهل البغي ما أتلفوه منفر لهم ومانع من رجوعهم، فوجب أن يكون مطرحًا كما أطرح في أهل الحرب.
فصل:
فإذا تقرر توجيه القولين، فإن قيل بالأول: أن الضمان واجب، ضمنت الأموال بالغرم، فأما النفوس فإن كانت خطأ أو عمد الخطأ ضمنت عائلة القاتل الدية دون القاتل وإن كانت عمدًا محضًا ففي ضمانها بالقود وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي: تضمن بالقود، لأنها تضمن في الحرب كما تضمن في غيره.
والثاني: أنها تضمن بالدية دون القود، لأنها حال شبهة تدرأ بها الحدود، وتكون الدية في مال القاتل.
وإن قيل بالقول الثاني: في سقوط الضمان، سقط ضمان ما تلف من الأموال ووجب رد ما بقي منها، فأما إن أتلف عليهم بغير قتال، نظر حال متلفه. فإن قصد بما أتلفه منها إضعافهم وهزيمتهم لم يضمنها. وإن قصد به التشفي والانتقام: ضمنها، وصارت كالمستهلك عليهم في غير القتال.
وأما النفوس: فمن قتل في القتال لم يضمن في عمد ولا خطأ بقود ولا دية، وفي ضمانه بالكفارة وجهان محتملان:
أحدهما: وهو الأصح: أنه غير مضمون بالكفارة، كما كان غير مضمون بقود ولا دية.
والثاني: أنه يضمن بالكفارة، لأنها من حقوق الله تعالى فتأكدت على حقوق الآدميين، وكما يضمن نفس المسلم في دار الحرب بالكفارة دون الدية.
ومن قتل منهم وهو معتزل عن صفوف الحرب: فإن كان ردءًا لهم وعونًا: سقط
[ ١٢ / ٣٨٥ ]
ضمان نفسه كالمقاتلة. وإن لم يكن ردءًا ولا عونًا: خرج عن حكم المقاتلة وضمنت نفسه بالدية، وفي ضمانها بالقود وجهان على ما مضى.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وأهل الردة بعد النبي ﷺ ضربان: فمنهم قوم كفروا بعد إسلامهم مثل طليحة ومسيلمة والعنسي وأصحابهم ومنهم قوم تمسكوا بالإسلام ومنعوا الصدقات ولهم لسان عربي والردة ارتداد عما كانوا عليه بالكفر وارتداد، يمنع حق كانوا عليه وقول عمر لأبي بكر ﵄ أليس قد قال رسول الله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله"؟ وقول أبي بكر هذا من حقها لو منعوني عناقًا مما أعطوه النبي ﷺ لقاتلتهم عليها معرفة منهما معًا أن ممن قاتلوا من تمسك بالإسلام ولولا ذلك لما شك عمر في قتالهم ولقال أبو بكر قد تركونا لا إله إلا الله فصاروا مشركين وذلك بين في مخاطبتهم جيوش أبي بكر وأشعار من قال الشعر منهم فقال شاعرهم:
ألا أصبحينا قبل ثائرة الفجر لعل منايانا قريب وما ندري
أطعنا رسول الله ما كان بيننا فيا عجبًا ما بال ملك أبي بكر
فإن الذي سألوكم فمنعتم لكالتمر أو أحلى إليهم من التمر
سنمنعهم ما كان فينا بقية كرام على العزاء في ساعة العسر
وقالوا لأبي بكر ﵁ بعد الإسار ما كفرنا بعد إيماننا ولكنا شححنا على أموالنا فسار إليهم أبو بكر بنفسه حتى لقي أخا بني بدر الفزاري فقاتله ومعه عمر وعامة أصحاب النبي ﷺ ثم أمضى أبو بكر ﵁ خالدًا في قتال من ارتد ومنع الزكاة فقاتلهم بعوام من أصحاب النبي ﷺ. قال الشافعي ﵀ ففي هذا دلالة على أن من منع حقًا مما فرض الله عليه فلم يقدر الإمام على أخذه بامتناعه قاتله وإن أتى القتال على نفسه وفي هذا المعنى كل حق لرجل على رجل فمنعه بجماعة وقال: لا أؤذي ولا أبدؤكم بقتال قوتل وكذا قال من منع الصدقة ممن نسب إلى الردة فإذا لم يختلف أصحاب النبي ﷺ في قتالهم بمنع الزكاة فالباغي الذي يقاتل الإمام العادل في مثل معناهم في أنه لا يعطي الإمام العادل حقًا يجب عليه ويمتنع من حكمه ويزيد على مانع الصدقة أن يريد أن يحكم هو على الإمام العادل".
قال في الحاوي: قصد الشافعي بهذه الجملة أمرين:
أحدهما: الرد على طائفة نسبت علي بن أبي طالب كرم الله وجهه إلى الخطأ في
[ ١٢ / ٣٨٦ ]
قتال أهل الجمل وصفين، وهم من أهل القبلة، وقالوا: هلا فعل مثل ما فعله عثمان أغلق بابه وكف أصحابه عن القتال، وكالذي فعل ابنه الحسن حين رأى الثائرة قد هاجت والدماء قد طاحت، سلم الأمر تسليم تقرب إلى معاوية.
فرد الشافعي عليهم: بأنه ما ابتدع ذلك، ولا ارتكب فيه محظورًا، فقد فعل أبو بكر ﵁ في قتال أهل القبلة من المسلمين مثل ما فعله، وإن اختلف السببان فيه، فإن أهل الردة بعد رسول الله ﷺ ضربان:
منهم من ارتد عن دينه وكفر بعد إسلامه مثل مسيلمة تنبأ باليمامة فارتد معه من أطاعه من بني حنيفة، ومثل طليحة تنبأ باليمن فارتد من أطاعه من أهلها.
ومثل العنسي تنبأ في قومه فارتد معه من أطاعه منهم فجهز الجيوش إليهم، وكان أول جيش سيره إليهم جيش أسامة، وكان مبرزًا يظاهر المدينة حين قبض رسول الله ﷺ فسيرهم أبو بكر ﵁ إلى ابني من أرض الشام، فعاد ظافرًا، ثم سير إلى مسيلمة جيشًا وأمدهم بالجيوش حتى قتل من أهل الردة من قتل، وأسلم منهم من أسلم.
فهذا ضرب منهم انطلق عليهم اسم الردة لغة وشرعًا. والضرب الثاني منهم من كان مقيمًا على إسلامه ومنه من الزكاة بتأويل ذهب إليه، وشبهة دخلت عليه في قول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣]. وكان دخول الشبهة عليهم فيها من وجهين:
أحدهما: أنه خاطب به رسوله: فلم يتوجه بالخطاب إلى غيره.
والثاني: قوله إن صلاتك سكن لهم وليست صلوات ابن أبي قحافة سكن لنا فاشتبه تأويلهم على قوم من الصحابة وصح فساده لأبي بكر فأذعن على قتالهم فأشار عليه جماعة بالكف عنهم منهم عثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف.
فقال أبو بكر ﵁: لأن أخر من السماء فتتخطفني الطير أو تهوي بي الريح في مكان سحيق أهون عليّ مما سمعت منكم يا أصحاب محمد، والله لا فرقت بين ما جمع الله يعني قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]. والله لو منعوني عناقًا أو عقالًا كانوا مما أعطوا رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه، أرأيتم لو سألوا ترك الصلاة، أرأيتم لو سألوا ترك الصيام، أرأيتم لو سألوا ترك الحج، أرأيتم لو سألوا شرب الخمر، أرأيتم لو سألوا الزنا، فإذا لا تبقى عروة من عرى الإسلام إلا انحلت.
فقال له عمر ﵁: علام نقاتلهم وقد قال رسول الله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله". فركز أبو بكر في صدر عمر وقال: إليك عني شديدًا في الجاهلية خوارًا في الإسلام، وهل هذا إلا من حقها؟
[ ١٢ / ٣٨٧ ]
قال عمر: فشرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر فحينئذٍ أجمعوا معه على قتالهم مع بقائهم على إسلامهم ولم يكن الإسلام مانعًا من قتالهم، لأنهم منعوا حقًا عليهم.
وكذلك حال علي ﵇ في قتال من قاتل من المسلمين.
ولا يكون كف عثمان وتسليم الحسن ﵄ حجة عليه، لأن لكل وقت حكمًا، ولكل مجتهد رأيًا.
ولا يمنه الإسلام مانعي الزكاة في عهد أبي بكر من إطلاق اسم الردة عليهم لغة، وإن لم ينطلق عليهم شرعًا؛ لأنه لسان عربي، والردة في لسان العرب الرجوع، كما قال تعالى: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف:٦٤] أي رجعا، فانطلق اسم الردة على من رجع عن الزكاة كانطلاقه على من رجع عن الدين.
فهذا أحد الأمرين في مراد الشافعي بهذه المسألة.
وأما الأمر الثاني من مراده بها: فالكلام مع أبي حنيفة في مانعي الزكاة، وهم ضربان: ضرب: منعوها في عهد أبي بكر، وضرب: منعوها من بعد.
فأما مانعوها على عهد أبي بكر: فهم من قدمنا ذكرهم بما اشتبه عليهم من تأويل الآية، فلا يكونوا مرتدين وهم باقون على إسلامهم.
وقال أبو حنيفة: قد ارتدوا بامتناعهم عنها، لاستحلالهم من نص الله تعالى على خلافه، كما لو استحلوا الآن منعها وهذا غير صحيح؛ لأن الصحابة عارضوا أبا بكر ﵃ في الأمر بقتالهم لبقائهم على الإسلام فوافقهم أبو بكر على إسلامهم، وبين السبب الموجب لقتالهم، ولو ارتدوا لما عارضوه، ولما احتج عليهم بما احتج، فدل على إجماعهم أنهم باقون على إسلامهم ولأن القوم حين تابوا وقدموا على أبي بكر قالوا: والله ما كفرنا بعد إيماننا ولكن شححنا على أموالنا.
وقد بان هذا القول منهم في قول شاعرهم:
ألا أصبحينا قبل ثائرة الفجر لعل منايانا قريب وما ندري
أطعنا رسول الله ما كان بيننا فيا عجبًا ما بال ملك أبي بكر
فإن الذي سألوكم فمنعتم لكالتمر أو أحلى إليهم من التمر
سنمنعهم ما كان فينا بقية كرام على العزاء في ساعة العسر
فلم يرد عليهم أبو بكر ولا أحد من الصحابة ما قالوه من بقائهم على إيمانهم فدل على ثبوته إجماعًا.
فصل:
فأما مانعوا الزكاة من بعد فضربان:
أحدهما: من منعها مستحلًا لمنعها، فيكون باستحلال المنع مرتدًا، وإن لم يكن
[ ١٢ / ٣٨٨ ]
المانع منها في عهد أبي بكر مرتدًا.
