مسألة:
قَالَ: قَالَ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى وسُنَّة رَسُولِهِ ﷺ بَيَانُ أَنَّ عَلَى الأَبِ أَنْ يَقُومَ بِالمُؤْنَةِ فِي إِصْلَاحِ صَغِيرِ وَلَدِهِ" [ق ٢١١ أ].
الفصل:
القصد به بيان نفقة الأٌقارب بعضهم على بعض، وبدأ بنفقة الولد لأنها ثابتة بالنص في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦] وهذه نفقة الولد دون الأم لأن هذه الآية في المطلقات البوائن بدليل أن الزوجات يستحقن النفقة أرضعن أو لم
[ ١١ / ٤٨٩ ]
يرضعن ولأن الله تعالى سماه أجرًا ولا تسمى نفقة الزوجة أجرًا ولأن الابن بعضه فكما يلزمه نفقة نفسه يلزمه نفقة ولده. فإذا تقرر هذا الكلام في فصلين في صفة من تجب عليه وصفة من تجب له فأما صفة من تجب عليه فمن ملك فضلًا عن قوت يوم وليلة، أو كان قادرًا على اكتساب ذلك، وأما صفة من تجب له، فأن يكون ناقص الأحكام أو الخلقة أو فيها جميعًا فنقصان الأحكام بالصغر وزوال نقصان الخلقة بالزمانة والمرض ونقصان الأمرين أن يجتمع فيه الصفتان، فإذا وجدت هذه الصفة نظر، فإن كان موسرًا فنفقته من ماله، وإن كان معسرًا فنفقته على والده.
وبه قال جماعة العلماء من غير خلاف، وحكي عن أبي ثور أنه قال: نفقة الولد الصغير على أبيه، وإن كان له مال، وهذا غلط لأن نفقة القرابة تجب على طريق المواساة، وإذا كان له مال لا يحتاج إلى المواساة، وقيل: نفقة الولد تجب بثلاث شرائط: أن يكون فقيرًا، وأن يكون ناقص الأحكام والخلقة، وأن يكون الأب قادرًا على الإنفاق عليه، وهذا يرجع إلى ما ذكرنا، وإن كان كامل الإحكام والخلقة، وكان معسرًا لا كسب له فيه طريقان.
أحدهما: لا نفقة له قولًا واحدًا.
والثانية: فيه قولان، أحدهما: له النفقة لأن المراهق يستحق النفقة، وإن كان يمكن الاكتساب فلذلك بعد البلوغ، وبه قال أحمد.
والثاني: وهو الذي نص عليه ههنا، وبه قال أبو حنيفة: لا نفقة له لأن القدرة [ق ٢١١ ب] على الكسب يمنع استحقاق الزكاة فكذلك النفقة وعلى كلا القولين لا فرق بين الأب والابنة.
وقال أبو حنيفة: الزمان شرط في الابن دون الابنة فلا تلزم نفقة الابن إذا بلغ صحيحًا ويلزم نفقة الابنة حتى تتزوج لأنه لا يمكنها الاكتساب فهي كالصغيرة. وقال مالك: هكذا إلا أنه قال: إن طلقت قبل الدخول لا تعود عند أبي حنيفة لا تعود بحال، وهذا غلط لأن كل معنى يسقط نفقة الابن يسقط نفقة الابنة كاليسار وأما ما قاله لا يصح لأنه يكفيهما الغزل والخدمة ويحصل النفقة به، وإن لم يكن له أب أو كان ولكنه معسر وله جد غني فنفقته على الجد. وبه وقال أبو حنيفة، وأحمد، وقال مالك: لا تجب النفقة على الجد لأنه يدلي بغيره كالأخ، وهذا غلط، لأن بينهما قرابة توجب العتق بالملك ورد الشهادة فتوجب النفقة كالأبوة، وإن لم يكن له جد فيلزم على أب الجد، وجد الجد، وإن علا فإن لم يكن أو كان ولكنه فقر، وله أم غنية فنفقته على أمه ولا ترجع بها على أبيه إذا أيسر، وبه قال أبو حنيفة، وقال مالك: لا تجب النفقة على الأم، وقال أبو يوسف، ومحمد: تنفق عليه الأم، فإذا أيسر الأب رجعت عليه، واحتج مالك بأن لا ولاية لها على الولد فلا يلزمها الإنفاق عليها، وهذا غلط لأن بينهما قرابة توجب رد الشهادة أو توجب العتق فأشبه الأب مع الابن، واحتج على أبي يوسف، ومحمد بأن من وجب عليه
[ ١١ / ٤٩٠ ]
الإنفاق بالقرابة لم يرجع به كالأب.
واعلم أن جملة مذهبنا أن النفقة تجب على الأب، وإن علا والأم، وإن علت، وتجب على الجدات من قبل الأب والأم والأولاد، إن سلفوا ولا تجب نفقة غيرهم من ذي رحم مرحوم [ق ٢١٢ أ].
وقال أبو حنيفة: تجب كل نفقة كل ذي رحم مرحوم بالنسب مثل الإخوة والأعمام والعمات والخالات والأخوال ولا تجب بني الأعمام. واحتج بقوله تعالى: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] وبقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وهذا غلط لأن رجلًا قال: يا رسول الله معي دينار، قال: أنفقه على نفسك فقال معي آخر فقال: أنفقه على ولدك الخبر إلى أن قال معي آخر قال: أنت أعلم به ولم يذكر نفقة الأخ والعم، فإن قيل: ولم يذكر الوالد والجد أيضًا. قلنا: اكتفي بالتنبيه في ذلك لأن الوالد أكد حرمة من الولد، فإذا وجب نفقة الولد فنفقة الوالد أولى ولأنه لا يجب النفقة من كسبه ولا مع اختلاف الدين بخلاف الوالدين والأولاد، وأما الآية الأولى محمولة على الميراث ولهذا قال في كتاب الله.
وأما الآية الثانية قلنا: قال ابن عباس: أراد به وعلى الوارث مثل ذلك أن لا تضار والدة بولدها إلا أن عليها النفقة، وقال الأوزاعي: تجب النفقة على جميع العصبات دون ذوي الأرحام من عدا الوالدين والمولودين، وبه قال عمر بن الخطاب ﵁.
وقال مالك: لا تجب إلا نفقة الأب والولد دون الأمهات وأولاد الأولاد، وقال أبو ثور: يجب لكل موروث ولا تجب نفقة من ليس بمورث، وبه قال أحمد لأن الله تعالى علق بمعنى الميراث، فقال: وعلى الوارث مثل ذلك، وهذا غلط لأنها لو كانت على الميراث للزمت على الأم مع وجوب الأب قدر ما يستحق من ميراثه، وأجمعنا على خلافه ومعنى الآية ما ذكرنا أو يحمله على الأولاد بدليل ما ذكرنا.
