مسألة: قال: "ومن يعتق ما يملِكُ".
الفصل
يعني إذا قال: رقيقي أحرار، أو مماليكي أحرار، أو إن دخلت الدار فمماليكي أحرار، أو رقيقي أحرار ودخل الدار، فإن كان عبيد وإماء عتقوا؛ لأن هذا الاسم يتناولهم حقيقة، وإن كان مدبرًا أو مدبرة عتقًا أيضًا؛ لأنهما في حكم العبد القن، ولو باشرهما بالعتق عتقًا، وإن كانت له أم ولدٍ عتقت أيضًا؛ لأنه لو باشرها بالعتق عتقت، وكذلك إذا كان له أشقاصٌ من عبيدٍ وإماءٍ يحكم بعتقهم؛ لأنه يملك ذلك ملكًا حقيقةً، وإن كان له مكاتب أو مكاتبة فإن نوى عتقهما عتقًا بالنية، وإن أطلق ولم ينو فالمنصوص أنهما لا يعتقان؛ لأنه خارج عن ملك سيده في تصرفه فلا يتصرف في رقبته ولا منفعته، ويستحق كل واحدٍ منهما الحقوق على صاحبه فلا يدخل في اسم المماليك. واعلم أن الشافعي علل فقال: "لأن المكاتب خارج عن ملكه بمعنى داخل". وله تأويلان:
أحدهما: أنه خارج عن ملكه مع براء عقد الكتابة، وداخل في ملكه بتعجيزه نفسه.
والثاني: أنه أراد أنه خارج ببعض أحكام الحرية له، وداخل بثبوت بعض أحكام الرق له.
وقال الربيع: سماعي من الشافعي أنهما يعتقان، فمن أصحابنا من لم يجعل هذا قولًا للشافعي، وقال: هذا من كيس الربيع وتخريجه وليس بقول الشافعي. ومنهم من قال وهو الصحيح: هذا قول آخر ففي المسألة قولان؛ لأنه قال: سماعي منه وهو ثقة فيما يرويه، ووجه قوله: "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم". ويؤكده أنه مملوك لسيده، ولهذا لا ولاية ولا شهادة، وهذا لا يصح؛ لأن من أصحابنا من قال: يجوز أن يكون مملوكًا لا مالك له كستر الكعبة. ومنهم من قال: مملوك لنفسه ولا يعتق؛ لأنه لم يكمل ملكه، كما إذا [١/ أ] اشترى عبدًا فإنه يملكه ولا ينفذ عتقه فيه؛ لأنه لم يكمل ملكه.
فإنه قيل: أليس لو أعتقه نفذ عتقه فدل أنه مملوك؟ قلنا: إذا واجهه بالعتق كان إبراٌ من مال الكتابة؛ لأن عتقه لا يحصل إلا به، ولهذا بقي له أولاده واكتسابه، وهنا أطلق اللفظ فينصرف إلى من ملكه حقيقة، ولا حاجة إلى استعماله في المكاتب ولا يتناوله المطلق في الحقيقة.
[ ١٠ / ٤٩٢ ]
مسألة: قال: "ولو حلف بعتق عبده ليضربنه غدًا فباعه اليوم فلما مضى غدٌ اشتراه".
الفصل
هذه مسألة مبنية على مسألة في الطلاق، وهي إذا قال لها: أنت طالق إن دخلت الدار، ثم أبانها فدخلت الدار لم تطلق، فإن تزوجها بعد ذلك ثم دخلت الدار لم تطلق أيضًا؛ لأن الصفة قد وجدت دفعة فانحلت اليمين. ولو لم تدخل الدار في حال البينونة ثم تزوجها فدخلت هل تعود الصفة؟ قد ذكرنا أنه إن أبانها بدون الثلاث ثم تزوجها، ففي القديم تعود اليمين قولًا واحدًا، وفي الجديد قولان. وإن أبانها الثلاث ففي الجديد لا تعود قولًا واحدًا، وفي القديم قولان.
فإذا ثبت هذا فهاهنا إذا قال لعبده: إن لم أضربك غدًا فأنت حر، فإن جاء الغد وهو مالكه، فإن ضربه بر في يمينه، وإن لم يضربه حنث، إلا أنه لا يعتق؛ لأنه ليس في ملكه. فإن اشتراه بعد ذلك لا يؤثر شيئًا؛ لأن وقت اليمين قد فات.
وفرَّع أصحابنا على هذا إذا قال: إن لم أضربك غدًا فأنت حر، ثم جاء الغد وتمكن من ضربه فلم يضربه ثم باعه قبل غروب الشمس لا يعتق أيضًا، لأن الصفة قد وجدت وهي حالة الغروب وليس العبد في ملكه فلم يعتق. ولو باع العبد قبل أن يضربه ثم ابتاعه قبل غروب الشمس من الغد وتمكن من ضربه هل تعود اليمين حتى إذا لم يضربه عتق أم لا يعود؟ فيه قولان. واختلف أصحابنا على أي أصل يبنى ذلك، فمنهم من قال: هو بمنزلة البينونة [١/ ب] بعد الثلاث، وقد تقدم هذا في "كتاب الخلع". وقال القفال: العود بملكٍ جديد في هذا الرق يشبه العود بنكاح جديدٍ قبل زوج آخر، وإن أعتقه وهو كافر فاسترق فملكه من الرق الجديد، فهو كالعود في النكاح بعد زوج آخر في الجديد لا يعود الحنث، وفي القديم قولان.
فرع
لو قال: والله لأضربنك غدًا، فإن ضربه في الغد برَّ، وإن لم يضربه حنث عند غروب الشمس، وإن باعه قبل الغروب وفاته الضرب حنث أيضًا وتلزمه الكفارة. والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها أن اليمين هناك معلقة بالعتق وذلك تعلق بعين العبد ولا يمكن ذلك؛ لأن العبد غير مملوك له فحنث ولزمته الكفارة عند تمكنه من الضرب وتفويته إياه على نفسه.
فرع آخر
لو قال: إن لم أضربك غدًا فأنت حر، فباعه قبل مجيء الغد ثم اشتراه بعد انقضاء غده، قال ابن أبي هريرة: يعتق عليه وينتقض البيع ويرجع بثمنه لاستحقاق عتقه قبل بيعه وهذا غلط؛ لأن نفوذ البيع أوجب زوال ملكه.
[ ١٠ / ٤٩٣ ]
فرع آخر
لو رهنه قبل غده وافتكه بعد غده ففي عتقه عليه ثلاثة أقوال بناء على إعتاق المرهون.
مسألة: قال: "ولو قال لعبده أنت حر إن بعتك فباعه بيعًا ليس ببيع خيار فهو حر".
الفصل
إذا قال لعبده: إن بعتك فأنت حر فقد علق عتقه على بيعه، فإن باعه مطلقًا عتق عليه؛ لأن صفة العتق مصادفة عقيب البيع والخيار ثابت له في تلك الحالة وهو خيار المجلس. ولو باشره بالعتق عتق فكذلك إذا وجدت الصفة عتق خلافًا لمالك وأبي حنيفة؛ لأن عندهما لا يثبت خيار المجلس. ولو باعه بشرط خيار الثلاث عتق بالإجماع عندنا لثبوت الخيارين؛ خيار المجلس وخيار الشريك، وعندهما لثبوت خيار الثلاث. وقد ذكرنا أنه لو باعه على أن لا خيار له فيه، ظاهر كلام الشافعي هنا مقتضى صحة البيع وأن لا يعتق عليه؛ لأنه قال: "فباعه [٢/ أ] بيعًا ليس ببيع خيار" لم يعتق.
وقيل: قوله: "ليس ببيع خيار"، لم يرد به هذا، بل أراد ليس ببيع شرط فيه خيار ثلاثة أيام، وقصد به الرد على مالك وأبي حنيفة حيث شرطا في نفوذ العتق هنا شرط خيار الثلاث وهذا هو الصحيح، وهو الذي نص عليه في البويطي، وذكره أبو إسحاق، واختاره القاضي أبو حامد. وقال القاضي أبو حامد: هذا يسقط تأويل من قال من أصحابنا: إن معناه ليس ببيع شرط فيه إبطال خيار المجلس عند عقد البيع وجعل جواز اشتراط إبطال خيار المجلس مع العقد قولًا للشافعي بهذا اللفظ، وقد ذكرنا في البيع فيه ثلاثة أوجهٍ، والصحيح بطلان البيع والشرط، وهو ظاهر قوله في "كتاب البيوع"؛ لأنه شرط ما ينافي مقتضى العقد ولا يتعلق به مصلحة العقد. وعلى هذا لا يعتق العبد أيضًا؛ لأن الصفة لم توجد، وإذا قلنا يصح العقد دون الشرط يعتق؛ لأن الصفة توجد.
مسألة: قال: "ولو قال إن زوجتك أو بعتك فأنت حر، فزوجه أو باعه بيعًا فاسدًا لم يحنث".
هذا على ما ذكر صحيح؛ لأن ظاهر اللفظ ينصرف إلى الصحيح دون الفاسد، ووافقنا المزني في عقد بصور مرة صحيحًا ومرة فاسدًا مثل هذا العقد. فأما إذا قال: إن بعت خمرًا أو خنزيرًا فأنت حر لا يحنث عند الشافعي بحالٍ، لأن البيع الصحيح لا يتصور فيها بحالٍ، وقال المزني: يحنث.
وكذلك لو قال: لا أبيع الخمر فباعها لا يحنث عندنا خلافًا للمزني. واحتج بأنه لا يبيع الخمر إلا فاسدًا، فكأنه لم يرد إلا وجود لفظ لا يجافي القبول وقد وجد ذلك، وهذا غلط لما ذكرنا.
[ ١٠ / ٤٩٤ ]
وكذلك لو قال: لا أبيع بيعًا فاسدًا لم يحنث وقلنا: لا يمكنك أن تبيع بيعًا فاسدًا فتحنث به. وقال أبو حنيفة: إذا قال لا أبيع بيعًا فاسدًا وأقبض حنث عند الإقباض؛ لأن الملك به يقع.
وفي التزويج سلم أنه لا يحنث بالفاسد إذا حلف بعقد من المستقبل، فإن حلف أنه لا يزوج وكان قد زوج تزويجًأ فاسدًا قال: يحنث [٣/ ب] وكذلك لو تزوج فاسدًا ثم قال: والله ما تزوجت حنث عنده، فيقيس الماضي على المستقبل. وقال مالك: يحنث بالبيع الفاسد والنكاح الفاسد بكل حال.
فرع
لو قال: والله ما صليت وكان قد صلى صلاةً فاسدةً لا يحنث. وقال محمد: يحنث وهذا غلط؛ لأن الفاسد لا يتناوله النهي في المستقبل كذلك في الماضي.
فرع آخر
لو قال: والله ما وهبت لفلان فوهب فلم يقبل، قد ذكرنا أنه لا يحنث في أصح الوجهين. وقال أبو حنيفة وبه قال ابن سريج: يحنث؛ لأن البذل أول العقد وهذا يبطل بالبيع؛ لأنه لا يعتق بالبذل حتى يعقبه القبول؛ لأن مجرد البذل لا يكون عقد فيهما. وكذلك لو علقه بالرهن والإجارة. وكذلك لو قال لا أُعيره فأعاره فلم يقبل لا يحنث خلافًا لأبي حنيفة، وعلل بأنه لا عوض في العارية، والمقصود ما يوجد من المعير فيحنث به، وهذا لا يصح لما ذكرنا.
مسألة: قال: "وإذا حلف لا يأكل الرؤوس".
الفصل
اعلم أنه إذا حلف لا يأكل الرؤوس لا يحنث إلا بأكل رؤوس النعم خاصة الإبل والبقر والغنم، فأما غيرها فلا يحنث بأكله. وقال أبو حنيفة: يحنث بأكل رؤوس الغنم والبقر دون الإبل. وقال أبو يوسف: يحنث بأكل رؤوس الغنم فقط، وقال: يحنث بأكل رؤوس الطيور والحيتان. ودليلنا أن اسم الرؤوس وإن كان يقع على كل رأس حقيقة إلا أن الذي يتعارف الناس أكله هو هذه الثلاثة، فإنها هي التي تتميز عن الأبدان وتقصد للأكل فحنث بأكلها دون غيرها، وهو معنى قول الشافعي: "لأن الأيمان مخصوصة بالعرف". وقيل: إنما اختلفت أجوبة العلماء هنا لاختلاف العادات في بلدانهم، ففي الحجاز تفرد رؤوس الغنم كلها فتسوى وتباع صحيحة مشوية. وفي الكوفة جرت العادة بذلك في البقر والغنم خاصة. وبغداد جرت العادة بذلك برؤوس الغنم خاصة، وكذلك [٣/ أ] بخراسان.
وأما إذا أكل رؤوس الصيد كالأرانب والغزلان والثعالب ونحو ذلك، قال: إلا أن يكون ببلد يكثر فيها الصيد كما تكثر فيها لحوم الأنعام في السوق وتميز رؤوسها فيحنث في رؤوسها. وإن كان ببلد يقل فيها الصيد ولا يكثر، قال أصحابنا: فيه وجهان:
[ ١٠ / ٤٩٥ ]
أحدهما: لا يحنث؛ لأن إطلاق الاسم لا يتناوله.
والثاني: يحنث؛ لأن ما يثبت له العرف في بلد يثبت في سائر البلاد كخبز الأرز ولحم الفرس. قال أبو إسحاق: وعلى هذا إذا كان قوم في موضع من السواحل يأكلون السمك وتباع رؤوسها مفردة عندهم كما تباع رؤوس الغنم عندنا يحنث بأكل تلك الرؤوس أيضًا.
ومن هذا أفتى بعض علماء طبرستان أنه يحنث فيها بأكل رأس الحوت وعندي هذا التخريج خطأ؛ لأنه لا يشوى في طبرستان رأس الحوت كما يشوى رأس البقر والغنم خاصة. وإذا قال بالفارسية: سربريان نخورم، فإنه لا يحتمل ذلك رأس الحوت.
وقال في "الحاوي": إذا كان في بلدة يكثر فيها الصيد أو السمك، ويقطع رأسه عن جسده ويفرد بيعه في سوقه يحنث بأكله. ولكن هل يجوز عرف هذا البلد مقصورًا على أهله أم عامًا فيهم وفي الطارئين إليها؟ فيه وجهان:
أحدهما: خاص في أهلها دون الطارئين إليها تغليبًا لعرف الحالف، فإن دخل أهل الريف إلى بلاد الفلوات والبحار لم يحنثوا إلا برؤوس النعم، وإن دخل أهل الفلوات إلى أمصار الريف لم يحنثوا إلا برؤوس الصيد، وإن دخل أهل البحار إلى أمصار الريف لم يحنثوا إلا برؤوس الصيد، وإن دخل أهل البحار إلى أمصار الريف لم يحنثوا إلا برؤوس الحيتان.
الثاني: أنه عام في أهلها وفي الطارئين إليها تغليبًا لعرف المكان، فإن دخل أهل الريف إلى بلاد الفلوات حنثوا برؤوس الصيد، وإن دخلوا إلى بلاد البحار حنثوا برؤوس الحيتان، وإن دخل أهل الفلوات والبحار إلى الريف حنثوا برؤوس النعم.
[٣/ ب] وفي بقاء حنثهم بعرف بلادهم وجهان:
أحدهما: باقٍ عليهم لاستقراره عندهم، فعلى هذا يحنث أهل الريف في بلاد الفلوات بأكل رؤوس الصيد وبأكل رؤوس النعم مع رؤوس الصيد، ويحنث أهل البحار فيها بأكل رؤوس الحيتان ورؤوس النعم.
والثاني: لا يزول عنهم عرف بلادهم بالانتقال عنها، فلا يحنث أهل الفلوات والبحار في بلاد الريف إلا برؤوس النعم، ولا يحنث أهل الريف في بلاد الفلوات إلا برؤوس الصيد، وفي بلاد البحر إلا برؤوس الحيتان.
وهذا كله إذا عللنا أن الشافعي حنثه برؤوس النعم لاختصاصها بقطع رؤوسها عن أجسادها وإفرادها ببيعها في أسواقها. ومن أصحابنا من علل بعلة أخرى، وهي أن عرف كلامهم متوجه إليها وإفراد أكلها مختص بها، فإنه لا يعرف ممن قال أكل الرؤوس إلا رؤوس النعم وغيرها يعرف بقرنيه، ولا يفرد بالأكل إلا رؤوس النعم وغيرها تؤكل مع أجسادها.
قال صاحب "الحاوى": في التعليلين امتزاج من وجه وتمييز من وجه، فعلى هذا هل
[ ١٠ / ٤٩٦ ]
يكون عرف البلد خاصًا فيه أو عامًا في جميع البلاد فيه؟ ظاهر المذهب أنه يصير عامًا في جميع البلاد كلها فيحنث جميعهم برؤوس النعم الثلاثة. وإن عرفنا أن لبعض البلاد عرفًا في رؤوس الصيد والحيتان حنث جميع الناس، وإن لم نعلمه لم يحنثوا. والشافعي إنما خص الحنث برؤوس النعم الثلاثة لأنه لم يعرف عرف بلد في غيرها، ولم علم لحنث بها جميع الناس كما حنثهم برؤوس النعم، ولهذا حنث القروي الذي لا يسكن بيت شعرٍ في حلفه لا يسكن بيتًا بسكونه؛ لأن عرف البادية جارٍ به. وقال ابن سريج: عرف كل بلدٍ مخصوص في أهله ومقصور عليهم دون غيرهم، فعلى هذا يحنث أهل الحجاز برؤوس النعم الثلاثة [٤/ أ] كما قال الشافعي اعتبارً بعرفهم، ويحنث أهل الكوفة برؤوس البقر والغنم دون الإبل كما قال أبو حنيفة اعتبارًا بعرفهم، ويحنث أهل بغداد برؤوس الغنم وحدها كما قال أبو يوسف ومحمد. وعلى هذا لا يحنث القروي بسكنى بيت الشعر. قال: فإن انتقل عن بلدةٍ لهم فيها عرف إلى بلدةٍ يخالفونهم فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يحنثون بعرف بلدهم الذي انتقلوا عنه. والثاني: يحنثون بعرف البلد الذي انتقلوا إليه. والثالث: يحنثون بعرف البلدين معًا.
مسألة: قال: "وكذلك البيض".
الفصل
اعلم أنه إذا حلف لا يأكل بيضًا إنما يحنث بأكل البيض الذي يزايل بائضه حيًا ويؤكل منفردًا عنه، وهو بيض الدجاج والطيور والبط والنعام والعصافير ونحو ذلك، ولا يحنث بأكل بيض الحيتان والجراد لأنهما لا يزايل ببائضه إلا أن ينوي ذلك. فإن قيل: أكل بيض النعامة نادر فوجب أن لا يحنث بأكله؟ قيل: العرف في بيض النعامة والدجاجة واحد في إطلاق الاسم، وإنما يؤكل نادرًا لقلته وكثير ثمنه، ومنزلة ذلك منزلة رجل فقير حلف لا يلبس ثوبًا وهو ممن يلبس الصوف أو القطن، فلبس خزًا أو وشيًا أو غير ذلك من الثياب الفاخرة التي لا يلبسها مثله يحنث؛ لأن الاسم في الجميع واحدٌ، وإنما يختلف الاستعمال للتواضع أو كثرة الثمن ونحو ذلك.
وقال في "الحاوي": في بيض النعامة يحنث به أهل البادية، وهل يحنث أهل الأمصار؟ فيه وجهان:
أحدها: يحنثون إذا قلنا أهل القرى يحنثون بسكنى بيت الشعر.
والثاني: لا يحنثون به إذا قلنا إن أهل القرى لا يحنثون بسكنى بيت الشعر ويحنث بأكل المعتاد أهل النادر والمعتاد بلا إشكال.
وقال أبو إسحاق: يحتمل أن لا يحنث ببيض العصافير والحمام ونحو ذلك؛ لأنه علم عنهم [٤/ ب] ترك أكله، فخرج بالعرف من اليمين، والصحيح المنصوص ما تقدم.
فرع
لو ذبح دجاجة في جوفها بيض وصل إليه بذبحها فهل يحنث بأكلها؟
[ ١٠ / ٤٩٧ ]
وجهان أحدهما: لا يحنث؛ لأنه لم يزايل بائضه حيًا فصار كبيض السمك.