والفرق بينهما: أن المنع الأول كان قبل الإجماع على إبطال ما اشتبه عليهم من حكم الآية، فكان لتأويل الشبهة مساغًا، والمنع الحادث بعده، قد انعقد الإجماع على إبطال الشبهة فيه، فلم يكن للتأويل مساغ، فافترقا في حكم الردة لافتراقهما في حال الإجماع.
ومثاله: شارب الخمر في عصر الصحابة لما استحل شربها بشبهة تعلق بها في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا﴾ [المائدة:٩٣] لم يكفر لاحتمال شبهته فلما أجمع الصحابة على بطلان هذا التأويل صار مستحلها كافرًا.
والثاني: أن يمنعوا منها غير مستحلين لمنعها، فيجوز قتالهم على أخذها منهم. وقال أبو حنيفة: لا يجوز قتالهم على منعها مع إقرارهم بوجوبها أمرين:
أحدهما: لتعلقها بأموالهم دون أبدانهم، فكان المال هو المطلوب دونهم.
والثاني: أن الله تعالى قد ائتمنهم على أدائها فكانت كالأموال الباطنة.
ودليلنا: قول أبي بكر للصحابة ﵃ في مانعي الزكاة: والله لو منعوني عناقًا أو عقالًا مما أعطوا رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه. فوافقوه عليه بعد مخالفتهم له، فدل على انعقاد الإجماع به.
ولأنهم لما قوتلوا لامتناعهم من حق الإمام في الطاعة، كان قتالهم في امتناعهم من حق الله تعالى في الزكاة أولى. ولأن العبادات نوعان: على أبدان، وفي أموال، فلما قوتلوا في عبادات الأبدان قوتلوا في عبادات الأموال.
وقولهم: إن المال هو المطلوب فصحيح لكن لما لم يوصل إليه إلا بقتالهم، صار قتالهم موصلًا إلى أخذ الحق منهم، وما أوصل إلى الحق كان حقًا وأما الأموال الباطنة ففيها جوابان:
أحدهما: أنه لا نظر للإمام فيها، فلم يحاربهم عليها، وخالفت الأموال الظاهرة.
والثاني: أنه لا يمتنع أن يقاتلوا على إخراجها إلى مستحقها، وإن لم يقاتلوا على دفعها إلى الإمام.
فصل:
فإذا ثبت جواز قتالهم على منعها، فإن قدر الإمام على أموالها وأخذ زكاتها منها بغير قتال نظر. فإن قدر عليها لرفع أيديهم عنها، مع القدرة على الدفع عنها لم يقاتلهم لأن هذا تمكين من الزكاة. وإن كان لعجزهم عن الدفع عنها، كان على قتالهم، حتى يظهروا الطاعة بأدائها طوعًا.
[ ١٢ / ٣٨٩ ]
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ولو أن نفرًا يسيرًا قليلي العدد يعرف أن مثلهم لا يمتنع إذا أُريدوا فأظهروا آراءهم ونابذوا الإمام العادل. وقالوا نمتنع من الحكم فأصابوا أموالًا ودماءً وحددوا في هذه الحال متأولين ثم ظهر عليهم أقيمت عليهم الحدود وأخذت منهم الحقوق كما تؤخذ من المتأولين".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا قل أهل البغي ولم ينفردوا بدار ونالتهم القدرة، ولم يمنعوا عن أنفسهم بكثرة وقوة لم يؤثر ما تأولوه في سقوط الحقوق عنهم، وإقامة الحدود عليهم. فقد كان عبد الرحمن بن ملجم من أسوأ البغاة معتقدًا وأعظمهم إجرامًا، قال -وعلي- كرم الله وجهه- يخطب على المنبر بالكوفة: والله لأريحنهم منك، فأخذه الناس وحملوه إليه، وقالوا: اقتله قبل أن يقتلك، فقال: كيف أقتله قبل أن يقتلني، وخلى سبيله، فبات له في المسجد، فخرج علي ﵇ لصلاة الفجر مغلسًا وقيل: إنه أنشد بالاتفاق قول الشاعر:
أشدد حيازيمك للموت فإن الموت آتيك
ولا تجزع من الموت إذا حل بواديك
وأحرم بركعتي الفجر، فأمسك ابن ملجم عنه في الركعة الأولى حتى قدر ركوعه وسجوده، ورأى سجوده أطول من ركوعه، وكذا السنة. فلما قام إلى الثانية ضربه في سجوده ضربه فلق بها هامته. فقال علي: فزت ورب الكعبة وأخذ ابن ملجم فحمل إليه، وقيل له: اقتله قبل أن يقتلك فقال: كيف أقتله قبل أن يقتلني، إن عشت فأنا ولي دمي أعفو إن شئت وإن شئت استفدت، وإن مت فقتلتموه فلا تمثلوا وإن تعفو أقرب للتقوى وكان في شهر رمضان، فلما جاء وقت الإفطار، قال: أطعموه وأحسنوا إساره، وكان أول من قدم إليه الطعام في داره ابن ملجم فلما مات قتله الحسن بن علي قودًا.
قال الشافعي: وفي الناس بقية من أصحاب رسول الله ﷺ فما أنكر قتله ولا عابه أحد. فدل على فرق ما بين الامتناع والقدرة. ولأن سقوط القود في الامتناع والكثرة إنما هو للحاجة إلى تألفهم في الرجوع إلى الطاعة، والمنفرد مقهور لا يحتاج إلى تألفه فلذلك وقع الفرق بين الممتنع وغير الممتنع.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وإذا كانت لأهل البغي جماعة تكبر ويمتنع مثلها بموضعها الذي هي بها بعض الامتناع حتى يعرف أن مثلها لا ينال إلا حتى تكبر نكايته واعتقدت ونصبت إمامًا وأظهرت حكمًا وامتنعت من حكم الإمام العادل فهذه الفئة
[ ١٢ / ٣٩٠ ]
الباغية التي تفارق حكم من ذكرنا قبلها فإن فعلوا مثل هذا ينبغي أن يسألوا ما نقموا فإن ذكروا مظلمة بينة ردت وإن لم يذكروها بينة قيل عودوا لما فارقتم من طاعة الإمام العادل وأن تكون كلمتكم وكلمة أهل دين الله على المشركين واحدة وأن لا تمتنعوا من الحكم فإن فعلوا قبل منهم وإن امتنعوا قيل إنا مؤذنوكم بحرب فإن لم يجيبوا قوتلوا ولا يقاتلوا حتى يدعوا ويناظروا إلا أن يمتنعوا من المناظرة فيقاتلوا حتى يفيئوا إلى أمر الله".
قال في الحاوي: وجملة أهل البغي أنهم ضربان:
ضرب خرجوا عن القدرة بالامتناع والكثرة، ولا يوصل إليهم إلا بالجيوش والمقاتلة فهم من قدمناه ذكره في إباحة قتالهم، وأن أهل العدل لا يضمنون، ما استهلكوه عليهم في ثائرة الحرب من دماء وأموال، وفي تضمين أهل البغي ما استهلكوه عن أهل العدل في ثائرة الحرب من دماء وأموال قولان.
والثاني: من كان تحت القدرة، وهم ضربان:
أحدهما: أن يختلطوا بأهل العدل كابن ملجم وأشياعه، فأحكامنا عليهم جارية في الحقوق والحدود، وهم مؤاخذون بضمان ما استهلكوه من دماء وأموال، سواء استهلكوها على أهل العدل، أو استهلكوها بعضهم على بعض، ويؤخذ أهل العدل بضمان ما استهلكوه عليهم من دماء وأموال.
والثاني: أن ينفردوا لكثرتهم وقوتهم غير أنهم لم يتظاهروا يخلع الطاعة، ولا امتنعوا من أداء الحقوق، فهؤلاء يجب الكف عنهم، ولا يجوز قتالهم ما أقاموا على حالهم، وإن خالفوا أهل العدل معتقدهم.
فقد اعتزل أهل النهروان عليًا وخالفوه في رأيه، فولى عليهم عبد الله بن خباب بن الأرت عاملًا، فأطاعوه، فكف عنهم، ثم قتلوه، فأرسل إليهم على أن سلموا إلى قاتله أقيد منه، قالوا: كلنا قتله. فسار إليهم حتى قتلهم مع كثرة عددهم فدل على أن ما فعلوه قبل التظاهر بخلع الطاعة هم به مؤاخذون وله ضامنون. كذلك من كان مثلهم، ويصير مخالفا لحكم من تظاهر بخلع الطاعة من وجهين:
أحدهما: في قتالهم إذا تظاهروا بخلع الطاعة، والكف عنهم إذا لم يتظاهروا.
والثاني: في سقوط الضمان عنهم إذا تظاهروا في أصح القولين، ووجوب الضمان عليهم قولًا واحدًا إذا لم يتظاهروا وانه أعلم.
مسألة:
قال الشافعي ﵀: " والفيئة الرجوع عن القتال بالهزيمة أو الترك للقتال أي
[ ١٢ / ٣٩١ ]
حال تركوا فيها القتال فقد فاؤوا وحرم قتالهم لأنه أمر أن يقاتل وإنما يقاتل من يقاتل فإذا لم يقاتل حرم الإسلام أن يقاتل فأما من لم يقاتل فإنما يقال اقتلوه لا قاتلوه نادي منادي على ﵁ يوم الجمل ألا يتبع مدبر ولا يذفف على جريح وآتى على ﵁ يوم صفين بأسير فقال له على لا أقتلك صبرا إني أخاف الله رب العالمين فخلى سبيله والحرب يوم صفين قائمة ومعاوية يقاتل جادا في أيامه كلها منتصفا أو مستعليًا فبهذا كله أقول وأما إذا لم يكن جماعة ممتنعة وحكمة القصاص قتل ابن ملجم عليا متأولا فأمر بجيشه وقال لولده إن قتلتم فلا تمثلوا ورأى عليه القتل وقتله الحسن بن علي ﵁ وفي الناس بقية من أصحاب النبي ﷺ فما أنكر قتله ولا عابه أحد ولم يقد على وقد ولى قتال المتأولين ولا أبو بكر من قتله الجماعة الممتنع مثلها على التأويل على ما وصفنا ولا على الكفر وإن كان بارتداد إذا تابوا قد قتل طليحة عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم ثم أسلم ولم يضمن عقلا ولا قودًا فأما جماعة ممتنعة غير متأولين قتلت وأخذت المال فحكمهم حكم قطاع الطريق. قال المزني ﵀: هذا خلاف قوله في قتال أهل الردة لأنه أكرمهم هناك ما وضع ههنا عنهم وهذا أشبه عندي بالقياس".
قال في الحاوي: أصل هذا: قول الله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] ﴿فَقَاتِلُوا﴾ [النساء: ٧٦] يتضمن الأمر بقتالهم لا بقتلهم.
وقوله: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الجرات: ٩] هو الغاية في إباحة قتالهم.
والفيئة في كلامهم: الرجوع، وهو على ثلاثة أضرب تتفق أحكامها وإن اختلفت أنواعها:
أحدها: أن يرجعوا إلى طاعة الإمام والانقياد لأمره، فهو غاية ما أريد منهم، وقد خرجوا به من البغي اسمًا وحكمًا، وصاروا داخلين في أحكام أهل العدل.
والثاني: أن يلقوا سلاحهم مستسلمين فالواجب الكف عنهم، لأن الله تعالى أمر الحرب متوجه إلى قتلهم، وفي أهل البغي إلى قتالهم.
والثالث: أن يولوا منهزمين فيجب الكف عنهم، ولا يتبعوا بعد هزيمتهم (٠) فقد نادي منادى على يوم الجمل: ألا لا يتبع مدبر ولا يذفف على جريح. وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده علي بن الحسين ﵈، قال: دخل علي مروان فقال لي: ما رأيت أكرم غلبة من أبيك، ما كان إلا إن ولينا يوم الجمل حتى نادى مناديهن: ألا لا يتبع مدبر ولا يذفف على جريح.
ولما ولى الزبير عن القتال وخرج عن الصف، قال علي: أفرجوا للشيخ فانه محرم، فمضى وأتبعه عمرو بن جرموز حتى ظفر باغتياله فقتله بوادي السباع وأتى عليًا برأسه،
[ ١٢ / ٣٩٢ ]
فقال (علي): سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بشر قاتل ابن صفية بالنار" فقال عمرو: أف لكم إن كنا معكم أو عليكم في النار، فقام وهو يقول:
أتيت عليًا برأس الزبير وكنت أظن بها زلفتى
فبشر بالنار قبل الوعيد وبئس بشارة ذي التحفة
وولي طلحة بن عبيد الله، فلم يعرض له أحد من أصحاب علي حتى رماه مروان بن الحكم بسهم في أكحله فقتله، وكان في عسكر طلحة والزبير، فلما كان في الليل سار علي ﵇ ومعه قنبر مولاه بمشعلة يتصفح القتلى، فمر بطلحة قتيلًا، فوقف عليه وبكى وقال: أعزز على أبا محمد أن أراك مجدلًا تحت نجوم السماء، إنا لله وإنا إليه راجعون، شفيت غيظي وقتلت معشري إلى الله أشكو عجري ويجري، ثم أنشأ يقول:
فتى كان يعطي السيف في الروع حقه إذا ثوب الداعي ويشقى به الجسور
فتى كان يدينه الغنى من صديقه إذ ما هو استغنى ويبعده الفقير
فصل:
فإذا تقرر أنهم لا يتبعون بعد انهزامهم فلا فرق بين المنهزم إلى غير دار يرجع إليها، وإلى غير إمام يعود إلى طاعته، وبين المنهزم إلى دار وإمام.
وقال أبو حنيفة: لا يتبع المنهزم إلى غير دار وإمام، ويتبع المنهزم إلى دار وإمام ويقتل إن ظفر به احتجاجًا: بأن عليًا لم يقع من انهزم من أهل الجمل، لأنهم انهزموا إلى غير دار وإمام، واتبع من انهزم يوم صفين لأنهم رجعوا إلى دار وإمام. حتى روى أنه اتبع مدبرا ليقتله فكشف عن سوءته فكف على طرفه ورجع عنه.
قال: ولأن الانهزام مع بقاء الدار والإمام لا يكون رجوعًا عن البغي، ولا مانعًا من العود. ودليلنا: ما روي عن علي كرم الله وجهه أنه أتي بأسير يوم صفين، فقال له الأسير: أتقتلني صبرًا. فقال: لا إني أخاف الله رب العالمين وخلى سبيله.
قال الشافعي: والحرب يومئذ قائمة، ومعاوية يقاتل جادل في أيامه كلها مستعليًا أو منتصفًا، يعني: مستعليًا بكثرة جيشه، أو منتصفًا بمساواة الجيش.
وأتى معاوية بأسير يوم صفين فأمر بقتله، فقال الأسير: والله ما تقتلني لله ولا فيه ولكن لحطام هذه الدنيا، فإن عفوت فصنع الله بك ما هو أهله، وإن قتلت فصنع الله بك ما أنت أهله فقال لهم عاوية: لقد سببت فأحسنت وخلى سبيل.
ولأن الإمام مأمور بالقتال لا بالقتل، والمولى غير مقاتل فلم يجز أن يقتل ولأن المراد بالقتال الكف والمولى كاف فلم يجز أن يتبع. فأما احتجاجه بندائه يوم الجمل دون صفين فعنه جوابان:
[ ١٢ / ٣٩٣ ]
أحدهما: أنه أمر بالنداء في اليومين معًا أن لا يتبع مدبر ولا يذفف على جريح.
والثاني: أنه وإن فرق بين اليومين في النداء فلأن الحرب انجلت يوم الجمل. فتفرغ النداء، وكانت يوم صفين باقية فتشاغل بتدبير الحرب عن النداء. وأما طلبه للأسير، فقد كان ذلك عند اختلاط الصفوف وبقاء القتال. واحتجاجهم بجواز عوده فلا معنى لتعليق الحكم بعلة لم تكن، ويجوز أن لا تكون والله أعلم.
مسألة
قال الشافعي ﵀: "ولو أن قومًا أظهروا رأى الخوارج وتجنبوا الجماعات وأكفرهم لم يحل بذلك قتالهم بلغنا أن عليا ﵁ سمع رجلا يقول لا حكم إلا لله في ناحية المسجد فقال علي ﵁ كلمة حق أريد بها باطل لكم علينا ثلاث لا تمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله ولا تمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا ولا نبدؤكم بقتال".
قال في الحاوي: أما الخوارج، فهم الخارجون عن الجماعة بمذهب ابتدعوه ورأي اعتقدوه، يرون أن من ارتكب إحدى الكبائر كفر وحبط عملهم واستحق الخلود في النار، وأن دار الإسلام صارت بظهور الكبائر فيها دار كفر وإباحة، وأن من تولاهم وجرى على حكمهم فكذلك. فاعتزلوا الجماعة وأكفروهم، وامتنعوا من الصلاة خلف أحد منهم، وسموا شراة، واختلف في تسميتهم على وجهين:
أحدهما: أنه تسمية ذم، ساهم به أهل العدل، لأنهم شروا على المسلمين وحاربوا جماعتهم.
والثاني: أنه تسمية حمد، سموا بها أنفسهم لأنهم شروا الدنيا بالآخرة أي باعوها. فإذا اعتقد قوم رأي الخوارج وظهر معتقدهم على ألسنتهم وهم بين أهل العدل غير منابذين لهم ولا متجرئين عليهم تركوا على حالهم ولم يجز قتلهم ولا قتالهم، ولم يؤخذوا جبرًا بالانتقال عن مذهبهم والرجوع عن تأويلهم وعدل إلى مناظرتهم وإبطال شبهتهم بالحجج والبراهين وإن كانوا عليها مقرين، فقد أقرهم علي بن أبي طالب ﵇ قبل أن يعتزلوه وسمع قائلهم يقول: لا حكم إلا لله تعريضا به في تحكيمه يوم صفين. فقال على: كلمة حق أريد بها باطل. وهذا أحسن جوابا لمن عرضي بمثل هذا القول. ثم قال: لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله إن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا، ولا نبدأكم بقتال.
فجعل هذه الأحكام فيهم كهي في أهل العدل، واقتضى في ذلك سيرة رسول الله ﷺ في المنافقين في كفه عنهم مع علمه بمعتقدهم لتظاهرهم بطاعته مع استيطان معصيته فإن
[ ١٢ / ٣٩٤ ]
صرح الخوارج بسبب الإمام وسب أهل العدل: عزروا للأذى وذبًا عن منصب الإمامة وإن عرضوا به من غير تصريح ففي تعزيتهم وجهان:
أحدهما: لا يعزرون، لأن عليًا لم يعزر من عرض، لفرق ما بين التعريض والتصريح.
والثاني: أنهم يعزرون؛ لأن الإقرار على التعريض مفض إلى التصريح، فكان التعزير حاسما لما بعده من التصريح.
مسألة
قال الشافعي ﵀: " ولو قتلوا واليهم أو غيره قبل أن ينصبوا إماما أو يظهروا حكما مخالفا لحكم الإمام كان عليهم في ذلك القصاص قد سلموا وأطاعوا واليًا عليهم من قبل على ثم قتلوه فأرسل إليهم ﵁ أن ادفعوا إلينا قاتله نقتله به قالوا كلنا قتله قال فاستسلموا نحكم عليكم قالوا لا فسار إليهم فقاتلهم فأصاب أكثرهم".
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا اجتمع الخوارج في موضع تميزوا به عن أهل العدل، ولم يخرجوا عن طاعة الإمام، وقصدوا بالاعتزال أن ينفردوا عن مخالفهم ويتساعدوا على معتقدهم، كانت دارهم من جملة دار أهل العدل تقام عليهم الحدود وتستوفي منهم الحقوق ولا يدقوا بحرب ولا قتال ما لم يبدؤوا بالمنابذة والقتال.
فإن قتلوا عاملهم الوالي عليهم من قبل الإمام أو غيره من أعوان الإمام، ثم أظهروا خلع الإمام ونابذوه أجرى الإمام عليهم القصاص ولم يسقط عنهم بما أظهروا بعد القتل من الخلع والمنابذة، وكذلك ما استهلكوه من الأموال كانوا مأخوذين بضمانه فقد ولى علي بن أبي طالب ﵇ على النهروان عامله عبد الله ين خباب بن الأرت وقد اعتزلوه فكان ناظرًا فيهم كنظره في أهل العدل، إلى أن وثبوا عليه وقالوا: ما تقول في الشيخين أبي وعمر؟ فقال: ما أقول في خليفتي رسول الله ﷺ وإمامي المسلمين قالوا: ما نقول في عثمان؟ فقال: في الست الأوائل خيرًا. وأمسك على الست الأواخر فقالوا: ما تقول في علي بن أبي طالب. فقال: أمير المؤمنين وسيد المتقين فعمدوا إليه فذبحوه، فراسلهم علي أن سلموا إلى قاتله أحكم فيه يحكم الله قالوا: كلنا قتله. قال فاستسلموا لحكم الله، وسار إليهم، فقتل أكثرهم فدل هذا من فعله على أمرين:
أحدهما: جواز إقرارهم وإن اعتزلوا ما كانوا متظاهرين بالطاعة.