وقال أبو الخطاب: وإن شذّ عن الفقهاء: تجب النفقة على كل ذي قربى ورحم من قريب وبعيد وينسب هذا [ق ٢١٢ ب] إلى عمر بن الخطاب ﵁ وهو غلط عليه، والدليل على بطلانه ما ذكرنا.
فإذا تقرر هذا فالكلام الآن في ترتيب من تجب عليه النفقة وتقديم بعضهم على بعض، واختلف أصحابنا فيه على طرق:
أحدهما: وهو الأصح أن يقول إذا اجتمع اثنان منهم مثل أب وأم وهما غنيان فالأب أولى بالإنفاق من الأم لأنهما قد اشتركا في الولادة والبعضية وانفرد الأب بالتعصيب والاعتبار بهذه العلة، وإن كان جد وأم فالجد أولى من الأم وإن علا لما ذكرنا من العلة، وبه قال أبو يوسف، وقال أبو حنيفة، وأحمد: يجب على الجد ثلثا النفقة وعلى الأم الثلث اعتبارًا بالميراث وهذا غلط لما ذكرنا.
وأما الميراث يبطل بالأب مع الأم، فإن الميراث لها والنفقة على الأب خاصة وإن اجتمع جد من قبل الأم وجد من قبل الأب، فالجد من قبل الأب، وإن علا أولى لأنه
[ ١١ / ٤٩١ ]
ينفرد بالتعصيب، ولأن الأب يقدم على الأم فلذلك يقدم أبوه على أبيها، ولأن الجد يقدم على الأم والأم تقدم على أبيها، فإنه لو اجتمع الأم وأبو الأم تقدم الأم فيقدم الجد على أي الأم، وإن اجتمعت جدة من قبل الأم وجدة من قبل الأب من درجة واحدة فيه وجهان أنهما سواء فيجب على كل واحد منهما نصف النفقة لأنهما قد استويا في القرابة والإرث وعدم التعصيب فلم يكن لأحديهما مزية على الأخرى.
والثاني: الجدة من قبل الأب أولى لأنها تدلى بالأب وتلك تدلى بالأم، ومن تدلى بالأب أكد ممن تدلى بالأم لكون الأب عصبة دون الأم، وإن كانت الأقرب أولى وجهًا واحدًا سواء كانت من قبل الأب أو من قبل الأم، وهذا يدل على أن الاعتبار بالإدلاء، وأن الصحيح مما تقدم الوجه الثاني وإن كان جد من قبل الأم وجدة من قبل الأب [ق ٢١٣ أ] مثل أب الأم، وأم الأب.
قال القاضي أبو حامد: تجب النفقة على الجد من قبل الأم لأنه ذكر، وقد قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾ [النساء: ٣٤] قال: وإن كان الجد من قبل الأم أبعد من الجدة من قبل الأب فيه وجهان:
أحدهما: تجب على الجدة لما ذكرنا من العلة.
والثاني: تجب على الجدة من قبل الأب لأنها أقرب.
وقال الشيخ أبو حامد: إذا استويا في الدرجة فيه وجهان:
أحدهما: هما سواء ولا فرق بين الذكر والأنثى.
والثاني: المدلى بالعصبية والأقوى في الميراث أولى وهي أم الأب، والوجه الأول أقيس، وهذه الطريقة أولى مما ذكر القاضي أبو حامد، وقال في الحاوي: إذا اجتمع أقارب الأب، وأقارب الأم يقدم الأقرب، فإن استووا في الدرج فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يشترك الفريقان في تحملها، وهذا على قول من اعتبر الدرج.
والثاني: يختص بتحملها أقارب الأب دون أقارب الأم، وهذا على قول من اعتبر الإدلاء بالعصبية.
والثالث: يختص بتحملها الورثة دون من لم يرث، فإن من لم يرث منه أحد اختص بها من كان أقرب إذا لا توارث، وهذا أصح عندي لقوة الوارث على من لا يرث، كما تقدم العصبية على من ليس بعصبة لقوته بالتعصيب، فعلى هذا لو اجتمع ثلاثة أبو أم أب وأم أبي أب، وأم أم أم فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يشتركون.
والثاني: تختص أم أب الأب لأنها أقرب إدلاء بعصبية.
والثالث: يشترك أم أب الأب، وأم أم الأم لاشتراكهما في الميراث دون أب أم الأب لأنها غير وارث.
والطريقة الثانية: قال القفال: ما وجدت للشافعي نصًا في الترتيب والذي اعتمده
[ ١١ / ٤٩٢ ]
وأفتى به أنه إذا كان له ولد صغير فقر وله أم فنفقته على الأب بلا خلاف ويلزمه ختانه ومداواته، فإذا بلغ وجاوز حد الصغر فنفقته [ق ٢١٣ ب] على الأب والأم نصفين. ومن أصحابنا من قال: الأب أولى، ومن أصحابنا من قال: يجب عليهما أثلاثًا اعتبارًا بالميراث والأول أصح، ولا يصح اعتبار الميراث، لأن النفقة تجب على الجد أب الأم، ولا ميراث له أصلًا، وإن كان أم وجد فالنفقة عليهما نصفين، وكذلك أب الأب، وأب الأم فالنفقة عليهما نصفان، قال: وجملته أنه إذا وجد الأقرب فههنا سواء في النفقة هذا إذا اختلفت الجهتان، فإذا كانت الجهة واحدة فالنفقة على الأقرب، فالأقرب مثل إن كان له أب وجد فالنفقة على الأب، وإن كان ابن وابن ابن فالنفقة على الابن، وإن كان ابن وابنة فالنفقة عليهما سواء.
ومن أصحابنا من قال: يلزمهما للذكر مثل حظ الأنثيين قال: وهذا غير صحيح.
والطريقة الثالثة: الاعتبار بالولاية في المال، فإن كان أحدهما وليًا في المال بنفسه من غير تولية أحد فهو أولى، وإن كانا وليين أو لم يكونا وليين فمن يدلي بالولي أولى، فإن استويا في الأداء يعتبر حينئذٍ القرب، وهذا اختيار الشيخ المسعودي من أصحابنا قال: ولا يدخل على هذا جانب المولودين، لأن الولاية لا تتصور في جانبهم ولا يدخل على هذا الأب الكافر لا ولاية له، وهو أولى لأن فيه معنى الولاية ولا يعتبر كونه وليًا في الحال ولا يدخل عليه إذا كان الابن بالغًا لا ولاية للأب عليه وهو أولى من الأم، لأن فيه معنى الولاية.
