قال: قال الله تعالى:؟ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا؟ [النساء: ٣]، أي لا يكثر من تعولون.
الأصل في نفقة الزوجات الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله:؟فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا [النساء: ٣] فلولا أن النفقة واجبة عليه لهن ما ندبه إلى واحدة حذرًا من المؤنة. وأيضا قوله تعالى:؟وعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقوله تعالى:؟لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ [الطلاق: ٧]، قُدِرَ [طه: ٤٠] أي ضيق.
وأما السنة فما روى أبو هريرة ﵁ أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ [ق ١٧٧ ب] فقال: يا رسول الله معي دينار فقال: أنفقه على نفسك فقال: معي آخر، فقال: أنفقه على ولدك، فقال: معي آخر فقال: أنفقه على أهلك فقال: معي آخر، فقال: أنفقه على خادمك فقال: معي آخر، فقال: أنت أعلم به، وروي: أنفقه في سبيل الله.
وروي أنه قال: «أنت أبصر» وروي أنه قدم الأهل، ثم قال: «أنفقه على ولدك» والرواية الأولى أصح.
وقال سعيد بن أبي سعيد المقبري: كان أبو هريرة إذا حدث بهذا الحديث يقول: ولدك، يقول: أنفق علي إلى أن تكلني، ويقول زوجك: أنفق علي أو طلقني، ويقول خادمك: أ، فق علي أو بعني، وكان يقول: هذا من كيسي فذكر فيه جميع الجهات التي يستحق بها النفقة وهي الزوجة والقرابة والملك ولكن النفقة تجب في النكاح من جانب واحد فإنه يجب نفقتها على الزوج ولا تجب نفقته عليها وكذلك في الملك تجب للمملوك على المالك ولا تجب للمالك على المملوك وفي القرابة يتصور من الجانبين على البدل فإنها تجب للابن على الأب، وللأب على الابن.
وأيضًا ما روت عائشة ﵂، قالت: جاءت هند أم معاوية إلى رسول الله ﷺ فقالت: إن أبا سفيان رجل شحيح وأنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما
[ ١١ / ٤٤٠ ]
أخذت منه سرًا وهو لا يعلم فهل علي في ذلك من شيء فقال لها النبي ﷺ: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" فدل هذا على وجوب نفقة الزوجة والأولاد، وفي هذا الخبر فوائد:
أحدهما: ما ذكرنا.
والثاني: أنه يجوز للمرأة أن تخرج من بيتها لحاجة وتستفتي العلماء فيما يعرض لها.
والثالث: أن صوتها ليس بعورة، لأن النبي ﷺ سمع كلامها [ث ١٧٨ أ] وأجابها.
والرابع: أن للإنسان أن يذكر ما في غيره من عيب عند الحاجة فإنها قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح ولم ينكر عيبها.
والخامس: أن للحاكم أن يحكم بعلمه فإنه لم يطالبها بالبينة ومن قال: لا يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه قال: هذا ذكر على سبيل الفتوى لا على الحكم.
والسادس: أنه قضى على الغائب وعندما يجوز ذلك خلافًا لأبي حنيفة وقيل: وهو الأشبه هذا لم يكن قصًا بل كان فتوى لأنه لم ينقل أن أبا سفيان كان غائبًا عن البلد ولم يسبق الدعوى وإقامة الحجة.
والسابع: أنه يجوز لمن له حق على غيره فمنعه من أن يأخذ من ماله بغير علمه.
والثامن: انه يجوز أن يأخذ من جنس حقه ومن غيره، لأن النبي ﷺ لم يفصل ذلك عليها.
والتاسع: أن النفقة لها ولولدها تنفق بالمعروف.
والعاشر: أن نفقة الولد على الأب دون الأم.
والحادي عشر: أن الأم الرشيدة قيمة ولدها.
وقد اختلف أصحابنا في هذا وظاهر المذهب أنها لا تلي ذلك من غير تولية ولكن الأصح ما ذكره الإمام الجويني صاحب المنهاج وأنا أفتي به لأن النبي ﷺ أمر هندًا بأن تأخذ من مال أبي سفيان وتنفق على صغار ولدها منه.
فإن قيل: من جعل الأم قيمًا يجعلها فيما بعد موت الأب فكيف يحتج بخبر هند وأبو سفيان، يومئذٍ حي، قيل: إذا أجاز لها رسول الله ﷺ أن تأخذ عند امتناع أبي سفيان وشحة ماله وتنفق وتقوم بمصلحة الأولاد التي لا يقوم بها أبوهم [ق ١٧٨ ب] استنبطنا من ذلك جواز قيامها بعد وفاة الأب.
فإن قيل: إنما جاز لهند القيام بنصب رسول الله ﷺ إياها لا بمعنى الأمومة. قلنا: الظاهر من كلام رسول الله ﷺ أنه قصد الفتوى على ما ذكرنا. وأيضًا روي عن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه، قال: أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في المبيت فدل على وجوب النفقة والكسوة لها، وفي قوله: ولا تضرب الوجه دليل على
[ ١١ / ٤٤١ ]
جواز ضربها على غير الوجه، وقد نهى رسول الله ﷺ عن ضرب الوجه نهيًا عامًا في الآدمي والبهيمة، وقوله: ولا تقبح معناه لا يسمعها المكروه ولا تشتمها بأن تقول: قبحك الله ونحو ذلك.
وقوله: ولا تهجر إلا في المبيت أي لا تهجرها إلا في المضجع ولا تتحول عنها أو تحول إلى دار أخرى.
وأيضًا روى عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ أنه قال: "كفي بالمرء إنما أن يضيع من يعول".
وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين فيه، وفيه ضرب من العبرة وهو أن المرأة محبوسة عن الزوج بمنعها من التصرف والأسباب فلا بد من أن ينفق عليها كالعبد مع سيده.
فإذا تقرر هذا فاعلم أن خبر أي سريره دليل على أن نفقة الرجل على نفسه مقدمة على نفقة زوجته وولده وخادمه، وأن نفقة ولده مقدمة على نفقة زوجته، وأن نفقة الزوجة مقدمة على نفقة الخادم في ظاهر الخبر إشكال [ق ١٧٩ أ] وهو أن يوهم أنه إذا أنفق على نفسه دينارًا لزمه أن ينفق بما فضل عن الدينار على زوجته وليس كذلك بل إذا ملك دنانير ونفقته تستغرقها لم يلزمه نفقة ولده، والقص من سؤال القائل وجواب رسول الله ﷺ مراتب النفقات لا مقاديرها. ثم اعلم أن إسماعيل بن إسحاق القاضي المالكي اعترض على الشافعي فقال ما قاله من التفسير في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] غلط ومعناه أي لا تجوروا بترك القسم بينهن والميل إلى بعضهن.
والدليل عليه قول الشاعر:
وميزان قسط لا يحيف شعيرة ووزان عدل وزنه غير مائل
يعنى: غير جائز، قلنا: الغلط ما قلت يقال عال يعول إذا فات.
وقال ﷺ: "خير الصدقة عن ظهر غنى وليبدأ أحدكم بمن يعول" يريد بمن يموت.
وقد روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قرأ ذلك: أدنى ألا تعولوا أي لا يكثر من تعولون. وقال الكسائي: سمعت العرب تقول: عال يعول. معناه: كثر عياله وأعال إذا كثر عياله وأعال في كلامهم أكثر.
وروي عن زيد بن أسلم مولى عمر ﵁ أنه فسره بذلك فاتبع الشافعي فيه الأثر، وروي عن ثعلب مثل ما ذكرنا عن الكسائي.
مسألة:
قَالَ: "أَنْ يَقْتَصِرَ الرَّجُلُ عَلَى وَاحِدَةٍ".
[ ١١ / ٤٤٢ ]
الفصل:
إنما استحب الشافعي الاقتصار على امرأة واحدة ليكون أسلم لدينه وأبعد من الغرور فربما يقع فيما لا يمكن القيام بواجبه من النفقة والكسوة والقسم.
وقال ابن داود، وطائفة من أهل الظاهر الأولى [ق ١٧٩ ب] أن يستكمل نكاح الأربع إذا قدر على القيام بها ولا يقتصر على واحدة؛ لأن النبي ﷺ مات عن تسع نسوة، وقال ﷺ: "تناكحوا تكاثروا" وهذا غلط لأن النبي ﷺ كان معصومًا من الميل والجور، وتضييع الحقوق بخلاف الأمة. وأما قوله: "تناكحوا تكاثروا" إنما ندب على الاستكثار من النسل وذلك لا يتعلق بكثرة النساء، فقد يولد للرجل من المرأة الواحدة عدة أولاد ولا يولد من النسوة مثل ذلك.
وقال صاحب "الحاوي" أولى المذهبين عندي اعتبار حال الزوج، فإن كان ممن لا تقنعه الواحدة لقوة شهوته وكثرة جماعه فالأولى أن ينتهي إلى العدد المقنع من اثنتين أو ثلاثة أو أربع ليكون أغض لطرفه وأعف لفرجه إن كان يقنعه الواحدة فالأولى أن لا يزيد عليها وهذا حسن.
مسألة:
قَالَ: "وَفِي القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ بَيَانُ أَنَّ عَلَى الرَّجُلِ مَا لَا غِنَى بامْرَأَتِهِ عَنْهُ مِنْ نَفَقَةٍ وَكُسْوَةٍ وَخِدْمَةٍ".
الفصل:
جملته أن على الرجل نفقة امرأته وكسوتها على ما يجيء بيانه فيما بعد إن شاء الله. وأما الخادم فإن كان مثلها مخدومه في العادة لفضلها وجلالتها فعليه إخدامها، وإن كان مثلها لا يخدم لخساسها وضعه نسبها فليس عليه إخدامها بل يخدم نفسها والمرجع في هذا إلى العرف والعادة ولا يعتبر ما ترتب المرأة نفسها به، فإن كانت دنية فكبرت لم يجب عليه إخدامها، وإن كانت جليلة فتواضعت وخدمت نفسها لم يسقط إخدامها متى طلبته، فإن مرضت أو زمنت واحتاجت إلى من يخدمها وجب عليه إخدامها دنية كانت أو جليلة كما إذا كان له ابن صغير يلزمه نفقته، وأن يخدمه خادمًا، وقيل: يعتبر من كون المرأة مخدومة عرف الشرع وعرف البلد [ق ١٨٠ أ] فإن عادة أهل مصر الاستخدام وعادة أهل السواد أن يخدموا ولا يستخدموا.
وقال داود: لا يجب إخدامها لما روي أن فاطمة ﵂ طلب من علي ﵁ جارية فقال لها: اطلبي من أبيك ﷺ فطلبت فلم يعطيها، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] وهذا من المعروف، ولأن الخدمة من جملة
[ ١١ / ٤٤٣ ]
كفايتها فأشبه الإدام.
وأما خبر فاطمة ﵂، قلنا كان زوجها في ذلك الوقت معسرًا وإنما يجب ذلك على الموسر.
واعلم أن الشافعي قبل إيجاب الخدمة ونفقتها وكسوتها بحالة زمانة الزوجة ومرضها، فقال: وخدمة في الحال التي لا تقدر على ما لإصلاح بدنها من زمانة ومرض إلا به، فأوهم أن الزوجة إذا كانت صحيحة البدن ليست بها زمانة ولا مرض فليس على الزوج أن يعطيها نفقة الخادمة.
ثم قال المزني: قال الشافعي في كتاب عشرة النساء أن يكون عليه لخادمها نفقة إذا كانت ممن لا تخدم نفسها، وقال في كتاب العشرة أيضًا: إذا لم يكن لها خادم فلا يتبين أن يعطيها خادمًا ولكن يجبر على من يصنع لها الطعام الذي لا تصنعه هي ويدخل عليها ما لا تخرج لإدخاله من الماء وما يصلحها وما يجاوز به ذلك.
ثم قال: قد أوجب لها في موضع من هذا الكتاب نفقة خادم، وقال في كتاب النكاح: إملاءً على مسائل مالك والمجموعة، وقاله في كتاب النفقة، وهو أولى بقوله لأنه لم يختلف قوله أن عليه أن يزكي عن خادمتها فكذلك ينفق عليها، ومما يؤكد ذلك ولو أراد أن تخرج عنها أكثر من واحدة أخرجهم فتوهم المزني أن للشافعي قولين في وجوب نفقة الخادمة واختار لنفسه الإيجاب على أصل الشافعي.
واحتج بزكاة الفطر كما ترى فقال للمزني بهذا الجواب [ق ١٨٠ ب] يزول الإشكال والوهم، وأن نفقة الخادم واجبة إذا كانت مخدومة في عشيرتها ولهذا أوجب زكاة الفطر عنها على الزوج، وقد علمت أنها المزني أن زكاة الفطر تابعة للنفقة فلو اختلف قوله في وجوب نفقتها لاختلف قوله في وجوب زكاة الفطر عنها، وقد ذكرت أن قوله لم يختلف في وجوب زكاة الفطر عنها فكيف توهمت اختلاف قوله في وجوب نفقتها.
وأما تقييد الشافعي في كلامه بالمرض والزمان يحتمل معنيين:
أحدهما: أنه نص على أظهر الحالين من وجوب نفقة الخادم في حال صحة الزوجة وكثيرًا بنص الشافعي على أظهر الصورتين ولا يقصد الفرق بين الصورتين.
والثاني: أنها إذا كانت مريضة أو زمنة يحتاج إلى زيادة الخدمة ويستغني عن ذلك في زمان الصحة فأراد أن يبين وجوب المونة على الزوج في الخدمة لأنا، إن كنا لا نوجب على الزوج أجر طبيب ولا حجام فإنا نوجب عليه النفقة المعتادة في حالتي المرض والصحة أو قيل بحالة المرض تسوية بين المعسر والموسر، فإن امرأة المعسر في حالة المرض يستحق الخادمة أيضًا.
وأما قوله في كتاب عشرة النساء: "يحتمل أن يكون عليه لخادمها نفقة فليس في ذلك تعليق القول.
وقد ذكر الشافعي لفظ الاحتمال في مواضع ولم يقصد تعليق القول وكذلك قال في
[ ١١ / ٤٤٤ ]
مسائل كثيرة: ولا يتبين لي كذا وكذا ولم يقصد به القولين في المسألة، وقيل: أراد ويحتمل الكتاب والسنة أن يكون فيها دليل على وجوبها وإنما قال الشافعي عليه نفقة خادمها، إذا كانت مثلها تخدم والذي قال: لا نفقة عليها لخادمها أراد إذا كانت لا يخدم مثلها وزكاة الفطر على هذا أيضًا ولا فرق بينهما.
فرع:
كل موضع أوجبنا لها الإخدام [ق ١٨١ أ] لا يزاد على خادم واحد لأن فيه كفاية في خدمة نفسها ولا تجب على الزوج إقامة من يحفظ مالها ويقوم بحملها، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، وقال مالك: إذا كانت ممن يخدم في بيت أبيها بخادمين أو أكثر وجب لها لأنها تحتاج إلى ذلك وهذا غلط لقوله ﷺ خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف والمعروف خادم واحد، ولأن الزيادة على الواحد ما يحتاج إليه لمالها فلا يلزمه القيام به ولهذا لا يلزمه زكاة مالها ويلزمه زكاة بدنها ولا يفتقر هذا الحكم بفقر الزوج وغنائه إلا إذا كان فقيرًا ينفق نفقة المعسرين عليها وعلى خادمها.
فرع آخر:
قال أبو إسحاق: الزوج بالخيار بين أربعة أشياء: إما أن يشتري لها خادمًا ينفق عليه ويزكي عنه، أو يستأجر لها خادمًا ينفق عليه ولا يزكي عنه، أو يكون لها خادم، وقد رضيت خدمته وهي تريده فيلزم الزوج أن ينفق عليه ويزكي عنه، أو يخدمها بنفسه.
ومن أصحابنا من قال: هو بالخيار من ثلاثة أشياء وهي ما ذكرناها أولًا فأما إذا أراد أن يخدمها بنفسه فإن رضيت فله ذلك، وإن كرهت خدمته وجب عليه أن يخدمها بغيره؛ لأن العادة أن المرأة تحتشم استخدام زوجها فتكون ضرر عليها، والأول أصح ولا يلزمه أن يملكها خادمًا بلا خلاف.
وقال القفال إذا قال: أخدمك بنفسي وأقوم بما لا تصنعين من كنس البيت وغسل الثياب واستبقاء البيت وغير ذلك فله ذلك إلا في أمور تحتشم من استخدامه مثل حمل الماء إلى المستحم وصب الماء على اليد للغسيل ونحو ذلك مما يرجع إلى خدمة نفسها فلها الامتناع لأنها تستحي من استخدامه في مثل ذلك، وهذا حسن لم يقله غيره.
فرع آخر:
لو قالت: أنا أخدم نفسي فأعطني أجرة الخادم لم يلزمه ذلك لأنها إذا لم تختر أن تترفه بخدمة غيرها ورضيت بتحمل المشقة سقط حقها [ق ١٨١ ب] ولم تستحق العوض كما تقول في العامل في مال المضاربة له أن يبدل الأجرة للحمال والثقال والمنادي ولا يلزمه أن يتولى ذلك بنفسه، فإن رضي يتحمل المشقة وعمل ذلك بنفسه لم يجز له أن يأخذ من المال أجرته كذلك ههنا.
[ ١١ / ٤٤٥ ]
فرع آخر:
ينبغي أن يخدمها في جوف دارها النساء أو محرمها أو صبي لم يحتلم، وأما الشيخ الهم ومملوكها وجهان بناء على الوجهين في عورتها معهما.
فرع آخر:
لو أراد أن يستخدم لها من خالف دينها من اليهود والنصارى فيه وجهان:
قال أبو إسحاق: يجوز لحصول الخدمة بهم ولأنهم ربما كانوا أذل نفوسًا وأسرع في الخدمة، وقال غيره: لا يجوز، لأن النفوس ربما تعاف استخدامهم وربما لم يؤمنوا العداوة الذين، ولو قيل: يجوز أن يقوموا بالخدمة الخارجة دون الداخلة كان وجهًا.
فرع آخر:
لو اختارت امرأة لخدمتها واختار الزوج غيرها فيه وجهان:
أحدهما: الخيار لها، لأن الخدمة حق لها وربما كانت التي تطلبها أقوم بخدمتها.
والثاني: الخيار إلى الزوج لأن عليه الإخدام فلا يتعين عليه الجهة نفقتها ولأنه قد يتهم من تختاره المرأة فكان الاختيار إليه.
فرع آخر:
لو كانت عندهم خادمة حرة أو مملوكة لها فأراد الزوج إخراجها وإبدالها بغيرها فليس له ذلك إذا لم يكن بها عيب أو ظهرت بها خيانة توجب ذلك لأنا لو ملكناه من ذلك فكلما ألفت خادمًا واعتادت خدمتها أبدلها فيلحقها ضرر فيه، ولو كان لها غلام له أن يخرج عنها أكثر من واحدة فيقول: لا أدعهن في بيتي وكذلك لو كان لها مال في بيته له أن يكلفها إخراجه من بيته بغير أمره فله أن يكلفها إخراجه من بيته، ذكره القفال وهو حسن صحيح.
مسألة:
قَالَ: "وَيُنْفِقُ المُكَاتَبُ عَلَى وَلَدِهِ مِنْ أَمَتِهِ".
[ق ١٨٢ أ] صورة المسألة أن يشتري لها كانت جارية للتجارة، وقلنا له: أيطأها لأنه ليس له أن يطأ الأمة تملك اليمين أذن السيد أو لم يأذن في أصح القولين فخالف ووطئها وأولدها لا يجب الحدّ عليه لشبهة الملك ويلحق به النسب ويكون الولد مملوكًا له فيلزمه أن ينفق عليه معنيين:
أحدهما: أنه مملوك له ويلزمه أن ينفق على مماليكه الذين اشتراهم كذلك على هذا.
[ ١١ / ٤٤٦ ]
والثاني: أنه ليس له الإنفاق عليه تعزيرها في يده من المال لأنه لا يخلو إما أن يعتق أو يرق، فإن عتق المال الذي في يده له، وقد أنفق منه على ولده، وإن عجز ورق فهو وولده مملوكًا للسيد وما في يده من المال ملك السيد فكأنه أنفق من مال السيد على عبيده فلم يكن فيه تعزي ربه.
فرع:
لو وهب للكاتب أبوه أو ابنه وهما كسوبان فله أن يقبل، فإن كان زمنًا أو غير كسوب أو الولد صغيرًا فليس له أن يقبل فإن اتهب ابنه الكسوب فمرض فعليه أن ينفق من مال الكتابة كما لو مرض المكاتب بنفسه أنفق على نفسه من ذلك. ذكره القفال.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَانَتْ امْرَأَتُهُ مُكَاتَبَةٍ وَلَيْسَ كِتَابُهُمَا وَاحِدَةً وَلَا مَوْلَاهُمَا وَاحِدًا وَوَلَدَ لَهُ فِي الكِتَابَةِ أَوْلَادٌ فَنَفَقَتَهُمْ عَلَى الأُمِّ".
الفصل:
جملة هذا أن المكاتب يلزمه أنه ينفق على ولده من أمته على ما ذكرنا، فأما ولده من زوجته فلا يلزمه أن ينفق عليه سواء كان من الحرة أو الأمة أو من المكاتبة وإنما قلنا إنه لا ينفق على ولده من امرأته الحرة، لأن الولد حر فلو أوجبنا عليه الإنفاق كان ذلك نفقة الأقارب وذلك يجب على طريق المواساة وليس المكاتب من أهل المواساة وأيضًا فإنها تجب على المؤسر والمكاتب معسر لأن ما في يده من المال يتعلق به [ق ١٨٢ ب] حق السيد حتى يؤدي على ما عليه ويعتق، وأما ولده من امرأته فلا يلزمه أن ينفق عليه لهذين المعنيين، وأيضًا فإن ولده منهما مملوك لغيره إن عجز كان المال للسيد فيكون قد أنفق منه على غير مملوكه والمكاتب ممنوع من التعزير بالمال.
فإن قيل: أليس فيه أن ينفق على زوجته مما في يده فما الفرق قيل: الفرق أن نفقة الزوجة طريقها المعاوضة والمكاتب في المعاوضة كالحر وليس كذلك نفقة الولد لأنها مواساة وليس المكاتب من أهل المواساة مما في يده.
فإذا تقرر أن المكاتب لا ينفق عليه فإن كان ولد حرة وجب على الأم أن تنفق عليه لأن الأب إذا لم يتحملها وجب على الأم تحملها، وإن كانت أمة مملوكة لغير سيده فنفقته على سيد الأمة لأنه مملوك له، وإن كانت أمة مكاتبة لغير السيد فيه قولان:
أحدهما: أنه مملوك للسيد فيلزمه أن ينفق عليه.
[ ١١ / ٤٤٧ ]
والثاني: أنه موقوف على عتق الأم ورقها فعلى هذا هل تجب النفقة على السيد أو المكاتبة قولان:
أحدهما: تجب على السيد لأنه لما لزمه أن ينفق على ولد أم ولده فكذلك يلزمه على ولد مكاتبته.
والثاني: يجب على المكاتبة لأن نفقة نفسها لما وجبت عليها فكذلك نفقة ولدها وليس كذلك أم الولد، قال نفقتها على سيدها فكذلك تنفقه ولدها وهذا أصح، وإن كانت أمة مملوكة لسيده لا يلزمه أن ينفق عليه لما ذكرنا فإن أحب أن ينفق عليه كان له لأنه ليس فيه تعزير بما في يده من المال لأنه إن عجز رق وكان المال لسيده وهو وولده مملوكان له فيكون قد أنفق من ماله [ق ١٨٣ أ] على مملوكه، وإن عتق يكون المال له فكأنه أنفق على ولده الحر من مال نفسه ولهذا اشترط الشافعي أن لا يكون مولاهما واحد فإنه لا يجوز الإنفاق عليه هناك كما لا يجب وههنا يجوز، وإن لم يجب.
وأما قوله: وليس كتابتهما واحدة إنما ذكر لأن كتابة عبد ربه في عقدة واحدة فوجب بلأن العقدين، وإذا كانت الكتابة فاسدة فلا يكون الولد تابعًا فيها فأراد أن يعبر عن الكتابة الصحيحة، وقيل: قصد به الرد على مالك فإنه قال: إذا كانت كتابتهما واحدة ومولاهما واحد ملزم النفقة على الأب، ولم يذكر الشافعي هذا على وجه الشرط على مذهبه، وهذا لأن الولد تبع الأم في الحرية والرق سواء كانت الكتابة واحدة أو لم تكن الكتابة واحدة.
مسألة:
قَالَ: "وَلَيْسَ عَلَى العَبْدَ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى وَلَدِهِ مِنْ امْرَأَةٍ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ".
العبد القن أضعف حالًا من المكاتب وقد ثبت أن المكاتب لا يلزمه نفقة ولده من امرأته فالعبد أولى وحكم نفقة الولد على من تجب على ما ذكرنا إذا كانت المرأة حرة أو أمة للغير.