والثاني: وجوب القصاص عليهم، وأنه لا يسقط عنهم بخلع الطاعة.
فأما من قتلوه بعد خلع الطاعة وإظهار المنابذة ففي ضمانه عليهم قولان كغيرهم من أهل البغي.
[ ١٢ / ٣٩٥ ]
فصل:
فإذا ثبت وجوب القصاص عليهم، اختص بالقاتل منهم، فإن سلموه لم يقتل غيره من معين ولا مشير وفي انحتام القصاص وجهان:
أحدهما: أنه منحتم كالقتل في الحرابة لا يجوز العفو عنه، لأنهم في إشهار السلاح كالمحاربين من قطاع الطريق.
فعلى هذا: يجوز أن ينفرد الإمام بقتله من غير حضور وليه وطلبه.
والثاني: أنه غير منحتم، يجري عليه حكم القصاص في غيرهم كجريان حكم أهل العدل في ذلك عليهم.
فعلى هذا: لا يجوز للإمام أن ينفرد بقتله حتى يحضر وليه مطالبًا، فيكون مخيرًا بين القصاص أو الدية أو للعفو عنهما.
فإن لم يسلموا القاتل، جاز قتال جميعهم وحل قتلهم، ولم يختص به القاتل منهم فإن انجلت الحرب عن بقية منهم كف عن قتلهم إلا أن يكون القاتل فيهم، فيقتل قودًا على ما قدمناه من الوجهين من انحتامه.
مسألة:
قال الشافعي ﵀: "وإذا قاتلت امرأة منهم أو عبد أو غلام مراهق قوتلوا مقبلين وتركوا مولين لأنهم منهم".
قال في الحاوي: هذا كما قال إذا قاتل مع أهل البغي نساؤهم وصبيانهم وعبيدهم كانوا في حكمهم يقاتلون مقبلين ويكف عنهم مدبرين، وإن لم يكونوا من أهل البيعة والجهاد، لأنهم قد صاروا في وجوب كفهم عن القتال كالرجال من أهل البيعة والجهاد.
ولأن الإمام في دفعهم عن المسلمين جار مجرى الدافع عن نفسه، وله دفع الطالب ولو بالقتل، ولو كانت امرأة أو صبيا، كذلك المقاتل من البغاة يدفع ولو بالقتل ولو كان امرأة أو صبيا. ولا يضمنون وإن أتى القتال على نفوسهم، كما لا يضمن الرجل البالغ، ولا تضمن البهيمة إذا صالت.
مسألة
قال الشافعي ﵁: " ويختلفون في الإسار ولو أسر بالغ من الرجال الأحرار فحبس لبيايع رجوت أن يسع ولا يسع أن يحبس مملوك ولا غير بالغ من الأحرار ولا امرأة لتبايع وإنما يبايع النساء على الإسلام فأما على الطاعة فهن لا جهاد عليهن".
[ ١٢ / ٣٩٦ ]
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا أسر أهل البغي والحرب قائمة لم بجز قتل أسراهم.
وقال أبو حنيفة: يجوز أن يقتلوا كأهل الحرب.
والدليل عليه: ما رواه عبد الله بن مسعود قال: قال لي رسول الله ﷺ: "يا ابن أم عبد ما حكم من بغى من أمتي؟ قلت: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله ﷺ: " لا يتبع مدبرهم ولا يجهز على جريحهم ولا يقتل أسيرهم ولا يقسم فيئهم" وهذا إن ثبت نص ولأن سيرة علي ﵇ فيهم كانت هكذا، وعليها عمل المسلمون بعده، ولان المقصود بقتالهم كفهم عن القتال وليس المقصود قتلهم. ولأنهم في دفعهم عن البغي في حكم الطالب نفس المطلوب الذي لا يجوز قتله بعد كفه، كذلك البغاة، وهم بخلاف أهل الحرب، لأن المقصود قتلهم بقتالهم فافترقوا، فعلى هذا: لو قتل أسير منهم ضمنه القاتل بالدية، وفي ضمانه بالقود وجهان:
أحدهما: يقاد منه، لأن قتل محظور النفس.
والثاني: لا يقاد منه، لأنها شبهة تدرأ بالحدود.
فصل:
فإذا ثبت أن قتلهم بعد الإسار محظور، فهم ضربان:
أحدهما: أن يكونوا من أهل الجهاد أحرارًا بالغين، فيدعوا إلى البيعة على الطاعة، فإن أجابوا إليها وبايعوا الإمام عليها أطلقوا ولم يجز حبسهم، ولم يلزم أخذ رهائنهم ولا إقامة كفلائهم، وركلوا إلى ما تظاهروا به من الطاعة، ولم يستكشفوا عن ضمائرهم، وإن امتنعوا من بيعة الإمام على طاعته حبسوا إلى انجلاء الحرب، واختلف أصحابنا في علة حبسهم على وجهين:
أحدهما: أن العلة في حبسهم امتناعهم من وجوب البيعة عليهم، ومن امتنع من واجب عليه حبس به والديون وهذا قول أبي إسحاق المروزي. فعلى هذا: يكون حبسهم واجبًا إلى الإمام، وهو مقتضى قول الشافعي في القدس لأنه قال فيهن يحبسون.
والثاني: أن العلة في حبسهم أن تضعف مقاتلة البغاة يهم وهذا أصح التعليلين.
لأنهم حبسوا لوجوب البيعة لما جاز إطلاقهم بعد انجلاء الحرب إلا بها. فعلى هذا: يكون حبسهم موكولًا إلى رأي الإمام واجتهاده، وهو مقتضى قول الشافعي في الجديد، لأنه قال فيه: رجوت أن يسع.
والثاني: أن يكون الأسرى من غير أهل الجهاد كالنساء والعبيد والصبيان فلا يجوز حبسهم على البيعة، لأنه لا بيعة على النساء والعبيد إلا في الإسلام دون الجهاد لوجوب الإسلام عليهم وسقوط الجهاد عنهم، والصبيان لا بيعة عليهم في الإسلام ولا
[ ١٢ / ٣٩٧ ]
في الجهاد، وهذا معنى قول الشافعين ويختلفوا في الإسار. فإذا لم يجز حبسهم على البيعة، فقد اختلف أصحابنا في جواز حبسهم لإضعاف البغاة على وجهين، بناء على اختلاف العلتين في حبس أهل الجهاد منهم:
أحدهما: لا يحبسون إذا قيل: إن علة حبسهم وجوب البيعة عليهم.
والثاني: يحبسون إذا قيلت إن علة حبسهم إضعاف البغاة بهم.
مسألة
قال الشافعي ﵁: "فأما إذا انقضت الحرب فلا يحبس أسيرهم".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن انقضاء الحرب تكون بأحد ثلاثة أضرب:
أحدها: بالرجوع إلى الطاعة والدخول في البيعة، فيطلق أسراهم كما خليت سبيلهم، لأنه المقصود منهم.
والثاني: أن تنقضي بالاستسلام وللقاء السلاح، فلا يجوز بعد استسلامهم ودخولهم تحت القدرة أن يقتلوا، وتجري عليهم أحكام من اعتقد رأيهم موادعا فيخلى سبيلهم وسبيل أسراهم. فإن اختلطوا بأهل العدل، كانوا على حكمهم وإن تميزوا بدار قلد الإمام عليهم واليا ليستوفي منهم الحقوق ويقيم عليهم الحدود، وكانت دارهم دار عدل وإن كانوا على رأي أهل البغي، اعتبارًا بنفوذ الأمر عليهم.
والثالث: أن تنقضي الحرب بهزيمتها فمذهب الشافعي: أنهم لا يتبعون سواء كانت لهم فيئة ينضمون إليها أو لم تكن.
وأبو حنيفة يرى إتباعهم إن كانت لهم فينة ينضمون إليها وقد دللنا عليه.
فأما أسراهم: فإن لم يكن للمنهزمين دار فينة ينضمون إليها: أطلق أسراهم، وإن كان لهم دار وفيئة: ففي إطلاق أسراهم وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي: ومقتضى التعليل الأول في حبسهم، أنهم يستبقون ني حبسهم ولا يطلقون إلا أن يبايعوا ولا تبقى لهم دار وفيئة.
والثاني: وهو مقتضى التعليل الثاني في حبسهم، أنهم يطلقون لما قد تم من ضعفهم بالهزيمة.
مسألة
قال الشافعي ﵁: "وإن سألوا أن ينظروا لم أر بأسا على ما يرجو الإمام منهم وإن خاف على الفيئة العادلة الضعف عنهم رأيت تأخيرهم إلى تمكنه القوة عليهم".
[ ١٢ / ٣٩٨ ]
قال في الحاوي: إذا سأل أهل البغي إنظارهم والحرب قائمة، فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون ما سألوه من الإنظار قريبًا كاليوم إلى ثلاثة أيام، لا تتفرق فيها العساكر ولا يتباعد فيه معسكره، فيجابون إليه، وينظرهم هذه المدة وعسكره مقيم عليهم، ويتحرز في هذه المدة منهم، لأن قتالهم لا يدون اتصاله ليلا ونهارا، ولا بد فيه من استراحة عسكره ودوابه، فيجعلها إجابة لسؤالهم إعذارًا وإنذارًا.
والثاني: أن يسألوه الإنظار مدة طويلة كالشهر وما قاربه يبعد فيها المعسكر ويتفرق فيها العساكر فينبغي للإمام أن يجتهد رأيه في الإصلاح. بالكشف عن سرائرهم وعن أحوال عسكرهم.
فإن علم من مسألتهم الإنظار ليستوضحوا الحق من الباطل أو ليجمعوا كلمة جماعتهم على الطاعة أنظرهم، سواء كان في عسكره قوة عليهم أو ضعف عنهم، لأن المقصود منهم عودهم إلى الطاعة دون الاصطلام، وإن علم أنهم سألوه الإنظار ليجمعوا فيها ما يتقوون به عليه، إما من عساكر أو أموال أو سألوه الإنظار ليطلبوا له المكايد أو ليتفرق عنه العسكر فيثقا عليه العود. نظر حينئذ إلى حال عساكره ز فان وجد فيهم قوة على قتالهم وصبرًا على مطاولتهم لم ينظرهم وأقام على حربهم حتى يذعنوا أو ينهزموا، وإن وجد في عسكره ضعفا عنهم وعجزة عن طاولتهم أنظرهم ليلتمس القوة عليهم إما بعساكر أو بأموال، وجعل طاهر الإنظار إجابة لسؤالهم ليقيموا على الكف والموادعة، وباطن إنظارهم التماس القوة عليهم حتى لا يغفل عنهم
فصل:
فإن سألوا الإنظار مدة لا يجوز إنظارهم إليها على مال بذلوه، لم يجز إنظارهم به لأمرين:
أحدهما: أن بذل المال على الموادعة صغار وذلة، فلم يجز أخذه من المسلمين كالجزية.