ومن أصحابنا من قال: هما سواء، فالأول أصح، قال القفال: اعتبار القرب أولى من اعتبار الولاية، لأن الإجماع يلزم النفقة على أب الأم وليس هو أهل الولاية [ق ٢١٤ أ].
الطريقة الرابعة: قال صاحب التلخيص: الأولى بالإنفاق ولده، ثم ولد ولده، وإن تنقلوا ذكورهم وإناثهم سواء، ثم أبوه، ثم أمه، ثم جده أبو أبيه، ثم جده أبو أمه، ثم أم الأب، ثم أم الأم قلبه تخريجًا تقدم الولد على الأب والأم على الجد، وهذا تناقض.
الطريقة الخامسة: يعتبر الإرث، فإن كانا وارثين فهما سواء في الإنفاق وكذلك إن كانا غير وارثين فهما سواء، وإن كان أحدهما وارثًا دون الآخر، وفي القرب واحد فالوارث أولى، وإن اختلف ميراثهما فالنفقة على قدر الإرث.
الطريقة السادسة: تعتبر الذكورة، فإن كان أحدهما ذكرًا، فهو أولى، وإن كانا ذكرين فهما سواء، وإن كانا أنثيين فالمدلى للذكر أولى، وإن استويا في الإدلاء بالذكر فالأقرب أولى، وهذا أضعف الطرق، والاعتماد على ما ذكرنا أولًا.
وقال في "الحاوي": تحيض بحمل النفقة من فيه بعصبة من الآباء والأمهات فلا
[ ١١ / ٤٩٣ ]
يخلو حال من وجد منهم من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكونا جميعًا من قبل الأب لا يشركهم أحد من قبل الأم.
والثاني: أن يكونوا جميعًا من قبل الأم لا يشركهم أحد من قبل الأب.
والثالث: أقارب الأب وأقارب الأم.
فأما القسم الأول إذا كانوا كلهم من قبل الأب فنفقته بعد الأب على الجد على ما ذكرنا ثم ينتقل إلى الجد ثم جد الجد فإذا عدم جميع الأجداد يلزم أم الأب لقيامها في الحضانة والميراث مقام الأب ولا يشاركها في درجتها بعد الجد أحد فإذا صعدت بعدها درجة اجتمع فيها بعد أب الحد ثلاثة أم أم أب، وأبو أم أب، وأم أب أب فيه [ق ٢١٤ ب] ثلاثة أوجه:
أحدها: أنهم سواء لاستوائهم في الدرجة والبعضية وعدم التعصيب فيتحملونها أثلاثًا.
والثاني: يتحملها أم أب الأب لأنها مع مساواتها في الدرجة أقرب إدلاء بعصبة.
والثالث: وهو الأصح عندي إذا استووا في الدرج فالوارث أولى، فإن اشتركوا في الميراث تحملها منهم من كان أقرب إدلاء بعصبة، وإن اختلفت درجتهم تحملها الأقرب فالأقرب وارثًا كان أو غير وارث، فعلى هذا أن كان مع هؤلاء الثلاثة أم أب كانت أحق بتحملها على الوجوه الثلاثة، وإن لم يكن غيرهن اشتركوا في تحملها أم أب الأب، وأم أم الأب لاشتراكهما في الميراث ويسقط عن أب أم الأب لأنها لا ترث وعلى هذه القاعدة وما قدمته من هذه الوجوه الثلاثة يكون التفريغ في جميع من يتحملها، فإذا صعدت إلى درجة رابعة اجتمع لك فيها بعد جد الجد الذي لا يتقدمه من تحملها منهم أحد سبعة أم أب أب الأب، وأم أم الأب، وأم أم أم أب وهؤلاء الثلاث وارثات وأب أم أبي أب وأب أم أم أب، وأب أب أم أب وأم أب أم أب، وليس في هؤلاء الأربعة وارث ففيه وجهان:
أحدهما: يتحملونه بالسوية لاستوائهم في الدرجة، فإن عدم واحد منهم يحملها من بقي، وهذا على قول من اعتبر فيها قرب الدرجة.
والثاني: يتحملها منهم من أدلى بعصبة وهو لا محالة وارث وهو أول الذكورين أم أب أب الأب ويسقط عن من سواها لاختصاصها بقوى الميراث والإدلاء بعصبة، فإذا عدمت كانت على الثانية وهي أم أب الأب لاختصاصها بعد الأولى بالقوتين: الإرث وقوة الإدلاء بالعصبة، فإن عدمت الثانية كانت على الثالثة لتفردها بالقوتين، فإن عدمت الثالثة [ق ٢١٥ أ] الوارثات كانت على الرابع، وهو أب الأب لأنه أقرب إدلاء بعصبة وأٌقرب إدلاء بوارث، فإن عدم الربع، فيه وجهان:
أحدهما: وهو قول من راعى قرب الإدلاء بالعصبة يلون على الثلاثة الباقين بالسوية لاستواء درجتهن في الإدلاء بالعصبة.
[ ١١ / ٤٩٤ ]
والثاني: وهو الوجه الذي خرجه في تقديم الوارث على من ليس بوارث يجب على من كان أقرب إدلاء بوارث وهو الخامس أب أم أم الأب لأنه يدلي بعد درجة بوارث فإن عدم الخامس استوى السادس والسابق لاستوائهما في الإدلاء بالتعصيب على قول من اعتبره ولاستوائهما في الإدلاء بوارث على الوجه الذي اخترته لكن السادس منهما ذكر، والسابع أنثى، وإذا اجتمع من تحمل النفقة ذكر وأنثى وهما يدليان بشخص واحد كان الذكر أحق بتحملها من الأنثى كالأبوين، ولو أدليا بشخص تساويا ويراعى قوة الأنساب، فإن استوت اشتركا في التحمل والسادس والسابع ههنا يدليان بشخص واحد وهو أب أم أم الأب، فالسادس منهما أبوه، والسابع أمه فاختص بتحملها السادس الذي هو أب أب أم الأب دون السابعة التي هي أم الأب، فإن عدم السادس تحملها السابع حينئذٍ على هذا القياس.
وأما القسم الثاني: وهو أن ينفرد له أقارب الأم فمعلوم أنه لا يكون فيهم عصبة وتختص بمن فيهم أولاده وهم في أول درجة بعد الأم أبو أمها وهما أب الأم وأم الأم، فالنفقة على من اعتبر الدرج بينهما لاستوائهما في الدرجة، وعلى الوجه الذي اختاره في الترجيح بقوة الميراث تجب على أم الأم دون أب الأم لأنها الوارثة دونه وإن اختصت بالذكورة فالترجيح بالميراث أقوى، فإذا صعدت بعدهما [ق ٢١٥ ب] إلى درجة ثالثة اجتمع لك فيها أربعة منهم من جهة أب الأم أبواها، ومن جهة أم الأم أبواها فيكون أحدهم أم أم الأم، والثاني أب أم الأم، والثالث: أب أب الأب، والرابع: أم أب الأم، فهي على قول من اعتبر الدرج بينهم بالسوية لاستوائهم في الدرجة وهي على الوجه الذي اعتبر به في الترجيح بقوة الميراث واجبة على أم أم الأم لأنها الوارثة من كلهم، فإن عدمت وجبت بعدها على أب الأم، لأنه أقرب إدلاء بوارث فإن عدمت استوى الاثنان الباقيان فيهما وهما أب أب الأم، وأم أب الأم، وقد أدليا بشخص واحد أحدهما ذكر فكان أحق بتحملها ووجبت على أب أب الأم دون أم أب الأم، فإن صعدت بعدهم إلى درجة رابعة اجتمع لك فيها ثمانية، أحدها: أم أم أم الأم، وأب أم أم الأم، وأم أب أم الأم، وأب أب أب الأم، وأم أب أب الأم، وأب أم أب الأم، وأم أم أب الأم، فعلى قول من اعتبر الدرج يجب على جميعهم لاستوائهم في الدرجة وعلى الوجه الذي اعتبرته في الترجيح بقوة الميراث يجب على الأولى وهي أم أم أم الأم لأنها الوارثة من جميعهم، فإن عدمت فهي على الثاني وهو أب أم أم الأم لأنهم أقربهم إذ لا توارث، فإن عدم فهي على الثالث، وهو أب أب أم الأم لأنه مع الرابعة يدليان إلى أم الأم المولى بوارث فقد ما على ما بعدهما لبعد إدلائهم بوارث، وقدم الثالث لذكوريته على الرابعة لأنوثيتها مع اشتراكهما في الإدلاء بشخص واحد، فإن عدم الثالث فهي على الرابعة وهي أم أب أم الأم، فإن عدمت فهي على الخامس وهو أب أب أب الأب، لأنه مع السادس يدليان بأب أب الأم فقدم الخامس لذكوريته وإدلائهما بشخص واحد، فإن عدم كانت بعده على السادسة وهي أم أب أب الأم، فإن عدمت فهي بعدها على السابع وهو أب أم
[ ١١ / ٤٩٥ ]
أب الأم، لأنه يدلى مع الثامنة [ق ٢١٦ أ] بأم أب الأم فاختص بها لذكوريته فإن عدم فهي بعده على الثامنة وهي أم أم أب الأم.
وأما القسم الثالث: أن يشترك فيها أقارب الأب وأقارب الأم، فإن كان أقارب الأب أقرب منهم المختصون بتحملها لقربهم، وإن استووا، فقد ذكرنا ثلاثة أوجه وذكرنا تفريعان فلا معنى للإعادة.
مسألة:
قَالَ: "وَإِذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُضِيعَ أَب الوَلَد شَيْئًا مِنْهُ فَكَذَلِكَ هُوَ مِن ابْنِهِ إِذَا كَانَ الوَالِدُ زَمِنًا لا يُغْنِي نَفْسَهُ".
الفصل:
قد ذكرنا نفقة الولد على الوالد، وإن نفقة الوالد واجبة على والده بالتنبيه لأن حق الأب آكد فإذا وجبت نفقة الولد لئلا يؤدي إلى تضييعه فنفقة الأب أولى.
ثم الكلام في فصلين:
أحدهما: فيمن يجب عليه.
والثاني: فيمن يجب له فأما من تجب عليه، فأن يفصل عن قوت يوم وليلة كفايته.
وأما من تجب له، فإن كان معسرًا ناقص الإحكام أو أتخلقه، أو هما يلزمه وإن كان كامل الأحكام وهو فقير هل تجب نفقته ظاهر ما قاله ههنا أنها لا تجب. وقال في القديم: تجب فالمسألة على قولين:
أحدهما: تجب كالزمن، وبه قال أبو حنيفة وأحمد.
والثاني: لا تجب، لأنه قادر على الاكتساب، فأشبه المكتسب وإذا وجبت عليه نفقة أبيه يلزمه أن ينفق على زوجته أيضًا؛ لأن عليه أن يعف أباه على ما بيناه، وإذا قلنا: لا تجب عليه نفقته عند كمال أحكامه وخلقته وهل معسر هل يجب إعفافه فيه وجهان:
أحدهما: وهو اختيار أبي إسحاق، وأبي سعيد الاصطخري تجب لأنه إذا منعه النفقة كان له إليها طريقًا من بيت المال، ولا طريق له إلى الإعفاف من وجه آخر، وبه حاجة إليه فيلزمه إعفافه.
وقال أكثر أصحابنا: لا يجب إعفافه لأن النفقة آكد [ق ٢١٦ ب] وحاجة الأب إليها أشد، فإذا لم تلزم النفقة فالإعفاف أولى، وهذا أقيس، وإن كان لوالده طفل لم يلزمه نفقة الطفل، لأن نفقته لا تجب على أبيه المعسر ولا تجب على أخيه، وإن كان غنيًا، وأما إذا كان للابن زوجة وأولاد فلا يلزم للأب نفقة زوجته بخلاف الأب، ولهذا ذكر الشافعي العيال عند ذكر نفقة الوالد، ولم يذكر العيال عند ذكر نفقة الوالد، وإنما افترقا لأن الولد
[ ١١ / ٤٩٦ ]
إذا احتاج إلى تحصين فرجه لم يجب على الأب إعفافه وفرض على الابن إعفاف الأب، إذا احتاج إليه، وهذا لأن حق الولد أعظم من حق الولد ولهذا قتلنا الولد بالوالد قصاصًا ولا نقتل الوالد به.
وقد روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "أولادكم هبة من الله لكم يهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء ذكورًا وأموالهم لكم إذا احتجتم إليها".
وروى جابر ﵁، أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إن لي مالًا وعيالًا ولأبي مال وعيال ويريد أن يأخذ مال فقال: "وأنت ومالك لأبيك". وقال بعض أصحابنا: تجب نفقة زوجته لأنها تجري مجرى نفقته.
وذكر الشيخ أبو إسحاق في المهذب: أنه لا يلزمه إعفافه ولكن يلزمه نفقة زوجته وزوجة كل قريب تلزمه نفقة لأن ذلك من تمام الكفاية ولم يذكر وجهًا آخر، وهو غريب.
وذكر جدي الإمام ﵀ فيها وجهين بناء على وجوب إعفافه وحكاه عن صاحب التلخيص، وهو بعيد ضعيف. وأما نفقة أولاد ابنه فواجبة عليه لأنه جدهم والنفقة على الجد واجبة عند إعسار الأب.
فرع:
لو كان له أب وابن موسرين فيه ثلاثة أوجه:
إحداهما: تجب النفقة على الابن، ذكره أبو حامد في الجامع لأنهما إذا اجتمعا كان التعصيب للابن [ق ٢١٧ أ] ولأن حق الأب على ابنه أعظم.
والثاني: يجب على الأب لأن إنفاق الأب على ولده نص وإنفاق الولد على الوالد اجتهاد، وهو اختيار أبي عبد الله ولأن النفقة عليه كانت قبل بلوغه فليستصحب ذلك الحكم.
والثالث: يجب عليهما نصفين لأنهما سواء في الدرجة والتعصيب والأول أصح، وفيه وجه آخر. ذكره القفال يلزمهما على قدر الميراث، وهذا ضعيف.
فرع آخر:
لو كان له ابن، وأم موسران وهو فقير زمن فنفقته على الابن دون الأم، لأن التعصيب له، وقيل: فيه وجه آخر هما سواء، وقيل: إنهما على قدر الإرث وكلاهما ضعيف.
فرع آخر:
لو كانت له أم وابنة موسرتان. قال أبو حامد في الجامع: تجب نفقته على البنت دون الأم لأن للبنت التعصيب من بعض الأحوال إذا كان معها أخوها ولا تكون الأم عصبة بحال، ولأنه حقه على ابنته آكد.
[ ١١ / ٤٩٧ ]
وقال القفال: فيه ثلاثة أوجه:
إحداها: ما ذكرنا.
والثاني: على الأم.
والثالث: هما سواء.
قال أبو حنيفة، وأحمد: على الأم ربع النفقة، والباقي على الابنة إذا اجتمعتا ورثتا كذلك بالفرض والرد وهذا غلط لما ذكرنا وأبطلنا اعتبارها بالميراث.
فرع آخر:
لو كان أبواه معسرين زمنين، وهو غني لزمه أن ينفق عليهما جميعًا، فإن لم يفضل عن كفايته إلا نفقة أحدهما فيه ثلاثة أوجه:
إحداها: ينفق على الأم لما روي أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ، من أين يا رسول الله؟ فقال: وأمك، فقال: ثم من؟ فقال: أمك، فقال: ثم من؟ فقال: أمك، فقال: ثم من؟ فقال: أباك"
وقال ﷺ: "حق الوالد أعظم وحق الوالدة ألزم" ولأنها تفردت بحمله ورضاعه وقامت بكفالته فكانت حرمتها آكد.
والثاني: الأب أولى، لأن الابن لو كان معسرًا زمنًا، وهما موسران كانت نفقته على أبيه دون أمه فكذلك هو أيضًا ينفق على أبيه دون أمه، وهذا أقيس والأول أظهر.
والثالث: هما سواء لاستوائهما في الدرجة والولادة.
فرع آخر:
لو كان لهما مع الولد ولدين موسر يحمل باقي نفقتهما حتى يكفيا، فإن أنفق الولد وولد الولد على أن ينفق أحدهما على الأبوين، والآخر على الآخر صح، وإن اتفقا على الاشتراك في نفقتهما صح، وإن اختلفا رجع إلى خيار الأبوين إذا استوت نفقتهما، وإن اختلفت النفقتان اختص أيسرهما بأكثر الأبوين نفقة.
فرع آخر:
لو كان له أب وابن فقيران محتاجان إلى النفقة وهو لا يجد إلا نفقة أحدهما فيه ثلاثة أوجه:
إحداها: الابن أولى، لأن نفقته نص.
والثاني: الأب أولى لأنه حقه أعظم.
والثالث: هما سواء، وهو اختيار القفال، وقال أبو حامد: هذا إذا لم يكن الابن
[ ١١ / ٤٩٨ ]
طفلًا لا يقدر على شيء فهو أولى وجهًا واحدًا وسائر أصحابنا لم يفصلوا وما ذكره أصح.
فرع آخر:
إذا كان هناك أب وابنة فقيران ففيه ثلاثة أوجه أيضًا.
فرع آخر:
لو كان ابن وجد فقيران قيل: حكمه كما ذكرنا في الأب والابن، وقيل: وجه واحد الابن أولى لأنه أقرب وهكذا لو كان له ابن وجد وهما موسران وهو فقير يحتاج فنفقته على من يكون على هذا الخلاف.
فرع آخر:
لو كان معهما زوجة يلزمه أن ينفق على زوجته لأن نفقتهما تجب على طريق العوض فكانت آكد، وقدمت على نفقة الأقارب.
فرع آخر:
لو كان موسرًا، وله أم وابن فقيران يحتاجان ولا يفصل إلا نفقة أحدهما أن يكون فيه ثلاثة أوجه كما قلنا في الأب والابن.
فرع آخر:
لو كانت له أم وأب أم غنيان فهما سواء لأنهما يستويان في القرب [ق ٢١٨ أ] وعدم التعصيب، ذكره في المهذب ويحتمل أن يقال: تقدم الأم لأنها أقرب.
فرع آخر:
لو كان هو غنيًا، والأم والابنة فقيرتان وليس معه إلا نفقة إحداهما يجب أن يكون فيه الأوجه الثلاثة، والظاهر أن تكون البنت أولى ههنا.
فرع آخر:
لو كان له ابن وابنة موسران فنفقته على الابن دون البنت، قال أبو حامد في الجامع، وذكرنا وجهًا عن القفال، وهو غير مشهور.
وقال أبو حنيفة: عليهما بالسوية، وقال أحمد: ثلثاها على الابن، وثلثاها على البنت كما اختاره القفال، وهذا غلط لأن الابن عصبة بنفسه والاعتبار به دون الميراث.
فرع آخر:
لو كان له ابن ابن وابنة موسران فابن الابن أولى بالإنفاق عليه لما ذكرنا، وقال أبو
[ ١١ / ٤٩٩ ]
حنيفة: النفقة على البنت لأنها أقرب، وقال أحمد: على البنت الثلث وعلى الابن الثلثان، لأن ما اجتمع فيه الذكر والأنثى كان الذكر فيه بالثلثين كالميراث، وهذا وجه لبعض أصحابنا، وهذا غلط لأنه لو اعتبر الميراث لكان على البنت النصف، فإن لها نصف الإرث في هذا الموضع.
فرع آخر:
لو كان له بنت، وابن بنت، قال أبو حامد في الجامع: فيه قولان:
أحدهما: البنت أولى، لأنها أقرب إليها مع تساويهما في عدم التعصيب.
والثاني: ابن البنت أولى لأنه ذكر.
فرع آخر:
لو كان ابن بنت، وبنت ابن موسران فيه ثلاثة أوجه:
إحداها: ابن البنت أولى، لأنه ذكر، وهو الصحيح.