والثاني: يحنث؛ لأنه من جنس ما وصل إليه مع حياة بائضه.
وقيل: إذا أكل الذي في جوفها من غير قشر لا يحنث وجهًا واحدًا. وقيل: لا يحنث إلا بأكل بيض الدجاج فقط للعرف، وهذا غلط.
مسألة: قال: "ولو حلف لا يأكل لحمًا".
الفصل
اعلم أنه إذا حلف لا يأكل لحمًا حنث بأكل لحم الإبل، والبقر، والغنم، والوحش، والطيور؛ لأن كلها لحم، ولا يحنث بأكل لحم السمك؛ لأنه ليس بالأغلب وإن كان الله تعالى أطلق عليه اسم اللحم. ويقال: أكلت السمك والحوت ولا يقال أكلت لحم السمك، وهذا إذا لم يكن له نية، فإن نوى ذلك حنث. وقال مالك وأبو يوسف: يحنث بذلك بكل حال؛ لأن الله تعالى سماه لحمًا، فقال: "لِتَاكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا" [النحل: ١٤] قلنا: لو حلف لا يقعد تحت سقف بيتٍ لا يحنث إذا قعد تحت السماء وقد سماها الله تعالى سقفًا، لأنه مجاز كذلك ههنا.
فرع
لو أكله ناسيًا حنث خلافًا لمالك، وهذا لأنه يقال: أكل اللحم على الإطلاق.
فرع آخر
لو أكل لحم الخنزير وسائر ما لا يحل له من اللحوم، قال ابن سريج: فيه وجهان:
أحدهما: لا يحنث؛ لأن ما لا يحل أكله في الشرع لا تتناوله يمينه المطلقة، كما لو قال: لا أبيع لم يحنث بالبيع الفاسد.
والثاني: يحنث، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن اسم اللحم يقع عليه حقيقة كما يقع على المأكول، ويخالف البيع لأن الاسم لا ينصرف إلى الفاسد عند الإطلاق، ولذا لو باع غيره لم يحنث. لو أكل لحم شاة غيره يحنث بلا خلاف، وهذا اختيار القفال، والأول أصح عندي للعرف والعادة.
فرع آخر
لو قال [٥/ أ] لها: والله لا وطئتك فوطئها في حال الحيض حنث في يمينه. وقال المزني في "المنثور": لو حلف ليطأن امرأته الساعة فحاضت المرأة من ساعتها، نص الشافعي أنه إن وطئها حائضًا لا يبر؛ - لأن الشافعي يقول: لو حلف لا يشتري اليوم فاشترى فاسدًا لا يحنث؛ لأن الفاسد لا معنى له، فحصل وجهان، ذكره القاضي الطبري. وقيل: المنصوص أنه يحنث وإن كان الوطء حرامًا في الشرع وخالفه المزني.
مسألة: قال: "ولو حلف لا يشرب سويقًا فأكله، أو لا يأكل خبزًا فماثه ثم شربه".
[ ١٠ / ٤٩٨ ]
الفصل
اعلم أنه إذا حلف لا يشرب سويقًا فإن شربه خلطه بالماء وتحساه حنث به، وإن استفه يابسًا لم يحنث؛ لأنه ليس بشربٍ. وإن حلف لا يأكل خبزًا فأكله بأن مضغه وابتلعه حنث، وإن جعله فيتًا وبله بالماء وتحساه لا يحنث؛ لأنه شرب وليس بأكل، والتعليل في ذلك أن الأفعال أجناس مختلفة كما أن الأعيان أجناس مختلفة، ثم علق يمينه على يمين من الأعيان لم تتعلق اليمين بغيرها، فكذلك إذا علقه على فعلٍ لا يتعلق بغيره. وقول الشافعي ﵁: "فماثه" في الماء، أي ميَّثَه، يقال: ماثه وميَّثه.
فرع آخر
لو حلف لا يشرب سويقًا فذاقه بلسانه لا يحنث؛ لأن الذوق ليس بأكل ولا شرب وإن دخل بطنه.
فرع آخر
لو حلف لا يذوق فأكل وشرب حنث؛ لأن الأكل والشرب يتضمنان الذوق. وقال بعض أصحابنا: يحتمل أنه إذا شرب لا يحنث؛ لأن الشرب غير الذوق.
وقال القفال: فيهما وجهان، وعند أبي حنيفة لا يحنث.
فرع آخر
لو حلف لا يذوق شيئًا فأخذه بقيه فمضغه بفيه فمضغه ثم لفظه ولم يصل إلى جوفه هل يحنث؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يحنث، كما لا يفطر به الصائم، ولا يقال: ذاق الشيء حتى يصل إلى حلقه [٥/ ب].
والثاني: يحنث، وهو الأصح؛ لأن اسم الذوق يقع عليه وإن لم يصل إلى جوفه، فإنه عبارة عن معرفة طعم الشيء بلهواته وقد وجد ذلك، وهو قول عامة أصحابنا.
فرع آخر
لو قال لا أطعم شيئًا حنث بالأكل والشرب، وكذلك إذا قال بالفارسية؛ لأن الطعم اسم جامع لهما.
فرع آخر
لو حلف لا يتطعم هذا العام، فالتطعم معرفة طعمه بلسانه، فلا يعتبر فيه وصول شيء إلى جوفه، فمتى عرف طعمه حنث، ولو قال لا أطعم الطعام لم يحنث بتطعمه للفرق بين الطعم والتطعم، فإن الطعم أن يصير طعامًا له، والتطعم أن يعرف طعمه.
فرع آخر
لو أوجر الطعام بقمع في حلقه ولم يدر في لهوات فمه حتى وصل إلى جوفه، فإن كانت يمينه على الأكل والشرب والذوق والتطعم لا يحنث لعدم شرطها، وإن كانت على أن لا أطعم حنث؛ لأنه قد وصل إلى جوفه ما صار طعامًا له.
[ ١٠ / ٤٩٩ ]
فرع آخر
قال بعض أصحابنا بخراسان: لو حلف لا يأكل السكر فمضغه حنث. ولو أمسكه في فيه فذاب ودخل جوفه لا يحنث؛ لأنه يشترط في الأكل المضغ حتى يحنث، وعندي أنه يحنث به؛ لأنه يقال: أكل السكر وإن ذاب في حلقه.
فرع آخر
لو قال: لا ابتلعت هذا التفاح أو شيئًا آخر فمضغه ثم ابتلعه لم يحنث. ولو قال: لا أكلته فابتلعه لم يحنث ما لم يزدرده.
فرع آخر
لو قال: لا وطئتك فأتاها في دبرها حنث؛ لأنه يسمى وطئًا، ذكره بعض أصحابنا، وذكر في "الحاوي" أنه لا يحنث؛ لأن جنسه لا يباح.
فرع آخر
لو قال: لا تناولت دواء فتناول السكر بغير علة لم يحنث، وإن تداوى به حنث، كما لو قال: لا تداويت فاحتجم لعلةٍ حنث، وإن كان لغير علة لم يحنث.
[٦/ أ] مسألة: قال: "ولو حلف لا يأكل سمنًا فأكله بالخبز أو بالعصيدة".
الفصل
السمن على ضربين؛ جامد ومائع. فأما الجامد فأكله أن يمضغه، فإذا قال: لا آكل سمنًا فأكله هكذا حنث، وإن أكله بالخبز قال الشافعي ﵁ وعامة أصحابنا: يحنث؛ لأنه أكله مع الخبز، يقال: أكل الخبز وأكل السمن، فقد وجد المحلوف عليه وزيادة فيحنث به. وقال أبو يوسف: لا يحنث به؛ لأنه لم يأكله وحده، بل أكله مع غيره فصار كما لو قال: لا آكل من طعام اشتراه زيد فاشتراه زيد وعمرو فأكل منه لم يحنث، وبه قال الإصطخري من أصحابنا وهذا غلط؛ لأن هناك ما أكل ما اشتراه المحلوف عليه خاصة، وهاهنا أكل المحلوف عليه حقيقة فوزانه أنه إذا حلف لا يأكل طعامًا اشتراه زيد فاشترى زيد طعامًا واشترى عمرو طعامًا فخلطهما وأكلهما حنث، وإن أذابه أو كان مائعًا فشربه لم يحنث؛ لأنه ليس بأكل، وإن أكله بالخبز حنث خلافًا للإصطخري فإنه قال: لا يحنث إذا أكله مع غيره.
وقال في "الحاوي": إذا أكله مع غيره من خبز أو سويق فيه ثلاثة أوجه؛ أحدها: ما ذكرنا أولًا وهو المذهب، سواء كان جامدًا أو ذائبًا.
والثاني: ما قاله الأصطخري.
والثالث: ما قاله أبو إسحاق: إن كان جامدًا لم يحنث بأكله مع غيره؛ لأنه يقدر على أكل الجامد منفردًا، ولا يقدر على أكل الذائب إلا مع غيره. وكذلك لو حلف لا يأكل عسلًا أو دبسًا؛ لأنهما يجمدان تارةً ويذوبان أخرى. وكذلك لو حلف لا يأكل.
[ ١٠ / ٥٠٠ ]
لبنًا فأكله بغيره أو طبخه مع غيره.
فرع
لو أكله بعصيدة، قال الشافعي ﵁: يحنث. قال بعض أصحابنا: أراد به أن يعصده في خبز ويأكله، فأما إذا طبخ عصيدة فأكلها لا يحنث؛ لأنه لا يقال له: أكل سمنًا [٦/ ب] وإنما له أكل عصيدة أو خبيصًا أو غير ذلك. ومن أصحابنا من قال: أراد به العصيدة المعروفة وهي الفالوذج وغير ذلك مما يجعل السمن فيه، ينظر فيه فإن كان مستهلكًا لم يحنث، وإن كان غير مستهلك حتى لو انجمد تبين السمن فيه ونرى ذلك يحنث؛ لأنه قد أكل سمنًا مع عصيدة فكأنه أكله مع الخبز وهذا هو الصحيح، وهو كما قلنا في المحرم إذا أكل خبيصًا فيه زعفران ظاهرٌ يلزمه الفدية.
وأما إذا قال لا آكل خلًا فأكل مرقًا فيه خل فهي على الاختلاف الذي ذكرنا بين أصحابنا، وقد نص عليه في "الأم" فقال: "ولو قال لا آكل خلًا فأكل مرقًا فيه خل لا يحنث"؛ لأن الخل مستهلك فيه بحيث لا أثر له، فأما إذا كان لونه وطعمه قائمين فهو غير مستهلك فيجب أن يحنث. وقيل: قول الشافعي: "إلا أن يكون جامدًا" أراد به أنه إذا لم يأكله منفردًا أو أكله في العصيدة لا يحنث، وهذا التفسير غير صحيح، وإنما ذكر هذا الاستثناء آلي ذكر العرف والعادة، حيث قال: لأن السمن لا يكون ماكولًا إلا بغيره، إلا أن يكون جامدًا فيقدر على أن يأكله جامدًا منفردًا فيأكله في عادة نادرة جامدًا منفردًا، هذا معنى الاستثناء لا ما قال القائل.
فرع آخر
لو حلف لا يشرب لبنًا فخلطه بمائع، فإن كان اللبن أغلب لظهور طعمه ولونه حنث بشربه وإلا فلا يحنث.
مسألة: قال: "فَإذَا حَلَفَ لَا يَأُكُلُ هَذِهِ التَّمْرَةَ فَوَقَعَتْ فِي تَمْرٍ".
الفصل
اعلم أنه إذا حلف لا يأكل هذه التمرة بعينها فوقعت في تمر كثير فأكل، يُنظر فإن تيقن أنه أكل التمرة المحلوف عليها حنث بيقين، وإن [٧/ أ] تيقن أن التي بقيت هي المحلوف عليها لا يحنث بيقين، فإن شك فلا يدري هي الباقية أم قد أكلها؟ قال الشافعي ﵁: "لا يحنث"؛ لأن الأصل عدم الحنث حتى يتحقق ذلك، ولكن الورع أن يحنث نفسه لجواز أن يكون قد حنث. وقال في "الأم": "والورع أن لا يأكل منه شيئًا إلا حنَّث نفسه". قال أصحابنا: وإذا حنَّث نفسه خرَّج كفارة يمين، كما لو تيقن الحنث، وكذلك لو هلك تمرة واحدة منها ولا يدري أنها المحلوف عليها أولًا.
قال بعض مشايخنا بخراسان: وفي ضد هذا لو حلف أن لا يأكلها ثم وقعت في تمر، ثم استبقى واحدة أو ضاعت لم يبر؛ لأن الأصل عدم البر، واليقين لا يترك بالشك.
[ ١٠ / ٥٠١ ]
فرع
لو حلف لا يأكل هذه التمرة فأكلها إلا نواها وقمعها حنث؛ لأنه أكل مأكولها أو ألقى غير مأكولها. ولو أكلها إلا يسيرًا منها كنقرة طائر لم يحنث خلافًا لمالك.
مسألة: قَالَ: "وَإِذَا حَلَفَ لَا يَاكُلُ هَذِهِ الحِنْطَةَ فَطَحَنَهَا".
الفصل
لا فرق بين أن يقول: لا آكل هذه الحنطة، أو يقول: لا آكل من هذه الحنطة، في أنه إذا طحنها دقيقًا أو قلاها فجعلها سويقًا أو خبزها أو عصدها فأكل من ذلك لا يحنث؛ لأنه لم يأكل ما يقع عليه اسم حنطة، إلا أن قوله: من هذه الحنطة يقتضي بعضها، وقوله هذه الحنطة يقتضي جميعها. وقال أبو يوسف ومحمد: يحنث بكل ذلك. وقال أبو حنيفة: يحنث بالدقيق ولا يحنث بالخبز. وحكي عن أبي حنيفة مثل قولنا. واحتجوا بأن الحنطة تؤكل هكذا، فأشبه إذا قال: لا أكلت هذا اللحم فشواه وأكله حنث، وهذا لا يصح لما ذكرنا، فصار كما لو زرعها وأكل من حشيشها أو قال: لا أكلت هذا البيض فصار فرخًا فأكله لم يحنث، ويفارق ما قاس عليه؛ لأن اسم اللحم وصورته لم يزولا بخلاف مسألتنا.
فرع
إذا حلف لا يأكل من [٧/ ب] هذا الدقيق فخبزه وأكله لم يحنث، ولو استلف منه حشًا لا يحنث؛ لأن العرف أنه لا يؤكل منه إلا مخبوزًا، وهذا لا يصح؛ لأن في الحنطة لا يعتبر بقاء الاسم دون العرف بالاتفاق كذلك هاهنا، ولأنه يؤكل غير مخبوز من وجوه. وقال بعض أصحابنا بخراسان: من وجه لنا.
فرع آخر
لو قال: لا أكلمه شابًا فكلمه شيخًا، أو قال: لا أكلت جديًا فأكله تيسًا، أو قال: لا آكل تمرًا فأكل رطبًا لا يحنث قولًا واحدًا؛ لأن اليمين ها هنا تعلقت بالصفة دون العين ولم توجد الصفة. ولو قال: والله لا أكلم هذا الصبي فصار شابًا، أو لا أكلم هذا الشاب فصار شيخًا، أو لا أكلت من لحم هذا الجدي فصار تيسًا، أو لا أكلت هذه البسرة فصارت رطبة، أو هذه الرطبة فصارت تمرة هل يحنث؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يحنث لزوال الاسم.
والثاني: يحنث؛ لأن صورتها لم تزل بل تغيرت الصفة.
وقال أبو حنيفة: في الحيوان يحنث، وفي الباقي لا يحنث؛ لأن قصده بأن لا يكلم الشاب لاستخفاف به وذلك لا يزول بكبره، وكذلك قصده باليمين أن لا يأكل لحم الجدي وذلك المعنى لم يزل وهذا صحيح؛ لأن المعتبر في اليمين الاسم دون القصد، ولهذا لو حلف لا يأكل هذا اللحم فأكله نيئًا يحنث وإن كان القصد به الانتفاع من أكله مطبوخًا.
[ ١٠ / ٥٠٢ ]
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قال لا آكل هذه الحنطة فجعلها دقيقًا فأكلها هل يحنث؟ فيه وجهان:
أحدهما: يحنث بكل ما يتخذ منها، ومعناه لا آكل شيئًا يتخذ من هذه الحنطة.
والثاني: لا يحنث، ومن للتبعيض، أي لا آكل قليلها وكثيرها.
قال: وقيل: نص الشافعي ﵁ على أنه إذا قال: لا آكل هذه الحنطة فاتخذها دقيقًا فأكل منه لا يحنث، ونص أنه لو قال: لا آكل هذا السخل فصار كبشًا، أو لا أكلم هذه الصبي فصار شيخًا فكلمه، أو أكل التيس حنث [٨/ أ] فمن الأصحاب من قال: في الكل قولان، ومنهم من فرق بأن في مسألة الحنطة والتمر ذكر الاسم وقد تبدل الاسم، والصبي صفة فتبدل الصفة لا يوجب سقوط حكم الحنث، وأيضًا الحنطة تصير خبزًا، والتمر يصير عصيدة بفعل وعلاج، والسخلة تصير كبشًا بفعل الله تعالى عند مضي الزمان، وهذا إذا عَرَّف فأما إذا نَكَّر فقال: صبيًا فكلم شيخًا حنث على ما ذكرنا، وهذا كله تخليط والاعتماد على ما ذكرنا أولًا.
فرع آخر
لو حلف لا يشرب هذا العصير فشربه خمرًا، أو قال: لا أشرب هذا الخمر فصارت خلًا لا يحنث وجهًا واحدًا؛ لأنه اقترنَ بزوال الاسم زوالُ الحكم.
فرع آخر
لو حلف لا يلبس هذا العزل فنسجه ثوبًا حنث بلبسه وجهًا واحدًا؛ لن الغزل لما كان لا يلبس إلا منسوجًا صار مضمرًا في اليمين والمضمر في الإيمان كالمظهر، كما لو قال: لا آكل هذا الحيوان حنث بأكله مذبوحًا وإن لم يكن حيوانًا عند أكله؛ لأنها صفة مضمرة فجرى عليها حكم المظهر.
فرع آخر
لو حلف لا يشم البنفسخ أو الورد فشم دهن البنفسج أو الورد لا يحنث. وقال أبو حنيفة: يحنث بدهن البنفسج دون دهن الورد لعرف أهل الكوفة؛ لأنهم يسمون دهن البنفسج بنفسجًا ولا يسمون دهن الورد وردًا.
وقال أحمد: يحنث بدهن البنفسج والورد أيضًا؛ لأن المقصود الرائحة. قلنا: هذه تسمية مجازًا والحقيقة أولى، ولأن البنفسج اسم لجسم ذي رائحة فلا يجوز أن يتعلق حكمه بالرائحة وحدها ولهذا لو شم بنفسجًا بعد انتقال رائحته إلى الدهن حنث عندنا خلافًا لأبي حنيفة.
فرع آخر
لو يبسا كان في الحنث بهما بعد يبسها وجهان، أحدهما: لا يحنث، كمن حلف لا يأكل رطبًا فأكل تمرًا.
والثاني: يحنث لبقاء اسمه وصفته ويخالف التمرة لأنه زال عنه اسم الرطب وبقي اسم الورد والبنفسج على ما يبس منه. [٨/ ب]
[ ١٠ / ٥٠٣ ]
والتعليل في هذين الوجهين كأن حلف من لا يأكل الرطب فأكله تمرًا على وجهين.
فرع آخر
لو مرَّ بهما في السوق فشم رائحتها، فإن حمل النسيم الرائحة حتى شمها لم يحنث، وإن اجتذب الرائحة بخياشيمه حتى شمها حنث؛ لأن شمها بهبوب النسيم ليس من فعله، وشمها باجتذاب خياشيمه من فعله، ويخالف المحرم يشم الطيب من حانوت العطار؛ لأن المحرم عليه استعمال الطيب دون الرائحة.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ حَلَفَ لَا يَاكُلُ لَحْمًا فَأَكَلَ شَحْمًا".
الفصل
الأصل في هذا أن كل ما انفرد عن غيره باسمه، ففي حكم الحنث ينفرد، فإذا قال: لا آكل لحمًا فأكل اللحم الأحمر أو اللحم السمين الذي على الظهر أو الحشو حنث؛ لأنه لحم سمين، ولو أكل من شحم البطن لم يحنث. وحكي عن مالك أنه قال: يحنث وهذا خطأ؛ لأنه لا يسمى لحمًا عرفًا وعادة، فهو كما لو حلف لا يأكل الشحم لم يحنث بأكل اللحم بالإجماع.
فرع
لو حلف لا يأكل لحمًا فأكل القلب أو الكبد أو الطحال لا يحنث. وقال أبو حنيفة: يحنث بأكلها. ودليلنا أن له اسمًا آخر منفردًا، كما لو أكل الريَّة والكرش لا يحنث بالإجماع.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا نص فيه، وينبغي أن يحنث بالقلب لأنه لحم. وقيل: فيه وجهان، وفي الكبد والطحال لا خلاف.
فرع آخر
لو أكل من قانصة الدجاج فهو على الخلاف الذي ذكرنا في الكبد والطحال.
فرع آخر
لو أكل لحم اللسان أو لحم الخدين من الرأس يحنث لأنه لحم. وكذلك لو أكل الأكارع؛ لأنها لحم وهي اسم عضو. وقال في "الحاوي" فيه وجهان؛ أحدهما: هذا.
والثاني: لا يحنث؛ لأن اسمه مضاف، يقال: لحم اللسان، ولحم الرأس، ولا يقال له لحم على الإطلاق.
فرع آخر
لو أكل شحم العينين لا يحنث لأنه لا يسمى لحمًا.
فرع آخر
لو أكل الألية فيه وجهان:
[٩/ أ] أحدهما: يحنث؛ لأنها لا تسمى شحمًا فكانت لحمًا.
[ ١٠ / ٥٠٤ ]
والثاني: وهو الأصح أنه لا يحنث؛ لأنها لا تسمى لحمًا كما لا تسمى شحمًا.
وقال في "الحاوي": فيها ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه من الشحم فيحنث بها في الشحم دون اللحم.
والثاني: أنها من اللحم لاتصالها بالعظم، وهو قول البغداديين.
والثالث: وهو قول البصريين أنها ليست من اللحم ولا من الشحم؛ لأنها تتميز عن اللحم والشحم.
فرع آخر
لو حلف لا يأكل شحمًا فأكل اللحم أو البياض الذي على اللحم لا يحنث. وقال أبو حامد: لا يحنث بالألية بلا خلافٍ. وقد ذكرنا وجهًا آخر يحنث لأنه يسمى شحمًا، قال الله تعالى: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦] فاستثناه من الشحم، ودليلنا أنه لا يسمى شحمًا ولهذا لا يفرد عن اللحم ولا يسمى بائعه شحامًا، فلم يحنث به وإنما يحنث بالشحم الذي ينفرد عن اللحم وهو شحم الكُلية والكرش. وحكي عن القفال أنه قال مرة: يحنث بشحم الظهر، وقال مرة: لا يحنث فيحتمل وجهين، والصحيح عندي ما تقدم.
فرع آخر
لو أكل شحم العينين فيه وجهان؛ أحدهما: يحنث لأنه ينطلق عليه اسم الشحم.
والثاني: لا يحنث؛ لأنه لا ينطلق إلا بقرينة، فيقال: شحم العينين ولا يقال له شحم على الإطلاق، وأما الدماغ فليس بشحم ولا لحم فلا يحنث باليمين بأحدهما بلا خلاف.
فرع آخر
لو حلف لا يأكل رطبًا فأكل بسرًا لم يحنث، وكذلك إذا قال: لا آكل بسرًا فأكل رطبًا لم يحنث، ولو قال: لا آكل رطبًا ولا بسرًا فأكل طلعًا وملحًا لا يحنث؛ لأن لكل واحدٍ اسمًا ينفرد به.
فرع آخر
لو قال: لا آكل رطبًا فأكل تمرًا، أو تمرًا فأكل رطبًا لم يحنث، وحكي أن أبا حنيفة قال: إذا حلف لا يأكل تمرًا فأكل رطبًا حنث؛ لأن الرطب تمر وزيادة، ولو قال: رطبًا فأكل تمرًا لم يحنث؛ لأن التمر ليس برطبٍ وهذا لا يصح؛ لأن الرطب [٩/ ب] لا يسمى تمرًا كما لا يسمى التمر رطبًا.
فرع آخر
لو قال: لا آكل رطبًا فأكل منصفًا، فإن أكل ما ترطب منه حنث، وإن أكل الذي لم يترطب منه ل يحنث، وإن أكل الجميع حنث؛ لأنه أكل ما يسمى رطبًا، هكذا ذكره جماعة من أصحابنا. وقال بعضهم: لا يحنث؛ لأنه لا يسمى رطبًا وإنما يسمى منصفًا
[ ١٠ / ٥٠٥ ]
وهذا غلط؛ لأن معنى المنصف أن نصفه رطب ونصفه بسر، فإذا كان هذا معناه ينبغي أن يحنث بأكل ما هو رطب منه، ألا ترى أنه لو أكل بعض رطبة حنث؛ لأنه أكل ما هو رطب، كذلك هاهنا.
وقال في "الحاوي": إذا أكل جميعها فيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: وهو قول الأكثرين يحنث بها في البسر والرطب لما فيه من بسرٍ ورطبٍ.
والثاني: وهو اختيار الاصطخري وابن أبي هريرة لا يحنث بها في البسر ولا في الرطب لخروجها في الإطلاق من اسم البسر والرطب.
والثالث: قاله أبو الفياض البصري، إن كان أكثرها بسرًا حنث في البسر دون الرطب، وإن كان أكثرها رطبًا حنث بها في الرطب دون البسر اعتبارًا بالأغلب.
فرع آخر
لو قال: لا آكل رطبة فأكل منصفة لم يحنث؛ لأنها ليست برطبة. ولو قال: لا آكل تمرة فأكل منصفة لم يحنث أيضًا لهذا المعنى.
فرع آخر
لو قال: لا آكل هذه الرطبة فصارت تمرًا، قال صاحب "الإفصاح": وهل يحنث بأكلها؟ فيه وجهان، والصحيح أنه لا يحنث، كالحنطة إذا طبخها ثم أكلها يحنث؛ لأن تغيره بغير صنعةِ أدميٍ وليس بشيء.
فرع آخر
لو حلف: لا آكل خوخًا فأكله يابسًا، أو لا يأكل مشمشًا فأكله يابسًا ففي حنثه وجهان:
أحدهما: لا يحنث لزوال الصفة.
والثاني: يحنث لبقاء الاسم بخلاف الرطب الذي يزول عنه الاسم.
فرع آخر
لو حلف لا يأكل زبدًا فأكل لبنًا لم يحنث؛ لأن كل واحد منهما غير الآخر، وإن كان يستخرج منه، كما لو حلف لا يأكل دبسًا فأكل تمرًا، [١٠/ أ] وكذلك إن كان سمنًا لم يحنث، كما لو حلف لا يأكل تمرًا فأكل دبسًا. وقيل: إذا أكل لبنًا في يمين الزبد فيه وجه آخر أنه يحنث؛ لأن فيه زبدًا وليس بشيء.
فرع آخر
لو قال: لا آكل لبنًا فأكل زبدًا لا نص فيه، واختلف أصحابنا، قال أبو إسحاق: لا يحنث، لأن أحدهما غير الآخر. وقال ابن أبي هريرة، وصاحب "الإفصاح": يحنث؛ لأن جميع ما يخرج من اللبن فهو لبن، وبه قال إبراهيم النخعي، وهو اختيار بعض مشايخ خراسان. وقال ابن أبي هريرة: ولا يحنث باللبن في يمين الزبد؛ لأنه ليس
[ ١٠ / ٥٠٦ ]
اللبن من الزبد، وهذا بالعكس أولى؛ لأن اللبن زبدًا. وقال بعض أصحابنا: الصحيح أن يقال: إن كان فيه لبن ظاهر حنث، وإن كان مستهلكًا غير ظاهر لم يحنث، كما قلنا فيه إذا حلف لا يأكل سمنًا فعصد به.
فرع آخر
لو أكل السمن في يمين اللبن لا يحنث قولًا واحدًا؛ لأنه لا لبن في السمن. وقيل: فيه وجهان؛ لأنه يستخرج من اللبن وليس بشيء.
وقال في "الحاوي": قياس قول ابن أبي هريرة أنه يحنث به لاشتراكهما في الصفة، وهو غلط.
فرع آخر
لو أكل طيبًا أو رائبًا أو ماستًا أو لبئًا أو شيرازًا. قال القاضي الطبري: يحنث في جميع ذلك. ورأيت بعض أصحابنا توقف في الشيراز وليس فيه توقف عندي فإنه من أنواع اللبن، وعندي يحتمل أن يقال: لا يحنث به ولا باللباء والماست والرائب؛ لأنه لا يقع عليه اسم اللبن عرفًا وعادة ظاهرة.
فرع آخر
لو أكل الجبن أو المصل. قال القاضي الطبري: الذي عندي أنه لا يحنث؛ لأنه قد خرج من اسم اللبن بالصفة، كما لو حلف لا يأكل الدبس فأكل الناطف لم يحنث.
وحكي عن صاحب "الإفصاح" وابن أبي هريرة أنهما قالا: لا يحنث؛ لأنه لبن مجمد كالشيراز والماست.
فرع آخر
لو قال: لا آكل لبنًا فأكل ألبان الصيود [١٠/ ب] يحنث عند الشافعي ﵁.
وكذلك بكل مباح معهود كان أو غير معهود. وقال ابن سريج: يحنث بالمعهود من ألبان النعم دون ألبان الصيد، كما لو قال في البيض: لا يحنث ببيض العصافير والحمام.
فرع آخر
ألبان الخيل معهودة في بلاد الترك دون العرب، وألبان الأدميات معهودٌ في الصغار دون الكبار فيتغير به الحكم عند ابن سريج، والمذهب أن الكل سواء.
فرع آخر
في الألبان المحرمة كألبان الأتان وجهان؛ أحدهما: يحنث اعتبارًا بالاسم. والثاني: لا يحنث اعتبارًا بالشرع.
فرع آخر
إذا حلف على الزبد فلا يكون لألبان الإبل زبد، فإن كان لألبان شيء من الصيود
[ ١٠ / ٥٠٧ ]
فهو نادرٌ غير معتاد، فيحنث به عند الشافعي ﵁ اعتبارًا بالاسم، ولا يحنث به على قول ابن سريج اعتبارًا بالعرف.
فرع آخر
لو حلف لا يأكل اللباء وهو أول لبن يحدث بالولادة بعد انقطاعه بالحمل إذا رأيت وقت الولادة، وفي حنثه بما حلب قبلها وجهان مخرجان من الوجهين فيما تقدم على الولادة من يوم النفاس هل يكون نفاسًا؟ فيه وجهان؟ فإن قلنا يكون نفاسًا لأن هذا لباءً، وإن قلنا لا يكون نفاسًا لأن هذا اللبن لباءً، وغاية اللباء بعد الولادة ثلاث حلبان، وربما زاد ونقص بحسب اختلاف الحيوان في القوة والضعف، وصفته ما خالف اللبن في لونه وقوامه، فإن لون اللباء يمين إلى الصفرة وهو أثخن من اللبن وهو عند الرعاة معروف.
فرع آخر
لو قال: والله لا آكل فاكهة حنث بأكل ما يسمى فاكهة، ومن جملتها الرطب والعنب والرمان والتفاح والخوخ ونحو ذلك. وقال أبو حنيفة: لا يحنث بأكل الرطب والعنب والرمان وخالفه صاحباه، واحتج [١١/ أ] بقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمَّانٌ (٦٨)﴾ [الرحمن: ٦٨]، فأفردهما بالذكر ودليلنا أنه يسمى فاكهة بدليل أنه يسمى بائعه فاكهيًا، وموضع بيعه دار الفاكهة فيحنث به. وأما الآية الكرية قلنا: أفردهما تخصصًا لأنهما أجلُ الفواكه، فهو كقوله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، فأفردهما وإن كانا من جملة الملائكة.
فرع آخر
لو أكل نبقًا أو توتًا يحنث، ذكره في "الحاوي".
فرع آخر
لو أكل رطبًا ذكرنا حكمه، وهو قول الجمهور. وقال بعض أصحابنا: هو من الفاكهة في البلاد التي يقل فيها كبغداد، ولا يكون من الفاكهة في جميع الأمصار التي يكثر فيها كالبصرة. وقيل: لا يحنث بالرطب أصلًا في وجهٍ.
فرع آخر
الموز والبطيخ فاكهة؛ لأنه ينضج ويحلو، وهذا اختيار ابن سريج وجماعةٍ. ومن أصحابنا من قال: لا يحنث به.
فرع آخر
الزيتون هل يدخل في اسم الفاكهة؟ وجهان.
فرع آخر
القثاء والخيار لا يكون فاكهةً لا تتغير عن كونها عند فسادها لو أكله يابسًا، فإن
[ ١٠ / ٥٠٨ ]
انتقل من اسمه كالرطب يسمى تمرًا بعد يسبه وكالعنب يسمى زبيبًا لا يحنث بأكله، وقد خرج عن الفاكهة، وإن كان لا ينتقل عن اسمه كالتين والخوخ والمشمش ففي حنثه بأكله وجهان؛ أحدهما: يحنث به لبقاء اسمه. والثاني: لا يحنث به لانتقاله عن صفته.
فرع آخر
لو حلف لا يأكل أدمًا فأكل لحمًا أو جبنًا حنث. وكذلك كل ما يؤتدم به في العادة سواء كان مما يصطبغ به أو لا يصطبغ، وبه قال محمد، وأحمد، ولو أكل تمرًا ففيه وجهان؛ أحدهما: يحنث.
والثاني: لا يحنث؛ لأنه لا يؤتدم به وإنما يؤكل قوتًا وحلاوة. وقال أبو حنيفة: الأدم ما يصطبغ به كالخل والشيرج، فأما ما لا يصطبغ به كاللحم والجبن [١١/ ب] والبيض والباذنجان فليس بأدم. واحتج بما روت عائشة ﵂ قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ والبرمة تفور بأدمٍ ولحمٍ، فعطفت الأدم على اللحم فدل على افتراقهما. ودليلنا قوله ﷺ "سيد إدام أهل الدنيا والآخرة اللحم، وسيد الشراب في الدنيا والآخرة الماء، وسيد الرياحين في الدنيا والآخرة الفاغية"، قال الأصمعي: الفاغية: نور الحناء. وروي "سيد إدام أهل الدنيا اللحم، وسيد ريحان أهل الجنة الفاغية". وعن صهيب ﵁، أن النبي ﷺ قال: "اللحم سيد الإدام في الدنيا والآخرة، والخبز سيد الطعام في الدنيا والآخرة" ونوعان أكرمهما الله تعالى في الدنيا والآخرة فجعلهما شرفًا لأهل الدنيا في دنياهم وزينة لأهل الآخرة في آخراهم الذهب والفضة. وفي رواية عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "فضل عائشة على النساء كفضل الخبز واللحم على سائر الإدام". وروت حفصة بنت عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "اللحم إدام". وقد قال أبو حنيفة: يحنث بالملح الطيب. وأما ما ذكروه فلا يصح التسمك به؛ لأنها ذكرته تأكيدًا وإن كان داخلًا في اسم الإدام.
وقال في "الحاوي": الأدم مشتق في استطابة أكل الخبز حتى يستمري، وهو أربعة أقسام:
أحدهما: ما يكون إدامًا بحيث يأكله منفردًا، وهو ما يؤدم به في الأغلب من اللحم والسمك، والبيض واللبن.
والثاني: ما لا يكون إدامًا إذا انفرد ويصير إدامًا مع الخبز وهو يستأدم به في خصوص العرف دون عمومه كالعسل والدبس والتمر فلا يحنث به عند الانفراد، ويحنث إن أكله مع الخبز. [١٢/ أ] وقد روي أن النبي ﷺ أعطى سائلًا خبزًا وتمرًا، فقال: "هذا إدام هذا". وروي عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: إن النبي ﷺ
[ ١٠ / ٥٠٩ ]
أخذ كسرة من خبز شعير فوضع عليها تمرة وقال: "هذه إدام هذه" فأكلها.
الثالث: ما لا يكون إدامًا ولا يحنث بأكله منفردًا ولا بالخبز، وهو الفواكه كلها؛ لأن اسم الإدام لا ينطلق عليها من عرف عام ولا خاص، والمستأدم بها خارج عن العرب.
والرابع: ما اختلف فيه لاختلاف أحواله، فتارة يؤكل قوتًا وتارة أدمًا كالأرز والباقلاء، فله في أكله ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن يأكله مخبوزًا فقد صار بهذه الصفة قوتًا ولا يحنث به.
والثاني: أن يأكله مطبوخًا بخبز، فقد صار بهذه الصفة إدامًا يحنث بأكله.
والثالث: أن يأكله مطبوخًا منفردًا بغير خبز ففيه ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: يحنث بها اعتبارًا بصفته في الابتداء.
والثاني: لا يحنث به اعتبارًا بأصله من الأقوات.
والثالث: يعتبر عرف بلده، فإن كان في عرفهم إدامًا كأهل العراق حنث بأكله، وإن كان في عرفهم قوتًا كأهل طبرستان لم يحنث بأكله.
فرع آخر
لو قال: لا أكلت قوتًا فالأقوات ما قامت به الأبدان وأمكن الاقتصار عليه وهو معتبر بالعرف، والعرف فيه ضربان؛ عرف شرع وعرف استعمال.
فأما عرف الشرع فهو منطلق على ما وجبت فيه زكاة العين فيحنث بأكله سواء دخل في عرف قوته أو خرج عنه؛ لأن عرف الشرع عام لعموم أحكامه، فيحنث بأكل التمر والزبيب وإن لم يكن من أقواته.
فأما عرف الاختيار كأهل البوادي يقتاتون ألبان الحيوان، أو سكان الجزاير يقتاتون لحوم السمك، وسكان قلل الجبال يقتاتون لحوم الصيد، فيحنث كل قوم منهم بأكل عرفهم في أٌواتهم ولا يحنثون بعرف غيرهم لخصوصه في عرفهم، ويحنثون بالعرف الشرعي لعمومه فيهم، ولا يحنث غيرهم بعرفهم لخصوصه فيهم.
وأما عرف الاضطرار [١٢/ ب] كأهل الفلوات يقتاتون الحشيش في زمان الجذب، فيحنثون في زمان الجذب بقوتهم في الجذب، وقوتهم في الخصب وهو الألبان، ويحنثون في زمان الخصيب بقوتهم في الخصب دون الجذب، ويكون عرف الزمان معتبرًا كما كان عرف المكان معتبرًا، ذكره في "الحاوي".
فرع آخر
لو حلف لا يأكل طعامًا حنث بكل مطعوم من الحلوى وغيره، ولا يحنث بأكل الدواء وإن كان مطعومًا؛ لأن اسم الطعام لا ينطلق عليه. وقال في "المهذب": في الدواء وجهان؛ لأنه يجري فيه الدواء بقلة الطعم. وحكي عن محمد أنه قال: لا يحنث إلا بأكل
[ ١٠ / ٥١٠ ]
الحنطة اعتبارًا باسمه عرفًا، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًاّ لِّبَنِي إسْرَائِيلَ إلاَّ مَا حَرَّمَ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣] فأطلق الاسم على كل مطعوم.
فرع آخر
لو قال: لا أكلت الحلواء فأكل ما عصر بالسكر والعسل والدبس حنث، ولا يحنث بأكل السكر والعسل لأنه حلو وليس بحلواء.
فرع آخر
لو قال: لا آكلت حلاوة يحنث بعلكها ولا يحنث بأكل الفواكه الحلوة. ولو حلف لا يأكل شيئًا حلوًا حنث بالفواكه الحلوة أيضًا.
فرع آخر
لو قال: لا أكلت لذيذًا فأكل ما يستلذه هو ولا يستلذه غيره حنث. ولو أكل ما يستلذه غيره ولا يستلذه هو لم يحنث؛ لأنه غير مسلتذٍ فيما أكل.
فرع آخر
لو قال: لا أكلت مستلذًا حنث بما يستلذه غيره أيضًا؛ لأن المستلذ من صفات المأكول في اللذيذ من صفات الأكل.
فرع آخر
لو حلف لا شممت مشمومًا حنث بشم الياسمين والخزامى واللينوفر؛ لأن اسم المشموم يطلق على جميعه، ولا يحنث بشم الكافور، والمسك والعنبر لخروجهما عن اسم المشموم بأسمائها المفردة.
فرع آخر
لو حلف لا شممت طيبًا حنث [١٣/ أ] بشم الكافور والمسك والعنبر، ولا يحنث بشم المشموم؛ لأنه ليس بطيب. ولو قال: لا أشم مستطابًا حنث بكل هذا؛ لأنه مستطاب الرائحة.
فرع آخر
لو حلف لا يشم الريحان، قال ابن سريج يحنث إذا شم الريحان الفارس الأخضر وهو الشاهسفرم، ولا يحنث بشم الورد والياسمين وغيرهما؛ لأنه ينطلق عليه اسم الريحان لما ذكرنا.
فرع آخر
لو حلف لا يشم الورد فإنما يحنث بشم الورد الجوري الأحمر والأبيض دون غيره من الأوراد لما ذكرنا.
فرع آخر
لو حلف لا يضرب امرأته فعضها أو نتف شعرها أو خنقها لم يحنث، ذكره ابن سريج. وقال أبو حنيفة وأحمد: يحنث، واحتجوا بأن الغرض باليمين أن يؤلمها، وما فعله مؤلم لها. ودليلنا أنه لا يسمى ضربًا ولا يحنث به في اليمين على الضرب
[ ١٠ / ٥١١ ]
كالشتم. وأما [] فيحصل بالشتم ولا يحنث به. وحكي عن المزني أنه قال: أنا في هذا واقف، ولكن إن قلت لا يقع اسم الضرب على العض احتملت اللغة ذلك.
فرع آخر
وإذا سبها أو شتمها لا يحنث بلا إشكال. وقال مالك: يحنث بكل ما ألم قلبها من الأقوال والأفعال.
فرع آخر
لو لكمها أو لطمها أو رضها، قال في "الحاوي": فيه وجهان:
أحدهما: يحنث به؛ لأنه يقال: ضربه بيده وإن تنوعت أسماء الضرب.
والثاني: لا يحنث؛ لأن اسم الضرب ينطلق على ما كان بآلة مستعملة فيه.
فرع آخر
لو حلف لا يشرب الماء فشرب ماء البحر يحتمل وجهين:
أحدهما: يحنث؛ لأنه ماء مطلق يجوز التوضاء به.
والثاني: لا يحنث؛ لأنه لا يُشرب عادة.
فرع آخر
لو حلف لا يستخدم فلانًا فخدمه من غير أن يطلب خدمته لم يحنث، سواء كان عبده أو عبد غيره أو حرًا. وقال أبو حنيفة: إذا كان عبد نفسه حنث؛ لأن سكوته وإقراره على الخدمة استخدام عليه، ودليلنا أن اليمين عقدها [١٣/ ب] على فعل نفسه وهو الاستخدام، فإذا خدمه العبد بنفسه من جهة فعلٍ لا مختارًا ولا مكرهًا لم يحنث، كما لو قال: لا فارقتكَ حتى أستوفي حقي منك ففرَّ الغريم منه لم يحنث. وأما ما ذكره فلا يصح؛ لأنه تقرير على الخدمة ولا يسمى استخدامًا.
فرع آخر
لو حلف فقال: كل جارية أتسراها فهي حرة، ينظر فإن لم يكن له في ذلك الوقت جارية ثم اشترى جارية وتسراها لم تعتق؛ لأن عقد الصفة قبل وجود الملك، وإن كانت له جارية أو جوار انعقدت الصفة، فإذا تسرى بواحدة منهن عتقت وفي صفة التسري قال ابن سريج: فيه ثلاثة أوجةٍ:
أحدهما: أن يحصنها الموطئ ويمنعها من الدخول والخروج، ويطأها أنزل أو لم ينزل، أحبل أو لم يحبل، وبه قال أبو حنيفة، ومحمد.
والثاني: أن التسري هو الوطء حصن أو لم يحصن أنزل أو لم ينزل، وبه قال: []؛ لأنه مشتق من السرور، وذلك يكون بالجماع. وقيل: مشتق من السر وهو
[ ١٠ / ٥١٢ ]
الجماع أيضًا. وقيل: من السر وهو الظهر، فإنها صارت مركوبةً ممطاةً.
والثالث: وهو المنصوص عليه في اللعان والإيلاء، وأن التسري هو الوطء الذي يطلب به الولد، وهو أن يطأ وينزل أحبل أو لم يحبل؛ لأن هذا هو العادة في التسري، وبه قال أبو يوسف.
وقال القاضي الطبري: قال في "الإملاء": والتسري أن يطأ جاريته طالبًا للولد؛ وهو أن يطأ وينزل ولا يعزل سواء أحبلها أو لم يحبلها إذا كان مبتغيًا للولد. لأن العرف أن من أعد سرية فإنما يتخذها لطلب الولد، فوجب حمله على مقتضى العرف، فالمذهب هو المنصوص. ولأصحابنا وجهان آخران. وقيل: نص في "الإملاء" أن التسري يحصل بثلاث شرائط؛ أن يسترها عن أعين الناس، وأن يطأها وينزل في فرجها؛ لأن كونها أسرى جواريه إنما يحصل باتخاذها للولد، وهو في هذا.
فرع آخر
إذا حلف لا يصلي [١٤/ أ] فكبر ونوى الصلاة. قال أصحابنا: حنث، وقال ابن سريج: إذا كبر وقرأ وركع حنث سجد أو لم يسجد واحتج بأنه قيل أن يركع لم يأت بمعظم الركعة، وإذا أتى بمعظمها فقام مقام كلها. وقال أبو حنيفة: يحنث إذا أتى بسجدة؛ لأن الركعة لا يثبت لها حكم حتى يقيدها بسجدة وهذا لا يصح؛ لأنه يقال صلى إذا أحرم بالصلاة، وقد قال ﷺ في إمامة جبريل ﵇: "وصلّى بي الظهر حين زالت الشمس"، وأراد: أحرم بي الصلاة، فإذا تناوله الاسم وجب أن يحنث. وأما ما ذكره فلا يصح؛ لأن عند أبي حنيفة الركعة الواحدة لا تكون صلاة بانفرادها، وعندنا من غير السجدتين والتشهد لا تكون صلاة، فإذا حنث ببعضٍ وجب أن يحنث بأولها؛ لأنه إبطال قول أبي حنيفة حيث اعتبر السجود.
فرع آخر
إذا حلف لا يصوم فدخل في الصوم بالنية حنث؛ لأنه يسمى صائمًا به.
فرع آخر
لو قال: والله لا أصلى صلاةً، لا يحنث بالدخول فيها حتى يصلي ركعتين ويسلم منها. وقيل: فيه قول آخر يحنث إذا صلى ركعةً واحدةً ويسلم منها.
فرع آخر
لو حلف لا يدخل بيتًا فدخل دهليز الدار لا يحنث؛ لأنه لا يراد الإيواء والسكني، بل يراد للممر والاجتياز، فلو دخل بيتًا في دارٍ حنث؛ لأن اسم البيت يقع عليه وإن كان من جملة الدار.
فرع آخر
لو دخل صُفّةَ في دار لم يحنث، وقال أبو حنيفة: يحنث وهذا لا يصح؛ لأن اسم
[ ١٠ / ٥١٣ ]
البيت لا يقع على الصُفّة، كاسم الصُفّة لا يقع على البيت إذا حلف لا يدخل صُفة فدخل بيتًا لا يحنث.
فرع آخر
لو قال: من بشرني بخبر زيدٍ من عبيدي فهو حر، فبشره واحدٌ بخبر سار لزيدٍ عتق، وإن بشره بخبرٍ مكروهٍ لزيد ففيه وجهان:
أحدهما: يعتق؛ لأن البشارة مأخوذة من تغير البشرة، وقد تتغير بالمكروه كما تتغير بالسار.
والثاني: [١٤/ ب] أنه لا يعتق؛ لأن البشارة قد صارت في العرف للسار من الأخبار دون المكروه. وقال صاحب "الحاوي": الصحيح أن ينظر حال الحالف مع زيد، فإن كان صديقًا له لم يعتق بالخبر المكروه، وإن كان عدوًا له عتق بالخبر المكروه؛ لأنه يسر فصار بشارة عنده.
فرع آخر
لو بشره الجماعة في حالةٍ واحدةٍ أعتقوا جميعًا، ولو بشره جميع عبيده في حالةٍ واحدةٍ لم يعتق واحد منهم؛ لأنه قال: من بشرني من عبيدي يقتضي البعض دون الجميع.
فرع آخر
لو قال: من بشرني بقدوم زيد من عبيدي فهو حرٌّ، فبشره واحد ثم آخر عتق الأول دون الآخر؛ لأن البشارة اسم لما تحصل به البشرى والسرور، وقد حصل ذلك بالأول دون الثاني، فإن جاء اثنان أو ثلاثة دفعةً واحدة فبشروه يعتق الكل ولا يعتق من جاء بعده.
ولو قال: من أخبرني بقدوم زيد فهو حر، فأخبره واحد فهو حر، فدخل واحدٌ أولًا ثم دخل آخر يعتق الأول دون الثاني، فإن دخل اثنان معًا ثم دخل ثالث لم يعتق واحدٌ منهم؛ لأن الاثنين لم يسبق أحدهما الآخر، والشرط أن يكون عبدًا هو أول ولم توجد هذه الصفة، والثالث لا يوصف بأنه أول.
فرع آخر
لو قال: أول من يدخل الدار من عبيدي وحده فهو حر، فدخل اثنان معًا ثم دخل واحد بعدهما، يعتق الذي دخل بعدهما، لأنه أول من دخل الدار وحده.
فرع آخر
لو دخل واحد ولم يدخل بعده، قال ابن سريج: يحتمل أن يقال: يعتق الأول؛ لأنه أول داخل. ويحتمل أن يقال: لا يعتق؛ لأنه لا يكون أولًا إلا إذا كان له آخر والأول أصح، وحكي القاضي الطبري هذا الوجه الثاني عن ابن سريج، والوجه الأول عن سائر أصحابنا. [١٥/ أ]
فرع آخر
لو قال: من سبق بدخول الدار من عبيدي فهو حرٌّ، فأيهم سبق بالدخول عتق ولم يعتق بعده. ولو سبق بالدخول اثنان معًا ثم دخل بعدهما ثالث لم يعتقا؛ لأنه ليس فيهما سابق.
[ ١٠ / ٥١٤ ]
فرع آخر
لو قال: آخر من دخل الدار من عبيدي فهو حرٌّ، فدخل واحدٌ ثم واحد لم يعتق واحد منهم حتى يموت السيد، فإذا مات عتق آخر عبدٍ دخل الدار قبل موته؛ لأن قوله: "آخر من دخل" أطلق في جميع من يدخل، فما دام هو حيًا لا يكون آخرًا لجواز أن يدخل بعده غيره وبالموت يتبين الآخر.
فرع آخر
لو قال لعبده: إن لم أحج العام فأنت حر، ثم اختلف العبد والسيد فقال السيد: قد حججت، وقال العبد: ما حججت وقد عتقت، وأقام العبد بينة أن السيد رؤي يوم النحر بالكوفة. قال ابن سريج: يعتق العبد؛ لأنه يستحيل في حكم العادة أن يكون حاجًا في هذه السنة، فحكم أنه لم يحج وعتق العبد.
فرع آخر
إذا قال لعبدين له: إذا جاء الغد فأحدكما حر، ثم جاء الغد وهما في ملكه يعتق أحدهما لا بعينه ويرجع إليه في التفسير وهو ظاهر، فأما إذا باع أحدهما قبل مجيء الغد أو أعتقه أو وهبه وأقبضه، ثم جاء الغد قال محمد: يعتق الباقي عليه. وقال ابن سريج: لا يعتق؛ لأنه أوقع عتقًا فيهما، قال: يجوز أن يتعين من غير تعينه، فينبغي أن يكون على صفةٍ بتعلق الحرية عند مجيء الغد بهما ثم يعتق هو أحدهما. فإن باع أحد العبدين في يومه ثم اشتراه وجاء الغد وهما في ملكه، فإن قلنا: الصفة تعود بعود الملك فهو كالمسألة الأولى، وإن قلنا: لا تعود، فهو كالمسألة الثانية.
فرع آخر
لو كانت المسألة بحالها نصف أحدهما في يومه، ثم جاء الغد وقع العتق مبهمًا في أحدهما لأنهما [١٥/ ب] جميعًا محل لوقوع العتق، ثم ينظر فإن عين العتق في العبد الكامل عتق كله، وإن عينه في الذي باع نصفه عتق النصف وسرى إلى الباقي إن كان مؤسرًا، وإن كان معسرًا لم يسر.
فرع آخر
قال ابن سريج تفريعًا على هذا: إذا كان له عبدان فقال: إذا جاء الغد وأحدكما في ملكي فهو حر، ثم جاء الغد وهما في ملكه عتق أحدهما لا بعينه، فإن باع أحدهما أو مات أو أعتقه ثم جاء الغد لا يعتق عليه النصف الباقي؛ لأنه جعل الشرط مجيء الغد وأحدهما في ملكه، وهاهنا في ملكه نصف أحدهما.
فرع آخر
لو قال لعبده وعبد غيره: أحدكما حرٌّ لم يعتق واحد منهما؛ لأن أحدهما لا يملك إعتاقه فلا يصح التخيير.
فرع آخر
لو قال: لا كملت زيدًا فيسُميَ عمرًا ثم كلمه حنث؛ لأن اليمين تعلقت بنفسه دون اسمه.
[ ١٠ / ٥١٥ ]
فرع آخر
إذا حلف لا يتكفل لفلانٍ بمال فتكفل بوجهه لم يحنث، وبه قال أبو حنيفة. وقال أحمد: يحنث بناءً على قوله: "إذا تعذر تسليم المكفول به يجب المال وصار ذلك كفالة"، قال: وهذا لا يصح؛ لأن الكفالة بالوجه كفالة ببدنه، وبدنه ليس بمال فلم يتناوله يمينه، وما ذكروه لا يسلم ولا يصح أيضًا؛ لأنه يلزمه المال لتعذر تسليمه لأن الكفالة كانت بالمال.
فرع آخر
لو حلف لا يتكلم فقرأ القرآن لم يحنث سواء كان في الصلاة أو في غيرها، وبه قال أحمد: وقال أبو حنيفة: إن قرأ خارج الصلاة حنث؛ لأن القرآن كلام الله، فإذا قرأه فهو متكلم به وهذا لا يصح؛ لأن ما لا يحنث به في الصلاة لا يحنث به خارج الصلاة كالإشارة.
فرع آخر
إذا حلف لا يكلمه فصلى خلفه فسها فسبح أو كبر، قياس المذهب أنه يحنث. وقال أبو حنيفة: إن كان في الصلاة لم يحنث، وإن كان خارجًا يحنث كما قال في القرآن وهذا لا يصح؛ لأن قارئ القرآن لا يسمى [١٦/ أ] متكلمًا بل يسمى قارئًا، ويسمى بالتسبيح متكلمًا.
فرع آخر
لو حلف لا يكلم فلانًا فقرأ آية من القرآن فهم ذلك الرجل منها، مثل إن كان يدق الباب فقال: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ (٤٦)﴾ [الحجر: ٤٦] فإن قصده قراءة القرآن لم يحنث وإلا حنث.
فرع آخر
لو حلف لا يكلم الناس فكلم واحدًا حنث، لأن الألف واللام للجنس، فإذا كلم واحدًا من الجنس حنث، كما لو قال: لا أكلت الخبز فأكل خبزًا حنث.
فرع آخر
لو قال: لا أكلم ناسًا انصرف إلى ثلاثة أنفس.
فرع آخر
لو حلف لا يكلمه فزجره بأن قال: تنح عني حنث. وقال أبو حنيفة: إن زجره عقيب اليمين لم يحنث، وإن قال بعد ذلك حنث. وكذا الخلاف إذا قال: لا كلمتك فاذهب أو فقم.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: إذا قال لزوجته: والله لا كلمتك فاذهبي لا يحنث إلا أن ينوي بقوله فاذهبي الطلاقَ؛ لأنه إذا نوى به الطلاق كان كلامًا مستأنفًا لا يتعلق بالأول، بخلاف ما لو لمم ينو به الطلاق؛ لأنه يكون تمام الكلام، وهذا لا يصح؛ لأن قوله: قومي كلام منه لها حقيقة، فإذا وجد منه بعد يمينه حنث به، كما لو كان قد فصله.
[ ١٠ / ٥١٦ ]
فرع آخر
لو قال رجل لرجلٍ: كلم زيدًا اليوم، وقال: والله لا كلمته، فإن يمينه على الأبد إلا أن ينوي اليوم، فإن كان ذلك في الطلاق وقال: نويت اليوم لم يقبل في الحكم. وقال أصحاب أبي حنيفة: تكون يمينه على اليوم ودلالة الحال خصت ذلك، إلا أن يطول الكلام مثل أن يقول: ما أتيتني في منزلي وقد أتيتك في منزلك غير مرة، فيقول: والله لا أتيتك فإن هذا يكون على اليوم؛ لأن الكلام طال وهذا لا يصح؛ لأن يمينه مطلقة فوجب أن تكون على التأبيد، كما لو ابتدأ بها أو طال الكلام.
فرع آخر
لو قال: لا لبست حُليًا، قال أبو حنيفة: لا يحنث باللؤلؤ [١٦/ ب] حتى تمزج بذهبٍ أو فضةٍ وعندنا يحنث به؛ لأنه حُليٌ، قال الله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣].
فرع آخر
لو تحلى بالخرز والصفر، فإن كان في عرفهم حُليًا كأهل البوادي وسكان السواد يحنث وإلا فلا يحنث. وقيل: هل يحنث به غيرهم؟ فيه وجهان كما قلنا في بيوت الشعر ورؤوس الصيد.
فرع آخر
لا فرق في الحنث بين مباحه ومحظوره، ويحنث بلبس الخاتم ذهبًا كان أو فضة. وقال أبو حنيفة: لا يحنث إن كان من فضة، ويحنث إن كان من ذهب؛ لأن الذهب غير مألوفٍ والفضة مألوفة، وهذا لا يصحٍ؛ لأن مألوفه وغيره سواء كالإسورة والأطواق. وقد روي أن النبي ﷺ تحلى خاتمًا من ذهبٍ ثم نزعه.
فرع آخر
لو لبس ثوبًا منسوجًا بالذهب لا يحنث؛ لأنه باسم الثوب أخص منه باسم الحلي. وكذلك لو تقلد بسيف محلي؛ لأن السيف ليس بحلي وإن كان على حلٌي.
فرع آخر
لو لبس منطقةً محلاةً بذهب أو فضةٍ فيه وجهان، أحدهما: يحنث بها؛ لأنها من حلي الرجال. والثاني: لا يحنث بها؛ لأنها من الآلات المحلاة كالسيف.
فرع آخر
لو حلف لا يلبس قلنسوة فلبسها في رجله لم يحنث؛ لأن اليمين تقتضي لبسًا متعارفًا وهذا غير متعارف.
[ ١٠ / ٥١٧ ]
فرع آخر
لو حلف لا يلبس شيئًا فلبس درعًا أو جوشنًا أو خفًا أو نعلًا فيه وجهان؛ أحدهما يحنث؛ لأنه لبس شيئًا.
والثاني: لا يحنث؛ لأن إطلاق اللبس لا ينصرف آلي غير الثياب.
فرع آخر
لو قال: والله لا كلمتك حنث؛ لأنه بإعادة الكلام قد صار متكلمًا له.
فرع آخر
لو كلمه وهو نائم، فإن كان كلامًا يوقظ مثله النائم حنث به وإلا فلا.
فصل
قال صاحب "الحاوي": أذكر في الإيمان أصلًا يحمل عليه أحكامها ليسلم من الإخلال، فأقول: [١٧/ أ] كل يمين انعقدت على اسم يعتبر به البر والحنث لم يخل ذلك الاسم من أمرين؛ مجمل ومفسر، فإن كان مجملًا كقوله في الإثبات: والله لأفعلن شيئًا، وفي النفي: والله لا فعلت شيئًا، فاسم الشيء يُضم إلى كل مُسمى فلا يحمل على جميع الأشياء لخروجها عن القدرة، والعرف يوجب أن يحمل على بعضها ولا يتغير بعضها إلا بالبيان فيرجع فيها إلى بيانه، فإن كانت له نية وقت يمينه يحمل على نيته فيصير بالنية مفسرًا وبالقول مخبرًا، كأنه أراد بقوله: لا فعلت شيئًا أي لا دخلت هذه الدار. وبقوله: لأفعلن شيئًا أي لأدخلن هذه الدار، فتعلق بره وحنثه بدخول الدار، سواء تقدم على بيانه أو تأخر، فإن لم يكن له نية وقت يمينه له أن يعينها بعد اليمين فيما شاء ويعمل فيها على خياره، كمن قال لنسائه: إحداكن طالق، ولم يعين واحدة، كان لهن تعيين الطلاق فيمن شاء منهن، وإذا كان التعيين إلى خياره فإن كان حلف بالطلاق أو العتاق يؤخذ جبرًا باليقين لتعلق حق الآدمي بها، وإن كان حلف بالله لا يجبر فيعين متى شاء ولا حنث فيها قبل التعيين، وإذا عينها باختياره فجعل قوله: لأفعلن شيئًا معينًا، في أن يركب هذه الدابة، وقوله: لا فعلت شيئًا معينًا في أن لا يركب هذه الدابة صار هذا التعيين هو المراد باليمين، فتعلق به البر والحنث دون غيره.
ثم لا يخلو إما إن وجد منه ركوب الدابة قبل التعيين أو لم يوجد، فإن لم يوجد تعلق بالبر والحنث بما يستأنفه من ركوبها بعد التعيين، وإن كان ركوبها قبل التعيين ففي وقوع البر والحنث به وجهان مبنيان على تعيين الطلاق المبهم في واحدة من نسائه، هل يوجب وقوعه وقت اللفظ أم وقت التعيين؟ فيه وجهان:
فإن قلنا: يقع باللفظ يتعلق البر والحنث بما تقدم من [١٧/ ب] الركوب قبل التعيين، ولا يتعلق بما تأخر عنه برُّ ولا حنثٌ.
والثاني: يقع الطلاق وقت التعيين، فعلى هذا يتعلق البر والحنث بالركوب بعد
[ ١٠ / ٥١٨ ]
التعيين ولا يتعلق بما تقدمه برٌّ ولا حنثٌ.
وأما الاسم المفسر فضربان، أحدهما: إن كان له حقيقة ومجاز كالسراج مجاز في الشمس، والبساط مجاز في الأرض، فينقسم في الإيمان خمسة أقسام:
أحدهما: أن يريد به الحقيقة دون المجاز، فيحمل على حقيقته لفظًا ومعتقدًا سواء كان من إرادة الحقيقة لغويًا أو شرعيًا، فإذا حلف لا يأكل الزبد لم يحنث باللبن على هذا.
والثاني: أن يريد به المجاز دون الحقيقة، فيريد بالسراج الشمس دون المصباح، وباللحم السمك، فإن كانت يمينه بالله ﷿ حمل على المجاز في الظاهر والباطن لاستثناء الحقيقة بنيته، وإن كان بالطلاق حملت على المجاز في الباطنٍ وحملت على أغلظ الأمرين في الظاهر، وسواء كان ما أراد من المجاز شرعيًا أو لغويًا.
والثالث: أن يريد به الجمع بين حقيقته ومجازه، فيحمل عليهما في بره وحنثه؛ لأنه أغلظ فيحمل السراج على المصباح والشمس على هذا.
والرابع: أن يريد به غير حقيقته ومجازه، كمن أراد بالسراج غير المصباح والشمس، فلا يحمل على الذي أراده لخروجه عن مقتضي لفظه، كمن أراد الطلاق بما ليس بصريح ولا كناية، ولا يحمل على المجاز لتجرده عن النية.
وأما حمله على الحقيقة، فإن كانت يمينه بالطلاق حملت على الحقيقة في الظاهر لا في الباطن، وإن كانت يمينه بالله تعالى لم يحمل على الحقيقة لا في الظاهر ولا في الباطن، وإن كانت لغوًا لا يتعلق بها برٌّ ولا حنثٌ. وقال مالك ومحمد: إنه حمل يمينه على إرادته وإن خرج عن الحقيقة والمجاز إذا اقترن به ضربٌ من الاحتمال. وحكي عن محمد أنه قال فيمن قال لغريمه: والله لأجرنك على الشوك [١٨/ أ] [برَّ] بمطله وتأخير دينه اعتبارًا بمخرج النية والنية لا يتعلق بها يمين، كما لو نوى يمينًا.
والخامس: أن تتجرد يمينه عن نيته وإرادته فتحمل في البر والحنث على الحقيقة دون المجاز [لأن افتقار المجاز إلى النية يسقط حكمه إذا تجرد عن نية مثل كنايات الطلاق إذا لم تقترن بها نية] فإن اختلف الشرع واللغة في حقيقته ومجازه كالنجاح في الشرع هو حقيقة في العقد ومجاز في الوطء، وفي اللغة حقيقة في الوطء مجاز في العقد، وكالصلاة، والزكاة، والصوم لها حقيقة في الشرع غير حقيقة اللغة، فيحمل على حقيقته في الشرع دون اللغة لأن الشرع ناقل.
والضرب الثاني على الاسم الخاص أن يكون له حقيقة وليس له مجاز، وهو على أربعة أقسام؛ مبهم، ومعين، ومطلق، ومقيد.
فالمبهم: لا كلمت رجلًا يحنث بكل من كلمه من الرجال دون الصبي والمرأة.
[ ١٠ / ٥١٩ ]
والمعين: لا كلمت زيدًا يحنث بكلامه صغيرًا أو كبيرًا.
والمطلق: أن يقول: لا شربت ماءً، فإطلاقه أن لا يذكر أنه قدرًا، ولا يعين له زمانًا ولا مكانًا، فيحنث بشربه في كل مكان وزمان إذا شربه صرفًا، فإن شربه ممزوجًا حنث ولا مكانًا، فيحنث بشربه في كل مكان وزمان إذا شربه صرفًا، فإن شربه ممزوجًا حنث إذا غلب على غيره بلونه وطعمه، وإن غلب عليه غيره بلونه وطعمه لم يحنث.
والمقيد: ثلاثة؛ مقيد بمكانٍ لا شربته بالبصرة، ومقيد بزمانٍ لا شربته اليوم، ومقيد بصفة لا شربته صرفًا فيتقيد به.
ويحنث في المبهم بالمعين ولم يحنث في المعين بالمبهم، وحنث في المطلق بالمقيد ولم يحنث في المقيد بالمطلق، لعموم المبهم والمطلق وخصوص المعين والمقيد، فإن أراد بالمبهم معينًا وبالمطلق مقيدًا حمل على إرادته لفظه، فيجعل المبهم معينًا والمطلق مقيدًا في الظاهر والباطن إن كان حالفًا بالطلاق؛ لأنه استثناء بعض ما شمله عموم الجنس، فصار بتخصيص العموم في النصوص الشرعية، فلا يحنث في إبهام قوله: لا كلمت رجلًا وقد أراد زيدًا [١٨/ ب] إلا بكلامه دون غيره من الرجال، ولا يحنث في إطلاق قوله: لا شربت ماءً وقد أراد شهرًا لا شربه فيه دون غيره من الشهور.
فأما عكس هذا إذا أراد بالمعين مبهمًا وبالمقيد مطلقًا حمل على لفظه في التعيين والتقييد ولم يحمل على إرادته في الإبهام والإطلاق؛ لأن ما تجاوز المعين والمقيد خارج عن لفظ اليمين، فصار مرادً بغير يمين فلا يحنث في تعيين قوله: لا كلمت زيدًا هذا وقد أراد كل الرجال إلا بكلام زيد وحده. ولا يحنث في تقييد قوله: لا شربت الماء في شهري هذا وقد أراد كل الشهر على الأبد ألا يشربه فيه وحده.
وشاهده من الطلاق أن يقول لامرأته: أنت طالق واحدة ويريد بها ثلاثًا لا تطلق ثلاثًا؛ لأنه قد صرح بنفيها بلفظ فلم يقع بمجرد إرادته، فافترق حكم العكس لافتراق العلتين.
وأما العام فضربان؛ أحدهما: عامُ اللفظ عام المراد ينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: ما كان عمومه في لفظه ومعناه، مثل قوله: والله لا كلمت الناس يحمل على كل إنسان من صغير وكبير، وعلى كل نوع من الكلام سقيم وسليم، ومثله في التنزيل قوله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٦٢]، وقياسه بالإيمان أن يقول: لا أكلت اللحم، يحنث بكل نوع من اللحم على كل صفة من الأكل.
والثاني: ما كان عمومه في لفظه دون معناه، كقوله: والله لا أكلت الحنطة، يحنث بكل نوع من الحنطة ولا يحنث بأكل ما حدث عن الحنطة من سويق أو دقيق. وإذا قال: لا أكلت اللبن يحنث بكل نوع من اللبن ولا يحنث بما حدث من اللبن من جبن وصل [وزبد] وسمن، فيصير محمولًا على عموم لفظه دون معناه، وهذا يختص بما إذا تغير عن حاله زال عن اسمه فاجعل ذلك قياسًا مطردًا في نظائره.
والثالث: ما كان عمومه في معناه دون لفظه، مثل قوله: لا أكلت عسلًا فأكل خبيصًا فيه عسل، [١٩/ أ] ولا أكلت دقيقًا فأكل خبيصًا فيه دقيق حنث؛ لأن في الخبيص عسلًا
[ ١٠ / ٥٢٠ ]
ودقيقًا، وكذلك السمن، وهذا يختص بما إذا حدث له اسم بالمشاركة لم يزل الاسم الخاص عن كل نوع منها؛ لأنه لا يسمى خبيصًا إلا باجتماعهما ولا يزول اسم كل نوع عنه؛ لأنه لا يقال: هذا خبيص فيه عسل وفيه دقيق وفيه سمن. فإن قيل: أليس لو قال: لا أكلت دقيقًا فأكل خبزًا حنث؟ قلنا: الفرق أنه لا يقال هذا خبز فيه دقيق، ويقال: هذا خبيص فيه دقيق، فصار اسم الدقيق في الخبيص باقيًا وفي الخبز زائلًا فافترقا.
والضرب الثاني: ما كان عام اللفظ خاص المراد، فهو ما خص عموم لفظه بسببٍ أوجب خروجه عن عموم كما خصه عموم الكتاب والسنة، وتخصيص اللفظ العام في الإيمان من خمسة أوجه أحدها: تخصيص عمومه بالمفقود.
والثاني: بالشرع.
والثالث: بالعرف.
والرابع: بالاستثناء.
والخامس: بالنية.
فأما الأول: ما امتنع استيفاء عمومه في القصد كقوله: والله لآكلنَّ الخبز، ولأشربنَّ الماء، ولأكلمنَّ الناس، ولأتصدقن على المساكين، لما امتنع أن يأكل كل الخبز، أو يشرب كل الماء، [ويكلم جميع الناس، ويتصدق على جميع المساكين] لما خص العقل عموم الجنس فتعلق البر والحنث بأكل بعضه وشرب بعضه، وكلام بعض الناس، والتصدق على بعض المساكين.
ثم هذه الأجناس ضربان [معدود وغير معدود] فغير المعدود الخبز والماء فيتعلق البر والحنث بقليله وكثيره. والمعدود كالناس والمساكين، فإن كانت يمينه على الإثبات كقوله: لأكلمنَّ الناس، ولأتصدقنَّ على المساكين لم يبر حتى يكلم ثلاثةً ويتصدق على ثلاثة اعتبارًا بأقل الجمع، وإن كانت يمينه على نفي كقوله: لا كلمت الناس ولا تصدقت على المساكين حنث بكلام واحدٍ وبالصدقة على واحدٍ اعتبارًا [١٩/ ب] بأقل العدد، والفرق أن نفي الجميع ممكن وإثبات الجميع ممتنع، فاعتبر أقل الجمع بالإثبات واعتبر أقل العدد في النفي.
وأما التخصيص بالشرع فضربان؛ تخصيص اسم وتخصيص حكم، فتخصيص الاسم كالصيام في اللغة الإمساك عن الطعام والكلام، ثم خصه الشرع بالإمساك عن الطعام والشراب في النهار فلا تنعقد يمينه إلا بالصوم الشرعي، وكذا الحج، والصلاة.
وأما تخصيص الحكم فكلحم الخنزير خص بالتحريم من عموم اللحوم المباعة، ففي تخصيص العموم به في الإيمان وجهان:
فلا يحنث إذا حلف لا يأكل لحم الخنزير، ولا يبر إذا حلف ليأكلن اللحم فأكل لحم الخنزير، ولو حلف لأوطانَّ لا يحنث بالوطء في الدبر، ولو حلف أنه لا يطأ لم يبر بالوطء
[ ١٠ / ٥٢١ ]
في الدبر، ويبرَّ ويحن بوطء الزنا؛ لأنه من جنس المباح، وعلى هذا لو حلف لا يتيمم لا يحمل على موضوع اللغة وهو القصد، بل يحمل على التيمم الشرعي في سفرٍ أو مرضٍ وعلى الوجه الآخر لا يتخصص عموم الإيمان بالأحكام الشرعية، لاتفاق أحكام القرآن في الحظر والإباحة اعتبارًا بما انعقدت عليه، فيحمل على عمومها فيما حل وحرم اعتبارًا بالاسم دون الحكم فيحنث في اللحم بكل لحمٍ، وفي الوطء بكل وطء.
وأما تخصيص العموم بالعرف فضربان؛ عام وخاص.
فالعام: كمن حلف لغيره لا خدمتك الليل والنهار، فيختص بالعرف من خدمة النهار زمان الأكل والشرب، والطهارة والصلاة، والاستراحة بحسب ما يخدم فيه من شاقٍ وسهلٍ، ومن خدمة الليل وقت النوم المألوف، فإن ترك الخدمة فيها لم يحنث لخروجها بالعرف من عموم يمينه، وإن ترك الخدمة في غيرها من الأوقات حنث لدخولها في عرف يمينه، ولو حلف [٢٠/ أ] لأضربنك الليل والنهار خرج بالعرف من زمان الليل والنهار ما ذكرناه، فلا يكون بترك الضرب فيها حانثًا، وخرج بالعرف من بقية الزمان في الضرب خصوصًا للوقت الذي يكون ألم الضرب فيه باقيًا، فيكون بقاء ألمه كبقاء فعله، فإن ترك ضربه مع بقاء الألم لم يحنث، وإن تركه مع زوال الألم حنث؛ لأن من دوام فعله أن يتخلله فترات من العرف، فاعتبر بدوام ألمه الحادث عنه.
ولو قال: والله لا وضعت ردائي عن عاتقي انعقدت يمينه على لبسه في زمان العرف، فإن نزعه في زمان الليل، أو في دخول الحمام، أو عند تبدله في منزله لم يحنث لخروجه بالعرف من زمان لبسه، وإن نزعه في غيره حنث لدخوله في عرف لبسها، ولو قال لغريمه: والله لا نزعت ردائي عن عاتقي أقضيك حقك حنث بنزعه قبل قضاء دينه في زمان العرف وغيره، والفرق أنه جعله في الإطلاق مقصودًا، وفي قضاء الدين شرطًا، والعرف معتبر في الإيمان دون الشرط.
وعلى هذا لو قال لغريمه: والله لا خدمتك حتى أقضيك حقك لم يحنث بترك الخدمة في زماني الاستراحة قبل القضاء؛ لأنه جعل الخدمة جزاءً ولم يجعلها شرطًا، وعلى هذا لو حلف لا يأكل الرؤوس لا يحنث بأكل رؤوس غير النعم لخروجها بالرف من عموم الاسم.
ولو حلف لا يلبس هذا القميص لا يحنث إذا ارتدى به، ولو حلف لا يلبس الخاتم لا يحنث بلبسه في الإبهام ويحنث بلبسه في الخنصر اعتبارًا بالعادة وتخصيصًا بالعرف.
وأما العرف الخاص: كقوله: لا قتلت ولا ضربت، فأمر بالقتل والضرب يحنث به الملوك دون السوقة.
ولو قال: والله لا تصدقت حنث الأغنياء بدفعها وحنث الفقراء بأخذها اعتبارًا بالعرف في الفريقين. ولو قال: والله لا طفت ولا سعيت حنث أهل مكة [٢٠/ ب] بالطواف بالبيت وبالسعي بين الصفا والمروة، وحنث غيرهم بالسعي على القدم وبالطواف في الأسواق، وحنث [أهل] الوشاة بالسعي إلى الولاة.
ولو قال: والله لا ختمت، حنث القارئ بختم القرآن، ويحنث التاجر بختم كيسه؛
[ ١٠ / ٥٢٢ ]
لأنه عرفٌ بكل واحدٍ منهما به، ولو قال: والله لا قرأت، حنث بقراءة القرآن دون قراءة الشعر، ولو قال: والله لا تكلمت، حنث بالكلام، وإنشاء الشعر دون قراءة القرآن لخروجه بالإعجاز من جنس الكلام الذي ليس فيه إعجاز.
وأما تخصيص العموم بالاستثناء: فهو القول المخرج من لفظ اليمين بعد ما اشتمل عليه وله شرطان؛ أن يكون متصلًا بها، وأن يخالف حكم اليمين، فإن كانت على نفيٍ كان الاستثناء إثباتًا، وإن كانت على إثباتٍ كان الاستثناء نفيًا، واختلف أصحابنا في هذا الاستنثاء، هل يفتقر إلى اعتقاده في أول اليمين على وجهين:
أحدهما: يفتقر إليه حتى إن لم يعتقده بطل حكمه فيما بينه وبين الله تعالى، وإن كان حكمه في الظاهر صحيحًا.
والثاني: لا يفتقر ويصح إذا اتصل بها ظاهرًا وباطنًا، وحكم هذا الاستثناء أن يخرج عن يمينه بعض جملها وهو على أربعة أضرب:
أحدها: استثناء مكانٍ.
والثاني: استثناء زمانٍ.
والثالث: استثناء عددٍ.
والرابع: استثناء صفةٍ. وفي ذكر إحداها بيان جميعها، فإذا قال: والله لأضربن زيدًا إلا في داري برَّ إن ضربه في غير داره، ولم يبر إن ضربه في داره. ولو قال: والله لا ضربت زيدًا إلا في داري، حنث إن ضربه في غير داره، ولم يحنث إن ضربه في داره، وبرَّ إن لم يضربه في غير داره، ولم يبر إن لم يضربه في داره، وعلى هذا القياس.
وأما التخصيص بالنية: فإن ينوي بقلبه [٢١/ أ] في عقد يمنيه ما يصح أن يذكر بلفظه، فيحمل فيه على نيته إذا اقترنت بعقد يمينه، ولا يصح إن تقدمت النية على اليمين أو تأخرت عنها، وذلك مثل قوله: والله لا كلمت زيدًا وينوي به مبهمًا، أو لا أكلت خبزًا وينوي بله ليلًا، فيحمل في اليمين بالله تعالى على نيته ظاهرًا وباطنًا، وفي الطلاق يحمل ظاهرًا لا باطنًا والله أعلم.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّم رَجُلًا فَسَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ وَالمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فِيهِمْ لم يَحْنَتْ".
قال أصحابنا: جملة هذا أنه إذا علم ونواه بقلبه حنث قولًا واحدًا، وإن عَزَله بقلبه وقصد السلام على غيره لم يحنث قولًا واحدًا وإن لم يعلم فسلم على جماعتهم فهل يحنث؟ قولان؛ لأنه مخطئ، وفي الخاطئ قولان، ولو مرَّ عليه فسلم عليه ناسيًا فيه قولان، وإن سلم عليه ذاكرًا لليمين إلا أنه لا يعرف فهو خاطئ فيه قولان، وإن نوى السلام على جماعتهم حنث؛ لأنه سلم عليه وعليهم، وإن أطلق السلام عالمًا بأنه فيهم ولم يعزله بالنية ولا قصده بالنية، قال في "الأم" ونقله المزني إلى "المختصر": لا يحنث. وقال الربيع: وفيه قول آخر إنه يحنث. فالمسألة على قولين:
[ ١٠ / ٥٢٣ ]
أحدهما: لا يحنث؛ لأنه يحتمل أن يسلم عليهم دونه، ويحتمل أن يسلم عليه وعليهم فلم يحنث بالشك.
والثاني: يحنث؛ لأنه إذا سلم عليهم وهو فيهم فقد سلم عليهم وعلى كل واحدٍ منهم لحق عموم اللفظ فحنث به.
مسألة: قَالَ: " وَلَوْ كَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا أَوْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولًا فَالوَرَعُ أَنْ يُحَنِّثَ نَفْسَه".
اعلم أنه إذا حلف لا يكلم رجلًا، فكتب إليه، أو أرسل إليه رسولًا، أو أشار إليه، أو أومَأ إليه هل يحنث؟ قولان:
قال في "القديم": يحنث، وبه قال مالك لقوله تعالى: ﴿ومَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلاَّ وحْيًا﴾ [الشورى: ٥١] فاستثني الوحي من الكلام. [٢١/ ب] وقال تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إلاَّ رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] فاستثني الرمز من الكلام، ولأن الكلام يراد لإفهام ما في القلب، وبهذه الأشياء يحصل الإفهام.
وقال في "الجديد" لا يحنث وهو الأصح، واختاره المزني؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَقُولِي إنيِّ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] الآية، ثم قال: ﴿فَأَشَارَتْ إلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩]، فلو كانت الإشارة من الكلام لما أشارت وقد نذرت أن لا تتكلم، ولنه يصح نفي اسم الكلام عن هذه الأشياء فيقول: ما تكلمت ولكن أشرت وكتبت فلم يحنث به، وأما الآية التي ذكروها قلنا: ذاك استثناء من غير الجنس وقد ورد به القرآن، قال الله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إلاَّ سَلامًا﴾ [مريم: ٦٢]. واحتج المزني على اختياره بأن الله تعالى قال: ﴿أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًا فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرَابِ فَأَوْحَى إلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًا (١١)﴾ [مريم: ١٠، ١١] فافهم بما يقوم في الفهم مقام الكلام ولم تتكلم به، وقد احتج الشافعي - ﵁ - بأن الهجرة محرمة فوق ثلاثٍ، فلو كتب أو أرسل إليه وهو يقدر على كلامه لم يخرجه هذا من الهجرة التي يأثم بها، فلو كان الكتاب كلامًا يخرج به من الهجرة، وأجاب بعض أصحابنا عما ذكر المزني فقال: أما حديث زكريا ﷺ فلأنه نهي عن الكلام مع استثناء الإشارة، وهو قوله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إلاَّ رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]، وبهذا استدللنا على أن الرمز كلام.
وأما الهجرة فإن كانت المخاطبة بينهما فيما قبل الهجرة بالكتاب أو الرسالة خرج من الهجرة إذا كانت عادته جارية بالتسليم بالإشارة، وإن كاتبه وهما في مجلس واحدٍ وقال في هذه الحالة لغيره: قل له كذا وكذا، فهذا إصرار منه على الهجرة؛ لأنه لا تزول به الوحشة وإن كان كلامًا إذا لم يقصد إزالة الوحشة حتى لو غاب صاحبه فكاتبه [٢٢/ أ] معتذرًا أو غير معتذرٍ، ولكنه لم يؤذنه بما في الكتاب زالت الهجرة بذلك، ولو كاتبه بالشتم أو استقبله فشافهه بالشتم لم تزل به الهجرة وإن تكلم، وهذا المعنى غير موجود، هكذا ذكره أصحابنا بخراسان.
وقال في "الحاوي" وغيره: إذا كتب إليه أو أرسل إليه رسولًا (وهو) يقدر على
[ ١٠ / ٥٢٤ ]
الكلام معه، هل يخرج عن مأثم الهجرة؟ فيه وجهان؛ قال أبو إسحاق: لا يخرج. وقال ابن أبي هريرة: يخرج؛ لأن المقصود نفي الوحشة التي بينهما وعودهما إلى ما كان عليه من الأنس.
ومن أصحابنا من قال في أصل المسألة: لا يحنث قولًا واحدًا، وما ذكر في "القديم" أراد به في الورع، وأراد أنوى في يمينه المكاتبة والمراسلة.
ومن أصحابنا من قال: هذا في المعاتبة بحيث جرت العادة بالمكاتبة والمراسلة، فإن كان معه في المجلس فكتب إليه رقعة لم يحنث قولًا واحدًا.
فرع
لو حلف لا يكلم فلانًا فكلم غيره بكلامٍ سمعه، فإن لم يكن فيه تعريض له لم يحنث، وإن كان فيه تعريض له، فإن كان مواجهًا بالكلام حنث به؛ لأنه قد صار مكلمًا له، وإن كان غير مواجهًا له لم يحنث. وقد روي عن عائشة - ﵂ - لما أرادت الخروج إلى البصرة أشارت عليها أم سلمة ألا تفعل، وحلفت عليها إن خرجت أن لا تكلمها، فلما خرجت وعادت إلى المدينة، قالت أم سلمة: عليها إن خرجت أن لا تكلمها، فلما خرجت وعادت إلى المدينة، قالت أم سلمة: يا حائط ألم أقل لك، يا حائط ألم أنهك، فبلغت غرضها وسلمت من الحنث.
فرع
لو كان الحالف إمامًا والمحلوف عليه مصليًا خلفه فسلم في الصلاة، فالحكم فيه كما ذكرناه إذا سلم على جماعة وهو فيهم في قياس المذهب.
وقال أبو حنيفة: لا يحنث؛ لأن سلام الصلاة ليس بكلام [٢٢/ ب] كتكبيرها وهذا لا يصح؛ لأنه شرع له أن ينوي السلام على الحاضرين، وليس كالتكبير فإنه يخرج بالسلام من الصلاة وينافيها، ولو قدمه عامدًا عن موضعه بطلت صلاته.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ حَلَفَ لَا يَرَى كَذَا إِلَّا رَفَعَهُ" إلى فلان القاضي ثم رآه نُظر، فإن رفعه إليه بَّر، وإن لم يرفعه إليه مع الإمكان حتى مات القاضي أو هو حنث؛ لأنه فاته رفعه إليه بتفريط من جهته، وإن أمكنه رفعه إليه إلا أنه حجب عن القاضي ومنع من رفعه إليه حتى فات بموته هل يحنث؟ فيه قولان، وإن لم يمكنه رفعه إليه حتى مات القاضي أو هو، مثل أن يرى فيموت القاضي عقيبه من غير أن يكون بين الرؤية وبين موته زمان يمكن رفعه إليه، أو يرى فيخرج في الحال ثم يموت هو في الطريق.
قال أبو إسحاق: لا يحنث قولًا واحدًا؛ لأن ما لم يمكنه رفعه إليه فهو كما لم يره، وإنما يلحقه الحنث إذا أمكنه الرفع مع الرؤية، ووافقه بعض أصحابنا على هذا وقال: القولان في المكره الذي أدركه زمان الرفع فمنع. وقال أبو حامد: في هذا قولان أيضًا كالمكره، والأول أصح. فإن قيل: قال الشافعي ﵁: "لو حلف لا يرى كذا إلا رفعه آلي قاضٍ" فنكر ولم يعين فلم يصح حمل المسألة على تعيين القاضي؟ قلنا: الشافعي لم يحك لفظ الحالف وإنما هو لفظه، ألا ترى أنه لو وصل به إلى قاضٍ سماه
[ ١٠ / ٥٢٥ ]
وعينه كان صحيحًا فثبت ما قلناه.
قال الشافعي ﵁: "وَلَوْ عُزِلَ فَإِنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ أَنْ يَرْفَعَهُ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ قَاضِيًا فَلَا بَجِبُ رَفْعُهُ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌُ خَشِيتُ أَنْ يَحْنِثَ إِنْ لَمْ يَرْفَعْهُ إِلَيْهِ". ومعنى هذا الكلام أنه إذا سمى القاضي وعنيه ثم رأى الأمر الذي حلف على رفعه [٢٣/ أ] إليه فلم يرفعه حتى عزل عن القضاء يُنظر، فإن قال: ما دام قاضيًا أو نوى ذلك بقلبه، فهو بمنزلة موته حتى عزل عن القضاء يُنظر، فإن قال: ما دام قاضيًا أو نوى ذلك بقلبه، فهو بمنزلة موته على ما بيناه فأغنى عن الإعادة، وإن لم يقل ذلك ولا نية له، قال الشافعي: "حشيت أن يحنث إن لم يرفع فيه". قال أبو إسحاق: إنما علَّق الشافعي القول في حنثه ولم يقطع؛ لأنه لم يقتصر على اسمه حتى وصفه بالقضاء، فيمكن أن يكون هذا شرطًا ويمكن أن يكون هذا شرطًا، وتكون الإشارة واقعة على العين دون الصفة.
وقال بعض أصحابنا: فيه وجهان:
أحدهما: أنه إشارة إلى العين والصفة؛ لأنه سمى ووصف فتعلق بهما. وقال أبو حنيفة: لأن الرفع إليه لا يكون إلا في حال الولاية.
والثاني: لا يتعلق بالصفة وإنما يتعلق بالعين ويكون ذكر الصفة زيادة في معرفة العين وهو الصحيح، وهو ظاهر مذهب الشافعي ﵁؛ لأنه قال: "فإن لم يرفعه بعد عزله خشيت أن يحنث"، فنص على الحنث، فدل على أنه كان أقوى في نفسه، وهذا اختيار القاضي الطبري. قال: والدليل عليه أن رجلًا لو قال: والله لا ركبت دابة فلان بن فلان القاضي، ثم عزل فركب دابته حنث، وإن لم يكن قوله: القاضي إلا زيادة في تعريف عينه، فيجب أن يكون هنا مثله.
فإذا ثبت هذا وقلنا: القضاء لا يتعلق به اليمين، فإنه يرفعه إليه بعد عزله ويبر، فإن لم يرقعه حنث. وكذلك ما يراه بعد عزله يحتاج أن يرفعه إليه، فإن لم يفعل حنث. وإذا قلنا: يتعلق اليمين بالقضاء، فإذا عزل كان كما لو مات على ما قدمناه.
فرع
لو لم يسم فقال: لا أرى منكرًا إلا رفعته إلى قاضٍ، فإن كان قاضيًا أو عزل ثم رآه فعليه رفعه إلى القاضي بعده؛ لأنه لم يخص قاضيًا دون قاضٍ، فإن مات الذي كان قاضيًا [٢٣/ ب] وقت يمينه قبل الرفع إليه أو عُزل وولي غيره رفعَهُ إليه برَّ بيمينه ولا يحنث هاهنا حتى يرى منكرًا ويمكنه الرفع إلى قاضٍ، ولا يرفعه حتى يموت فيحنث به.
فرع آخر
لو قال: لا أرى منكرًا إلا رفعته إلى القاضي، قال أبو إسحاق: هذا التعريف وهو القاضي في بلده؛ لأنه المعروف والمعهود، ولو أمكنه الرفع إلى قاضي بلده في ذلك الوقت فلم يرفعه حتى مات ذلك القاضي حنث، ولا يبر بأن يرفع إلى القاضي بعده.
ولم يذكر أبو إسحاق في هذا القسم إذا رأى بعد موت قاضي البلد وتقليد غيره كيف الحكم، ويجب أن يقال: لا يجب رفعه إليه؛ لأن التعريف عنده تعلق بالقاضي الموجود في حال يمينه، ويكون حكم هذا القسم حكم مسألة الكتاب، فإن التعريف إذا رجع إليه كان بمنزلة ما لو عنيه وعرّفه بيمينه. وقال القاضي الطبري: هذا مذهب أبي
[ ١٠ / ٥٢٦ ]
إسحاق وقد ذكره في شرحه.
وقال بعض أصحابنا: إن لم يكن له نية المعهود كان للجنس، وهذا يصح على قول من قال من أصحابنا: إن الاسم المفرد إذا عرف بالألف واللام ظاهرة للجنس ويجعل للعهد بدليل، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] الآية، ﴿الزَّانِيَةُ والزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] الآية، ونحو ذلك، فعلى هذا فآلي أي قاضٍ رفعه في ذلك البلد يبرَّ في يمينه، ولا يحنث بموته إذا ولي آخر رفعه إليه ويبرّ.
مسألة: قَالَ: "ولو حَلَفَ مَا لَهُ مَالٌ وَلَهُ عَرَضٌ أَوْ دِينٌ حَنَثَ".
إذا حلف ما له مال وله شيء من العروض والعقار ونحو ذلك حنث. وقال أبو حنيفة: لا يحنث إلا أن يملك شيئًا من الأموال الزكاتية استحسانًا؛ لأن عرف المال في الشرع ينصرف إلى الزكاتي لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، ودليلنا [٢٤/ أ] أن العروض مال حقيقة، بدليل أن الله تعالى قال: ﴿وأُحِلَّ لَكُم مَّا ورَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم﴾ [النساء: ٢٤]، ويجوز الترويح بالعروض، وقال ﷺ: "خير المال مهرة مأمورة، أو سكة مأبورة". والمهرة المأمورة: الخيل الكثيرة النتاج، والسكة المأبورة، النخيل المصطفة المؤبرة. وقال مالك: لا يحنث إلا بالذهب والفضة دون غيرها، وهذا أيضًا لا يصح لما ذكرنا.
فرع
إذا قال: إن شفي الله مريضي فلله عليَّ أن أتصدق بمالي، فالحكم فيه كما ذكرنا في اليمين، ويتناول ذلك كل ما يتمول خلافًا لأبي حنيفة ومالك رحمهما الله.
فرع آخر
قال: لو كان له دين على إنسان، فإن كان حالًا حنث، فإن ذلك مال يملك أخذه والمطالبة به متى شاء كالوديعة، وإن كان مؤجلًا ففيه وجهان:
أحدهما: لا يحنث؛ لأنه لا يملكه في الحال، وإنما يملكه بعد حلول الأجل، بدليل أنه لا يملك المطالبة به، وبه قال مالك ﵀.
والثاني: وهو الأصح يحنث؛ لأنه مال له وإن لم يملك المطالبة به كالدين على المعسر، وعدم المطالبة لا تخرجه عن كونه مالًا، كما لو آجره داره وسلمها إليه فليس له المطالبة بها وهي ماله.
وقال أبو حنيفة ﵀: لا يحنث به حالًا كان أو مؤجلًا، كما لو كانت له المطالبة بالشفعة وهذا غلط؛ لأن الزكاة تتعلق بالدين ولا تجب الزكاة إلا في المال، ولأنه لو قال: لفلانٍ علىَّ مال، وفسره بالدين فدل على أنه يسمى مالًا.
فرع آخر
لو كان يملك بضع زوجته لم يحنث. قال أصحابنا: وكذا لو ملك سائر المنافع؛
[ ١٠ / ٥٢٧ ]
لأنها لا تسمى أموالًا وإن كانت في معنى المال.
فرع آخر
لو كان له مكاتب أو أم ولدٍ أو مدبرٌ يحنث لقبولها على ملكه، ذكره أصحابنا مشايخ خراسان. وقال صاحب "الحاوي": [٢٤/ ب] في أم الولد وجهان؛ أحدهما: لا يحنث لأنه لا يجوز أن يعوض عنها بمال بخلاف المكاتب إذا عجز.
فرع آخر
لو كان له مال مغصوب يحنث لبقائه على ملكه، وفي الضال وجهان؛ أحدهما: لا يحنث؛ لأن بقاءه مشكوك فيه.
والثاني: يحنث؛ لأن الأصل بقاءه.
فرع آخر
لو كان له وقف، فإن قلنا: رقبة الوقف غير داخله في ملكه لم يحنث، وإن قلنا: رقبة الوقف داخلة في ملكه فيه وجهان كأم الولد، ولو نوى مالًا دون مالٍ فهو على نيته فيما بينه وبين الله تعالى.
فرع آخر
لو قال: ما لي إلا مائة درهم ولم أملك إلا خمسين درهمًا، ونوى أنه لا يملك زيادة على مائةٍ لم يحنث، وإن أطلق ففيه وجهان.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ مائَةَ شَوْطٍ".
الفصل
في هذا مسائل؛ إحداها: أن يجمع مائة سوطٍ ويشدها وضربه بها ضربة واحدة، وتحقق أن المائة كلها أصابته فقد برَّ في يمينه. وقال مالك ﵀: لا يبرّ حتى يضربه مائة سوطٍ متفرقة، وبه قال أحمد، وهذا لا يصح لقوله تعالى: "وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ ولا تَحْنَثْ" [ص:٤٤] فدل أنه يبر بذلك، ولأن حقيقة الضرب أن يصيب المضروب من يد الضارب، وهذا يوجد في الضرب بالجمع كوجوده بالمتفرق فحصل البر بهما.
فرع
لو حلف ليضربنه مائة ضربة، فجمع مائة سوط أو مائة شمراخ فضربه بها دفعة واحدة هل يبر بذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يبر؛ لأنه ما ضرب إلا ضربةً واحدةً فصار كالرامي سبع حصيات في رمي الجمار تعد رمية واحدة؛ لأن هاهنا جعل العدد للضربات، وفي المسألة الأولى جعل العدد الأسواط.
[ ١٠ / ٥٢٨ ]
والثاني: يبرُّ به؛ لأن كل سوط يحصل به ضربة، ألا ترى أن الزاني إذا ضرب به [٢٥/ أ] سقط عنه الحد.
فرع آخر
متى وقع اسم الضرب فقد برَّ، سواء ألمه بذلك أو لم يؤلمه، نص عليه. وقال مالك: لا يبر إلا بأن يألم بالضرب؛ لأنه يشترط الإيلام في ضربه الحد والتعزيز، وهذا لا يصح؛ لأن اسم الضرب يتناوله مؤلمًا كان أو غير مؤلم، يقال: ضربٌ مؤلمٌ، وضربٌ غير مؤلم، فإذا تناوله الاسم برَّ به ويخالف الحد والتعزيز؛ لأن الغرض بهما الردع والزجر، ولا يحصل ذلك إلا بالإيلام، وهاهنا الاعتبار بما يتناوله وله الاسم فلا يشترط فيه الألم. ولو وضع عليه السوط ورفعه لا يبر به بلا خلاف.
فرع آخر
لو علم أن الجميع لم يماسه لم بر؛ لأن الضرب لم يحصل بكماله ومماسته الجميع أن يقع البعض فوق البعض حتى يصل إليه شدة الكل.
فرع آخر
لو شك هل أصابه الكل أم لا ظاهره قال ههنا: إنه يبر، والورع أن يحنث نفسه. قال المزني: هذا خلاف قوله: ليفعلن كذا إلا أن يشاء فلان فمات فلانٌ حنث، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم، وعند أبي حنيفة والمزني هاهنا لا يبر.
وقال القفال: هاهنا قول آخر لا يبر أيضًا كما في مسألة المشتبه، وهما كالقولين في إعتاق العبد الغائب الذي لا يعرف حياته عن الكفارة، ففي قول يعتبر براءة الذمة، والأصل أنها لم تبرأ، بل هي مشتغلة بالكفارة، وفي قول يعتبر أصل بقاء العبد، كذا هاهنا يعتبر أحد القولين ظاهر إصابته الكل، وفي الثاني يعتبر أن الأصل أنه لم يبر ما لم يتيقن.
ومن أصحابنا من أنكر هذا وقال: ما لم يماسه في السياط فقد يقل ما ماسه، فقد حصل معنى الضرب بالمماس وغير المماس، وهذا خلاف نص الشافعي ﵁؛ لأنه قال: أحاط أنها ل تماسه كلها لم يبر.
ومن أصحابنا من قال: إذا شك في الإصابة ولم يغلب على ظنه شيء حنث، وإن لم يتيقن الإصابة وغلب على ظنه [٢٥/ ب] الكل برَّ. وقال أبو حنيفة والمزني: لا يبر؛ لأن الأصل عدم الإصابة مالم يتيقن وهذا لا يصح؛ لأن غلبة الظن أجريت في الحكم مجرى اليقين، كما يحكم بخبر الواحد والقياس على غلبة الظن.
فرع آخر
لو قال: مائة سوط لم يبر بعثكال النخل، ولو قال مائة خشبة برَّ بالعثكال.