والثاني: أنهم ربما أخرجوه إلى إضعافه بما يتجدد لهم من القوة.
فإن أخذ منهم المال على الإنظار بطل حكم الإنظار، ونظر فيما دفعوه من المال. فإن كان من خالص أموالهم رد عليهم وإن كان من الفيء والصدقات لم يرد، وصرف في مستحقيه.
فصل:
فإن خيف المكر بإنظارهم فبذلوا رهائن من أولادهم على الوفاء بعهدهم. فإن كان الإنظار مما لا تجوز الإجابة إليه مع أخذ الرهائن لم يجابوا إليه يبذل الرهائن. وإن جازت الإجابة إليه بغير الرهائن كانت الإجابة إليه مع أخذ الرهائن أولى.
فإن عادت الحرب ورهائنهم في أيدينا، لم نقتل رهائنهم، لأن التعدي من غيرهم.
[ ١٢ / ٣٩٩ ]
ولو كان في أيديهم أسارى من أهل العدل فقتلوهم، وفي أيدينا لهم أسارى منهم أو رهائن لهم لم يجز قتلهم بمن قتلوه، لأن القاتل غيرهم.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: " ولو استعان أهل البغي بأهل الحرب على قتال أهل العدل قتل أهل الحرب وسبوا ولا يكون هذا أمانا إلا على الكف فأما على قتال أهل العدل".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا استعان أهل البغي على قتالنا بأهل الحرب بأمان أعطوهم، نظر حال الآمان، فانه لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون مطلقا أو مشروطا بقتالنا. فإن كان مطلقا: صح الأمان لهم، وكان عقد أهل البغي لهم كعقد أهل العدل لقول النبي ﷺ: "المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم".
ويصيرون بهذا الأمان أمنيين من أهل البغي وأهل العدل، لعمومه وصحته، ما لم يقاتلونا، فإن قاتلونا صاروا كأهل العهد المتقدم، إذا قاتلوا على ما سنذكره.
وإن كان عقد الأمان لهم مشروطة بقتالهم معهم، كان هذا الأمان باطلًا لأمرين:
أحدهما: أنه لما بطل عقد الأمان لهم بقتالنا لم يجز أن ينعقد على قتالنا.
والثاني: أن عقد الأمان يقتضي أن نؤمنهم ونأمنهم فلم يجز أن نؤمنهم ولا نأمنهم، وإذا بطل الأمان بما ذكرنا سقط حكمه في أهل العدل ولزم حكمه في أهل البغي اعتبارا بالشرط في حقهم، وإن بطل في حق غيرهم، وجاز لأهل العدل قتلهم واسترقاقهم وسبيهم وقتلهم مقبلين ومدبرين كما يقتلون ويقاتلون في جهادهم وهم مقبلين ومدبرين.
ولم يجز لأهل البغي قتلهم ولا استرقاقهم وإن حكمنا ببطلان أمانهم للزومه في الخصوص وإن بطل في العموم.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: " فلو كان لهم أمان فقاتلوا أهل العدل كان نقضًا لأمانهم".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا كان لطائفة من المشركين عهدًا بأمان متقدم، فاستعان بهم أهل البغي على قتالنا، كان ذلك نقضًا لأمانهم إذا قاتلونا لقول الله تعالى: ﴿وإمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨].
[ ١٢ / ٤٠٠ ]
فلما جاز أن ينبذ إليهم عهدهم بنقضه إذا خفناهم كان أولى أن ينقض بقتالهم.
ولأن إعطاء للعهد لهم إنما كان لمصلحتنا لا لمصلحتهم، وكذلك إذا سألوا العهد لما يلزم إجابتهم إليه إلا إذا رأى الإمام في ذلك خطأ للمسلمين، فيجوز أن يعاهدهم، فإذا قاتلوا زالت المصلحة فبطل العهد عمومًا، وإن كان من أهل البغي خصوصًا. وجاز لنا قتلهم وسبيهم، وقتالهم مقبلين ومدبرين فإن أسلموا: لم يؤخذوا بما استهلكوا من دم ولا مال كغيرهم من أهل الحرب، بخلاف أهل البغي. فإن قالوا: لم نعلم أن قتالنا معهم مبطل لعهدنا معكم. لم يقبل منهم في بقاء العهد معهم، لأن الأمان هو الكف والموادعة، فضعف ما ادعوه من الجهالة.
فإن ادعوا الإكراه: كلفوا البينة، فإن أقاموا على إكراه أهل البغي لهم على قتالنا بينة، كانوا على عهدهم.
وإن لم يقيموها، لم تقبل دعواهم، وانتقض عهدهم، لأن أصل الفعل حدوثه عن اختيار فاعله.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وإن كانوا أهل ذمة فقد قيل ليس هذا نقضًا للعهد قال ورأى كانوا مكرهين أو ذكروا جهالة فقالوا كنا نرى إذا حملتنا طائفة من المسلمين على أخرى أن دمها يحل كقطاع الطريق أو لم نعلم أن من حملونا على قتاله مسلم لم يكن هذا نقضًا للعهد وأخذوا بكل ما أصابوا من دم ومال وذلك أنهم ليسوا بمؤمنين الذين أمر الله بالإصلاح بينهم.
قال في الحاوي: إذا استعان أهل البغي على قتالنا بأهل الذمة وأصحاب الجزية. فإن كانوا مكرهين: لم تنتقض ذمتهم.
وإن كانوا مختارين: فإن ادعوا جهالة وقالوا: ظننا أن معونتنا لبعضكم على بعض جائزة كما نعينكم على قطاع الطريق، قبل منهم دعوى الجهالة، ولم تنقض ذمتهم وإن لم يقبل من أهل العهد والنقض به عهدهم. والفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن عقد الذمة حق لهم علينا، وعهد الأمان حق لنا عليهم، لأن من سأل الأمان لم يلزم إجابته، ومن بذل الجزية لزمت إجابته.
والثاني: أن لنا مع خوف الخيانة أن ننقض أمان أهل العهد، وليس لنا مع خوفها أن ننقض أمام أهل الذمة حتى نتيقنها فافترقا.
وإن لم يدعوا الجهالة لم يخلو عقل ذمتهم من أحد أمرين:
أحدهما: أن يشترط فيه عليهم أن لا يعينوا على مسلم بقتل ولا قتال، فيكون ما خالف هذا الشرط من قتالهم لأهل العدل نقضًا لأمانهم.
[ ١٢ / ٤٠١ ]
والثاني: أن يكون عقد ذمتهم مطلقًا، لم يشترط ذلك في، ففي انتقاض ذمتهم قولان:
أحدهما: قد انتقضت بالقتال ذمتهم كما انتقض به أمان أهل العهد.
فعلى هذا: يجوز قتلهم وقتالهم مقبلين ومديرين كما ذكرنا في أهل العهد.
والثاني: لا تنتقص به ذمتهم وإن انتقص به أمان أهل العهد، لقوة الذمة على العهد من وجهين:
أحدهما: أن الذمة مؤبدة والعهد مقدر بمدة.
والثاني: أن الذمة توجب أن نكف عنهم أنفسنا وغيرنا، والعهد لا يوجب أن تكف عنهم غيرنا، مع ما قدمناه من الفرق بينهما من الوجهين المتقدمين. فعلى هذا: يجب علينا أن نقاتلهم مقبلين ونكف عنهم مدبرين كأهل البغي، ولكن ما أصابوه من دم أو مال يؤخذون بغرمه قولًا واحدًا، وإن لم يؤخذ أهل البغي بغرمه في أحد القولين، لأن قتال أهل البغي بتأويل، وقتال أهل الذمة بخير تأويل.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وأن أتى أحدهم تائبًا لم يقص منه لأنه مسلم محرم الدم".
قال في الحاوي: اختلف أصحاب الشافعي في مراده بهذه المسألة على وجهين:
أحدهما: أنه أراد بها من استعان البغاة به من المشركين إذا أتلفوا في حربنا دماء وأموالًا ثم تابوا من الشرك وأسلموا لم يؤخذوا بغرمه إن كانوا من أهل الحرب أو من أهل العهد وكذلك إن كانوا من أهل الذمة.
وجعل القتال نقضًا لذمتهم، فإن لم يجعل نقضًا لم يسقط الغرم، ولا يكون محمولًا على البغاة، لأنه علل في سقوط الغرم يما ليس بعلة في سقوطه عن أهل البغي وهو التوبة، لان علة سقوطه عن أهل البغي هو التأويل.
والثاني: أنه أراد بها أهل البغي، لأن الشافعي قد أفصح بذلك في كتاب الأم، وتكون التوبة محمولة على إظهار الطاعة ووجود القدرة فلا يجيب عليهم غرم ما استهلكوه من دم ومال على أصح القولين، وإن وجب على للقول الآخر.
مسألة
قال الشافعي ﵁: " وقال لي قائل ما تقول فيمن أراد دم رجل أو ماله أو حريمه؟ قلت يقاتله وإن أتى القتل على نفسه إذ لم يقدر على دفعه إلا بذلك وروى
[ ١٢ / ٤٠٢ ]
حديث النبي ﷺ: " لا يحل دم امرء مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير نفس" قلت هو كلام عربي ومعناه إذا أتى واحدة من الثلاث حل دمه فمعناه كان رجلًا زنى محصنًا ثم ترك الزنى وتاب منه وهرب فقدر عليه قتل رجما أو قتل عمدا وترك القتل وتاب منه وهرب ثم قدر عليه قتل قودًا وإذا كفر ثم تاب فارقة اسم الكفر وهذان لا يفارقهما اسم الزى والقتل ولو تابا وهربا".
قال في الحاوي: هذا سؤال اعترض به على الشافعي من منع من قتال أهل البغي، لأن قتالهم مقضي إلى قتلهم، وقد قال رسول الله ﷺ: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان أو قتل نفس بغير نفس".
وليس الباغي واحدًا من هؤلاء الثلاثة، وجعل هذا السؤال مقصورًا فيمن أريد دمه أو ماله أو حريمه كيف يجوز له قتل من أراده بذلك. فاقتضى السؤال دليلًا على الحكم وانفصالًا عن الخبر، فأما الدليل على أن من أريد دمه أو ماله أو حريمه يجوز له دفع من أراده إن أتى الدفع عن نفسه على ما سنذكره من نعد من ترتيب الدفع بحال بعد حال قول رسول الله ﷺ: "من قتل دون مال، فهو شهيد". والشهيد مظلوم، وللمظلوم دفع الظلم عن نفسه بالقتال، وما أبيح من القتال لم يجب به ضمان، وأما الانفصال عن الخبر فمن وجهين:
أحدهما: أنه أباح القتل بثلاثة شروط اختلفت معانيها واتفقت أحكامها:
أحدها: بالكفر بعد الإيمان فلا يجوز العفو عنه، ويسقط بالتوبة منه، ويزول عنه اسم الكفر بعد التوبة.