والثاني: بنت الابن أولى، لأنها تدلى بعصبة، وقد تكون عصبة مع أختها.
والثالث: ما سواهما لاستوائهما في الدرجة وسقوط التعصيب فيهما.
فرع آخر:
لو كان له ابن صغير وابن ابن صغير ولا يفصل إلا نفقة أحدهما منه وجهان:
أحدهما: الابن أولى، وهو الصحيح عندي، لأنه أقرب.
والثاني: هما سواء لأنهما متساويان في أصل قرابة الولادة ولا اعتبار بقوة التعصيب [ق ٢١٨ ب] ولو كان بالعكس من هذا وكانا غنيين وهو فقير كان الابن أولى بالإنفاق على أبيه من ابن الابن.
فرع آخر:
لو كانا ولدين أيسر الأب بنفقة أحدهما وأعسر بنفقة الآخر، فإن كان مع الأب جد موسر كان الأب والجد بالخيار بين اشتراكهما في نفقة الولدين وبين أن يتحمل الأب نفقة أحدهما ويتحمل الجد نفقة الآخر، فإن اختلفا يحمل على قول من دعا إلى الاشتراك في نفقتهما، وإن لم يكن مع الأب غيره ساوى بين ولديه في النفقة، ويحمل نفقة كل واحد منهما.
فرع آخر:
نفقة المكاتب هل تجب على ولده، قال في الحاوي تحتمل وجهين:
أحدهما: لا يجب، لأن أحكام الرق عليه جارية.
والثاني: تجب نفقته على ولده لسقوط نفقته بالكتابة عن سيده.
[ ١١ / ٥٠٠ ]
فرع آخر:
لو اختلف أحوال الوالدين فكان أحدهما رضيعا لا يقوم بنفسه، والآخر مراهقا يقوم بنفسه فالرضيع أولى ولا يشرك بينهما لأن الرضيع بالعجز مضاع والمراهق بالحركة متسبب وكذلك إن كان أحدهما مريضا فالمريض أولى.
فرع آخر
لو كان أحد الوالدين بنتًا فيه وجهان:
أحدهما: البنت أولى لظهور النقص من حركتهما.
والثاني: هما سواء لأن لكل واحد منهما من التصرف والتسبب نوعًا بعض الآخر عنه.
فرع آخر
لو كان ابن بنت، وبنت ابن وأيسر بنفقته أحدهما كانت ابنة الابن أولى لتقصها بالأنوثة، وقوة سببها بتعصيب أبيها.
فرع آخر
لو كان أب وجد معسران وليس معه إلا نفقة أحدهما فيه وجهان كما قلنا في الابن وابن الابن أحدهما مما سواء لأن لكل واحد مهما ولادة ولو اتسع المال وجبت نفقتهما معا.
والثاني: وهو الصحيح الأب أولى لأنه أقرب ويقدم في التعصيب.
فرع آخر
لو اجتمع جد وجدة في درجة واحدة والذكر أبعد والأنثى أقرب، قد ذكرنا حكمه، وقال القاضي أبو حامد: إن كان الذكر عصبة وهو أن يكون بين الذكر وبين من له النفقة أم [ق ٢١٩ أ] فالجد أولى لأنه ذكر، والثاني الجدة أولى لأنها أقرب.
فرع آخر
لو اجتمعت جدتان لأحديهما ولادتان، فإن كانتا في درجة واحدة، فالجدة التي لها ولادتان أولى، وإن كانت التي لها ولادتها أبعد والتي لها ولادة واحدة أقرب كانت الأقرب أولى، ذكره أبو حامد في الجامع.
فرع آخر
لو كانت بنت بنت بنت أبوها ابن ابن بنته وابنته بنت ليس أبوها من أولاده، فإن كانتا في درجة واحدة فالتي جمعت القرابتين أولى، وإن كانت التي جمعت القرابتين
[ ١١ / ٥٠١ ]
أسفل فالقريبة أولى قاله القاضي أبو حامد.
فرع آخر
لو كان له ابن وبنت موسران، قد ذكرنا أن النفقة على الابن، فإن لم يفضل عن كفاية الابن إلا نصف نفقة الأب كان الباقي على البنت، وقد ذكرنا نظيره.
فرع آخر
لو كان له ابن وولد خنثى مشكل فيه وجهان:
أحدهما: يجب على الابن أن ينفق عليه ولكنه يجب أن ينفق بحكم الحاكم، فإذا أنفق، ثم بان أنه ذكر رجع عليه بنصف ما أنفق، وإن بان أنثى أو مات مشكلًا لم يرجع وعلم أنه أنفق ما كان واجبًا عليه.
والثاني: يجب على الابن نصف النفقة، وأما النصف الآخر فإن الحاكم يأمر من ينفق عليه إن وجده ويحكم بالرجوع على ما ينكشف أنه يجب عليه كما نقول إذا كان له ابنان حاضر وغائب أخذ الحاضر بنصف النفقة، وأما الغائب فإن كان له مال حاضر أخذ من ماله، وإن كان ماله غائبًا أمر من ينفق عليه وكتب إلى حاكم البلد الذي هو فيه يأخذه بما يلزمه من نفقته، فإن لم يجد الحاكم من ينفق عليه أخذ الحاضر بالإنفاق عليه لأن نفقته عليه لو انفرد، وحكم له بالرجوع على الغائب إذا قدم أو ظهر له مال، والصحيح الوجه الأول، والفرق بين الخنثى وبين الغائب أن الابن ههنا يجوز أن يكون جميع النفقة عليه فهو أولى [ق ٢١٩ ب] بالمطالبة بها من غيره وليس كذلك إذا كان أخوه غائبًا فإنا نتيقن أن الحاضر لا يلزمه أكثر من نصف النفقة فلم يجز أن يؤخذ بالباقي.
وقال في "الحاوي": فيه وجهان:
أحدهما: تجب كلها على الابن.
والثاني: تجب عليهما نصفين، فإن بان الخنثى رجلا لم يرجع، وإن بان امرأة يرجع بما أنفق على الابن، هذا غريب.
فرع آخر
لو كان له بنت ولد خنثى مشكل فيه وجهان:
أحدهما: يؤخذ الخنثى بجميع نفقته لأنه يجوز أن يكون ابنا فيلزمه جميع نفقته، فإن بان أنه ابن فقد أنفق ما وجب عليه، وإن بان أنه أنثى رجعت بنصفها على أخيها.
والثاني: أنهما جميعًا ينفقان، فإن بان الخنثى أنثى فقد أنفقا ما وجب عليهما، وإن بان ذكرًا رجعت أخته عليه بما أنفقت، وهذا أقيس وهذه التفريعات كلها على الطريقة الأولى. وأما على سائر الطرق يتأمل فيها ويقاس على ما قدمناه.
[ ١١ / ٥٠٢ ]
فرع آخر
قد ذكرنا إذا كان أحد الابنين عائبًا كيف يكون حكم النفقة، ولو كان الأقرب غائبًا ولا يقدر الحاكم على ماله ولا على الاستعراض عليه أمر الأبعد بالإنفاق عليه حتى يرجع على الأقرب إذا رجع لأنه لو انفرد يلزمه الإنفاق عليه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا رجع الأقرب لا يرجع الأبعد عليه وهو غلط ظاهر.
فرع آخر
لو كان للصغيرة مال غائب فعلى الأب أن ينفق عليه فرضًا موقوفًا فإن قدم ماله رجه بما أنفق، وإن لم يكن بأمر الحاكم إذا قصد بالنفقة الرجوع لأن أمر الأب في ولده أنفذ من حكم الحاكم، وإن ملك المال قبل قدومه بعد مضي زمان بعض النفقة سقط من ذمة الولد ما أنفقه بعد تلف ماله ولو يسقط ما أنفقه قبل تلفه وكان ذلك دينًا له [ق ٢٢٠ أ] على ولده يرجع به عليه إذا أيسر أو بلغ لأنه بتلف ماله صار فقيرًا من أهل المواساة.
فرع آخر
لو كانت أمة ذات زوج قد أعسر بنفقتها لو تجب نفقتها على ولدها ما لم يفسخ نكاحه، وإن احتاجت لوجوبها على الزوج، وإن تأخر الاستحقاق بالإعسار ليلًا يجمع بين نفقة بزوجيه ونسب ولو خطبها الأزواج وهي خلته لم تجر على النكاح وأخذ الولد بنفقتها، فإن تزوجت سقطت نفقتها عن ولدها لعقد لوجوبها على الزوج.
فرع آخر
قد ذكرنا أن نفقة الأقارب لا تتقدر بل هي على الكفاية، فإن احتاج إلى من يخدمه يلزمه نفقة خادمه وتسقط بمضي الزمان ولا تصير دينًا عليه لأنها تجب لترجيه الوقت ودفع الحاجة.
قال ابن أبي حامد: إلا أن يأمره القاضي، وقال جدي الإمام: هل تتقدر وجهان وهو بعيد.
مسألة:
قال: "ومن أجبرنا على نفقة بعنا فيه عليه العقار".
[ ١١ / ٥٠٣ ]
إذا امتنع من نفقة امرأته المستقرة في ذمته أو نفقتها الراتبة، أو مهرها الواجب في ذمته أو نفقة والديه أو مولوديه، فإن وجدنا مالًا من جنس ما عليه أخذنا منه مقدار الواجب، وإن لم نجد من جنسه ووجدنا من غير جنسه من البياض والثياب والعقار، فإن الحاكم يبيع من ماله بقدر النفقة والمهر الواجب في ذمته ولا يبيع العقار مع القدرة على بيع غيره ولها أخذه من ماله سرًا وعلانية، وكذلك نفقة أولادها الصغار، فإن كان جنس النفقة: فذاك وإن كان [ق ٢٢٠ ب] من غير جنسها فهل لها أن تأخذ قولان:
فإن قلنا: تأخذ لا تتملكه قولًا واحدًا بل تبيعه وتصرف إلى حقها ثمنه، وقال أبو حنيفة: تصرف دراهمه ودنانيره إلى النفقة ولا يباع عقاره وعروضه فيها ولكنه يحبس حتى ينفق أو يبيعها كما قال في سائر الديون وربما يسلم في نفقة الأب أنه يباع العقار فيها استحسانًا.
فرع
لو كان للزوج في ذمتها طعام من جنس ما يلزمه لها من النفقة فطالبها الزوج بأن تقاضه بمالها عليه من النفقة لا يخلو إما أن تكون موسرة أو معسرة، فإن كانت موسرة كان له أن تطالبها بالمعارضة لأن أن تطالبها بقضائه وهذا على القول الذي يقول لا تقع المقاصة إلا بالتراضي، فأما إذا قلنا: يتقاصان بوجوبها يسقط أحدهما بالآخر، ذكره القاضي الطبري.
مسألة:
قال: "ولا تجبر امرأة على رضاع ولدها شريفة كانت أو دنيئة".
إذا كان له امرأة له منها ولد مرضع فامتنعت من إرضاعه لا يملك إجبارها عليه على أي صفة كانت المرأة زوجة أو مطلقة شريفة أو دنية موسرة أو معسرة، وقال مالك: إن كانت موسرة نسبية رفيعة الحال لم يكن الحال لم يكن له إجبارها، وإن كانت دنية له إجبارها، وقيل عنه روايتان:
إحداهما: يجب عليه إرضاعه بكل حال وتجبر على ذلك، وبه قال أبو ثور.
والثانية: وهو المشهور إذا كانت ممن ترضع في العادة يلزمها لقوله تعالى: ﴿والْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وهذا خبر والمراد به الأمر، وهذا غلط لان الله تعالى قال: ﴿أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]. وقال: وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى، وإذا امتنعت فقد تعاسر ولأنه لو كان لحق الولد لأجبرها بعد الفرقة، وإن كان لحق نفسه لأجبرها على خدمة نفسه، فإذا لم يجبرها على خدمة نفسه فلان لا [ق ٢٢١ أ] تجبر على خدمة ولده أولى
[ ١١ / ٥٠٤ ]
وأما الآية التي ذكر محمولة على الاستحباب بدليل ما ذكرنا.
فرع:
لو اختارت أن تتطوع بإرضاعه كانت أولى من غيرها ولم يجز للزوج أن ينتزع الولد من يدها بوجه من الوجوه لأنها أحنى على الولد وأشفق من الأجنبية.
وقال بعض أصحابنا: إذا أراد منعها من الإرضاع وتسليمه على امرأة لترضعه فقياس المذهب أن له ذلك لأنه يستحق عليها الاستمتاع في عموم الأوقات فإذا استعملت بإرضاع الصبي فوتت عليه حقه وليس لها ذلك، وهو اختيار أبي حامد، والأول اختيار القاضي الطبري.
وقال في "الحاوي" فيه وجهان والصحيح عندي أن ينظر في سبب المنع، فإن كان الاستماع في أوقاته كان له، وإن كان لغير ذلك لم يكن له لأنه يقصد الضرر، وهذا أولى عندي.
فرع آخر
إذا تطوعت بالإرضاع هل يستحق لإرضاعه زيادة في نفقتها وجهان:
أحدهما: قال أبو إسحاق، والاصطخري للحاكم أن يجتهد فيها ويزيد على قدر نفقتها لأن مؤنتها تزيد في هذه الحالة وتحتاج إلى زيادة غذاءه.
