مسألة:
قَالَ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق:٦]. وقال تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦] فَلَمَّا أَوْجَبَ اللهُ ﷿ لَهَا النَفَقَةِ بِالحَمْلِ دَلَّ عَلَى أَنَّ لَا نَفَقَةَ لَهَا بِخِلَافِ الحَمْلِ.
وقد ذكرنا فيما مضى أن لكل مطلقة السكنى سواء كانت حاملًا أو حائلًا رجعية كانت أو بائنة.
وأما النفقة فإن كانت رجعية فلها النفقة لأنها في معاني الأزواج، وإن كانت بائنًا فإن كانت حائلًا فلا نفقة لها خلافًا لأبي حنيفة، وهذا لأن الله تعالى أوجب السكنى
[ ١١ / ٤٨٢ ]
للمطلقة على الإطلاق وقيد النفقة بالحمل فقال: وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ولم يرد به الرجعية فدل أنه أراد به البائنة وبذلك جاءت السنة في فاطمة بنت قيس حيث قال لها ﷺ: ليس لك نفقة وكانت بائنة، وروي أن النبي ﷺ: قال لها: "لا نفقة لك إلا أن تكوني حائلًا" وروي عن جابر ﵁ أنه قال: "نفقة المطلقات ما لم يحرم" يعني ما لم تكن بائنة، وقال عطاء: ليست المبتونة الحبلى منه في شيء إلى أنه ينفق عليها من أجل الحبل، فإن كانت حبلى فلا نفقة لها، وقد ذكرنا أنها للحمل أو الحامل قولان منصوصان، والأصح أنها تستحق في الحال فالأمارات لأن الأحكام تتعلق بها.
مسألة:
قَالَ: "وَكُلُّ مَا وَصَفْتُ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ مُتْعَةٍ أَوْ سُكْنَى فَلَيْسَتْ إِلَّا فِي نِكَاحٍ فَلَا نَفَقَةَ حَامِلًا أَوْ غَيْرَ حَامِلٍ [ق ٢٠٦ ب].
قال أصحابنا: أراد بالنكاح المنسوخ إذا فسخ أحدهما النكاح لوجود عيب بصاحبه فلا تجب النفقة ولا السكنى لأن ذلك بمنزلة النكاح الذي وقع فاسدًا في الأصل، وقد بيناه في كتاب النكاح.
فأما قول الشافعي حائلًا أو غير حامل إنما ذكر على القول الذي يقول النفقة للحامل، فأما إذا قلنا النفقة للحمل فلها النفقة وكذلك المنكوحة نكاحًا فاسدًا مثل نكاح المتعة والنكاح بلا ولي ولا شهود، إذا كانت حائلًا هل تستحق النفقة فيه قولان لأن النسب ثابت منه في الحالين:
واعلم أن الشافعي أوجب ههنا للمبتوتة الحال النفقة بسبب الحمل، ثم ذكر النكاح الفاسد ولم يجعل للحامل النفقة وعطف إحدى المسلمين على الأخرى وفرق بينهما والقياس يقتضي التسوية بين المسلمين في بنائهما على القولين، وهذا موضع الإشكال ولكن يحتمل أن يقال إذا كانت معتدة عن نكاح صحيح فإنها بحق العقد الصحيح تستحق حقوق الحضانة في تربية الولد وهي مشتغلة بما هو أبلغ من الحضانة لأنها تربية في بطنها فاستحقت عليه النفقة لحق العقد السابق ما دامت في العدة عن ذاك العقد وإذا كان الوطء شبهة لم يثبت ما فيه مثل هذا الحق، وقال صاحب الحاوي: إذا فسخ نكاحها بالعيب المتقدم على العقد وهي حامل هل تستحق نفقتها في زمان الحمل ويجعل كالمنسوخ من أصله؟ قولان بدليل استحقاق مهر المثل، هكذا قال أصحابنا والصحيح عندي أن لها النفقة قولًا واحدًا إلحاقًا بالفسخ الطارئ الرافع لاستدامة العقد في هذا الحكم لأنه وجد موجبي الاستحقاق قبل الفسخ من استحقاق التمكين وحرمة العقد.