والثاني: بالزنى يعد الإحصان، لا يجوز العفو عنه، ولا يسقط بالتوبة منه بعد القدرة، وفي سقوطه قبل القدرة خلاف ولا يزول عنه اسم الزنى بعد التوبة.
والثالث: بقتل نفس بغير نفس، وهذا يجوز العفو عنه، ولا يسقط بالتوبة، ولا يزول عنه اسم للقتل بالتوبة.
فلما اختلفت المعاني والأسماء، صارت معاني القتل هي المعتبرة دون العدد المحصور.
والثاني: أنه لسان عربي لا يمنع أن ينضم إلى العدد المحصور ما في معناه، ولا تكون الزيادة عليه رافعة لحكمه كما قال الله تعالى: ﴿ووَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢].
[ ١٢ / ٤٠٣ ]
وعلى أن للخبر تأويلين يغنيان عن هذين الجوابين:
أحدهما: لا يحل قتله بسبب متقدم إلا بإحدى ثلاث، وهذا لا يقتل صبرًا، وإنما ينتهي حاله إلى القتل دفعًا.
والثاني: لا يحل قتله بسبب متقدم إلا بإحدى ثلاث، وهذا لا يقتل بسبب متقدم، وإنما يقتل بسبب حادث في الحال.
مسألة
قال الشافعي ﵁: "ولا يستعان عليهم بمن يرى قتلهم مدبرين".
قال في الحاوي: أما الاستعانة بأهل العهد والذمة في قتال أهل البغي فلا يجوز بحال، لقول الله تعالى: ﴿ولَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]. ولقول النبي ﷺ: "الإسلام يعلو ولا يعلى".
ولأنهم غير مأمونين على نفوسهم وحريمهم لما يعتقدونه دينا من إباحة دمائهم وأموالهم التي أوجب الله تعالى حظرها وأمر بالمنع منها.
فأما الاستعانة عليهم بمن يرى قتالهم من المسلمين مقبلين ومديرين فقد منع الشافعي منه لما يلزم من الكف عنهم إذا انهزموا.
فإن قيل: فهلا جاز أن يستعين عليهم بمن يخالف رأيه فيه، ويعمل على اجتهاد نفسه، كما يجوز للحاكم أن يستخلف من يحكم باجتهاد نفسه، وإن خالف اجتهاد مستخلفه، فيجوز للشافعي أن يستخلف حنيفا، وللحنفي أن يستخلف شافعيًا.
قيل: الفرق بينهما: أن قتال أهل البغي مدبرين باجتهاد الإمام والمعين فيه مأمور ممنوع من الاجتهاد، والمستخلف على الحكم مفوض إليه النظر فساغ له الاجتهاد.
فإذا ثبت أنه ممنوع الاستعانة فقد اختلف أصحابنا فيه على وجهين:
أحدهما: أنه منع تحريم وحظر.
والثاني: أنه منع ندب واستحباب.
فإذا دعته الضرورة إلى الاستعانة بهم لحجز أهل العدل عن مقاومتهم جاز أن يستعين بهم على ثلاثة شروط:
أحدها: أن لا يجد عونًا غيرهم، فإن وجد لم يجز.
والثاني: أن يقدر على ردهم إن خالفوا، فإن لم يقدر على ردهم لم يجز.
والثالث: أن يثق بما شرطه عليهم أن لا يتبعوا مدبرًا ولا يجهزوا على جريح، فإن لم يثق بوفائهم لم يجز.
[ ١٢ / ٤٠٤ ]
مسألة:
قال الشافعي ﵁: " ولا بأس إذا كان حكم الإسلام الظاهر أن يستعان بالمشركين على قتال المشركين وذلك أنه تحل دماؤهم مقبلين ومدبرين".
قال في الحاوي: وهو كما قال يجوز للإمام أن يستعين بالمشركين على قتال المشركين، لأن رسول الله صلي الله عليه وسلم استعان في بعض حروبه بيهود بني قينقاع، واستعار من صفوان بن أمية عام الفتح سبعين درعًا.
وشهد معه حنينًا وهو على شركه، وسمع أبا سفيان يقول: غلبت هوازن وقتل محمد. فقال له: يفيك الحجر، والله لرب من قريش أحب إلينا من رب هوازن.
فإن قيل: فقد قال النبي ﷺ: "أنا بريء من كل مسلم مع مشرك"
قيل: إنما برئ من معونة المسلم لمشرك ولم يبرأ من معونة المشرك لمسلم.
وقد روي عنه ﷺ أنه قال: "لا تستضيئوا بنار أهل الشرك" ومعناه: لا ترجعوا إلى آرائهم. فإذا ثبت جواز الاستعانة بهم على المشركين وإن لم يجز الاستعانة بهم على أهل البغي فهي معتبرة بثلاثة شروط:
أحدها: أن تكون نياتهم في المسلمين جميلة.
والثاني: أن يعلم من حالهم أنهم إن انضموا إلى المشركين لم يضعف المسلمون عن جميعهم.
والثالث: أن يؤمن غدرهم وتخزيلهم.
فإذا استكملت فيهم هذه للشروط استعان بهم.
مسألة
قال الشافعي ﵁: " ولا يعين العادل إحدى طائفتين الباغيتين وإن استعانته على الأخرى حتى نرجع إليه".
قال في الحاوي: إذا افترق أهل البغي طائفتين وقاتلت إحدى الطائفتين الأخرى.
فإن قوي الإمام على قتالهما لم يكن له معونة إحدى الطائفتين على الأخرى لأمرين:
أحدهما: أن كلا الطائفتين على خطأ، والمعونة على الخطأ من غير ضرورة خطأ.
[ ١٢ / ٤٠٥ ]
والثاني: أن معونة إحداهما أمان لها، وعقد الأمان لها غير جائز.
وإن ضعف عن قتالهما قاتل إحدى الطائفتين مع الأخرى، ويعتقد أنه ستعين بهم، ولا يعتقد انه معين لهم، وليضم إليه أقربهما إلى معتقده، وأرغبهما في طاعته.
فإن استويا ضم إليه أقلهما جمعًا فإن استويا ضم إليه أقربها دارًا، فإن استويا اجتهد رأيه في إحداهما، فإن أطاعته الطائفة التي قاتلها أو انهزمت عنه، عدل إلى الأخرى، ولم يبدأ بقتالها إلا بعد استدعائها ثانية إلى طاعته، لأن انضمامها إليه كالأمان الذي يقطع حكم ما تقدمه من الاستدعاء والحياة.
مسألة
قال الشافعي ﵁: " ولا يرمون بالمنجنيق ولا نار إلا أن تكون ضرورة بأن يحاط بهم فيخافوا الاصطلام أو يرمون بالمنجنيق فيسعهم ذلك دفعًا عن أنفسهم".
قال في الحاوي: اعلم أن المقصود بقتال أهل البغي كفهم عن البغي والمقصود بقتال أهل الحرب قتلهم على الشرك، فاختلف قتالهما لاختلاف مقصودهما من وجهين:
أحدهما: في صفة الحرب.
والثاني: في حكمها.
فأما اختلافهما في صفة الحرب فمن تسعة أوجه:
أحدها: أنه يجوز أن يكبس أهل الحرب في دارهم غرة وبياتًا، ولا يجوز أن يفعل ذلك بأهل البغي.
والثاني: يجوز أن يحاصر أهل الحرب ويمنعهم الطعام والشراب ولا يجوز أن يفعل ذلك بأهل البغي.
والثالث: يجوز أن يقطع على أهل الحرب نخيلهم وأشجارهم وزروعهم، ولا يجوز أن يفعل ذلك بأهل البغي.
والرابع: يجوز أن يفجر على أهل الحرب المياه ليغرقوا، ولا يجوز أن يفعل ذلك بأهل البغي.
والخامس: يجوز أن يحرق عليهم منازلهم، ويلقى عليهم النار ولا يجوز أن يفعل ذلك بأهل البغي.
والسادس: يجوز أن يلقى على أهل الحرب الحيات والحسك، ولا يجوز أن يفعل ذلك بأهل البغي.
والسابع: يجوز أن بنصب على أهل الحرب العرادات ويرميهم بالمنجنيقات، ولا يجوز أن يفعل ذلك بأهل البغي.
[ ١٢ / ٤٠٦ ]
والثامن: يجوز أن يعقر على أهل الحرب خيلهم إذا قاتلوا عليها، ولا يجوز أن يفعل ذلك بأهل البغي.
والتاسع: يجوز أن يقاتل أمل الحرب مقبلين ومدبرين، ولا يقاتل أهل البغي إلا مقبلين ويكف عنهم مدبرين.
وأما اختلافهما في حكم الحرب فمن ستة أوجه:
أحدها: يجوز أن يقتل أسرى أهل الحرب، ولا يجوز أن يقتل أسرى أهل البغي.
والثاني: يجوز أن تسبى ذراري أهل الحرب، وتغنم أموالهم ولا يجوز مثله في أهل البغي.
والثالث: أنه يجوز أن يعهد لأهل الحرب عهدًا وهدنة، ولا يجوز أن يعهد لأهل البغي.
والرابع: يجوز أن يصالح أهل الحرب على مال، ولا يجوز ذلك مع أهل البغي.
والخامس: يجوز أن يسترق أهل الحرب، ولا يجوز أن يسترق أهل البغي.
والسادس: يجوز أن يفادي أهل الحرب على مال وأسرى، ولا تجوز مفاداة أهل البغي.
فصل
فإذا تقرر ما ذكرنا من اختلافهما في صفة الحرب وحكمها، وأنه لا يجوز أن يرموا بالمنجنيق، فذلك في حال الاختيار.
فإن دعت ضرورة في إحدى حالتين جاز أن يرموا به، وتلقى عليهم النار:
إحداهما: أن يقاتلوا أهل العدل بذلك، فيجوز أن يقاتلوا عليه بمثله، قصدًا لكفهم عنه لا لمقاتلتهم عليه، فإن للظلم لا يبيح الظلم، لكن يستدفع الظلم بما أمكن.
والثانية: أن يحبطوا بأهل العدل ويخافوا اصطلامهم، فلا باس أن يرموهم بالمنجنيق ويلقوا عليهم النار طلبًا للخلاص منهم لا قصدًا لاصطلامهم.
مسألة
قال الشافعي ﵁: " وإن غلبوا على بلاد فأخذوا صدقات أهلها وأقاموا عليهم الحدود لم تعد عليهم."
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا تخلب أهل البغي على بلد فأخذوا صدقاتها وجبوا خراجها وأقاموا الحدود على أهلها، وأمضى الإمام ما فعلوه إذا ظهر على بلادهم ولم يطالب بما أوجبوه من الحقوق ولم يعد ما أقاموا من الحدودي لأن عليا رضوان الله
[ ١٢ / ٤٠٧ ]
عليه أمضى ذلك ولم يطالب به، ولأنهم متأولون في جبايته وإقامته. ولأنه لا يلزم أن يؤدي زكاة عام مرتين، ولا يقام على زان حدين.
فإن ادعى أصحاب الحدود إقامتها عليهم: قبل قولهم فيها، ولم يحلقوا عليها، لأنها حدود تدرًا بالشبهات. فإن ادعى من عليه الحقوق دفعها إليهم. فإن كانت زكاة: قبل قولهم في دفعها ولم يكلفوا البينة عليها لأنهم فيها أمناء، فإن اتهموا: أحلفوا، وفي يمينهم بعد اعترافهم بوجوبها وجهان:
أحدهما: أنها مستحبة، إن نكلوا عنها لم تؤخذ منهم.
والثاني: أنها واجبة، إن نكلوا عنها أخذت منهم بالاعتراف المتقدم دون النكول.
وإن كان الحق الذي ادعوا أداءه جزية أو خراجا، فإن كان على كافر: كلف البينة ولم تقبل دعواه، لأن الجزية أجرة، والخراج إما أن يكون ثمة أو أجرة ولا يقبل قول المستأجر في دفع الأجرة، ولا قول المشتري في دفع الثمن إلا ببينة، فإن أقاموا البينة على دفعها برئوا. وإن لم يقيموها أخذت منهم الجزية والخراج. وإن كان الخراج على مسلم: ففي قبوله قوله في دفعه وجهان:
أحدهما: يقبل قوله فيه ويحلف إن اتهم عليه كالزكاة.
والثاني: وهو أصح أن قوله فيه غير مقبول حتى يقيم البينة على الأداء، فإن لم يقصها أخذت منه.
فان أحضروا خطوطًا بقبضها فان كانت محتملة للشبهة: لم يعمل بها في الأحكام ولا في حقوق الأموال.
وإن كانت سليمة من الاحتمال طاهرة الصحة لم يعمل عليها في الأحكام ولا في حقوق المعاملات. وفي جواز العمل بها في حقوق بيت المال وجهان:
أحدهما: يجوز العمل بها اعتبارًا بالعرف فيها. والثاني: وهو أصح أنه لا يجوز بها على العموم في جموع الأحكام والحقوق، لدخول الاحتمال فيها وإمكان التزوير عليها.
مسألة
قال الشافعي ﵁: "ولا يرد من قضاء قاضيهم إلا ما يرد من قضاء قاضي غيرهم وقال في موضع أخر: إذا كان غير مأمون برأيه على استحلال دم ومال لم ينفذ حكمة ولم يقبل كتابه".
قال في الحاوي: وقال في موضع آخر: إن كان غير مأمون برأيه على استحلال دم أو مال لم ينفذ حكمه ولم يقبل كتابه إذا قلد أهل البغي قاضية على البلاد التي غلبوا
[ ١٢ / ٤٠٨ ]
عليها، نظرت حاله:
فإن كان يرى استحلال دماء أهل العدل وأموالهم: كان تقليده باطلًا، وقضاياه مردودة، سواء وافقت الحق أو خالفته، لأنه بهذا الاعتقاد فاسق، وولاية الفاسق باطلة، وبطلان ولايته توجب رد أحكامه.
وإن كان لا يرى استباحة ذلك: جاز تقليده القضاء إذا كان من أهل الاجتهاد سواء كان عادلًا أو باغيًا.
وقال أبو حنيفة: لا تنعقد ولايته إذا كان من أهل البغي، ولا تنفذ أحكامه.
وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أنه متأول بشبهة خرج بها من الفسق.
والثاني: أنه لما صح من الباغي أن يقلد القضاء، صح منه أن ينفذ القضاء، وصار في الحكم كالعادل، كما كان في التقليد كالعادل.
فإذا حكم نفذت أحكامه على أهل البغي وأهل العدل، ولم يرد منها إلا ما يرد من أحكام قضاة أهل العدل إن خالف نصًا من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس غير محتمل. فعلى هذان لو حكم بوجوب الضمان على أهل البغي فيما أتلفوه على أهل العدل نفذ حكمه، لأنه متفق عليه. ولو حكم بسقوط الضمان عنهم فيما أتلفوه على أهل العدل، نظر: فإن كان فيما أتلفوه قبل الحرب أو بعدها: لم ينفذ حكمه، لأنه مخالف للإجماع.
وإن كان فيما أتلفوه في حال القتل نفذ حكمه لاحتماله في الاجتهاد. وسقط عنهم الضمان.
فصل:
وإذا كتب قاضي أهل البغي إلى قاضي العدل كتابة في حكم فالأولى أن لا يتظاهر بقبوله، ويتلطف في رده استهانة به وزجرًا له عن بغيه فإن قبله وحكم به جاز.
فصل:
وإذا كتب قاضي أهل البغي إلى قاضي العدل كتابًا في حكم، فالأولى أن لا يتظاهر بقبوله، ويتلطق في رده استهانة به وزجرًا له عن بغيه، فان قبله وحكم به جاز.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يقبله ولا ينفذ حكمه به بناء على أصله في بطلان ولايته ورد أحكامه.
وهكذا يجوز لقاضي أهل العدل أن يكتب إلى قاضي أهل البغي كتابة يحكم وإن كره له ذلك. ولعل أبا حنيفة يمنع منه. فقد روي أن محمد بن أبي بكر سأل عليا رضوان الله عليه أن يكتب له كتابا يعمل عليه في أحكامه، فكتب إليه بذلك كتابا وأخذه معاوية في الطريق، وكان يعمل به في الأحكام، فبلغ ذلك عليًا، فقال: غلطت غلطة لا أعذر أكيس بعدها واستمر.
[ ١٢ / ٤٠٩ ]
فأما ما حكاه المزني من قوله في موضع آخر: إن كان غير مأمون فليس بقول مختلف وإنما وهم به المزني.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: " ولو شهد منهم عدل قبلت شهادته ما لم يكن يرى أن يشهد لموافقته بتصديقه".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
شهادة أهل البغي إذا كانوا عدولًا مقبولة، ولا يكونوا بما تأولوه من البغي فساقًا، لحدوثه منهم عن تأويل سائغ.
وقال أبو حنيفة: هم فساق، ولكن تقبل شهادتهم، لأنه نسق من تدين واعتقاد، ولذلك قبلت شهادة أهل الذمة إذا كانوا عدولا في دينهم.
وقال مالك: هم فساق لا نقبل شهادتهم.
والدليل عليهما في صحة العدالة منهم وأن لا يصيروا بالتأويل المسوغ فساقا أن الانفصال من مذهب إلى غيره إذا كان له في الاجتهاد مساغ لا يقتضي التنسيق، كالمنتقل في فروع الدين من مذهب الشافعي إلى مذهب مالك أو أبي حنيفة لا يضق بالانتقال، لأنه عدل إلى مذهب بتأويل سائغ.
فصل:
فإذا ثبت أنه يجوز أن يكون عدلًا إذا اجتنب ما يجتنبه عدول أهل العدل، لم يمنع من قبول شهادته إلا في حالتين:
أحدهما: أن يرى من خالفه مباح الدم والمال، فيكون بهذه الاستباحة فاسقًا.
والثانية: أن يعتقد رأي الخطابية. وهم قوم يرون الشهادة لموافقتهم على مخالفهم فيما ادعاه عليه، فيصدقه، ثم يشهد له بذلك عند الحاكم.
وبنوه على أصولهم في أن الكذب في القول والإيمان باله موجب للكفر وإحباط الطاعات. فشهادة هؤلاء مردودة، وفي علة ردها وجهان:
أحدهما: الفسق، لأنه اعتقاد يرده الإجماع.
والثاني: التهمة مع ثبوت العدالة، لأنه متهم في مماثلة موافقه، فصار كشهادة الأب لابنه وإن كان على عدالة.
فعلى هذا: ترد شهادته إذا شهد بالحق مطلقًا، وإن شهد على إقرار من عليه الحق، ففي رد شهادته وجهان:
[ ١٢ / ٤١٠ ]
أحدهما: ترد شهادته في المقيد كردها في المطلق إذا قيل: إن العلة في ردها الفسق.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي تقبل شهادته ولا ترد إذا قيل: إن العلة في ردها التهمة؛ لأنه يتهم في المطلق أنه لتصديق موافقه، ولا يهتم في العقيد بالإقرار أن يقول: أقر عندي ولم يقر لأنه كذب يوجب عندهم الكفر.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "فإن قتل باغ في المعترك غسل وصلى عليه ودفن وإن كان من أهل العدل ففيها قولان أحدهما أنه كالشهيد والآخر أنه كالموتى إلا من قتله المشركون".
قال في الحاوي: أما إذا كان المقتول في معركة الحرب من أهل البغي فإنه يغسل ويصلى عليه.
وقال أبو حنيفة: لا يغسل ولا يصلى عليه استهانة به وعقوبة له، لمخالفته في الدين كأهل الحرب.
ودليلنا: قول النبي ﷺ: "فرض على أمتي غسل موتاها والصلاة عليها". ولأنه مسلم مقتول بحق فلم يمنع قتله من غسله والصلاة عليه كالزاني والمقتص منه، بل هذا أحق بالصلاة منهما، لأن الزاني فاسق، وهذا متردد الحال بين فسق وعدالة.
فأما استهانته فغير صحيح، لأنه لا يجوز أن يستهان بمخلوق في إضاعة حقوق الخالق. وإما جعل ذلك عقوبة، فالعقوبة إنما تتوجه إلي من يألم بها، ولأن العقوبات تسقط بالموت كالحدود.
فإن قيل: يعاقب بها الحي منهم.
قيل: لا يجوز أن يعاقب أحد بذنب غيره، على أنهم يرون ترك الصلاة عليهم قربة لهم.
فصل:
فإن كان المقتول في معركتهم من أهل العدل ففي غسله والصلاة عليه قولان:
أحدهما: لا يغسل ولا يصلى عليه، لأنه مقتول في المعركة على حق كالقتيل في معركة المشركين.
والثاني: يغسل ويصلى عليه، لأن عمر وعثمان وعليًا رضوان الله عليهم قتلوا شهداء فغسلوا وصلي عليهم، لأنهم لم يقتلوا في معركة المشركين.
[ ١٢ / ٤١١ ]
وقتل عمار بن ياسر بصفين فغسله علي وصلى عليه. ولأنه مسلم قتله مسلم، فلم يمنه قتله من الصلاة عليه كالمقتول في غير المعركة.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله: "وأكره للعدل أن يعمد قتل ذي رحم من أهل البغي وذلك أن النبي ﷺ كف أبا حذيفة بن عتبة عن قتل أبيه وأبا بكر ﵁ يوم أحد عن قتل ابنه".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
يكره للعادل قتل ذي رحم من أهل البغي وقتاله، ويعدل عنه إلي غيره لقول الله تعالى: ﴿وصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا واتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إلَيَّ﴾ [لقمان ١٥]، ولأن رسول الله ﷺ كف أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة عن قتل أبيه يوم بدر، وكف أبا بكر عن قتل ابنه عبد الرحمن يوم أحد، ولأن فيه اعتيادًا للعقوق واستهانة بالحقوق.
ولأن له فسخة في أن يعدى عن ذي رحمه ويكل قتله أو قتله إلي غيره. فإن قتل ذا رحم له جاز، ولم يخرج وإن كره له. روي أن أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه مشركًا، وأتى رسول الله ﷺ برأسه، فكره رسول الله ﷺ ذلك منه حتى ظهر في وجهه وقال: ما حملك على ذلك؟ قال: سمعته يسبك، ثم ولى منكسًا إلي أن نزل الله تعالى فيه عذره: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [المجادلة ٢٢].
فصل:
فأما قول الشافعي: وأكره أن يعمد قتل ذي رحمه.
عمد القتل في قتال أهل البغي ينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون رميه عميًا يرمى إلي صفه سهمًا، لا يقصد به أحدًا بعينه، فيقتل به من أصابه فلا حرج عليه. وهذا أولى ما فعله العادل في قتاله، فيكون عامدًا في القتل غير متعمد للمقتول.
والثاني: أن يعمد قتل رجل بعينه، يقاتل أهل العدل وينكى فيهم هذا مباح لا حرج فيه عليه، لأنه قتل دفع.
والثالث: أن يعمد قتل رجل بعينه قد كف عن القتال، وهو واقف مع صفهم، ففي عمد قتله وجهان محتملان:
أحدهما: محظور، لأن القصد بقتالهم الكف، وهذا كاف فصار كالأسير الذي يحرم اعتماد قتله.
[ ١٢ / ٤١٢ ]
والثاني: لا يحرم، لأنه ردء لهم وعون، فأجرى عليه حكم مقاتلتهم فقد شهد حرب الجمل محمد بن طلحة بن عبيد الله. وكان ناسكًا عابدًا ورعًا يدعى السجاد.
فرآه علي ﵇ واقفًا فنهى عن قتله، وقال: إياكم وصاحب البرنس، فقتله رجل وأنشأ يقول:
وأشعث قوام بآيات ربه قليل الأذى فيما ترة العين مسلم
هتكت له بالرمح جيب قميصه فخر صريعا لليدين وللفم
يناشدني حم والرمح مشرع فهلا تلاحم قبل التقدم
على غير شيء غير أن ليس تابعًا عليًا ومن لا يتبع الحق يظلم
قال الشافعي: فما أخذه علي بدمه، ولا زجره على قتله.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وأيهما قتل أباه أو ابنه فقال بعض الناس إن قتل العادل أباه ورثه وإن قتله الباغي لم يرثه وخالفه بعض أصحابه فقال: يتوارثان لأنهما متأولان وخالفه آخر فقال لا يتوارثان لأنهما قاتلان. قال الشافعي ﵀: وهذا أشبه بمعنى الحديث فيرثهما غيرهما من ورثتهما".
قال في الحاوي: هذه المسألة في ميراث القاتل قد مضت في كتاب الفرائض. فإذا اقتتل الورثة في قتال أهل البغي، فقد اختلف الناس في توارثهم على أربعة مذاهب:
أحدهما: وهو مذهب أبي حنيفة أنه يورث العادل من الباغي ولا يورث الباغي من العادل، لأن قتل العادل ظلم، وقتل الباغي حق.
والثاني: وهو مذهب أبي يوسف ومحمد أنهما يتوارثان فيورث العادل من الباغي ولا يورث الباغي من العادل لأنهما متأولان.
والثالث: وهو مذهب مالك أنه إن قتله في عميا توارثًا، لأن العمياء خطأ، وهو يورث الخاطيء وإن قتله عمدًا لم يتوارثا.
والرابع: وهو مذهب الشافعي أنهما لا يتوارثان بحال في عمد ولا خطأ لعموم قول رسول الله ﷺ: لا ميراث لقاتل.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ومن أريد دمه أو ماله أو حريمه فله أن يقاتل وإن أتى ذلك على نفس من أراده. قال الشافعي ﵀: قال رسول الله ﷺ: "من قتل دون ماله فهو شهيد".
[ ١٢ / ٤١٣ ]
قال في الحاوي: قد مضت هذه المسألة فيمن أريد دمه أو ماله أو حريمه أن له أن يقاتل من أراده وإن أتى القتال على نفسه، ويكون دم الطالب هدرًا ما لم يكن للمطلوب ملجأ يلجأ إليه من حصن يغلقه عليه أو مهرب لا يمكن لحوقه فيه لرواية الضحاك عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون نفسه فهو شهيد، ومن قتل دون حريمه فهو شهيد ومن قتل دون جاره فهو شهيد".
فإن وجد المطلوب ملجأ يلجأ إليه فقد قال الشافعي في موضع: له أن يقاتل. وقال في موضع آخر. ليس له أن يقاتل. فاختلف أصحابنا فخجره بعضهم على قولين.
وقال آخرون: بل هو على اختلاف حالين، فالموضع الذي أباح قتاله: إذا لم يأمن رجعته، والموضع الذي منع من قتاله: إذا أمن رجعته.
فصل:
فإذا ثبت جواز القتال فوجوبه معتبر بما أراده الطالب، وذلك ينقسم ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يريد مال المطلوب دون دمه وحريمه، فهذا القتال مباح والمطلوب مخير بين قتال الطالب وبين استسلام وتسليم ماله ولا يجب عليه أن يمنع منه.
والثاني: أن يريد الطالب حريم المطلوب، لإتيان الفاحشة فواج على المطلوب أن يقاتل عنها ويمنع.
والثالث: أن يريد الطالب نفس المطلوب، ففي وجوب قتاله دفعه عن نفسه وجهان:
أحدهما: يجب عليه أن يقاتل عنها ويدفع لقوله تعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء ٢٩].
وقوله: ﴿ولا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة ١٩٥]. كما يجب على المضطر من الجوع إحياء نفسه بأكل ما وجده من الطعام.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي لا يجب عليه القتال والدفع، ويكون مخيرًا بينه وبين الاستسلام، طلبًا لثواب الشهادة. لقوله تعالى: ﴿لَئِن بَسَطتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة ٢٨].
ولأن عثمان بن عفان ﵁ حين أريدت نفسه منع عنه عبيده، فكفهم وقال لهم: من أغمد سيفه فهو حر. وأتى رجل إلي رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت لو أن رجلًا انغمس في العدو حتى قتل صابرًا محتسبًا أيحجزه عن الجنة شيء فقال: لا، إلا الدين، فانغمس في العدو حتى قتل، ورسول الله ﷺ يراه ولا يمنعه. فأما المضطر جوعًا إذا وجد طعامًا وهو يخاف التلف. فإن كان مالكًا للطعام أو لم يكن مالكًا له، وكان قادرًا على ثمنه فواجب عليه إحياء نفسه بأكله وجهًا واحدًا، بخلاف من أريد دمه في أحد الوجهين؛ لأن في القتل شهادة يرجو بها الثواب، وليس في ترك الأكل شهادة يثاب
[ ١٢ / ٤١٤ ]
عليها. وإن كان الطعام لغيره وهو غير قادر لي ثمنه ففي وجوب إحياء نفسه بأكله وجهان: وهكذا لو وجد ميتة كان في وجوب أكلها وجهان:
أحدهما: يجب تغليبًا لإحياء النفس.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي-كون مخيرًا فيه ولا يجب عليه لتنزيه نفسه عن نجاسة الميتة وإبرا ذمته من التزام ذنب لا يعذر عليه.
مسألة:
قال الشافعي ﵀: "فالحديث عن النبي ﷺ يدل على جواز أمان كل مسلم من حر وامرأة وعبد قاتل أو لما يقاتل لأهل بغي أو حرب".
قال في الحاوي: وهذا كما قال. وأصل هذا: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "المسلمون تتكافأ دماؤهم وهو يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم". قيل: إنه أراد عبيدهم فإذا ثبت هذا فالأمان ضربان، عام وخاص.
فأما العام: فهو الهدنة مع أهل الحرب، فلا يجوز أن يتولاها إلا الإمام جون غيره، لعموم ولايته، فإن تولاها غيره، لم يلزم. وإذا اختصت بالإمام، كان إمام أهل الهدل أحق بعقدها من إمام أهل البغي، فإن عقدها إمام أهل البغي بطلبت، كما تبطل بعقد غير الإمام، لأن إمامة الباغي لا تنعقد. وأما الأمان الخص: فيصح من كل مسلم لكل مشرك، سواء كان الأمان من رجل أو امرأة، من حر كان أو من عبد، من عادل أو باغ فيكون أمان البغي لازمًا لأهل البغي وأهل العدل، وأمان العادل لازمًا لأهل العدل وأهل البغي.
فإن أمن أهل البغي قومًا من المشركين، لم يعلم بهم أهل العدل حتى سبوهم وغنموهم لم يملكوا سبيهم وغنائمهم، ولزمه رد السبي والغنائم عليهم، وكذلك لو أمنهم أل العدل وسباهم وغنمهم أهل البغي، حرم عليهم أن يتملكوهم، وحرم على أهل العدل أن يبتاعوهم.
وعلى إمام أهل العدل إذا قدر عليهم أن يسترجعه منهم ويرده على أهله من المشركين. وهكذا لو أمن أهل البغي قومًا من المشركين ثم غدروا بهم فسبوهم وغنموهم، لم يحل ابتياع السبي والغنائم منهم، ولزم أهل العدل رد ما قدروا عليه.
فصل:
فإذا اجتمع أهل العدل وأهل البغي على قتال المشركين، قسم سبيهم وغنائمهم بين أهل العدل وأهل البغي لقول النبي ﷺ: المسلمون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم، ولأن الإسلام يجمعهم وإن جرى الاختلاف بينهم.
[ ١٢ / ٤١٥ ]
وينفرد إمام أهل العدل بقسمة الغنائم بينهم، ويختص بإجازة الخمس إليه لينفرد بوضعه في مستحقيه لصحة إمامته، وبطلان إمامة غيره وبالله التوفيق.