والثاني: لا يزاد، لأن النفقة عندنا مقدرة ولا تزيد بكبره مؤنتها فلم يجز أن تزيد على المقدار المعهود، ولهذا لا يزاد إذا كانت رغيبة سمينة أكولة وهذا أصح.
فرع آخر
لو أرادت إرضاعه بأجرة مقدرة لم تكن من ذلك ولا يجوز أن يستأجرها زوجها علة ما ذكرنا في كتاب الإجارة، فإن أجرت لم تصح الإجارة وكذلك إن أجرت نفسها من زوجها للخدمة لم يجز لأنها مستحقة الاستمتاع في جميع الزمان إلا في مقدار العبادات المفروضة وما لابد لها من الأكل والشرب فلم يجز أن تعقد على نفسها إجارة تمنع الاستمتاع، وهذا كما لو أجر نفسه لتخدمه شهرًا لم يجز أن يؤاجر ثانيًا ليخيط له ثوبًا أو يعمل له عملًا غير الخدمة في ذلك الشهر، وقال القفال [ق ٢٢١ ب] وعامة أهل خراسان يجوز استئجار زوجته لإرضاع ولدها منه ولخدمة البيت، وعند أبي حنيفة لا يجوز عند بقاء النكاح وبعد البينونة روايتان وجعل هذا مسألة ولم يذكر وجهًا بخلافها، وهذا أقيس وأجمع أهل العراق على خلاف هذا، وقد ذكرناه في كتاب الإجارة بالشرح والبيان. وقال بعض المتأخرين من أهل العراق فيه وجهان.
فرع آخر
لو أجرت نفسها من غير للإرضاع أو الخدمة لا يجوز، وقال القاضي أبو حامد في
[ ١١ / ٥٠٥ ]
جامعه يكون للزوج فسخه فأجاز العقد وجعله موقوفًا على فسخه والصحيح ما تقدم لأنها عقدت الإجارة على ما لا يقدر على تسليمه لما ذكرنا أو يطأها بالاستمتاع بها.
فرع آخر
إذا ثبت أن الإجارة باطلة فأرضعت على ذلك هل لها أن تطالبه بأجرة المثل.
قال أبو إسحاق وغره من أصحابنا: ليس لها ذلك لأن هذا الزمان قد استحقه الزوج على ما ذكرنا، والنفقة التي أخذتها عوض عن جميع ما يعمله في ذلك الزمان فلم يجز لها أن تطالبه بعوض آخر ولأنها لو استحقت ذلك لجاز عقد الإجارة معها.
وقال ابن خيران لها أن تطالبه بأجرة المثل لأنه أتلف عملًا لها لم يملكه الزوج بعوض لم يسلم لها فترجع إلى أجرة المثل كما في سائر الإجارات الفاسدة، قال: ولا يدخل على هذا إذا أجر الإنسان نفسه شهرًا بعوض معلوم، ثم أجره في ذلك الشهر إجارة أخرى لأن العقد الثاني وقع على ما لا يملكه، وههنا عقدت على ما يملكه لأن الزوج لم يملك ذلك عنها بعقد النكاح.
وأما النفقة التي أخذتها في مقابلة الاستمتاع دون سائر أعمالها ولم يتابعه أحد من أصحابنا، هكذا ذكره أبو إسحاق والقاضي الطبري والأول أصح [ق ٢٢٢ أ].
فرع آخر
قال القفال: لو امتنعت من الإرضاع تجبر على إرضاع اللبأ لأن الولد لا يعيش دونه ولها طلب الأجرة عليه كإحياء المضطر بطام يجب ولكن بالقيمة وكذلك بعد اللبأ إن لم يجد مرضعة أخرى أجبرت على الإرضاع بالأجرة وكذلك لو فقدت الأم ووجدنا مرضعة لا يجد سواها أجبرناها بالإحياء الولد بلا رضاع ويلزم الأجرة على الأب.
وقال بعض أصحابنا: لا أجرة لها لأنه حق تغير عليها وعجز الأب عنه فيجري مجرى نفقته إذا أعسر الأب وأيسر ذكره في الحاوي.
مسألة:
قال: "وإن طلبت رضاع ولدها، وقد فارقها زوجها فهي أحق".
قد ذكرنا حكم الزوجة فأما إذا كانت مطلقة بائنًا فكذلك لا يجوز له إجبارها على إرضاعه فإن لم يوجد لبن من غيرها أخذت جرًا إرضاع اللبأ حفطًا لحياة الولد، وهل تستحق أجرة المثل على ما ذكرنا، وإن اختارت إرضاعه نظر، فإن تبرعت به كانت أحق به، وإن لنم تتبرع به وطلبت الأجرة نظر أكثر من أجرة مثلها كان الأب أحق به تسترضعه امرأة أخرى، وإن طلبت أجرة مثلها نظر، فإن لم يكن مع الأب امرأة ترضع إلا بأجرة.
[ ١١ / ٥٠٦ ]
مثلها كانت الأم أحق به، وإن كانت معه من ترضعه بغير أجرة أو برضعه أقل من أجرة مثلها، نقل المزني أن الشافعي قال: القول قوله مع يمينه أن يجد متطوعة أو من يرضي بأقل من أجرة المثل، فإذا حلف كان له أن ينتزعه من يدها ويسلم إلى غيرها، وإنما جعلنا القول قوله مع يمينه لأنه يتعذر عليه إقامة البنية بذلك والأصل براءة ذمته عن الأجرة، ثم لا يمنع أمه من زيارته لقوله ﷺ لا قوله: " والدة على ولدها" ثم قال: وقال في موضع آخر: الأم أولى وهو اختيار المزني [ق ٢٢٨ ب] واختلف أصحابنا فيه فقال الاصطخري وأبو إسحاق. وأكثر أصحابنا قول واحد لا أجرة لها وما قاله المزني ليس بقول آخر، بل قال الشافعي: إن أرضعت أعطاها أجرة مثلها وليس الزوج فإن نجد من يتطوع به من غير أجرة أو بأقل من أجره المثل فلا يجوز أن يجعل هذا قولًا آخر.
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان، وبه قال الإفصاح.
أحدهما: ما ذكرنا.
والثاني: لها الأجرة لقوله تعالى: ﴿فَإنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦] ولأنها أشفق من غيرها ولأنها رشيدة لا زوج لها طلبت رضاع ولدها بأجرة مثلها فكانت أحق به حال الإقامة كما لو لم يجد من يتبرع بها.
وقال أبو حنيفة: لا يسقط حق الأم من الحضانة ولا أجرة عليه ويأتي المرضعة مرضعة عندها لأن حقها من الحضانة باق.