[ ١١ / ٤٨٣ ]
مسألة:
قَالَ: "فَإِنْ ادَّعَتِ الحَمْلِ [ق ٢٠٧ أ] فَفِيهَا قَوْلَانِ: أحدهما: أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِيَقِينِ حَمْلِهَا حَتَّى تَلِدَ فَتُعْطَى نَفَقَةَ مَا مَضَى".
الفصل:
قد ذكرنا أن النفقة للحمل أو للحامل قولان والصحيح أنها للحامل وقوله ههنا حتى تلد فيعطى نفقة ما مضى دليل على أن النفقة للحامل لأن نفقة الأقارب يسقط لمضي الزمان.
وحكي ابن الحداد، عن الشافعي رحمة الله عليه أنه قال: لو أن مسلمة ارتدت فلا نفقة لها على زوجها، وإن كانت حاملًا وكذلك لو أسلم الزوج وتخلفت عن الإسلام وهي حامل فلا نفقة لها على زوجها ما لم يسلم كما لا نفقة لها إذا لم يكن حائلًا، وهذا يوضح أن نفقة الحامل لها في نفسها لا للولد.
والثاني: أنها للحمل وقد ذكرنا أنها هل تستحق قبل الوضع قولان.
فإذا قلنا: يستحق وهو اختيار المزني فقولها لا يقبل في وجوب النفقة حتى تشهد أربع نسوة عدول أن بها حملًا أو يشهد رجلان أو رجل وامرأتان بذلك، فإذا أقامته البينة أنفق عليها من وقت تقام البينة يومًا بيوم ودفع إليها نفقة ما مضى من حين الطلاق إن قامت البينة بالحمل، وإذا أنفق عليها، ثم بان أنه كان ريحًا ولم يكن حملا.
قال أبو إسحاق إذا قلنا: يلزمه أن ينفق عليها في حال الحمل رجع عليها بما أنفق سواء حكم عليه الحاكم أولم يحكم بذلك وسواء شرط عليها الرجوع أو لم يشرط لأنه أنفق ما لزمه أن ينفق، فإذا تبين أنه لم يكن لازمًا رجع عليه.
وإذا قلنا: لا يلزمه أن ينفق عليها حتى تضع فتبرع وأنفق، فإن كان بحكم الحاكم رجع، وإن كان من غير حكمه، فإن كان الدفع بشرط الحمل رجع، وإن كان مطلقًا لا يرجع لأن ظاهرة تطوع.
فإن قيل: إذا أنفق الرجل على امرأته ثم تبين أن النكاح كان فاسدًا ففرق الحاكم بينهما لا يرجع الزوج عليها بما أنفق فما الفرق [ق ٢٠٧ ب] قيل: الفرق أن الزوج أنفق عليها في مقابلة ما أتلف عليها من منافعها وهو الاستمتاع الذي استمتع بها فلم يجز أن يرجع عليها بما أنفق خلاف مسألتنا.
فإن قيل: لو كان ذلك على طريق المعاوضة لوجب إذا مكنته من الاستمتاع إلا أنه لم يستمتع بها ولم يسلمها أن يكون لها المطالبة بنفقة ما مضى قبل العوض في النكاح الفاسد لا يجب إلا بالإتلاف. فأما بالتمكين فلا يجب ألا ترى أن المشتري لا يلزمه تسليم الثمن في البيع الفاسد بالتمكين من المبيع ما لم تبلغه فإذا أتلفه يلزمه ذلك ههنا
[ ١١ / ٤٨٤ ]
وقال في "الحاوي" إن لم يشترط فيها التعجيل لم يرجع لأنه متطوع، وإن شرط فيها التعجيل، فإن ضمنها الرجوع بها إن أنعش حملتها فله الرجوع اعتبارًا بالشرط، وإن لم يضمنها الرجوع بها فيه وجهان:
أحدهما: يرجع، وهو الأصح تغليبًا لحكم ما أشرطه من التعجيل كما في تعجيل الزكاة.
والثاني: لا يرجع بها إذا شرط التعجيل حتى يشترط التضمين معه لاحتمال التعجيل واختلاله بالتضمين الذي هو أقوى.
قال القفال: وعلى ما ذكرنا أقول في دلالة باع شيئًا من رجل فأجرته على البائع الذي أمره بذلك، فإن أخذ من المشتري شيئًا، وقال: وهبت هذا لي فقال: نعم إن عرف أنه لا شيء له، وأنه متبرع بالهبة صحت الهبة، وإن ظن أنه واجب عليه يهب فله الرجوع لأنه لم يتبرع، وهذا لأن الأصل أن من أعطى شيئًا على أنه واجب فبان أنه غير واجب فله الرجوع.
فرع:
إذا قلنا: لا يلزمه أن ينفق عليها في زمان الحمل فوضعت يلزمه نفقة ما مضى لها من حين الطلاق إلى أن وضعت سواء قلنا إنها للحمل أو لا، ولا يسقط بمضي المدة، وإن قلنا: إنها للحمل ويخالف نفقة الأقارب لأن المستوفي ههنا الزوجة [ق ٢٠٨ أ] فلحقت بنفقة الزوجات ولم تسقط بمضي الوقت.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ فَنَفَاهُ وَقّذَفَهَا وَلَاعَنَهَا لَا نَفَقَةَ عَلَيْهَا".
قال أصحابنا: يحتمل أن يكون المراد به أنه إذا قذف زوجته فلاعنها وانتفي من حملها لا نفقة لها ولا سكنى.
وأما النفقة فلا تستحق؛ لأن الحمل ليس منه، وإذا لم يكن الحمل منه لا نفقة سواء قلنا: النفقة للحامل بسبب الحمل أو قلنا إنها للحمل.
وأما السكنى قال أبو حامد: لها السكنى لأنهما افترقا عن نكاح صحيح، وقال غيره فيه وجهان:
أحدهما: لا يجب لما روي في خبر المتلاعنين قضى رسول الله ﷺ أن لا نفقة لها ولا يثبت لأنهما يفترقان من غير طلاق.
والثاني: لها السكنى لأن الله تعالى أوجب للمعتدة السكنى وهذه الفرقة يختلف فيها فمنهم من يقول طلاق ومنهم من يقول فسخ فلم تسقط السكنى إلا بيقين وقيل:
[ ١١ / ٤٨٥ ]
الفسخ الطارئ يجعل بمنزلة النكاح الفاسد، وهذا فسخ وإيجاب السكنى فيه مناقضة ولكنه يتعلق بقول الزوج فيجري مجرى قطع النكاح بالطلاق كمل قلنا في الخلع مع قولنا إنه فسخ قالوا: ويحتمل أن يكون راجعًا إلى المطلقة دون الزوجة، فينظر، إن كانت رجعية حكمها حكم الزوجة، وإن كانت بائنًا هل يجوز اللعان على نفي حملها، قد ذكرنا في كتاب اللعان قولين:
فإذا قلنا له: إنه لاعن فلاعن فالحكم على ما ذكرنا في السكنى والنفقة، وقال القاضي الطبري: إذا قلنا هناك لا سكنى فههنا يحتمل وجهين:
أحدهما: لها السكنى لأنها اعتدت عن الطلاق.
والثاني: لا سكنى لأن نفقتها سقطت لأجل اللعان فلذلك السكنى، وإن أكذب نفسه بعد اللعان رجعت المرأة بنفقتها في زمان الحمل سواء قلنا النفقة للحمل أو للحامل بسببه لما ذكرنا أنها وإن كانت للحمل [ق ٢٠٨ ب] فإنها تتعلق بحقها وتنصرف إلى مصالحها فلم تسقط بمضي الزمان، وقد قال في "الأم" لو كانت أرضعته ثم أكذب نفسه يلزمه أجرة الرضاعة لأنها أرضعته على أن لا أب له إلا أنها تطوعت به. وقال بعض أصحابنا: هذا يدل على أن النفقة قبل الوضع تجب لها وبعد الوضع تجب للحمل فإنه لم يوجب النفقة لها بعد الوضع بل أوجب أجرة الحضانة وأجراها مجرى الأجرة.
وقال القفال: إذا كذب نفسه بعد الوضع يلزمه الأجرة والنفقة أيضًا قال: ولو استدانت لغيبة الأب أو عند امتناعه من الإنفاق لها الرجوع عليه، وهذه ولاية للأم في ولدها ولا تجعل متبرعة بذلك، وهو أصح عندي ويحتمل أنه أراد أجرة الرضاع نفقتها على التمام فإن قال قائل: لو لم ينف ولدها فأعتقت هي عليه قلتم: لا يرجع عليه فما الفرق قلنا: الفرق أن هناك تبرعت بالإنفاق عليه وههنا لم تتبرع بل أنفقت بحكم الحاكم أن الولد منفي ونظير هذا أنه لو قضى دينًا على ظن أنه عليه، ثم بان خلافه له الرجوع، ولو ملك إنسانًا شيئًا ابتداءً ليس له الرجوع وكذلك لو زكى عن ماله على ظن سلامته فبان أنه كان تالفًا وشرط ذلك له الرجوع ولو تصدق عليه به تطوعًا لا رجوع وكذلك لو كان الأب موسرًا فظن أنه معسر فأنفق عليه، ثم ظهر ذلك له الرجوع ولو علم يساره فتبرع فلا رجوع وكذلك لو كان الأب معسرًا فظن أن ابنه معسرًا أيضًا فاستقرض وأنفق على نفسه، ثم بان له يسار ابنه يرجع في ماله بما استقرض ولو علم يساره فاستقرض ولم يطالبه لم يرجع وكذلك لو غاب الابن الموسر فاستقرض أبوه المعسر وأنفق على نفسه يرجع [ق ٢٠٩ أ] ولو سأل الناس وتكدي وأنفق على نفسه لا يرجع.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَانَ أَعْطَاهَا بِقَوْلِ القَوَابِلِ أَنَّ بِهَا حَمْلًا ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهَا
[ ١١ / ٤٨٦ ]
حَمْلٌ أَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا فَجَاوَزَتْ أَرْبَعَ سِنِينَ رَجَعَ عَلَيْهَا بِمَا أَخَذَتْ".
قوله: أو أنفق عليها أي بغير قول القوابل على ظن وجود الحمل، وقد ذكرنا هذه المسألة وإنما رجع عليها إذا جاوزت أربع سنين، لأنا علمنا أنها وإن كانت حبلى فليس ذلك الحمل منه، وإن أنفق عليها على توهم وجوب النفقة لا على جهة التبرع.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَانَ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فَلَمْ تَقِرّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ أَوْ كَانَ حَيْضُهَا يَخْتَلِفُ فَيَطُولُ وَيَقْصُرُ لَمْ أَجْعَلَ لَهَا إِلَّا الأَقْصَرَ".
الفصل:
صورته رجل طلق امرأته طلقة رجعية فلم تقر بانقضاء ثلاثة أقراء حتى ظهرت بها أمارات الحمل فأنفق عليها، ثم علم أنه لم يكن حملًا وإنما كان ريحًا أو جاوز أربع سنين، وقلنا: إن ولد الرجعية إذا أتت به لأكثر من أربع سنين لا يلحق به كولد المبتوتة، فقد علمنا أن عدتها منه بثلاثة أقراء، فإن كان قد بان أنه لم يكن حملًا بل كان ريحًا فإنا نرجع إلى إقرارها فيما مضى، فإن كان حيضها مثقفًا لا يختلف جعلنا لها النفقة في مدة ثلاثة أقراء، لأنها اعتدت بها وهي رجعية فكانت لها فيها النفقة، وإن كان حيضها مختلفًا فكانت ترى ثلاثة أقراء في ثلاثة أشهر، وفي ستة أشهر، وفي أكثر من ذلك أو أقل جعلنا لها النفقة في أقل ما يكون من عادتها في ثلاثة أقراء أنها تكون في ثلاثة أشهر فيكون لها النفقة في ثلاثة أشهر ورجع الباقي نص عليها الشافعي.
وقال أبو حامد: نظرنا أقل زمان يمكن أن نحصل فيه ثلاثة أقراء فنوجب لها نفقة ذلك القدر [ق ٢٠٩ ب] لأن اليقين وهذا أقيس ولكنه خلاف النص ذكره القاضي الطبري وإن لم يكن ريحًا ولكنه كان حملًا إلا أنه جاوز أربع سنين فإنا علمنا أنها وطئت بعد الطلاق فنرجع إليها فنقول لها: بين لنا الحال، فإن قالت: تزوجت بغيره ووطئني وهذا الحمل منه قلنا لها: أتزوجت بعد مضي ثلاثة أقراء أو قبلها، فإن قالت بعدها جعلنا لها النفقة لثلاثة أقراء على ما بيناه وإن قالت: تزوجت بعد مضي قرين قلنا: قد أفسدت قرءًا واحدًا فعليك أن تأتي بقرء آخر بعد وضع الحمل وذلك النفقة في هذا القرء وفيما مضى لقرءين والكلام في مقدار القرءين على ما بيناه.
ثم إن المزني اعترض على الشافعي فقال: إذا حكم بأن العدة قائمة فكذلك النفقة في القياس لها بالعدة قائمة، ولو جاز قطع النفقة بالشك في انقضاء العدة جاز انقطاع الردة بالشك في انقضاء العدة فلما لم تزل الرجعة بالشك في انقضاء العدة الذي لم يجز أن يزول النفقة بالشك في انقضاء العدة قيل: نحن إذا حكمنا بسقوط النفقة حكمنا بانقطاع
[ ١١ / ٤٨٧ ]
الرجعة وكيف ظننت بالشافعي هذا الظن المحال وهو إسقاط النفقة مع استبقاء الرجعة ولكنها ممنوعة عن نكاح زوج آخر ما دامت تزعم أنها في العدة.
وقال بعض أصحابنا: صورة المسألة التي ذكرها الشافعي غير هذه الصورة وإنما أراد إذا طلقها طلاقًا رجعيًا فادعت أنه قد تباعد حيضها وامتد طهرها.
وقد ذكرنا حكم تباعد الحيض فقال الشافعي: يكون القول قولها في بقاء العدة عليها وفي ثبوت الرجعة عليها ولا يقبل قولها في وجوب النفقة إلا في مقدار مدة العدة.
واعترض المزني على هذا فقال: إذا حكم بأن العدة قائمة فلذلك النفقة في القياس، والجواب أنه لا تعتبر الرجعة بالنفقة [ق ٢١٠ أ] لأن الرجعة عليها والنفقة حق لها فيقبل قولها فيما عليها ولم يقبل فيما لها، وهذا لا يصح لأن الشافعي قال: قبل هذه المسألة إذا طلقها بائنًا وظهر بها أمارات الحمل فأنفق عليها ثم تبين أنها كانت ريحًا ثم عطف عليها هذه المسألة فدل أن الشافعي لم يرد ما ذكره هذا القائل.
مسألة:
قَالَ: "وَلَا أَعْلَمُ حُجَّةً بِأَنْ لَا يَنْفِقَ عَلَى الأَمَةِ الحَامِلِ".
الفصل:
أراد به إذا طلق امرأته الأمة بائنًا وكانت حاملًا فعلى الزوج أن ينفق عليها ولا حجة لمن يقول لا ينفق عليها وهذه نصرة من القول الذي يقول إن النفقة للحامل دون الحمل، فإن على ذلك القول هو رفيق لسيدها فالنفقة على سيدها دون زوجها.
واختار المزني القول الصحيح ووجهه ما ذكر ههنا أنها لو كانت للحمل لما تقدرت بكفايتها ولكفي أدنى شيء ولوجب أن يجب على الحدّ نفقة نفقة هذا الحمل عند عدم الأب أو إعساره كما لو كان منفصلًا ولوجب أن تسقط بيسار الولد وهو إذا ورث أو أوصى له بشيء وقبله أبوه، ووجه القول الآخر إنها تجب بوجوده وتسقط بعدمه فدل أن النفقة له ولأن النفقة لما كانت له إذا كان منفصلًا فكذلك إذا كان متصلًا بها.
قال هذا القائل: وإنما أوجبنا بقدر كفايتها لأنه لا يصل النفع إليه من جهتها فوجب تمام كفايتها كما قلنا في زمان الرضاع لا تلزم الأجرة بقدر قيمة اللبن بل تلزم قدر ما يكون في مثله كفايتها، ومن قال بالأول: أجاب عن هذا بأنه مستمتع بها لكون ولده في بطنها كما كان مستمتعًا بها في زمان النكاح والعدة التي فيها الرجعة، وإذا وضعت زال الاستمتاع فلهذا وجب بوجوده وسقط بعدمه.
وأما قول المزني الأول أحق ضدي لأنه شهد أنه حكم الله تعالى فقال ولكنه حكم الله تعالى يعني إيجاب النفقة لها وحكم الله تعالى أولى [ق ٢١٠ ب] مما خالفه وأراد به
[ ١١ / ٤٨٨ ]
قول الله تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وهذا الخطاب متوجه على الأزواج فدل على أنها تلزم على زوج الأمة الحامل لا على سيدها.
ثم قال: فأما كل نكاح كان منسوخًا فلا نفقة لها ولا سكنى حاملًا أو غير حامل.
وقد قال بعض مشايخنا: إنها تستحق النفقة إذا قلنا النفقة للحمل، وقد ذكرنا حكم النكاح الفاسد من أصله والذي كان صحيحًا، ثم فسخ فلا معنى للإعادة.
فرع آخر:
قال ابن الحداد: إذا أردت المسلمة سقطت نفقتها، وإن كانت حاملًا، وقال بعض أصحابنا: هذا مبني على القولين.
فإن قلنا: النفقة للحامل فالحكم على ما ذكره.
وإن قلنا للحمل لم تسقط بردتها، ووجه ما قاله ابن الحداد أن النفقة وإن كانت للحمل فهي المستحقة لها وتتعلق بها ألا ترى أنها لا تسقط بمضي الزمان قولًا واحدًا فجاز أن تسقط بردتها.
فرع آخر:
قال ابن الحداد: إذا وضعت الزوجة حملها فقال: كنت طلقتك قبل وضعك طلقة، وقد انقضت عدتك فلا نفقة لك ولا سكنى وكذبته فالقول قولها لأنه يريد إسقاطها حقها من النفقة والسكنى وعليها اليمين على نفي العلم أنها لا تعلم أنها طلقها لأنها يمين على فعل الغير وله أن يتزوج بأختها وأربع سواها ولا رجعة له عليها لأن قوله مقبول في إسقاط حق الرجعة وفي نكاح أختها لا يتعلق حقها وذلك إلى علمه، فإن كان يعلم أنها مباحة له جاز نكاحها ولا اعتراض عليه فيه.