مسألة:
قال": أَخْبَرَنَا سُفْيَان ُبْنُ عيُيْنَة عَنْ مُحَمَّد بْنِ عَجْلانَ وَذَكَرَ الخبَرَ".
الفصل:
الكلام ههنا في نفقة العبيد والإماء فتجب نفقة المملوك علي سيده وكذلك كسوته بالمعروف، والأصل ما ذكرنا من الخبر، وهو ما روي أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ
[ ١١ / ٥٢٨ ]
قال: " للمملوك طعامه وكسوته [ق ٢٣٦ ب] بالمعروف ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق".
قال الشافعي: ومعني قوله لا يكلف من العمل إلا ما يطيق الدوام عليه.
وروي عن أبي المعرور سويد أنه قال: لقيت أبا ذر بالربذة وعليه ثوب حلة وعلي غلامه مثله فقال له رجل: يا أبا ذر لو أخذت هذا الثوب من غلامك فلبسته وكسوت غلامك ثوبًا آخر، فقال: قال رسول الله ﷺ " هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما سيلبس ولا يكلفه ما يغلبه، فإن كلفه فليعنه".
وروي أنه قال له رجل: أ: سوت غلامك مما تلبس فقال أبو ذر: إني سأبيت غلامًا لي فرفعت يدي لأضربه فلم يفجأني إلا رجل أخذ بيدي فالتفت فإذا رسول الله ﷺ
فقال: هذا وقال: "لا تكلفه من العمل ما لا يطيق".
فإذا تقرر هذا لا يخلو إما أن يكون مكتسبًا أو غير مكتسب، فإن لم يكن مكتسبًا بأن كان زمنًا أو أعمي أو طفلًا لا كسب له لزمه أن ينفق عليه من سائر أمواله أو يبيعه، أو يعتقه، فإنه إذا أعتقه حلّ له أن يأخذ الصدقات فيستغني بها، وإن كان مكتسبًا، فإن كان في كسبه وفاءً بنفقته، فقد فعل الواجب، وإن لم يكن وفاء وجب علي السيد إتمامه من سائر ماله، وإن كان أكثر من نفقته لزم العبد أن يدفع ما زاد عليها إلي السيد.
وأما مقدار النفقة فهو ما يكفي مثله في ذلك البلد غالبًا من القوت والأدم، ولا يعتبر حاله في نفسه فإنه ربما يكون كبيرًا كون اعتاد كثرة الأم: ل وإنما تعتبر عادة مثله.
ومن أصحابنا من قال: إذا كان لا يكفيه قدر الغال واعترف السيد به يلزمه قدر كفايته، كما إذا كان يكفيه أقل من ذلك لا يلزمه الزيادة؛ لأنه لا طريق للعبد إلي تحصيل شيء إلا من جهة كسبه وكسبه لسيده.
قال في "الحاوي" [ق ٢٣٧ أ] إن كانت الزيادة تؤثر في قوته وبدنه يلزمه الزيادة، وإلا فلا يلزم ويعتبر جنس القوت بغالب عرف البلد سواء كان قوت سيده أو دونه أو فوقه، ويلزمه مثله أيضًا، فإن كان ببغداد فالخبز الخشكار، وإن كان بالمدينة فالثمر، وإن كان بخراسان فالبر، وإن كان بطبرستان فالأرز، وإن كانوا في موضوع يقتاتون الشعير فمنه.
ثم تكلم الشافعي علي الخبر في تفسيره المعروف فقال: فعلي مالك المملوك الذكر
[ ١١ / ٥٢٩ ]
(والأثنى) البالغين إذ شغلهما في عمل له أن ينفق عليهما ويكسوهما بالمعروف وذلك نفقة رقيق بلدهما الشبع لأوساط الناس تقوم به أبدانهم من أي طعام كان، وفي هذا اللفظ إشكال، وذلك أنه قيد نفقتها بالعمل فقال: " إذا شغلهما في عمل له أن ينفق عليهما" ومعلوم أن النفقة تجب بالملك ولا يتوقف وجوبها علي الاستخدام. وكذلك الكسوة، فيحتمل أن يكون مقصود الشافعي بهذا التقييد التعليل لا الشرط، فكأنه قال: لما كان السيد بسلطان الملك مسلطًا علي الاستخدام وتكليف العمل كان عليه النفقة والكسوة في مقابلة الملك الذي به ولاية الاستخدام، سواء استخدام أو لم يستخدم ويحتمل معني آخر وهو أنه أراد به الزيادة في النفقة بسبب العمل، وكذلك الكسوة. وبيان هذا أن الرجل إذا كان له مملوك فربما يكلفه عملًا يحتاج ذلك المملوك بسبب ذلك العمل الذي العمل يتكلفه إلي زيادة طعام، وإذا كلفه عملًا في الأسواق ومشاهد الناس، فالعادة أن تكون الكسوة بخلاف كسوته التي يلبسها في داره، فعله أراد بهذا التقييد هذا المعني، وإلي هذا المعني يرجع التقييد بالبلوغ لأن الصغير في العرف والعادة قد يستغني عن بعض ما لا يستغني عنه البالع من كسوة وطعام.
مسألة:
قال: "وَكُسْوَتُهُمْ كَذَلِكَ".
الفصل:
[ق ٢٣٧ ب] إلي أن قال: " وَالجَوارِي إِذَا كَانَتْ لهَنَّ فَرَاهَةٌ وَجمَاَلٌ فَالَمعْروفُ أَنَّهُنًّ يُكْسَيْنَ أَحْسَنَ مِنْ كُسْوَةِ اللَّائِي دُونَهُنَّ".
يلزم السيد أن يكسوهم ما يكتسي العبيد في ذلك البلد، والأولي أن يستوي بين عبيده ولا بفضل كثير الثمن علي قليله فيها، ولا تعتبر كسوة السيد فقد يكون بخيلًا يلبس ثيابًا أدون مما تلبسه العبيد، وقد يكون سخيًا يلبس أحسن الثياب فلا يعتبر ذلك.
وأما الجواري، فإن كن للخدمة يسوي بينهن كالعبيد، وإن كان بعضهن للتسري اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: يسوي بينهن أيضًا كالعبيد، ومنهم من قال: وهو الصحيح المنصوص أنها إذا كانت جمال وفراهة يكسوها أحسن ما يكسو الخادمة، لأن العرف جري بذلك، ولأن للرجل أغراضًا في أن تكون جاريته لفراشه أحسن زيًا وثيابًا من الخادمة لاستمتاعه.
وأعلم أنه يختلف نفقة المملوك والمملوكة وكسوتهما باختلاف في حال السادات في عاداتهم وعسرهم ويسرهم وهو قوله ﷺ: "للملوك طعامه وشرابه بالمعروف".
[ ١١ / ٥٣٠ ]
فإن قيل: أليس قال عبد الله بن عباس ﵁ في المماليك: "أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون" قلنا: بلى قد قاله ابن عباس.
وقد روي هذا اللفظ مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ في حديث أبي ذر وتفسير هذا الكلام ما فسر الشافعي فقال: هذا الكلام بعمل يجوز أن يكون على الجواب فقيل السائل عن مماليكه، وإنما يأكل تمرًا أو شعيرًا أو يلبس صوفًا فقال: "أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون" السائلون عرب ولباس عامتهم وطعامهم خشن أي خشن، ومعاشهم ومعاش رقيقهم متقارب، فأما من خالف معاش السلف والعرب فيأكل رقيق الطعام ويلبس جيد الثياب فلو ساوى رقيقه كان أحسن، وإن لم يفعل فله [ق ٢٣٨ أ] ما قال رسول الله ﷺ نفقته وكسوته بالمعروف، فأما من لبس الوشي أو الخز والمروي وأكل النقي وألوان لحوم الدجاج فهذا بالمعروف للمماليك، وهذا الذي ذكره وجه الجمع بين خبر أبي ذر، وخبر أبي هريرة ﵄.
ثم ذكر خبرًا آخر فقال وقال رسول الله ﷺ: "إذا كفي أحدكم خادمه طعامه حره ودخانه فليدعه فليجلسه معه، فإن أبى فليروغ له لقمة، فيناوله إياها أو يعطيه إياها أو كلمة هذا معناها".
وروى أبو هريرة مثله، وفيه فليناوله أكلة أو أكلتين، وروي: "فإن كان الطعام قليلًا فليضع في يده أكلة أو أكلتين".
ثم تكلم الشافعي على هذا الخبر وعلى احتمالاته فقال: لما قال فليروغ له لقمة كان هذا عندنا والله أعلم على وجهين:
أولاهما: بمعناه أن إجلاسه معه أفضل، فإن لم يفعل فليس بواجب إذا قال ﷺ: "وإلا فليروغ له لقمة" ولو كان إجلاسه واجبًا لم يجعل له أن يروغ له لقمة دون أن يجلسه معه، أو يكون بالخيار بين أن يناوله أو يجلسه، وقد يكون أمر اختيار غير الحتم.
وظاهر هذا الكلام في التنويع مشكل وحقيقة معناه أن الشافعي ﵀ ذكر ثلاثة أنواع من الاحتمال:
أحدها: أن الترويغ واجب، ولو أجلسه معه كان أفضل.
والثاني: أن أحدهما واجب لا بعينه وهو قوله: أو يكون الخيار بين أيدينا وله أن يجلسه.
والثالث: أن الأمر في الإجلاس أو في الترويغ أمر اختيار غير الختم، هكذا ذكره القفال وجماعة، وقال أصحابنا بالعراق: لا خلاف أنه لا يجب واحد منهما وفي المسألة قولان:
أحدهما: وهو المذهب الإجلاس مع نفسه أفضل؛ لأن النبي ﷺ بدأ به، ولأنه إذا أجلسه معه أكمل كفايته وكان ذلك تواضعًا من سيده.
[ ١١ / ٥٣١ ]
والثاني: هو مخير [ق ٢٣٨ ب] بين الإجلاس وبين أن يروغ له اللقمة واللقمتين لأن النبي ﷺ خير بينهما، وقال الزهري: الترويغ أن يرويها له بالدسم والدهن، ويحتمل أن يريد بالترويغ الاختزال فقط.
وقال بعض أصحابنا: هذا الحكم فيمن باشر ذلك؛ لأنه نفس من باشره يتوق إليه أكثر مما تتوق نفس من لم يباشرها.
وقال بعضهم: هذا فيمن يتولى ذلك وفيمن لم يتول ذلك سواء، إلا أن هذا في الذي قولي ذلك أشد استحبابًا، وهذا أجود عندي، والأكلة مضمومة الألف اللقمة والأكلة بفتح الألف المدة الواحدة من الأكل.
وروي في الخبر: "فإن كان الطعام مشفوعًا فليضع في يده أكلة أو أكلتين" والمشفوه القليل، سمي بذلك لكثره الشفاه التي تجتمع على أكله.
ثم قال الشافعي ﵀: وهذا يدل على ما وصفنا من بيان طعام المملوك وطعام سيده بترويغ لقمة المملوك عرفنا أنه ليس من المعروف أن يكون طعام العبد مثل طعام السيد في جميع الحالات، ولكن يختلف باختلاف العادات، وكان الإمام القفال يقرأ من بيان طعام المملوك بكسر الباء ويذهب إلى مصدر المباينة، وهذا حسن لولا الواو في العطف حيث قال من بيان طعام المملوك وطعام سيده، ولو كانت من المباينة لكانت الواو محذوفة لأنك تقول هذا الشيء يباين هذا الشيء أو تقول مباينة الشيء الشيء.
ثم قال الشافعي ﵀: والمملوك الذي يلي طعام الرجل مخالف عندي المملوك الذي لا يلي طعامه، وينبغي أن يناوله منهما تقر إليه ولو لقمة، فإن المعروف أن لا يأكل طعامًا قد ولي العمل فيه، ثم يناوله منه شيئًا يرد به شهوة، وأقل ما يرد به شهوته لقمة وغيره من المماليك لم يله ولم يره والسنة خصت هذا من المماليك دون غيره.
ثم أورد الشافعي من القرآن العظيم مثالًا [ق ٢٣٩ أ] بتخصيص هذا المملوك دون غيره.
فقال: وفي القرآن ما يدل على ما يوافق بعض معاني هذا، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨] ولم يقل يرزق مثلهم ممن لم يحضر، وقيل: ذلك في المواريث وغيرها من الغنائم وهذا أحب إليّ، ويعطون ما طابت به نفس المعطي بلا توقيت، ولا يحرمون، فحصل من هذا المثال أن المساكين أو القربى أو اليتامى إذا حضروا مجلس القسمة، والورثة يقتسمون المواريث، أو كان الغانمون يقتسمون الغنائم، فالمستحب أن يعطي من حضر وذلك المقدار غير مقدر.
ثم رجع الشافعي إلى تفسير قوله ﷺ: "لا يكلف من العمل ما لا يطيق والذي رويناه في خبر أبي ذر ﵁ فقال: ومعنى ذلك والله أعلم ما يطيق الدوام عليه لا
[ ١١ / ٥٣٢ ]
ما لا يطيق يومًا أو يومين أو ثلاثة ونحو ذلك ثم يعجز، وجملة ذلك ما لا يضر ببدنه الضرر البين، وهذا لأنه إن كان يمشي يومًا أو يومين في كل خمسين ميلًا ففي اليوم الثالث يعجز فلا يقدر على ذلك فيكلفه ما يطيق الدوام عليه، فإن كان سفرًا ركب عقبه ومشى عقبه، فإن كان لا ينام راكبًا تركه حتى ينام في المنزل، وإن كان الليل طويلًا أمره بالعمل في طرفي الليل، وإن كان قصيرًا أمكن من القيلولة في النهار.
ثم قال: "فإن عمي أو زمن أنفق عليه" وقد ذكرنا ذلك، وهذا لأن سبب النفقة الملك والحاجة، وقد وجدا.
فرع:
إذا دفع إلى عبده طعامًا، ثم أراد السيد أن يبدله بغيره في وقت أكله لم يجز، وإن كان قبله جاز لتعيين حقه فيه عند الأكل،
فرع آخر:
لو قال الحاكم لعبد رجل غائب استدان [ق ٢٣٩ ب] وأنفق على نفسك فذلك دين على السيد ونحو ذلك.
مسألة:
"وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرْضِعَ الأَمَةَ غَيْرَ وَلَدِهَا".
الفصل:
إن كان لأمته ولد من زوج أو زنى فإنه مملوك له، فإن أراد السيد أن يسترضعها ولدًا آخر نظر، فإن كان لا يفضل عن ري ولدها لبن لم يكن ذلك؛ لأنه ليس له أن يعطي مملوكه بعض الكفاية، فإذا استرضعها ولدًا آخر حصل لولدها من اللبن بما لا يكفيه، وإن كان لها لبن يفضل عن ريه، لاستغناء ولدها ببعض الطعام عن شرب لبن كثيرًا ولقلة شربه وغزارة لبنها فله ذلك بأجرة وغير أجرة لأنه لا ضرر على ولدها فيه.
قال أصحابنا: وحكم الأمة في الرضاع مخالف حكم الزوجة لأن أحد الزوجين إذا أراد الفطام قبل الحولين فللآخران لا يرضي، وإذا بلغ الولد الحولين فلكل واحد الفطام.
وأما في الأمة فالحكم للسيد، فإن قال لها: أرضعي الولد بعد الحولين يلزمها إذا لم يكن عليها ضرر، وإن قال: أفطمي قبل الحولين فعليها ذلك إذا لم يكن على الولد ضرر.
[ ١١ / ٥٣٣ ]
مسألة:
قَالَ: "وَيَمْنَعُهُ الإِمَامُ أَنْ يَجْعَلَ عَلَى أَمَتِهِ خَرَاجًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي عَمَلٍ وَاجِبٍ".
معنى الخراج أن يقول لعبده أو أمته: اكتسب لنفسك وأعطني كل يوم شيئًا معلومًا وأنفق الباقي على نفسك فهذا ينظر فيه، فإن طلب العبد أو الأمة ذلك لم يجب على السيد أن يجيبه إلى ذلك، وإن طلب السيد لم يجب على العبد أن يجيبه إلى ذلك؛ لأن منفعته لسيده فلا يلزمه أن يشتري ماله منه بماله، فإن تراضينا على الخراج نظر، فإن كان كسبه يفي بنفقته وخراجه جميعًا جاز، وإن كان يزيد عليهما كانت الزيادة للعبد؛ لأن السيد رضي بمقدر الخراج وجعل الباقي له، فكانت الزيادة برًا من جهة السيد للعبد، وله أن يدفع إليه أكثر من حاجته لنفقته وإن كان كسبه يعجز عنهما [ق ٢٤٠ أ]. قال الشافعي للإمام أن يمنعه من ذلك؛ لأنه إذا كان كسبه يعجز عنه يسرق العبد وتزني الأمة.
وروي عن عثمان ﵁ أنه قال في خطبته: لا تكلفوا الأمة غير ذات الصنعة بالكسب فإنكم متى كلفتموها الكسب كسبت بفرجها، ولا تكلفوا الصغير الكسب فإنه إن لم يجد سرق، وعفوا إذا عفكم الله وعليكم من المطاعم بما طاب منها.
وقوله: إلا أن يكون في عمل وأصيب: يعني دائم من الخياطة ونحوها فيقدر حينئذٍ على أداء ذلك الخراج وأما الولد في ذلك كالأمة.