فرع آخر
لو كان عليه لباسٌ يمنع وصول الضرب إلى بشرة بدنه، فإن كان كثيفًا يخرج عن
[ ١٠ / ٥٢٩ ]
العرف ويمنع من الإحساس بالضرب لم يبر، وإن كان مألوفًا لا يخرج عن العرف ولا يمنع من الإحساس بالضرب يبر وإن لم يألم.
فرع آخر
لو قال: ليضربن عبده مائة مرةٍ فعليه في البر أن يفارقها، ولا يجوز أيجمعها، فإن جمعها وضربه كانت مرة، ولو قال: أضربك بمائة سوطٍ وضربه بها جاز وإن لم يصل جميعها إلى بدنه على ما ذكرنا؛ لأن دخول الباء على العدد لم يجعله صفة لآلة الضرب ولا يجعله صفةً لعدد المضروب، ولو قال: أضربك مائة سوطٍ وحذف الباء من العدد لزم البر أن يصل جميعها إلى بدنه؛ لأنه جعله صفةً لعدد الضرب دون الآلة، ذكره في "الحاوي".
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ حَلَفَ لَا يَهَبُ لَهُ هِبَةٌ فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ أَوْ نَحَلَهُ أَوْ أَعْمَرَهُ فَهُوَ هِبَةٌ".
الفصل
اعلم أنه إذا حلف لا يهب لفلانٍ هبة فإن هذا يتناول جميع أنواع التمليك بغير عوضٍ في حال الحياة، فإن وهب له شيئًا أو أهدى إليه هدية وأقبض، وإن لم يتقدمها عقد، أو كان ابنه فنحله أو أعمره، أو تصدق عليه صدقة تطوع يحنث بجميع ذلك، وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة: لا يحنث في صدقة التطوع؛ لأن الصدقة لا تسمى هبة، ولهذا كانت الصدقة لا تحل لرسول الله ﷺ وتحل له الهدية والهبة وهذا لا يصح؛ لأن [٢٦/ أ] المسكين الذي يتصدق عليه بشيء لا يتحاشى في العبارة أن يقول: وهب لي فلان كذا، ولأن الهبة اسم عام لجميع التمليكات بغير عوض، إلا أن كل نوع منها مختص باسم، فإذا وهب النضير من النضير يقال: هبة، وإذا وهب لمن هو أعلى منه يقال: هدية، وإذا وهب الولد يقال: نحله، وإذا وهب الفقير يقال: صدقة حنث بكلها، وهو كاسم الرطب يتناول أنواعًا كثيرة.
وأما صدقة التطوع هل كانت تحل لرسول الله ﷺ فيه قولان.
فرع
لو أوصى بمالٍ لم يحنث؛ لأنه ليس بتمليك عين في حال الحياة، وإنما يحصل التمليك منها بالموت والقبول، وإذا مات سقطت.
فرع آخر
إذا عقد الهبة ففي زمان حنثه وجهان مخرجان من القولين متى يملك الهبة؟ أحدهما: بالقبض، فيحنث وقت إقباضها.
والثاني: يدل بالقبض على ملكها وقت عقدها فيحنث وقت العقد.
فرع آخر
إذا عقد الهبة وسلم فلم يقبلها الموهوب له وردها هل يحنث؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يحنث؛ لأن الهبة لم تتم تخريجًا من قوله أنه ملكها بالقبض.
[ ١٠ / ٥٣٠ ]
والثاني: يحنث؛ لتعلقها بفعله تخريجًا من قوله أنها تملك بالعقد. ذكره في "الحاوي"، وقد ذكرنا هذا فيما قبله مختصرًا.
فرع آخر
لو تصدق عليه صدقةً فرض لم يحنث لخروجها عن تبرع الهبات، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان، ولو حاب في بيع لم يحنث لخروجها عن الهبةَ، ولو أبرأ من دين عليه، فإن قلنا القبول شرط في صحته حنث، وإن قلنا لا يشترط القبول ففي صحته وجهان; أحدهما: يحث به؛ لأنه نوع من الهبةَ.
والثاني: لا يحنث به لتعلقه بالذمةَ دون العين.
فرع آخر
لو عفا عن قود عليه [(٨٦) / ب] لم يحنث؛ لأنه ليس ملك، وكذلك لو عفا عن الشفعةَ.
فرع آخر
لو وقف عليه وقفًا، فإن قلنا: إن رقبةَ الوقف لا تُملك لم يحنث به وإن قلنا: تُملك ففي حنثه به وجهان؛ أحدهما: يحنث لنقل ملكيةً بغير بدلٍ.
والثاني: لا يحنث؛ لأن ملكه غير تام لمنعه من كمال التصرف فيه.
فرع آخر
لو دعاه إلى طعام وليمةً لم يحنث به؛ لأن طعام الوليمةَ غير موهوب، هما هو مأذون في استهلاكه على صفةً مخصوصةً.
فرع آخر
قال الشافعي ﵁: "فإن أسكنه دارًا فهي عاريةً لم يملكها إياه، ومتى شاء رجع" فلا ينطلق عليه اسم الهبةَ ولا يحنث. وحكي عن مالك ﵀ أنه قال: يحنث بالعاريةً والوقف.
فرع آخر
لو حلف لا يتصدق فتصدق على غني حنث، ذكره أصحابنا بخراسان. ونال أبو
حيفة: لا يحث؛ لأن الصدقة على الغني هبة. ولو حلف لا يتصدق فوهب لم يحنث بلا خلاف، كما لو حلف لا يأكل خوخا فأكل غيره من الفواكه لا يحنث؛ لأنه غم الذي خصه بالاسم.
مسألة: قال: "ولو حلف لا يركب دابة العبد فركب لم يحنث".
الفصل
صورة المسألة أن يحلف لا يركب دابةً العبد فركب دابةً جعلها السيد برسم عبده يركبها
[ ١٠ / ٥٣١ ]
لم يحنث. وقال أبو حنيفة؛ يحنث: لأن هذه الدابةً تضاف إلى عبده ولا تضاف إليه، وهذا لا يصح؛ لأن العبد لا يملكها، والإضافةَ تقتضي الملك في حق من يملك، فإذا لم يملكها المحلوف عليها لم يحنث الحالف، كما لو ركبا دابةً استعارها المحلوف عليه لم يحنث الحالف، ولأن الدابةً الواحدةَ لا تنسب إلى اثنين في حالةٍ واحدةٍ على طريق الحقيقةَ، وقد ثبت أنه لو قال: لا ركب دابةٍ سيده فركب دابةً جعلها برسم عبده يحنث، وأما ما ذكروه فلا يصح؛ لأن اليمين تحل على الحقيقةَ دون المجاز إذا كان لها [(٢٧) / أ] حقيقةً ومجاز، وكذلك الخلاف إذا قال: والله لا دخلت دارًا الليلةَ، فدخل دارًا لا يسكنها لا يحنث في يمينه؛ لأن الدار لغيره خلافًا لأبي حنيفةَ، ويقوله قال المزني.
فرع
لو حلف لا يركب دابةً زيد فركب دابةً جعلها زيدٌ لركوبه يحنث عندنا خلافًا لأبي حنيفة.
فرع آخر
لو حلف لا يركب دابة فلان فملكه سيده دابةً. فإن قلنا: يملك العبد بالتملك حنث، وإن قلنا: لا يملك لا يحنث.
فرع آخر
لو حلف لا يركب دابةً زيي فركب دابةً لمكاتبه لا يحنث؛ لأن السيد لا يملكها ولا ينفذ تصرفه فيها.
فرع آخر
لو حلف لا يركب دابةً زيد فركب دابةً ملكها زيد عبده، قال صاحب "الإفصاح"; يحنث؛ لأنه المالك حقيقةً. وقال بعض أصحابنا: هذا مبنى على أنه يملك بالتمليك، فإن قلنا يملك التمليك لا يحنث، وإن قلنا: لا يملك يحنث.
فرع آخر
لو حلف لا يركب دابةً المكاتب فركب دابةً له، قال أبو حامد: يحتمل أن يقال: لا يحنث؛ لأنه له الملك حقيقةً، ويحتمل أن يقال: يحنث؛ لأنه يتصرف فيه تصرف المالك، ويملك ملكًا ضعيفًا، وهو اختيار مشايخ خراسان وهذا أظهر؛ لأنه إذا لم يضف إلى سيد المكاتب لا بد من إضافتها إليه.
فرع آخر
لو قال: لا أركب سرج هذه الدابةَ، أو دابةً الطبل حنث بركوب السرج الذي هو برسم تلك الدابةَ؛ لأن مقصوده بذلك التعريف لا التمليك ولذلك لو قال: لا آكل ثمرةً هذه النخلةَ أو طعام هذه القريةَ فأكل حنث.
فرع آخر
لو قادت لا أدخل دارا في كانجار بابل آو خان يحي بنيسابور حث بدخوله في ذلك
[ ١٠ / ٥٣٢ ]
الموضع وإن مات أضيف إليه ذلك كما ذكرناه.
فرع آخر
[(٨٨) / ب]: لو حلف لا يملك عبدًا وله مكاتب لا يحنث، نص عليه، وقال في "الأم": "لو ذهب ذاهب إلى أنه عبث ما بقي عليه درهم" فإنما يعني به أنه عبدَّ في حال دون حال؛ لأنه لو كان عبدًا لكان مسلطًا على بيعه وأخذ كسبه، فقد قيل: هذا قول آخر.
وقال صاحب "الإفصاح": لا نجعل هذا قولًا آخر؛ لأن الشافعي - ﵁ - ألزم نفسه شيئًا وانفصل عنه فلا يجعل بذلك قول آخر.
فرع آخر
لو قال: لا ضربت عبد زيدٍ، فوهبه زيد ولم يقبضه، أو جني فتعلق أرش الجنايةً برقبته فضربه حنث؛ لأن ملكه لم يزل بعد كما لو رهنه.
مسألة: قال: " وَلَوْ قَالَ: مَالُي فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ صدقَهُ عَلَى مُعَنّى الأيمان ".
الفصل
هذه المسألة بالنذر أشبه منها بالأيمان، غير آن المزني أوردها هاهنا لتعلقها بالأيمان، والحكم فيها أن الرجل إذا نذر نذرًا أخرجه مخرج اللجاج والغضب، بأن يقصد به منع نفسه عن فعل شيء أو إلزامها فعل شيء، فيقول: إن فعلت كذا فمالي صدقةً، أو إن لم أفعل كذا فمالي صدقةً، فوجد شرطًا ذلك لزمه حكمه، واختلف العلماء فيما يلزمه على سبعةً مذاهب:
فذهب الشافعي - ﵁ - آلي أنه بالخيار بين أن يفي بنذره وبين أن يكفر كفارة يمين، وبه قال عمر، وابن عمر، وابن عباس، وعائشةً، وحفصةً، وزينب، وأم سلمه - ﵃ - وعطاء، وطاوس، وعبيد الله العنبري، وشريك، والحسن، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور. وقال في كتاب "الاعتكاف" لو قال: إن فعلت كذا وكذا فعلي اعتكاف شهر، وكان قد فعل ذلك الشيء فعليه اعتكاف شهي.
ومن أصحابنا من قال: الواجب الكفارة، [(٢٨) / أ] وإذا أخرج ماله كان زيادةً على الكفارةً، واختلف أصحابنا فيه على طرقٍ:
إحداها: فيه قولان؛ أحدهما: أنه مخير. والثاني: يلزمه الوفاء فقط.
والثانية: قولًا واحدًا هو مخير، وما ذكره في الاعتكاف ليس بقول ثانٍ، بل هو أحد الشيئين المخير فيهما.
والثالثة: قال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان؛ أحدهما: أنه مخير.
والثاني: يلزمه كفارة؛ لأنه يمين لا نذر. وقد قال الشافعي ﵁: القياس آن عليه كفارة يمين.
[ ١٠ / ٥٣٣ ]
والرابعة: فيه ثلاثةَ أقوال؛ أحدها: يلزمه كفارةَ اليمين ولكنه إن وفي بما ذكره أجزأه، وهذا العبد في القياس عبد عبدٍ.
وقال في والحاوي: إذا قلنا بالتخيير فيه وجهان:
أحدهما: الواجب عليه أحدهما وهما في الوجوب سواء، وله الخيار فيما شاء منهما. والثاني: الواجب عليه الكفارةً وله إسقاطها بالنذر؛ لأن حكم اليمين أغلب وهي بالله أغلظ وإن كان الوفاء بالنذر أفضل.
وقال الحكم وحماد والنخعي: لا يلزمه بهذا القول شيء بحالٍ؛ لأنه وصف ماله بما لا يصير موصوفًا به، وقال ربيعة: يلزمه أن يتصدق بقدر الزكاة من الأموال الزكاتية؛ لأن المطلق محمول على معهود الشرع، وإنما يجب في الشرع من المال قدر الزكاةً.
وقال مالك، والزهري، وأحمد في روايةً: يلزمه أن يتصدق بثلث ماله، واحتج بأن آبا لبابة قال: يا رسول الله، أتأذن لي آن أنخلع من مالي كله؟ فقال: "يجزيك منه الثلث".، فثبت أن الثلث يقوم مقام الكل.
وقال أبو حنيفة: يلزمه أن يتصدق بجمع أمواله الزكاتيةً دون غيرها، فإن لم يكن له إلا المال الزكاتي أمسك منه قدر النفقةً ثم قضى ذلك إذا أيسر. وقال عثمان البتي: يلزمه التصدق بجميع ماله الزكاتي وغير الزكاتي، كما لو قال: إن شفي الله مريضي [(٨٨) / ب] فلله علتي التصدق بمالي، وهو رواية عن ابن عمر - رمحي الله عنهما - وقال جابر ين زيد أبو الشعثاء ت إن كان ماله كثيرًا يتصدق بعشرهِ، وإن وسطًا يتصدق بسبعهِ، وإن كان قليلًا يتصدق بخمسهِ، والكثير ألفان، والوسط ألف، والقليل خمسمائةً. ودليلنا ما روت عائشة - ﵂ - أن النبيﷺ - قال؛ " من حلف بالمشي والهدى، أو جعل ماله في سبيل الله أو المساكين، آو في رتاج الكعبةَ فكفارته كفارة يمينًا، وأيضًا فبدايته بداية الأيمان، ونهايته نهايةَ النذر فخيرنا بين حكميهما. وروى سعيد بن المسيب آن أخوين كان بينهما ميراث، فسأل أحدهما صاحبه القسمةً، فقالﷺ - إن عدت سألتني القسمة لا أكلمك أبدأ وكل مالي في رتاج الكعبةً، فقال له عمر - ﵁- إن الكعبةً غنية عن مالك، كفر عن يمينك وكلم أخاك، سمعت رسول اللهﷺ - يقول: "لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب". وقال في قطيعةُ الرحم؛ "ولا فيما تملك". وأصل الرتاج الباب، ولم يرد به الباب نفسه، وإنما المعنى أن يكون ماله هديًا إلى الكعبةً، أي في كسوةَ الكعبةً والنفقةً عليها.
وروي أن رجلا مال عائشةَ - ﵂ - عمن قال: كل عالي في سبيل الله، أو كل مالي في رتاج الكعبةً، ما يكفر ذلك؟ فقالت: يكفره ما يكفر اليمين.
[ ١٠ / ٥٣٤ ]
وروى عقبة بن عامر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: وكفارةَ النذر كفارةَ اليمين، وهذا معتبر في نذر اللجاج، فإن في نذر النذور لا تجري الكفارة، وروي عن أبي رافعٍ أن مولاته حلفت بالمشي إلى بيت الله، وكل مملوك لها حر؛ وهي يومًا يهوديةً ويومًا نصرانيةً، وكل شيء لها في سبيل الله إن لم تفرق بينه وبين امرأته، فسألت [(٢٩) / أ] ابن عمر، وابن عباس، وآبا هريرة، وعائشةً، وحفصةً، وأم سلمه - ﵃ - فكلهم: كفري عن يمينك وخلي بينهما، ففعلت وروى عمران بن حصين - رض الله عنه - أن النبيﷺ - قال: "لا نذر في غضب، وكفارته كفارة يمين".
وأما ما ذكره النخعي فلا يصح؛ لأنه ألزمهُ وهو قربةً في نفسه فيستحيل ألا يلزمه شيء، وأما ما ذكره ربيعةً فلا يصح؛ لأن الزكاةً تجب مواساةً من المال، وهاهنا تصدق بجميعه، وأما ما ذكره مالك، قلنا: أبو لبابةً كان من الثلاثةَ الذين خلفوا، فأراد أن يتبرع بماله على سبيل الله والشكر، ولم يكن أوجب ذلك؛ لأنه يقابله ما روي أن أبا بكر الصديق - ﵁تصدق يجمح ماله فأقره رسول الله - ﷺ - على ذلك.
وأما ما ذكره أبو حنيفةَ فلا يصح؛ لأن نذر التبرر لم يخرج مخرج اليمين بخلاف هذا، وأما ما ذكره جابر بن زيدٍ فلا يصح لما ذكرناه.
فإذا تقرر هذا فما تعلق بهذا النذر على ثلاثة أضرب:
أحدها: صدقة المال، أو الصوم، آو الصلاة، أو الاعتكاف، فإذا وجد شرطه تخير على المذهب الصحيح.
والثاني: إن تعلق به طلاقًا أو عتاقًا يلزمه ذلك عند وجود الشرط؛ لأنهما ينتجزان عند وجود الشرط، وصورته أن يقول: إن كلمت فلانًا فعبدي حرٌ، أو امرأتي طالق، ولو قال: إن كلمت فلانًا فلله علتي أن أعتق عبدًا، فكلمه كان مخيرًا بين العتاق والكفارةً على ما ذكرنا، والفرق أنه رفع العتق والطلاق بشرط هناك، فإذا وجد الشرط وقعا، وهاهنا التزم في الذمةً بالشرط، فإن لم يكن الشرط فيه عوضًا لم يلزم.
والثالث: [٢٩/ ب] إن تعلق به حجًا فالمنصوص أنه مخير، ومن أصحابنا من قال: يلزمه الحج، والفرق بينه وبين سائر العبادات آن الحج يلزم بالدخول فيه، فكذلك بالنذر بخلاف الصوم والصلاةَ.
ومن أصحابنا من قال: قال المزني: قال الشافعي - ﵁ -: ومن حنث بالمشي إلى بيت الله الحرام ففيه قولان: أحدهما: قول عطاء عليه كفارةَ يمين، ومذهبه أن أعمال البر لا تكون إلا في فرض الله تعالى، وسكت الشافعي عن القول الثاني
[ ١٠ / ٥٣٥ ]
إيجاب الوفاء. ومنهم من أراد بالقول الثاني التخيير بين الوفاء وبين الكفارة؛ ففي هذه المسألة ثلاثةَ أقاويل كالمسألة الأولى، وهي منصوصةً في مواضع متفرقةٍ.
ومن أصحابنا من قال: ليس على قولين عنده، وإنما حكي خلاف الناس على قولين، واختار لنفسه قول عطاء، ومعناه أنه يجزئه كفارةَ اليمين لا أنه تتعين الكفارة، ومن خرج من هذه المسائل على قولين فإنما خرج القول الآخر من الاعتكاف على ما ذكرنا، وقدر المزني أنه خرجه على قولين فقال: قطع بأنه قول عددٍ من أصحاب رسول الله - ﷺوالقياس، فلا وجه للقول الآخر، والجواب عنه ما ذكره هذا القائل.
قال المزني: وقد قال الشافعي في موضع آخر: لو قال: لله علتي نذر حج إن شاء فلان، فشاء لم يكن عليه شيء، إنما النذر ما أريد به الله تعالى ليس ما أريد به الخلق، الخلق والثاني غير الناذر، فمال المزني إلى هذا القول وهو إيجاب الكفارةً،
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هو الكفارةَ كما في الأيمان يحنث لا يتخير بينهما وبين غيرها، وهو ظاهر قول عطاء، وهو القياس. وقال في "الحاوي": [(٣٠) / أ] إذا علق به الحج قال في "الأم": فيه قولان، فوهم أبو حامد وخرج مذهبه على قولين؛ أحدهما: يتخير، والثاني: يلزمه الحج؛ لأن الحج في الالتزام بخلاف الصدفةَ، والصوم، والصلاةً.
وقال جمهور أصحابنا مذهبه لا يختلف فيه كما لم يختلف في غيره، وأنه مخير بين الحج والكفارة قولًا واحدًا كما في الصدقةَ والصلاةً، وحملوا قول الشافعي: "فيه قولان" أي تفقهًا؛ لأن لهم في الصدقةً أقاويل وليس لهم في الحج إلا قولان، ومذهبه التخيير قولًا واحدًا في الكل.
وأما قول الشافعي هاهنا: "والتبرر أن يقول: لله علي إن شفاني الله أن أحج له نذرًا قال أصحابنا هذا يدل على أنه إذا قال: لله عليّ آن أتصدق بمالي لم يلزمه شيء حتى يعلقه بمعنى، فيقول: إن شفي الله مريضي، أو رد على غائبي، أو آتاني مالأ". ومن أصحابنا من قال: لا يدل على هذا المعنى؛ لأن الشافعي قال: "لو قال فه علي آن أحج في عامي هذا كان عليه أن يحج" وإنما أراد الشافعي أن يبين أن أقل اليمين يخالف النذر، وهذا ظاهر المذهب. وقد فرع في مسائل الاعتكاف ولم يشترط فيه آن يكون على المجازاةً، وبه قال ابن سريج، وابن أبي هريرةً، والأصطخري، ولأن نذر الهدي المسمى لبيت الله الحرام لا يتعلق بالمجازاة بالإجماع، وكذلك إيجاب الضحايا، وكذلك سائر القربات والطاعات، فحصل من هذا أن النذر ضربان: نذر تبرر، ونذر لجاج وغضب.
فأما نذر اللجاج فيه طرق؛ أحدها: قول واحد وهو التخيير.
والثانيةً: قولان التخيير والوفاء.
والثالثةً: ثلاثةَ أقوال على ما ذكرنا.
[ ١٠ / ٥٣٦ ]
والرابعة: قولان كفارةَ اليمين والتخيير.
والخامسةُ: قول واحد وهو كفارةَ اليمين، وهو اختيار كثير من مشايخ خراسان.
وأما نذر التبرر ضربان: أحدهما: ما يقصد به المجازاةً بأن يستجلب نعمةً، مثل أن يقول: إن رزقني الله ولدًا أو علمًا، أو شفي مريضي فلله عليّ كذا، أو يدفع به نعمةً بأن يقول: [٣٠/ ب] إن نجاني الله من ظلم فلانٍ أو من الغرق أو الحرق؛، فلله علي كذا، فهذا يلزمه الوفاء به بلا خلاف عند وجود الشرط لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: (١)]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: (٧٥)] الآية، فذم من لم يف بنذره، ولأنه في مقابلةً شرط بمنزلة المعاوضات، فإذا وجد الشرط لزم كما يلزم الثمن في مقابلة الثمن.
والثاني: ما يبتدئ به النذر مطلقًا من غير المجازاةً فهو على خلافٍ، بين أصحابنا؛ فقال الجمهور: يلزم الوفاء به قولًا واحدًا، وبه قال أبو حنيفة - ﵀ وقال أبو إسحاق والصيرفي: لا يلزم الوفاء به، وبه قال أبو يوسف، وهذا لأن حقوق الآدميين إنما تلزم ما كان في مقابلها عوض كالبيع وما لا عوض في مقابلها لا تلزم، فكذلك حقوق الله تعالى بالنذر لا تجب إلا أن يكون في مقابلته عوض.
وحكي غلام ثعلب عن ثعلب أنه قال: النذر عند العرب وعد بشرطٍ، ودليلنا أنه ألزم نفسه غرامةً على وجه التبرر فيلزمه كما لو ألزم نفسه أضحيته، وأما ما ذكر ثعلب فلا يصح؛ لأن العرب تسمي الملتزم نذرًا. وأما ما ذكروه فلا يصح؛ لأن الأضحيةً والضمان عن الغير يلزمان بغير عوض، ومن أصحابنا من قال: فيه قولان مخرجان، آو وجهان، والصحيح الطريقة الأولى.
فرع
لو قال: إن رأيت فلانًا فلله عليّ أن أحج، سئل فإن قال: أردت إن رزقني الله رؤيته فرأيته كان عليه الحج. وإن أراد به اليمين كان حالفًا فيتخير بين الوفاء وبين كفارةً اليمين.
قال أصحابنا: وكذلك لو قال: إن دخلت مكة فلله علىّ أن أعتق رقبةً، فإن أراد إن رزقني الله دخولها فهو نذرٍ، وإن أراد معنى اليمين، آي لأدخلنها فهو مخير على ما ذكرنا. وكذلك لو قال: إن سلمت علىّ فلان فلله علتي كذا، يحتمل هذين المعنيين.
فرع آخر
لو قال: إن دخلت الدار [(٣١) / أ] فمالي عليّ حرام فهو موقوف على ما حرمه رسول الله - ﷺ - على نفسه في ماريةُ القبطيةُ حتى أنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: (١)] الآيةً، روى الأكثرون أنه حرم ماريةَ، فعلى هذا لا يلزم الحالف في تحريم غير ذات الفروج من ماله شيء، ويكون اليمين فيه لغوًا، وروي أن الذي حرمه الغسل فعلى هذا يلزم الحالف تحريم ماله، وعليه كفارة يمين كما يلزم في تحريم ذات الفروج كفارةَ يمين.
[ ١٠ / ٥٣٧ ]
فرع آخر
لو قال: إن شفي الله مريضي تصدقت بمالي، وقد ذكرنا أنه يلزمه الوفاء به، وفي قدر ما يستر به عورته وجهان؛ أحدهما: يتصدق به لاستثنائه بالشرع في حقوق الله
والثاني: يلزم ذلك لعموم اللفظ.
فرع آخر
لو قال: إن شفي الله مريضي فلا ألبس جديدًا ولا آكل الحلوى لا ينعقد ولا يلزم الوفاء به.
فرع آخر
لو قال: إن هلك فلانٌ وهبت داري لفلان، فإن كان الهالك من أعداء الله تعالى انعقد به الشرط؛ لأنه طاعةً، وإن لم يكن كذلك فلا ينعقد به الشرط. ثم إن كان الموهوب له ممن يقصد بهبته الأجر والثواب لزمه الجزاء؛ لأنه طاعة، وإن كان ممن يقصد به التواصل والمحبةً لم يلزم به الجزاء لأنه مباح.
فرع آخر
لو قال: إن سَليم مالي وهلك مال فلان أعتقت عبدي وطلقت امرأتي، انعقد نذره على سلامةً ماله ولم ينعقد على هلاك مال غيره؛ لأن ما شرطه من سلامةُ ماله مباح، وما شرطه من هلاك مال غيره معصيةً، ولزمهُ في الجزاء عتق عبده ولا يلزمه الطلاق؛ لأن الجزاء بالعتق طاعًا، والجزاء بالطلاق مباح.
فرع آخر
لو قال: إن شفي الله مريضي فلله عليّ نذر، ينحرف إطلاق هذا النذر إلى الصدقةً؛ لأنها الأغلب من عرف النذور، ولا يتعذر إطلاقها بما في فجاز تقليل المال اعتبارًا بالاسم.
فرع آخر
لو قال: [٣١/ ب] أيمان البيعةً لازمةً لي، لم يلزمه بإطلاق هذا شيء ولا ينعقد به يمين؛ لأن البيعةً التي كانت على عهد رسول الله - ﷺ - والصحابةً والتابعين كانت أخذًا باليد بلا يمين، وإنما أحدثت الأيمان في بيعةَ الحجاج بن يوسف، فأدخل أيمانًا بالله تعالى، وبالعتاق، والطلاق، والحج، وصدقةَ المال، فإذا قال: أيمان البيعةً لازمةً لي ينصرف ذلك إلى البيعةً الشرعيةُ، وليس فيها يمين. فإذا قال ذلك وعنى به الأيمان التي رتبها الحجاج نظر، فإن قال: بطلاقها وعتاقها فقد صرح بذكرها، فلا تحتاج إلى النيةً وتنعقد يمينه بالطلاق والعتاق، وإن لم يصرح بذلك ونوى أيمان البيعةً هذه التي فيها الطلاق والعتاق انعقدت يمينه بالطلاق والعتاق خاصةً؛ لأن اليمين بها تنعقد بالكناية مع النية، وليس ذلك من أجل ذكر البيعة.
وقال في والحاوي: لو قادت علي أيمان البيعةً انصرف ذلك عن بيعة الرسول - ﷺ -؛
[ ١٠ / ٥٣٨ ]
لأنه لم يكن في بيعته يمين وتوجه إلى بيعةً الحجاج لانعقادها على يمين، والحكم على ما ذكرنا.
فرع آخر
إذا قال: إن كلمت زيدًا وشفي الله مريضي فلله عليّ أن أحج، هل يخير بين الوفاء والكفارةً عند وجود الشرطين على قول التخيير في نذر اللجاج؟ قال والدي - ﵀ -: القياس يقتضي أنه يخير؛ لأن التخيير هناك إنما يثبت لاجتماع الشبهين فيه، وهذا المعنى موجود هاهنا فوجب إثبات التخيير.
فرع أخر
لو حلف ثم نوى في الليل أن يصوم غدًا عن كفارة اليمين ثم حنث صحت هذه النيةً، وإذا طلع الفجر بعد وجوب الكفارةً، وإن كنا نقول لا يجوز تقدم الصوم على الحنث في كفارةَ اليمين؛ لأنه من صحةً النيةً لا يعتبر وجوب الصوم، وإن اعتبر في صحةً الصوم وجوبه، ألا ترى أنه ينوي في الليل صوم الغد من رمضان [(٣٢) / أ] فيجوز، وإن لم يكن الصوم ثابتًا في الذمةً في تلك الحالةً، ولا يصح منه صومه إلا في الوقت الذي ثبت وجوبه، ومحل نيةَ الصوم محل طهارة الصلاةً قبل دخول وقت الصلاة وإن لم تكن واجبة فيه، ولا تصح الصلاة قبل وجوبها كذلك في الموضع مغله، ليحتمل وجهًا آخر، وهو أن النية في مسألة الكفارةَ لا تصح؛ لأن النيةً عبادةً على البدن، وهو في حال النيةً غير مخاطب بصوم الغد ويخالف صوم رمضان؛ لأنه مخاطب في حال النيةً يصوم الغد، وهذا الوجه ذكره والدي - ﵀ -.
فرع أخر
إذا حلف وحنث ثم حلف ولم يحنث، ثم اعتق رقبةً بنية الكفارةً ولم يمن، وأراد صرف هذا العتق آلي كفارةَ اليمين الثانيةً هل له ذلك؟ قال والدي - ﵀ -: يحتمل وجهين: أحدهما: له ذلك كما لو كانتا واجبتين عليه؛ لأن جواز كفارةَ اليمين قبل الحنث وبعد الحلف كجوازها بعدهما.
والثاني: يكون العتق عن الواجب وقد تعين عنه عند الوقوع؛ لأنه إذا عين بالنيةَ إحدى الكفارتين الواجبتين عليه تعين في ذلك المزيةَ الحاصلةً بنيته التي أحدثها، وهاهنا المزيةَ حاصلةً بالوجوب فانصرف إليه دون غيره.
وهكذا إذا كان عليه دينان مثلان مؤجل ومعجل وماله مرهون بالمؤجل، فقضى أحدهما من غير تعيين ولا نيةً، ثم أراد صرفه إلى المؤجل احتمل ما ذكرناه من الوجهين.
فرع أخر
إذا حلف لا شيء عليه لفلان، فقبل شهد شاهدان أن عليه لفلانٍ كذا وكذا، وأنه كان عليه عند هذا الحلف حنث في الحكم ووقع الطلاق إن كان الحلف به؛ لأن الشاهدين صحةً في الطلاق، والثاني وهو كالطلاق المعلق بدخول الدار، فإذا صح
[ ١٠ / ٥٣٩ ]
الدخول بالشهادةً، كان كصحته بالإقرار في وقوع الطلاق، فكذلك إذا كانت الصفةُ [٣٢/ ب] وجوب الحق عليه، ولا يصح أن يقال: يجوز أن يكون وفّر المال على صاحب الحق والشهود لا يعلمونه، فلا يقع الطلاق بالاحتمال؛ لأن هذا الموضع من رقيع الطلاق يصح من وجوب المال أيضًا، ويمنع من قبول الشهادة في مسألة الدخول لاحتمال كذب الشهود، ويمنع من قبول الشهادةً على أصل الطلاق لاحتمال الكذب، فلما حمل على الظاهر في هذه المواضع يحمل على الظاهر فيما نحن فيه، فلو شهد شاهدان في ذلك المجلس أن عليه لفلان كذا، ولم يكن، وكان عليه عند الحلف احتمل ألا يقبل في وقوع الطلاق لجواز وجوبه بعد اليمين في ذلك المجلس، بأن يعقد وكيله بعد اليمين عقدًا أو يجيئه الرَّاد للآبق به، وكان شرط له جعلًا ونحو ذلك من الأسباب التي قد لا تظهر، ويكون الحالف عارفًا بها والشهود كمثله ولكنهم يشهدون من غير بيان السبب، فإذا أمكن هذا لم يجز إيقاع الطلاق بالاحتمال.
فرع آخر
قال والدي - ﵀ -: إذا قدم الإطعام على وقت الوجوب كأنه خرج خطأ وهو عادم للرتبةً ولا يستطيع الصوم، فأطعم ستين مسكينًا قبل ثبوت الخروج، هل يصح الإطعام؟ عندي أنه ينظر، فإن كان شيخا كبيرًا لا يستطيع الصوم بحال صح الإطعام، وإن كان مريضًا ولكن يرجى زوال مرضه احتمل أن لا يجوز؛ لأن الإطعام إنما يجوز عند العجز عن أصله وهو الصوم، وهذا إنما يعتبر عند وجوب الصوم وقبل الموت لم يكن الصوم، وإن أطعم ربما يكون قادرًا على الصوم في وقت الوجوب، وهو عقيب موت المخرج، ولا تجوز عبادةً البدن موقوفةً على شرط متأخر عنها، ويحتمل جوازه؛ لأنه حق ما في يتعلق بالكفارة فصح تقديمه كالعتق، وفي الشيخ الهرم أيضًا نظر.
فرع أخر
إذا مات وعليه كفارةَ القتل وهو عادم للرقبة وله مال، [(٣٣) / أ] الظاهر أنه يطعم عنه من جهةَ أن أداء الصوم إذا تعذر بالموت بعد الإمكان يوجب الإطعام كقضاء رمضان، فإن كان هذا الصوم لا بدل له من حيث الإطعام في حال الحياةً، ولو صار هذا المكفر شيخًا هرمًا بعد الإمكان لا يجوز الإطعام لجواز أن يتمكن من العتق، وقد قيل خلاف هذا، والأصح ما ذكرنا. وهذا إذا قلنا الاعتبار في الكفارةً بحالة الأداء، فإن قلنا الاعتبار بحالةً الوجوب يلزم الإطعام.
فرع أخر
لو قال لها: إن خرجت من الدار بغير إذني فأنت طالق، فأذن لها في الخروج وبقي مجنونا هل يصح الإذن؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يمح كما لو أذن لها في البيع والشراء.
والثاني: يصح وهو الأصح؛ لأن البيع والشراء لا يصحان من المجنون فلم يصح الإذن بها للمجنون، والدخول والخروج يوجد من المجنون فصح الإذن به للمجنون.
فإذا قلنا بالثاني لم يقع الطلاق، وإذا قلنا بالأول صار كما لو خرجت بغير إذنٍ،
[ ١٠ / ٥٤٠ ]
فيبنى على القولين في أن عمد المجنون عمد أم خطأ؟ فإن قلنا: عمدٌ وقع الطلاق، وإن قلنا: خطأ ففي ومع الطلاق قولان كما لو خرجت ناسيةً فيه قولان، والقول في الصبيةً كالقول في المجنونةَ وفيه وجهان.
فرع آخر
لو قال: والله لا أدخل هذه الدار مثلًا هل يعتبر القصد عند قوله والله؟ فيه ثلاث مسائل: أحدها: أن ينوي عند قوله: والله؟ تعقيبه بالدخول ذكرا فهذا حلف لا محالةً.
والثانية: أن ينوي عند قوله: والله شيئًا، فلما فرغ منه عقَّبه بذكر الدخول، فهذا لا يكون حلفا.
والثالثة: أن ينوي عند قوله: والله تعقيبه بذكر شيء لا على التعيين على وجه اليمين، فلما فرغ منه عقبه بذكر الدخول فيحتمل وجهين:
أحدهما: يكون حلفًا ولا يجعل التعيين شرطًا عند ذكر الله تعالى.
والثاني: لا يكون [٣٣/ ب] حلفًا لفقد التعيين عند ذكر الله تعالى.
فرع آخر
إذا لاعن ولاعنت فالكاذب منهما يلزمه الكفارة؛ لأنه يمين عندنا، وهل يلزم كفارة أم كفارات؟ يحتمل أن يقال: يلزم كفارةً واحدةً؛ لأن الأيمان إذا تكررت على شيء وكان القصد الإعادةً التكرار فالواجب كفارةً، وكذا في أيمان القسامةً إذا كانت كذبًا يكفي كفارةً واحدةً لما ذكرنا.
فرع آخر
إذا حلف الكافر الذي ينفي الإله بالله تنعقد يمينه؛ لأنه يستحلف في الدعاوى بالله تعالى، وإن حلف بالله تعالى ومراده الصنم أعيد عليه الحلف؛ لأن اليمين بغير الله تعالى لا تصح بحالٍ، ولو حلف بجسم فقال: والله الذي هو جسم لا أفعل كذا، يحتمل أن يقال: لا تنعقد يمينه؛ لأنه حلف بغير الله تعالى في الحقيقةَ لاستحالةُ كون الله تعالى جسمًا، وهذا أوضح على قول من يكفرهم، ويحتمل أن يقال: تنعقد يمينه؛ لأنه حلف بالله تعالى ولكنه أخطأ في وصفه، وهذا أوضح على قول من لا يكفرهم، وهكذا لو حلف لتلك الدعوى هل تعاد عليه اليمين؟ تخرج على وجهين:
أحدهما: تعاد عليه اليمين، وهذا على الوجه الأول.
والثاني: لا تعاد عليه، وهذا على الوجه الثاني.
فرع آخر
إذا أقر بالقتل عمدا ثم رجع عن إقراره هل يقبل قوله في سقوط الكفارة؟ قال الإمام والدي - ﵀ - يحتمل أن يقال: إن كان من أهل الإعتاق أو الإطعام لم يقبل، وإن كان من أهل الخيام قُبل، والفرق أن حق الآدمي يتعلق بكفارةَ العتق والإطعام فلم يقبل الرجوع من أجل حق الآدمي بخلاف الصوم؛ لأن حق الله تعالى على الاختصاص لا حق للآدمي فيه بوجه، فجاز قبول الرجوع فيه.
[ ١٠ / ٥٤١ ]
فرع أخر
إذا حلف لا يدخل الدار اليوم فدخلها ناسيًا وانقضى اليوم [(٣٤) / أ] صار بارَّا في يمينه، ولو حلف لا يدخلها فدخلها ناسيًا لا يصير حانثًا في أحد القولين. والفرق أن الغرض في الأول تحصيل الدخول، والحلف وقع ليكون داعيًا إلى فعله، فإذا حصل الدخول فقد وجد المقصود بالداعي فأغنى عن ذكر الداعي، وفي المسألة الثانيةً المقصود انتفاء الدخول والحلف ليكون داعيًا له إلى الترك، وإنما يصح أن يكون داعيًا له إلى تركه إذا كان ذاكرًا له، فإذا لم يكن ذاكرًا صار كأن حلفه لم يتناول هذا الفعل فلم يقع الحنث.
تم الجزء العاشر
ويليه إن شاء الله الجزء الحادي عشر
وأوله: كتاب النذور
[ ١٠ / ٥٤٢ ]
بحر المذهب
في فروع المذهب الشافعي
تأليف
القاضي العلامة فخر الإسلام شيخ الشافعية
الإمام أبي المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني
المتوفي سنة ٥٠٢ هـ
تحقيق
طارق فتحي السيد
الجزء الحادي عشر
يحتوي على الكتب التالية:
النذور - أدب القضاء- العدد- الرضاع- النفقات
[ ١١ / ١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم