مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ دَابَّة فِي المِصْرِ أَوْ شَاةً أَوْ بَعِيرًا أَعْلَفَهُ بِمَا يُقِيمَهُ".
الفصل:
إذا كان له حيوان غير الآدمي من البهائم والطيور ونحوها فعليه نفقتها؛ لأنه حيوان مملوك كالعبد، ولا فرق بين أن تكون مأكولة اللحم أو غير مأكولة، فإذا ثبت هذا لا يخلو إما أن يكون في البلد أو في الصحراء، فإن كانت في البلدة فإن العرف فيه أنها تعلف ولا ترعى، فإن كانت مما يؤكل لحمها فهو مخير بين ثلاثة أشياء: بين أن يعلفها أو يذبحها أو يبيعها، وإن كانت مما لا يؤكل لحمها فهو مخير بين أن يبيعها وبين أن يعلفها، وإذا امتنع
[ ١١ / ٥٣٤ ]
من ذلك كله فإن كان له مال ظاهر أنفق الحاكم عليها من ماله، وإن لم يكن له مال ظاهر باع من البهيمة جزءًا وأنفق على الباقي، وهذا لأن للحيوان حرمة مثل ما للعبد.
قال أصحابنا: لو كان بدابته جرح ولا يجد خيطًا يخيط به في ملكه له أن يغضب خيطًا بالقيمة، ولو لم يجد علفه إلا مع رجل لا يبيعه وقد فضل عن حاجته والدابة مشرفة على الهلال له أن يغصب علفها بالقيمة كما في الآدمي سواء، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يجبر على ذلك ولا يباع [ق ٢٤٨ ب] من ماله شيء لنفقتها ولكنه يأمره بذلك كما يأمره بالمعروف، وهذا غلط لأنها نفقة واجبة عليه فكان للسلطان إجباره كنفقة العبيد، وإن كانت في الصحراء، فإن العرف فيها الرعي دون العلف فلا يكلف صاحبها العلف ولكنه يخير بين أن يخليها للرعي وبين ما ذكرنا، فإن جذبت الأرض فلم يكن فيها متعلق أو أنبتت ولكنه لا يكفيها فحكمها حكمها إذا كانت في البلد على ما بيناه.
وقد قال الشافعي ببعض البهائم لا تستوفي كفايتها بالرعي مثل البغل والحمار فيلزمه أن يعلفها كفايتها. قال أصحابنا: إنما قال ذلك على عادة مصر لأن المرعى بها ضعيف لقلة الأمطار. وقيل: غن مصر لا يقع فيها مطر، وإذا رأى أهلها سحابة استغاثوا ودعوا الله تعالى في إزالتها عنهم، وخافوا الهدم، فإنه ليس لهم المزاريب التي يكون في بلادنا، وإذا كان كذلك نقل النبات في صحاريها فلا يكفي الدواب رعيه ولا تستقل، فأما في الموضع الذي يكثر فيه الرعي والكلأ، فإن الدواب يكتفي بالرعي فيه.
وأما إذا كان للبهيمة ولد فأراد صاحبها أن يحلب لبنها، فالحكم فيه كما ذكرنا في الأمة إلا أنه يحلب ههنا الفصل عن ري الولد وتعني بالري ما يقيمه حق لا يموت وهناك يسترضع ولدًا آخر.
وأما الأملاك التي لا روح فيها كالعقار والأشجار، فلا يجب عليه عمارتها لأن ذلك تنمية للمال ولا يتعلق لحق ذي زوج، والأصل في جميع ما ذكرنا ما روي عن ضرار ابن الأزور. قال: أهديت لرسول الله ﷺ لقحة فأمرني أن أحلبها فحلبتها فجهدت حلبها، فقال: "دع داعي اللبن".
وروي أن النبي ﷺ قال: "اطلعت على النار فرأيت فيها امرأة تعذب في هرة ربطتها لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من حشاش الأرض" [ق ٢٤١ أ] وقال رسول الله ﷺ: "إن مومسة من بني إسرائيل مرّت بكلب على رأس بئر يلهث عطشًا فشدت برطها
[ ١١ / ٥٣٥ ]
في خفها فسقته فشكرها الله تعالى فغفر لها" فقيل: يا رسول الله إن لنا في سقي الكلاب أجرًا، فقال: "في كل كبد حرى أجر".
وروى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرًا فنزل فيه فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغني فنزل البئر فملأ خفه ماء، ثم أمسكه بفيه حتى ارتقى فسقى الكلب فشكر الله فغفر له" فقالوا: يا رسول الله وإن لنا في البهائم لأجرًا فقال في كل ذات كبد رطبة أجر".
وروي أن النبي ﷺ دخل حائطًا لرجل من الأنصار، فإذا فيه جمل فلما رأى النبي ﷺ حق إليه وذرفت عيناه فأتاه النبي ﷺ فمسح ذفرته فسكن فقال: "من رب هذا الجمل"؟ فجاء فتى من الأنصار فقال: هو لي يا رسول الله، قال: فقال: "ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها فإنها تشكو إليَّ أنك تجيعه وتدنيه".
فرع آخر:
لو ولي على ابنه المجنون له أن ينفق على نفسه من مال المجنون ولا يحتاج إلى إذن الحاكم، وقيل: هذا يلزمه أن يستأذن الحاكم كالأم والجدة أو يأخذ بنفسه وجهان:
فرع آخر:
قال ابن الحداد: لو تزوج حرّ بأمة فولدت منه فنفقة الولد على سيده، فإن أعتق الولد، واختلف الوالد والسيد في وقت عتق الولد فالقول قول الوالد مع يمينه.
قال أصحابنا: لا معنى لهذا الفرع لأن نفقة الولد تسقط بمضي الزمان فلا يصح اختلافهما فيه [ق ٢٤١ ب].
فرع آخر:
لو تزوج مملوك بحرة موسرة فأولدها كانت نفقة الولد على أمه، فإن أعتق الأب، قال ابن الحداد: عادت النفقة إليه قال أصحابنا: هذا غلط وإنما تعود النفقة إذا اكتسب ما يفضل عن نفقته ونفقة امرأته، فأما بنفس العتق فلا تنتقل إليه.
فرع آخر:
قال ابن أبي أحمد في التلخيص: لو كان لرجل امرأة فلم يقدر على الكسب إلا قدر
[ ١١ / ٥٣٦ ]
ما ينفق على نفسه وله أب موسر أخذ الابن بنفقة امرأته وأخذ الأب بنفقته قلته تخريجًا، وهذا لأنه لو لم يفعل هكذا لخيرت امرأة هذا الابن.
وقال القفال: يحتمل غير ذلك وهو أنه لما اكتسب ما يكفيه خرج بذلك من حدّ الفقر فلا يلزم إياه نفقته وليس لامرأته أن تطالبه بذلك لأنه محتاج إليه فلا يجبر على بذله لها، فإن قالت: أختار نفسي فلها ذلك. والله أعلم بالصواب وإليه المرجع وإليه المآب.
تم ربع النكاح بحمد الله وحسن توفيقه، يتلوه ربع الخراج إن شاء الله تعالى وحده.
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلم تسليمًا كبيرًا إلى يوم الدين وحسبنا الله ونعم الوكيل.
تم الجزء الحادي عشر ويليه
إن شاء الله الجزء الثاني عشر
وأوله: كتاب القتل
[ ١١ / ٥٣٧ ]
فهرس المحتويات
[ ١١ / ٥٣٩ ]
بحر المذهب
في فروع المذهب الشافعي
تأليف
القاضي العلامة فخر الإسلام شيخ الشافعية
الإمام أبي المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني
المتوفى سنة ٥٠٢ هـ
تحقيق
طارق فتحي السيد
الجزء الثاني عشر
المحتوى:
كتاب القتل - كتاب الديات - كتاب قتال أهل البغي
[ ١٢ / ١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم